حجة الله البالغة

الدهلوي، شاه ولي الله

الكتاب: حجة الله البالغة
المؤلف: أحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين بن معظم بن منصور المعروف بـ «الشاه ولي الله الدهلوي» (المتوفى: 1176هـ)
المحقق: السيد سابق
الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1426 هـ - 2005م
عدد المجلدات: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عن المؤلف

الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ «ولي الله الدهلوي» (1114 - 1176 هـ)

كتب مصباح الله عبد الباقي ( أستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية، إسلام أباد.)
هو مسند الهند، الإمام المجدد أحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين بن معظم بن منصور بن أحمد بن محمود بن قوام الدين (المعروف بالقاضي قادن) بن القاضي قاسم بن القاضي كبير (المعروف بقاضي بده) بن عبد الملك بن قطب الدين بن كمال الدين بن شمس الدين، المعروف بالشاه ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي. وذكرت مصادر ترجمته اسما آخر، وهو قطب الدين، وقد سمى نفسه في أغلب كتبه بولي الله بن عبد الرحيم، وهو لقبه، وأحمد اسمه الأول، واسمه التاريخي عظيم الدين، ويكنى بأبي محمد، وذكر بعض من ترجم له أنه كان يكنى كذلك بأبي العزيز.

نسبه وسيرته الذاتية
ذكر الشاه ولي الله في أغلب تصانيفه أن سلسلة نسبه تصل إلى عمر بن الخطاب، وصرح أن نسبه يصل إلى عمر رضي الله عنه باثنتين وثلاثين واسطة، وقد نقد البعض هذه السلسلة بأنه لم يوجد من بين أولاد عبد الله بن عمر بن الخطاب رجل اسمه "محمد" الذي ورد اسمه في سلسلة نسبه، وقد روى الإمام هذه السلسلة ونقلها ولم يتأكد من صحتها ولم يدرسها.

أسرة الإمام ولي الله الدهلوي أسرة علم وفضل، تذكر كتب التراجم أن مناصب الإفتاء والقضاء كانت مختصة بهذه الأسرة من القرن السادس الهجري بعد هجرة جده الأعلى المفتي شمس الدين إلى الهند واستقراره في منطقة روهتك.

والده هو الشيخ عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين،كان من معاصري السلطان أونك زيب عالم كير (السلطان المغولي الشهير)، شارك لفترة في مشروع تقنين الفقه الإسلامي، والذي ظهر بعد ذلك في صورة الفتاوى العالمكيرية أو الفتاوى الهندية، ثم ترك هذا العمل بتوجيه من شيخه، وكان من المبرزين في العلوم العقلية والنقلية، وكان حنفيا من أهل الطريقة النقشبندية، وقد جمع ابنه الشاه أهل الله -شقيق الشاه ولي الله- مكاتيبه وأحاديثه العرفانية في كتاب سماه "أنفاس رحيمية".

ولد الشيخ ولي الله يوم الأربعاء لأربعة خلت من شوال عام 1114هـ/1703 م في قرية بهلت بمديرية مظفر نكر، الهندية، وكان ذلك قبل وفاة السلطان عالمكير بأربع سنوات، ويعني هذا أن الشيخ عاش في فترة ضعف الدولة المغولية الهندية وشيخوختها.

وتلقى الشيخ ولي الله العلوم الابتدائية من والده الشيخ عبد الرحيم الذي كان مديرا لمدرسة كانت تسمى المدرسة الرحيمية، دخل الكتّاب في الخامسة من عمره، وأكمل القرآن الكريم في السابعة، وأكمل دراسته للعلوم الابتدائية وهو ابن عشر سنوات. كان يدرس كتاب "شرح الملا جامي على كتاب الكافية" لابن الحاجب، ولما بلغ أربع عشرة سنة درس الجزء المقرر من "تفسير البيضاوي"، وتزوج في نفس السنة، وأكمل التحصيل العلمي، وبايع والده في سن الخامسة عشرة على الطريقة النقشبندية. وكان الشيخ ولي الله الدهلوي ذكيا مفرطا في الذكاء، جيد الحفظ، ومن هنا تمكن من إكمال الدراسة في هذا العمر المبكر، يقول ابنه الشاه عبد العزيز عنه: "ما رأيت أحدا أقوى ذاكرة من والدي".

أما المنهج الدراسي الذي درسه الشيخ وتخرج عليه فكان بسيطا جدا، فقد -حسب ما ذكره بنفسه- درس في كل فن كتبا معينة على التفصيل التالي:

- التفسير: "مدارك التنزيل"، وأجزاء من "تفسير البيضاوي".

- الحديث: "مشكاة المصابيح" كاملا -باستثناء من كتاب البيوع إلى كتاب الأدب-، و"صحيح البخاري" -من البداية إلى كتاب الطهارة-، و"شمائل النبي صلى الله عليه وسلم" للترمذي.

- الفقه: "شرح الوقاية والهداية" للمرغيناني كله -إلا القليل منه-.

- أصول الفقه: "الحسامي"، و"التوضيح والتلويح" -بعض أجزائه-.

- المنطق والفلسفة: "شرح الرسالة الشمسية"، و"شرح المطالع"، و"شرح هداية الحكمة" -الميبذي-.

- علم الكلام: "شرح العقائد النسفية" للتفتازاني مع حاشيته للخيالي، و"شرح المواقف".

- التصوف: "عوارف المعارف" -بعض أجزائه- "الرسائل النقشبندية"، و"شرح رباعيات الملا جامي"، و"اللوائح"، و"مقدمة شرح اللمعات"، و"مقدمة نقد الفصوص".

- الطب: "موجز القانون".

- النحو: "الكافية"، و"شرح الملا عبد الرحمن الجامي على الكافية".

- البلاغة: "مختصر المعاني"، و"المطول"، شرحان لـ"تلخيص المفتاح" للتفتازاني.

- الرياضي: بعض الرسائل المختصرة.

- خواص الأسماء والآيات: استفاد من والده في ذلك مباشرة.

ولم يكتف الشيخ بهذه الدراسة المنهجية فقط، بل كان يقرأ كتبا خارج المنهج، وكان يتدبر كتاب الله عز وجل، يقول في هذا الصدد: "حضرت في خدمة الوالد في المدرسة عدة مرات بعد التدبر في أسباب النزول، والتفكر في معاني القرآن، وبعد قراءة التفاسير، وكان هذا المنهج سبب فتح عظيم لي".

ولما توفي والده الشيخ عبد الرحيم عام 1131هـ كان عمره سبعة عشر عاما، فتولى منصب التدريس في المدرسة الرحيمية، واستمر فيه اثني عشر عاما كاملا، وفي هذه الفترة وجد الفرصة لقراءة الكتب ومطالعتها بنهم كبير، فتوسعت آفاق معرفته، ونضج إدراكه وفهمه، وتحددت لديه في هذه الفترة معالم منهجه العلمي القادم، يقول الشيخ في هذا: "بعد الاطلاع على كتب المذاهب الفقهية الأربعة في الفقه وأصول الفقه والنظر في الأحاديث التي يستدلون بها اطمأن القلب -بمساعدة النور الغيبي- لمنهج الفقهاء والمحدثين". وهذا يعني أنه قرر أن يسلك مسلك الفقهاء والمحدثين في عملية الإصلاح والتجديد، وليس منهج العقلانيين من أهل العلوم العقلية وغيرهم.

وفي أواخر عام 1143هـ سافر لأداء فريضة الحج، وبعد أدائها زار المدينة المنورة، وقرر أخذ الحديث عن علماء الحرمين، فحضر دروس الشيخ أبي طاهر المدني، ودرس عليه كتب الحديث كـ"صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"سنن الترمذي"، و"سنن أبي داود"، و"سنن ابن ماجة"، و"موطأ الإمام مالك"، و"مسند الإمام أحمد"، و"الرسالة" للإمام الشافعي، و"الأدب المفرد" للإمام البخاري، و"الشفا في حقوق المصطفى" للقاضي عياض، وحصل على الإجازة من الشيخ لرواية كتب الحديث.

وعاد إلى مكة في العام التالي لأداء الحج ثانية، وفيها درس "الموطأ" على الشيخ وفد الله المالكي، وحصل منه على الإجازة لجميع مرويات والده من الأحاديث، وشارك في درس "صحيح البخاري" للشيخ تاج الدين القلعي. ودرس الشيخ على عدد كبير من المشايخ في الحرمين المكي والمدني، منهم الشيخ حسن العجيمي، والشيخ أحمد النخلي، والشيخ عبد الله بن سالم البصري، والشيخ أحمد بن علي الشناوي، والشيخ أحمد بن محمد بن يونس القشاقشي، والشيخ السيد عبد الرحمن الإدريسي، والشيخ شمس الدين محمد بن علاء البابلي، والشيخ عيسى الجعفري المغربي، والشيخ محمد بن محمد سليمان المغربي، والشيخ إبراهيم الكردي، وغيرهم. أشرنا إلى مشايخه في الحديث ليتسنى لنا بعد ذلك الكلام على العمل التجديدي الذي قام به في الهند في مجال نشر الحديث النبوي الشريف بعد عودته من سفر الحج، بل من رحلته في طلب الحديث النبوي الشريف إلى بلاد الحرمين.

بعد هذه الإفادة من المشايخ في الحرمين، والتحصيل العلمي المتميز، وخاصة في مجال حديث الرسول صلى الله عليه وسلم رجع الشيخ ولي الله الدهلوي إلى الهند في شهر رجب عام 1145هـ واستمر في عمله إلى نهاية عمره.

تزوج الإمام الشاه ولي الله الدهلوي باثنتين: الأولى عندما كان عمره خمسة عشر عاما، وولدت له بنتين -هما صالحة وأمة العزيز- ثم محمدا عام 1146هـ، وتوفيت سنة 1149 هـ.

وبعد وفاتها تزوج الثانية، فأنجبت له بنتين وأربعة أولاد، نعرف بأولاده هنا باختصار، وهم بالترتيب على النحو التالي:

- الشاه عبد العزيز (1159-1239هـ): وهو أكبر الأولاد من الزوجة الثانية، رباه أبوه مع آخرين. توفي أبوه وهو ابن سبعة عشر عاما، لكنه حمل وراثة أبيه، قيادة مسلمي الهند الدينية والاجتماعية في ظروف كانت أشد من ظروف أبيه، وقاد المسلمين بجدارة، ولقب بسراج الهند. من أهم تصانيفه: "التفسير العزيزي"، "والفتاوى العزيزية"، و"ملفوظات الشاه عبد العزيز"، و"العجالة النافعة"، و"بستان المحدثين"، و"التحفة الإثنا عشرية"، و"سر الشهادتين"، و"ميزان البلاغة"، و"تحقيق الرؤيا"، و"ميزان الكلام"، "حاشية مير زاهد" وغيرها.

- الشاه رفيع الدين (1163- 1233 هـ): درس العلوم الابتدائية على أبيه الذي توفي وهو في سن الثالثة عشرة، فتولى أخوه الأكبر تربيته، ثم حفظ القرآن الكريم. اشتهر من مؤلفاته: "دمغ الباطل" و"مقدمة العلم" و"كتاب التكميل"، و"أسرار المحبة"، و"رسالة في العروض والقوافي"، و"رسالة شق القمر"، و"راه نجات" (طريق النجاة)، و"ترجمة القرآن الكريم باللغة الأردية".

- الشاه عبد القادر (1167- 1230هـ): كان معروفا بالعلم والفضل والاستغناء والتقوى. كتب ترجمة تفسيرية للقرآن الكريم، وكتب تفسيرا مختصرا له سماه موضح القرآن، وتعتبر هذه الترجمة من أدق تراجم القرآن الكريم وأحسنها، مثل "ترجمة أبيه للقرآن الكريم باللغة الفارسية"، كان يقوم بتربية الراغبين في التربية والمقبلين عليها، ودرس كتاب الله طول حياته.

- الشاه عبد الغني: هو أصغر أولاد الشاه ولي الله الدهلوي، ولد عام 1171هـ، ولم يكن معروفا بالعلم، لكنه ترك ابنا كان غرة جبين الإصلاح والحركة الجهادية في الهند، وهو السيد إسماعيل الشهيد.

عمله التجديدي والإصلاحي

قام الإمام ولي الله الدهلوي بعمل تجديدي وإصلاحي ضخم جدا، ولا يمكن تخيلُ ضخامة ذلك العمل التجديدي ما لم نطلع على أحوال المسلمين في الهند في تلك الفترة، وما لم نتصور تلك الظروف التي آلت إليها الحالة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية للمسلمين في الهند في الفترة التي بدأ فيها الشيخ عمله التجديدي، لكننا لا نستطيع أن نتناول تلك الظروف بالتفصيل في هذه العجالة، لكن يمكننا تناول ذلك العمل تحت ثلاثة عناوين تالية: التدريس، والإصلاح الفكري والعلمي، والتصنيف.

الأول: التدريس وإعداد الرجال
من أهم ما قام به الشيخ في هذه الفترة من حياته عمليةُ التدريس وإعداد الرجال. كان الشيخ يُدرّس مختلف العلوم والفنون في بداية أمره، لكنه يبدو أنه ركز بعد عودته من رحلة الحجاز على تدريس كتب الحديث، والقرآن الكريم، وسلم تدريس الفنون الأخرى لمن أعدهم لتلك الفنون، فإنه أعد في كل فن شخصا ماهرا. يقول ابنه عبد العزيز: "إن الوالد المحترم كان قد أعد شخصا في كل فن وعلم، وكان يسلم طلاب ذلك الفن والعلم له، أما هو فكان مشغولا بالوعظ والكتابة وتدريس الحديث". وقد ذكر الشيخ ولي الله في مقدمة "فتح الرحمن بترجمة القرآن" أن تدريسه القرآن الكريم لبعض الأعزة -خاصة بعد رحلة الحجاز- كان سببا في كتابة جزء من ترجمة القرآن الكريم، يقول: "لاجرم صمم العزم على تأليف ترجمة أخرى، وأنجزت ترجمة الزهراوين بالفعل، ثم عرَضت رحلةٌ إلى الحرمين، وانقطعت هذه السلسلة، وبعد سنوات من ذلك حضر أحد الأعزاء لدى هذا الفقير (يقصد نفسه) وبدأ عليه قراءة القرآن مع ترجمته، فأثارت هذه الحال تلك العزيمة السابقة، وتم الاتفاق على أن تُكتب الدروس التي تتم دراستها كل يوم، ولما وصلنا إلى ثلث القرآن عرض لذلك العزيز سفرٌ فتوقفت الكتابة". والسبب في اهتمامه بتدريس كتب الحديث والقرآن الكريم أن الناس كانوا يهتمون بالعلوم العقلية والعلوم الآلية الأخرى، وكانوا قد نسوا الكتاب والسنة والاهتمام بهما، وقد أحيا الله سبحانه وتعالى به تدريس السنة في الهند.

ونتيجة لعملية التدريس المستمرة استطاع أن يصنع رجالا وأن يربي تلامذة حملوا لواء الإصلاح في كل مجالات الحياة بعده، وهم كثر؛ من أشهرهم أنجاله الأربعة: الشاه عبد العزيز -الذي كان خليفة أبيه، وهو أكبر إخوته سنا وآخرهم وفاة- والشاه رفيع الدين، والشاه عبد القادر، والشاه عبد الغني، ومنهم الشيخ معين الدين السندي صاحب "دراسات اللبيب في الأسوة بالحبيب"، والشيخ محمد أمين الكشميري، ومرتضى الزبيدي البلجرامي (ت 1205هـ) صاحب "تاج العروس شرح القاموس"، وصاحب "إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين"، والشيخ ثناء الله الباني بتي (ت 1225هـ) صاحب "التفسير المظهري"، وغيرهم كثيرون.

الثاني: الوعظ والإرشاد والإصلاح الاجتماعي العام
لما كان الوضع في الهند يغلب عليه الطابع العرفاني الصوفي، اختار الشاه ولي الله الدهلوي نفس الأسلوب لعملية الإصلاح الاجتماعي والفكري العام، لكن لم يقتصر جهده على الأوراد والأذكار فقط، بل كان يهتم بإصلاح مريديه في كل نواحي الحياة، وقد حالفه نجاح كبير في هذا الجانب حيث ربى مجموعة جيدة من الرجال، لكنه لم يتمكن -كما يرى الأستاذ المودودي- لانشغاله بالعمل الفكري الضخم والكبير أن ينشئ حركةً تعمل لتنفيذ خطته الفكرية والحضارية؛ لأن العمل الفكري والعلمي أخذ كل وقته. إلى جانب ذلك حاول تنقية التصوف من شوائب الشرك وخرافات البدع، وخاصة بعد عودته من رحلة الحج التي كانت في الحقيقة رحلة في طلب العلم، وخاصة في طلب الحديث، وكانت موفقة جدا حيث غيرت مجرى حياة الشيخ كليا.

الثالث: العمل العلمي والإصلاح الفكري
قام الإمام بعمل فكري وعلمي كبير وضخم، وهو عمل تجديدي لا يوجد له مثيل في أعمال من سبقه فضلا عن معاصريه ومن جاء بعده، وهذا العمل التجديدي الفكري يمكن أن نشير إلى بعض جوانبه من خلال النقاط التالية:

- توجيه النقد لتاريخ الإسلام والمسلمين:

من أهم ما قام به الإمام الدهلوي هو توجيه النقد لتاريخ الإسلام والمسلمين بعد أن ميز بصورة دقيقة بين ما يمكن أن يسمى بتاريخ الإسلام وما يمكن تسميته بتاريخ المسلمين، ثم ألقى نظرة دقيقة على التاريخ وذكر خصائص كل فترة زمنية، ومن خلال ذلك توصل إلى المشاكل والمفاسد الموجودة في مختلف الفترات التاريخية، وتوصل إلى أن السبب الحقيقي وراء كل تلك المفاسد والمشاكل أمران:

الأول: انتقال السلطة السياسية من الخلافة الراشدة إلى الملكية، وقد تحدث عن الفروق الأساسية بين النظامين بالتفصيل في كتابه "إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء"، وتحدث عن الآثار المترتبة على هذا التغير والانتقال من الخلافة إلى الملكية.

والثاني: استيلاء الجمود على العقول وموت روح الاجتهاد، وأما هذه المشكلة والمفسدة فقد تحدث عنها في جميع كتبه، مثل "إزالة الخفاء"، و"حجة الله البالغة"، و"البدور البازغة"، و"التفهيمات" وغيرها.

- توجيه النقد للأوضاع القائمة في عصره:

أيضا توجه الشيخ إلى نقد الأوضاع القائمة في عصره، وتبيين الانحرافات الموجودة لدى جميع أطياف المجتمع وطبقاته، فنبه على المشاكل الموجودة لدى العلماء والمولعين بالعلوم العقلية والمناظرات الاستدلالية، وذكر الفقهاء واختلافاتهم الفقهية وتعصب كل فريق لرأيه، وتحدث عن الصوفية وخرافاتهم، وذكر طلاب العلم وتركهم لدراسة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وانهماكهم في الفلسفة اليونانية والعلوم الآلية وتفريعات الفقهاء، وذكر الوعاظ وتضييقهم الأمور على خلق الله، مع أنهم مأمورون أن يوسعوا على الناس، وذكر الأمراء وأهل السلطان وانغماسهم في الشهوات المحرمة وشرب الخمر، وذكر العساكر وظلمهم للناس، وتحدث عن عامة الناس أهل الحرف، وابتعادهم عن دين الله وعن الأخلاق الحميدة، وانتشار الخرافات والأعمال الشركية فيهم، والتبذير الذي راج فيهم، وتناول جميع أنواع الفساد وما وقع فيه أهل زمانه. والنتيجة الطبيعية لعملية النقد أن يبدأ الناس بتمييز الصحيح من الخطأ، والخير من الشر، والبحث عن الطرق العملية لإزالة الجاهلية والفساد، ونشر الخير والصلاح، وبذلك هيأ الظروف لإقامة حركة إسلامية لتصحيح تلك الأوضاع وإقامتها على الإسلام الصحيح، وإعادة الأمور إلى نصابها، كان طبيعيا أن تتكون -بعد فترة وجيزة من هذا العمل الإصلاحي- حركة المجاهدين بقيادة أحمد بن عرفان والسيد إسماعيل الشهيد حفيد الشيخ، فتحاول إقامة النظام الإسلامي، وأن تتوالى بعد ذلك الحركات التجديدية في شبه القارة الهندية.

- التجديد الفكري والعلمي:

إلى جانب العمل النقدي قام الإمام بعملٍ فكري تجديدي بَنّاءٍ كبير قدم من خلاله الإسلام في صورة نظام أخلاقي وحضاري متكامل، وذلك من خلال اثنين من كتبه العظيمة؛ هما "حجة الله البالغة"، و"البدور البازغة"، فإنه أقام فلسفة اجتماعية متكاملة على النظام الأخلاقي في كتاب "حجة الله البالغة"، فتحدث بالتفصيل عن آداب المعاش، وتدبير المنزل، وفن المعاملات، وسياسة المدينة، والعدل، والضرائب على المحاصيل، ونظام الدولة، وتنظيم الجيوش، وأشار ضمن ذلك إلى ما يوجب الفساد في الحضارة، وتناول بعد ذلك نظام الشريعة، والعبادات، والأحكام والقوانين، ووضح حِكَمها بالتفصيل، وفي نهاية الكتاب ألقى نظرة على تاريخ الأمم بعد مجيء الإسلام، وتحدث عن الصراع المستمر بين الإسلام والجاهلية، والخير والشر بصورة لم يُسبق إليها. حاول الشيخ تقديم خطة متكاملة للإصلاح، لإزالة الواقع الفاسد، وإقامة البديل الصحيح له، فقدم من خلال عملية النقد معالم الواقع الفاسد، ومن خلال العمل الفكري قدم معالم النظام السليم الذي يجب أن يحل محله.

- إحياء علوم الكتاب والسنة:

كان العصر الذي عاش فيه الشاه ولي الله عصر تخلف للمسلمين في الهند، حتى المناهج الدراسية كان يغلب عليها طابع العلوم العقلية والعلوم الآلية، فأحيى الله سبحانه وتعالى به علوم الكتاب والسنة، فترجم القرآن إلى اللغة الفارسية الدارجة حينذاك، ولما رجع من سفر الحج -الذي أسميه رحلته في طلب الحديث- عاد ومعه علوم السنة النبوية، ومن هنا وقف نفسه بعد ذلك لنشرها، وهو عمل لا يدرك فضله إلا من يعرف الظروف التي كان يعيش فيها العلماء وطلاب العلم في ذلك الوقت.

- محاربة الجمود والتقليد:

ومن أهم ما قام به الشيخ محاربة الجمود والتقليد في جميع المجالات الفكرية، وخاصة في مجال الفقه؛ فقد قدم ضوابط الاجتهاد مفصلة من خلال كتابيه: "عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، و"الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء والمحدثين"، ومن خلال كتبه في شرح كتب الحديث وغيرها.

مؤلفات الشيخ الشاه ولي الله الدهلوي

كان الإمام غزير الإنتاج في مجالات شتى، سنتناول هنا كتبه حسب التصنيف الموضوعي باختصار، وسنعرف بكتبه في التفسير بشيء من التفصيل؛ لأن الرسالة التي نقدمها اليوم من كتب الإمام تتعلق بالتفسير وعلوم القرآن الكريم، وإليكم فهرس كتب الشيخ باختصار:

أ- كتبه في الحديث وعلومه:

لقد ترك الشيخ كتبا متنوعة في الحديث وعلومه، وهذه الكتب تدل على مكانة الحديث في مشروعة التجديدي، نتعرف بصورة موجزة على كتبه الحديثية على النحو التالي:

- "الأربعين": مجموعة من أربعين حديثا جامعا، جمعها الشيخ على طريقة الأئمة السابقين بالسند المتصل عن طريق شيخه أبي طاهر المدني إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رغبة في بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا فيما ينفعهم من أمر دينهم، بعثه الله يوم القيامة من العلماء"، وترجمه الشيخ عبد الماجد دريابادي إلى اللغة الأردية، وطبع الكتاب في مطبعة أنوار محمدي، لكناو، الهند، عام 1319هـ.

- "الإرشاد إلى مهمات الإسناد": كتيب باللغة العربية جمع فيه الشيخ أحوال مشايخه الذين درس عليهم في رحلة الحج، وتكلم فيه على أسانيدهم، وطبع الكتاب في مطبع أحمدي، جشن خان، دهلي، عام 1307هـ.

- "شرح تراجم أبواب البخاري": وهو كتاب نفيس باللغة العربية، تحدث فيه عن شرح تراجم الأبواب (عناوين الأبواب) في "صحيح البخاري"، وتحدث فيه عن كيفية الاستدلال بالأحاديث الواردة في كل باب على ترجمة الباب، فإن هذين الأمرين يدق فهمهما على العلماء وشراح الحديث، ومن هنا قالوا: "فقه البخاري في تراجمه"، وقد وُفق الإمام ولي الله الدهلوي أيما توفيق في ذلك. هذه الرسالة تطبع باستمرار مع نسخة صحيح البخاري المطبوعة في الهند بتعليق الشيخ أحمد علي السهارنفوري.

- "تراجم أبواب البخاري": رسالة مختصرة باللغة العربية، تحدث فيها عن قواعد وأصول لفهم تراجم الإمام البخاري في كتابه "الصحيح"، طُبعت هذه الرسالة في مطبع نور الأنوار، آره، عام 1899م، ثم طُبعت مع كتاب "شرح تراجم أبواب البخاري" من قبل دائرة المعارف، حيدر آباد، الدكن، الهند، عام 1323هـ.

- "فضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين": كتاب صغير كتبه الشيخ باللغة العربية عن الحديث المسلسل.

- "المسوى شرح الموطا": شرح وجيز لـ"موطأ الإمام مالك" باللغة العربية، اهتم فيه ببعض القضايا المتعلقة بشرح الحديث، طبع الكتاب عدة طبعات، وهو كتاب متداول معروف.

- "المصفى شرح الموطا": ترجمة لـ"موطأ مالك"، وشرحه الإمام شرحا وجيزا باللغة الفارسية، وهو متداول معروف طبع عدة طبعات، منها طبعة كتب خانه رحيمية، سنهري مسجد، دهلي، الهند. ويظهر من هذا الاهتمام أهمية "الموطأ" لدى الإمام، والسبب في ذلك كما يقول في مقدمة الكتاب أنه "كان مشوشا لفترة غير قصيرة لاختلاف الفقهاء، ولكثرة مذاهب العلماء وآرائهم، ومنازعاتهم الكثيرة، وسبب التشويش أن التعيين أمر مهم للعمل، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق الترجيح، ولكنني وجدت وجوه الترجيح مختلف فيها كذلك، فسعيت هنا وهناك، واستعنت بكل واحد، لكن لم أعد بطائل، فتوجهت إلى الله عز وجل أتمتم بهذه الكلمات الدعائية {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، فتمت الإشارة إلى كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس".

- "النوادر من أحاديث سيد الأوائل والأواخر": كتب هذا الكتاب باللغة العربية، وطبعته مطبعة نور الأنوار، آره.

- "الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين": هذا الكتاب ليس في الحديث في الحقيقة، بل هي رسالة صغيرة جمع فيها المؤلف الرؤى التي بشره فيها النبي صلى الله عليه وسلم هو وآباؤه، وقد أورد بعض هذه البشارات في آخر كتابه "التفهيمات الإلهية" كذلك، وقد طبع "الدر الثمين" في مطبع أحمدي، دهلي، الهند.

- "أنسان العين في مشايخ الحرمين": رسالة مختصرة جمع فيها تراجم مشايخه في الحجاز المقدس، وضمنه كتابه أنفاس العارفين.

ب- كتبه في أصول الدين وفلسفة الشريعة:

من أهم كتب الشيخ ولي الله الدهلوي ما يتعلق بفلسفة الإسلام والشريعة، وكتبه في العقيدة وأصول الدين، وسنعرف على كتبه في هذين المجالين هنا:

- "حجة الله البالغة": يعتبر هذا الكتاب لدى المحققين من أهم كتب الإمام ولي الله الدهلوي على الإطلاق، كتبه باللغة العربية، ويرى بعض المحققين أنه أول كتاب يدون في موضوع فلسفة الدين عموما وفي فلسفة الإسلام خصوصا، تحدث فيه عن أسرار الشريعة، و-في رأي الأستاذ المودودي- قدم الشيخ من خلاله تصوره الكامل للنظام الحضاري المتكامل للإسلام. وهو كتاب متداول معروف، وقد ترجم إلى لغات كثيرة منها اللغة الأردية، واللغة الفارسية، واللغة الإنجليزية (ترجمه إلى اللغة الإنجليزية الدكتور محمد الغزالي) طبع في اللغة العربية أكثر من طبعة، ومن أواخر الطبعات المتداولة طبعة دار الجيل بتحقيق: الشيخ سيد سابق.

- "البدور البازغة": هو أيضا من أهم كتب الإمام ولي الله الدهلوي، وموضوعه يقرب من موضوع الكتاب السابق، كتبه باللغة العربية، طبع في سلسلة مطبوعات المجلس العلمي بدابهيل سورت، الهند، عام 1354هـ.

- "حسن العقيدة": رسالة مختصرة بالعربية عن العقيدة.

- "المقدمة السنية في انتصار الفرقة السنية"

- "التفهيمات الإلهية": كتاب باللغتين العربية والفارسية، وعدّه البعض من كتبه في التصوف والسلوك، لكنه في الحقيقة كتاب جمع فيه الشيخ آراءه في مسائل متنوعة جدا، على غرار كتاب "صيد الخاطر" لابن الجوزي، منها قضايا متعلقة بالتصوف والسلوك، ومنها حوادث ووقائع وقعت للمؤلف، ومنها آراؤه في تفسير بعض الآيات، ومنها شرحه لبعض الأحاديث، ومنها قضايا متعلقة بطبيعة الدين والشريعة، وفلسفتهما، ومنها قضايا متعلقة بالإصلاح والتقويم للأوضاع القائمة في عصره، ومنها الإشارات إلى الانحرافات العقدية، فهو كشكول عالم حوى معارف متنوعة، وقد طبع الكتاب ضمن سلسلة مطبوعات المجلس العلمي بدابهيل سورت، الهند، عام 1355هـ.

ج- كتبه في التصوف والسلوك:

وقد ترك الإمام ولي الله الدهلوي تراثا كبيرا فيما يتعلق بالسلوك والتصوف، هذه الكتب هي التالية:

- "ألطاف القدس": كتبه باللغة الفارسية، تحدث فيه عن فلسفة التصوف ولطائفه، وعن مقامات النفس، وعن قوى الإنسان الباطنية، طبع في مطبع أحمدي، دهلي، الهند.

- "فيوض الحرمين": كتبه باللغة العربية، تحدث فيه عن المشاهدات المنامية، والمعارف الروحانية، طبع في مطبع أحمدي بدهلي، مع ترجمته باللغة الأردية عام 1308هـ.

- "القول الجميل في بيان سواء السبيل": كتبه باللغة العربية، تحدث فيه عن آداب الشيخ والمريد، وعن البيعة، وتاريخ نظام التصوف والسلوك.

- "سطعات": كتبه الشيخ ولي الله الدهلوي بالفارسية، تحدث فيه عن قضايا علم الكلام والعقيدة، وعن بعض المسائل في التصوف والسلوك، طبع في مطبع أحمدي، دهلي، عام 1929م، ثم توالت طبعاته في أماكن أخرى أيضا.

- "الانتباه في سلاسل الأولياء": كتب هذا الكتاب باللغة الفارسية عن سلاسل الصوفية المختلفة وتاريخها، طبع في مطبع أحمدي، عام 1311هـ.

- "همعات": كتبه باللغة الفارسية، تحدث فيه عن مراحل أربع في نشأة التصوف وارتقائه، وبيّن خصائص كل مرحلة، طبع الكتاب في تحفه محمدية، دهلي، الهند.

- "شفاء القلوب": باللغة الفارسية.

- "لمعات": باللغة الفارسية.

- "كشف الغين عن شرح الرباعيتين": باللغة الفارسية، شرح في هذا الكتاب باللغة الفارسية رباعيتين لأحد الصلحاء المعروفين وهو خواجه باقي بالله، وطبع الكتاب عام 1310هـ، في مطبعة مجتبائي، دهلي، الهند.

- "فتح الودود لمعرفة الجنود": كتبه باللغة العربية.

- رسالة في جواب رسالة الشيخ عبد الله بن عبد الباقي حسب اقتضاء كشفه.

- "الهوامع": كتاب شرح فيه القصيدة الدعائية بعنوان "حزب البحر" للشيخ أبي الحسن الشاذلي.

د- كتبه في أصول الفقه:

لقد تناول الشيخ المباحث الأصولية والفقهية من خلال مختلف كتبه ومؤلفاته، لكن مع ذلك أفرد بعض الموضوعات الهامة التي كانت تشغل باله، وهذه الكتب هي:

- "الإنصاف في أسباب الاختلاف": هذا الكتاب مع وجازته من أفضل الكتب المؤلفة في هذا الموضوع، وخاصة إذا نظر الإنسان إليه في الظروف التي ألف فيها، وقد طبع الكتاب مرات عديدة باللغة العربية، آخرها طبعة دار النفائس، بيروت، بتحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وقد ترجم إلى عدة لغات، منها اللغة الأردية، ترجمه إليه الشيخ صدر الدين إصلاحي، وهذه الترجمة متداولة معروفة، وترجم إلى اللغة الفارسية كذلك.

- "عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد": تحدث في هذا الكتاب عن حكم الاجتهاد، وعن شروط المجتهد، وأنواعه، ومواصفاته، وعن تقليد المذاهب الأربعة، عن تقليد العالم للعالم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الموضوع، وقد ضمن الأستاذ فريد وجدي هذا الكتاب في دائرة معارفه تحت كلمة "جهد"، وقد طبع الكتاب مع ترجمته المسماة بـ"سلك مرواريد" في مطبع مجتبائي، دهلي، الهند، عام 1310هـ.

هـ- كتبه في السيرة والتاريخ والأدب:

لقد ترك الإمام ولي الله الدهلوي تراثا كبيرا في هذا المجال، ولم يكن عمله سردا للحوادث بل كان عمله تحليلا، وقد عبر من خلال هذه الكتب عن نظرياته السياسية كما فعل ذلك من خلال كتابه "إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء"، وكان السبب وراء كتاباته عن سيرة الخلفاء الراشدين الرد على الشيعة الطاعنين في الخلفاء الراشدين خصوصا وفي الصحابة عموما، نحن نسرد هنا هذه الكتب كما يلي:

- "قرة العينين في تفضيل الشيخين": كتبه الإمام باللغة الفارسية لإثبات فضل الشيخين أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، ورد فيه على مزاعم الشيعة، والكتاب مطبوع متداول.

- "إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء": كتبه باللغة الفارسية، ويعتبر من أشهر كتب الشيخ الشاه ولي الله وأهمها بعد "حجة الله البالغة"، هذا الكتاب ضمنه الشيخ أفكاره السياسية، وتحدث فيه عن مفهوم الخلافة وإثباتها بالكتاب والسنة. ويتضمن الرد على كثير من فِرى الشيعة والروافض، وطبع عدة طبعات.

- "أنفاس العارفين": هذا الكتاب يتضمن سبع رسائل تالية: "بوارق الولاية"، "شوارق المعرفة"، "الإمداد في مآثر الأجداد"، "النبذة الإبريزية في اللطيفة العزيزية"، "العطية الصمدية في الأنفاس المحمدية"، "أنسان العين في مشايخ الحرمين"، "الجزء اللطيف في ترجمة العبد الضعيف".

في الغالب تتضمن هذه الرسائل السبع تراجم آباء الشيخ ولي الله الدهلوي وأجداده ومشايخه، لكنه ضمن هذا الكتاب بحكايات خيالية كثيرة، ولم يسلك فيه المنهج العلمي في التأكد من القصص والأخبار في الغالب، والكتاب مطبوع، في مطبع مجتبائي، دهلي، الهند، عام 1917م.

- "سرور المحزون": لخص فيه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بالفارسية من كتاب "نور العيون في سيرة الأمين والمأمون"، بطلب من الشيخ مظهر جان جانان، وطبع الكتاب في مطبع جيون بركاش، دهلي، الهند.

- "أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم": شرح فيه قصيدته البائية في نعت الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبع في مطبع مجتبائي، دهلي، عام 1308هـ.

- "ديوان الشعر العربي": جمعه ولده الشاه عبد العزيز، ورتبه ابنه الثاني الشاه رفيع الدين.

و- كتبه في التفسير وعلوم القرآن:

لقد ترك الشاه ولي الله الدهلوي تراثا كبيرا فيما يتعلق بالقرآن الكريم وعلومه، والكتب المعروفة والمتداولة للشيخ ولي الله الدهلوي في موضوعات علوم القرآن هي التالية:

- "الفوز الكبير في أصول التفسير": هذا الكتاب أصله في اللغة الفارسية، لكنه ترجم إلى اللغات الأخرى، وهذه التراجم هي المتداولة الآن، ترجم إلى اللغة العربية مرتين؛ الترجمة الأولى قام بها الشيخ محمد منير الدمشقي الأزهري، والترجمة الثانية للشيخ سيد سليمان الندوي، ولم يترجم أحدهما مبحث "الحروف المقطعات" فترجمه الشيخ محمد إعزاز علي الأمروهي، وألحقه بالكتاب، والكتاب يشتمل على أربعة أبواب على النحو التالي:

الباب الأول: في العلوم الخمسة التي بينها القرآن العظيم بطريق التنصيص؛ وهي علم الأحكام، وعلم مناظرة أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، وعلم التذكير بآلاء الله، وعلم التذكير بأيام الله، وعلم التذكير بالموت وما بعده.

الباب الثاني: في بيان وجوه الخفاء في معاني نظم القرآن. تناول في هذا الباب شرح الغريب، المواضيع الصعبة في فن التفسير، حذف بعض أجزاء وأدوات الكلام، المحكم والمتشابه، الكناية، التعريض، والمجاز العقلي.

الباب الثالث: في بديع أسلوب القرآن. وتناول في هذا الباب إعجاز القرآن.

الباب الرابع: في بيان فنون التفسير وحل اختلاف ما وقع في تفسير الصحابة والتابعين. والكتاب مطبوع متداول مشهور، ومعه الرسالة الثانية التي تعتبر ملحقة بـ"الفوز الكبير"، وهي "فتح الخبير".

- "فتح الخبير بما لابد من حفظه في علم التفسير": كتبه الشاه باللغة العربية، ويعتبر تكملة لـ"الفوز الكبير"، تناول فيه حسب السور القرآنية تفسير غريب القرآن، وبعض أسباب النزول وخاصة ما لا يمكن فهم الآية إلا بها، يقول الشيخ في مقدمته: "يقول العبد الضعيف ولي الله بن عبد الرحيم -عاملهما الله تعالى بلطفه العظيم- هذه جملة من شرح غريب القرآن من آثار حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، سلكت فيها طريق ابن أبي طلحة، وكملتها من طريق الضحاك عنه، كما فعل ذلك شيخ مشايخنا الإمام الجليل جلال الدين السيوطي في كتابه "الإتقان" -أعلى الله درجته في الجنان-، ورأيت بعض الغريب غير مفسر في تينك الطريقين، فكملته من طريق نافع بن الأزرق عنه، وبما ذكره البخاري في "صحيحه" فإنه أصح ما يروى في هذا الباب، ثم بغير ذلك مما ذكره الثقات من أهل النقل، وقليل ما هو، وجمعت مع ذلك ما يحتاج إليه المفسر من أسباب النزول منتخبا له من أصح تفاسير المحدثين الكرام أعني "تفسير البخاري" و"الترمذي" و"الحاكم" -أعلى الله منازلهم في دار السلام-، فجاءت بحمد الله رسالة مفيدة في بابها عدة نافعة لمن أراد أن يقتحم في عبابها، وسميتها "فتح الخبير بما لابد من حفظه في علم التفسير".

- "تأويل الأحاديث في رموز قصص الأنبياء": كتيب صغير كتبه باللغة العربية طبع مع ترجمته بالأردية في مطبع أحمدي بدهلي في حوالي ثمانية وثمانين صفحة، وقد تناول فيه قصص بعض الأنبياء بالبحث.

ويعتبر هذا الكتاب من أهم كتب الشاه؛ لأن الموضوع الذي تناوله فيه خطير، ولأن الشيخ تناول القصص القرآنية المتعلقة بالأنبياء ومعجزاتهم بالتأويل، وحاول أن يقربها إلى الأفهام عن طريق التأويل. والخطورة فيه أنه أخرج هذه الحوادث من أن تكون معجزات أو خوارق للعادات؛ فإنه يرى كل القصص والمعجزات التي حصلت للأنبياء عليهم السلام أنها من قبيل المنامات والرؤى، ومن ذلك في رأيه: إخراج آدم من الجنة، وإلقاء إبراهيم في النار من قبل نمروذ، وعصا موسى، عليهم السلام، يقول:"اعلم أن الأحوال الطارئة على نفوس الكمال والواقعات المنتظمة في المثال تكملة لهم، حكمها حكم المنام، وكذلك الحوادث الواقعة كلها منامات"، وقد ذكر في هذا الكتاب بعض القواعد والضوابط بناها على فلسفته المتعلقة بـ"عالم المثال"، وأول قصة آدم عليه السلام وخروجه من الجنة بناء على تلك الفلسفة كنموذج، ثم قال: "هذا كله منام ورؤيا، تعبيره أن الله أراد به أن يصير خليفة في الأرض، ويبلغ إلى كماله النوعي، وأما نهيه عن الشجرة، ثم إلقاء وسواس الشيطان ثم معاتبته، وإخراجه فكله صورة التقريب بحسب خروجه عن عالم المثال إلى الناسوت تدريجا".

ويرى الشيخ ولي الله الدهلوي أن المعجزات لا تكون خارقة للعادة تماما، ولا تكون مخالفة لها بالكامل، بل تبقى واسطة العادة معها في مرتبة ما، يقول في ذلك: "اعلم أن الله إذا أظهر خارق عادة لتدبير فإنه إنما يظهر في ضمن عادة ولو ضعيفة؛ فالخوارق أسباب ضعيفة كأنها وجدت مشايعة لنفاذ قضاء الله تعالى وعنايته بالأسباب الأرضية لئلا يخترق العادة من كل وجه، وفي القرآن والسنة إشارات تدل عليها، وفي القصة إيماء وفحوى مما يعرفها العارف، بل كل لبيب منصف"، وهكذا يستمر في تأويل القصص القرآنية، ويذكر التوجيهات المادية للحوادث التي حصلت للأنبياء عليهم السلام، فيرى على سبيل المثال أن نار نمروذ بردت لأن الله سبحانه وتعالى أرسل عليها هواء من الزمهرير، وأن البحر انفلق لموسى عليه السلام ولقومه بسبب الهواء، وأن مساكن ثمود كانت الجبال والمغارات فكان أقرب أنواع العذاب في حقهم الزلزال والصيحة.

ويقول عن معجزة شق القمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "وليس يجب انشقاقه البتة انشقاقا لعين القمر، بل يمكن أن يكون ذلك بمنزلة الدخان وانقضاض الكوكب، والكسوف، والخسوف، فما يظهر في الجو لأعين الناس، فيستعمل بإزائها في اللغة العربية ألفاظ وضعت لا يقع على نفس هذه الأشياء"، وبهذا قد شذ الشيخ الشاه ولي الله في كثير من تأويلاته لقصص الأنبياء ومعجزاتهم في كتابه هذا واختار منهجا يتعارض مع المنهج المختار لدى عامة أهل السنة.

- "المقدمة في قوانين الترجمة": هذه الرسالة التي لا يتجاوز حجمها عشر صفحات كتبها الشيخ أثناء ترجمته للقرآن الكريم، وهي رسالة مهمة جدا؛ لأن الشيخ عانى من مشاكل الترجمة بنفسه، ومن هنا تكون لها قيمتها وأهميتها برغم صغر حجمها.

إن هذه القائمة من المؤلفات تدل على أن الشيخ ولي الله الدهلوي كان علامةَ عصره وإمامًا للمجتهدين، وأنه قبيل انتقاله إلى جوار ربه في شهر المحرم عام 1176هـ/1762م قد خلف ورائه أبناء وتلامذة حملوا لواء الإصلاح والتجديد في الهند في العقود التالية.

الْقسم الأول
فِي الْقَوَاعِد الْكُلية الَّتِي تستنبط مِنْهَا الْمصَالح المرعية
فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَهِي سَبْعَة مبَاحث فِي سبعين بَابا المبحث الأول
فِي أَسبَاب التَّكْلِيف والمجازاة
بَاب الإبداع والخلق وَالتَّدْبِير

اعْلَم أَن الله تَعَالَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيجَاد الْعَالم ثَلَاث صِفَات مترتبة:
أَحدهَا: الإبداع وَهُوَ إِيجَاد شَيْء لَا من شَيْء فَيخرج الشَّيْء من كتم الْعَدَم بِغَيْر مَادَّة: وَسُئِلَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن أول هَذَا الْأَمر؟ فَقَالَ: كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله.
وَالثَّانيَِة: الْخلق وَهُوَ إِيجَاد الشَّيْء من شَيْء كَمَا خلق آدم من التُّرَاب:
{وَخلق الجان من مارج من نَار} .
وَقد دلّ الْعقل وَالنَّقْل على أَن الله تَعَالَى خلق الْعَالم أنواعا وأجناسا وَجعل لكل نوع وجنس خَواص، فنوع الْإِنْسَان مثلا خاصته النُّطْق، وَظُهُور الْبشرَة واستواء الْقَامَة، وَفهم الْخطاب، وَنَوع الْفرس خاصته الصهيل، وَكَون بَشرته شعراء، وقامته عوجاء، وَألا يفهم الْخطاب،
وخاصة السم إهلاك الْإِنْسَان الَّذِي يتَنَاوَلهُ، وخاصة الزنجبيل الْحَرَارَة واليبوسة، وخاصة الكافور الْبُرُودَة، وعَلى هَذَا الْقيَاس جَمِيع الْأَنْوَاع من الْمَعْدن والنبات وَالْحَيَوَان.
وَجَرت عَادَة الله تَعَالَى أَلا تنفك الْخَواص عَمَّا جعلت خَواص لَهَا، وَأَن تكون مشخصات الْأَفْرَاد خُصُوصا فِي تِلْكَ الْخَواص، وتعينا لبَعض محتملاتها، فَكَذَلِك مميزات الْأَنْوَاع خُصُوصا فِي خَواص أجناسها، وَأَن تكون مَعَاني هَذِه الْأَسَامِي المترتبة فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص، كالجسم والنامي وَالْحَيَوَان وَالْإِنْسَان وَهَذَا الشَّخْص متمازجة متشابكة فِي الظَّاهِر، ثمَّ يدْرك الْعقل الْفرق بَينهَا، ويضيف كل خَاصَّة إِلَى مَا هِيَ خَاصَّة لَهُ،
وَقد بَين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَواص كثير من الْأَشْيَاء، وأضاف الْآثَار إِلَيْهَا كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" التلبينة مجمة لفؤاد الْمَرِيض ". وَقَوله فِي الْحبَّة السَّوْدَاء:
" شِفَاء من كل دَاء إِلَى السام " وَقَوله فِي أَبْوَال الْإِبِل وَأَلْبَانهَا:
" شِفَاء للذربة بطونهم " وَقَوله فِي الشبرم:
" حَار جَار ".
وَالثَّالِثَة تَدْبِير عَالم المواليد ومرجعه إِلَى تصيير حوادثها مُوَافقَة للنظام الَّذِي ترتضيه حكمته مفضية إِلَى الْمصلحَة الَّتِي اقتضاها وجوده كَمَا أنزل من السَّحَاب مَطَرا، وَأخرج بِهِ نَبَات الأَرْض ليَأْكُل مِنْهُ النَّاس والأنعام، فَيكون سَببا لحياتهم إِلَى أجل مَعْلُوم. وكما أَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ ألقِي فِي النَّار
فَجَعلهَا الله بردا وَسلَامًا؛ ليبقى حَيا، وكما أَن أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ اجْتمع فِي بدنه مَادَّة الْمَرَض، فَأَنْشَأَ الله تَعَالَى عينا فِيهَا شِفَاء مَرضه. وكما أَن الله تَعَالَى نظر إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم، فَأوحى إِلَى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن ينذرهم ويجاهدم؛ ليخرج من شَاءَ من الظُّلُمَات إِلَى النُّور.
وتفصيل ذَلِك أَن القوى المودعة فِي المواليد الَّتِي لَا تنفك عَنْهَا لما تزاحمت وتصادمت أوجبت حِكْمَة الله حُدُوث أطوار مُخْتَلفَة بَعْضهَا جَوَاهِر وَبَعضهَا أَعْرَاض والأعراض إِمَّا أَفعَال أَو إرادات من ذَوَات الْأَنْفس أَو غَيرهَا، وَتلك الأطوار لَا شَرّ فِيهَا بِمَعْنى عدم صُدُور مَا يَقْتَضِيهِ سَببه أَو صُدُور ضد مَا يَقْتَضِيهِ، وَالشَّيْء الَّذِي اعْتبر بِسَبَبِهِ الْمُقْتَضى لوُجُوده كَانَ حسنا لَا محَالة كالقطع حسن من حَيْثُ أَنه يَقْتَضِيهِ جَوْهَر الْحَدِيد وَإِن كَانَ قبيحا من حَيْثُ فَوت بنية إِنْسَان، لَكِن فِيهَا شَرّ بِمَعْنى حُدُوث شَيْء غَيره أوفق بِالْمَصْلَحَةِ مِنْهُ بِاعْتِبَار الْآثَار أَو عدم حُدُوث شَيْء آثاره محمودة، وَإِذا تهيأت أَسبَاب هَذَا الشَّرّ اقْتَضَت رَحْمَة الله بعباده ولطفه بهم وَعُمُوم قدرته على الْكل وشمول علمه بِالْكُلِّ أَن يتَصَرَّف فِي تِلْكَ القوى والأمور الحاملة لَهَا بِالْقَبْضِ والبسط والإحالة والإلهام، حَتَّى تفضى تِلْكَ الْجُمْلَة إِلَى الْأَمر الْمَطْلُوب أما الْقَبْض فمثاله مَا ورد فِي الحَدِيث أَن الدَّجَّال يُرِيد أَن يقتل العَبْد الْمُؤمن فِي الْمرة الثَّانِيَة، فَلَا يقدر الله عَلَيْهِ مَعَ صِحَة دَاعِيَة الْقَتْل وسلامة أدواته وَأما الْبسط فمثاله أَن الله تَعَالَى أنبع عينا لأيوب صلوَات الله عَلَيْهِ بركضه الأَرْض وَلَيْسَ بِالْعَادَةِ أَن تقضي الركضة إِلَى نبوع المَاء، وأقدر بعض المخلصين من عباده فِي الْجِهَاد على مَا لَا يتصوره الْعقل من مثل تِلْكَ الْأَبدَان وَلَا من أضعافها، وَأما الأحالة ممثالها جعل النَّار هَوَاء طيبَة لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأما الإلهام فمثاله قصَّة خرق السَّفِينَة وَإِقَامَة الْجِدَار وَقتل الْغُلَام وإنزال الْكتب والشرائع على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام. . والإلهام تَارَة يكون
للمبتلى وَتارَة يكون لغيره لاجله وَالْقُرْآن الْعَظِيم بَين أَنْوَاع التَّدْبِير بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ.

بَاب ذكر عَالم الْمِثَال

اعْلَم أَنه دلّت أَحَادِيث كَثِيرَة على أَن فِي الْوُجُود عَالما غير عنصري تتمثل فِيهِ الْمعَانِي بأجسام مُنَاسبَة لَهَا فِي الصّفة، وتتحقق هُنَالك الْأَشْيَاء قبل وجودهَا فِي الأَرْض نَحوا من التحقق، فَإِذا وجدت كَانَت هِيَ هِيَ بِمَعْنى من مَعَاني هُوَ هُوَ، وَإِن كثير من الْأَشْيَاء مِمَّا لَا جسم لَهَا عِنْد الْعَامَّة تنْتَقل وتنزل، وَلَا يَرَاهَا جَمِيع النَّاس، قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لما خلق الله الرَّحِم قَامَت فَقَالَت هَذَا مَكَان العائذ بك من القطيعة "، وَقَالَ: " أَن الْبَقَرَة وَآل عمرَان تأتيان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف تحاجان عَن أهلهما "، وَقَالَ: " تَجِيء الْأَعْمَال يَوْم الْقِيَامَة فتجيء الصَّلَاة ثمَّ تَجِيء الصَّدَقَة، ثمَّ يَجِيء الصّيام " الحَدِيث، وَقَالَ: " أَن الْمَعْرُوف وَالْمُنكر لخليقتان تنصبان للنَّاس يَوْم الْقِيَامَة، فَأَما الْمَعْرُوف فيبشر أَهله، وَأما الْمُنكر فَيَقُول: إِلَيْكُم إِلَيْكُم، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِلَّا لُزُوما " وَقَالَ: " أَن الله تَعَالَى يبْعَث الْأَيَّام يَوْم الْقِيَامَة كهيئتها، وَيبْعَث الْجُمُعَة زهراء منيرة ".
وَقَالَ: " يُؤْتى بالدنيا يَوْم الْقِيَامَة بِصُورَة عَجُوز شَمْطَاء زرقاء أنيابها، مُشَوه خلقهَا " وَقَالَ: " هَل ترَوْنَ مَا أرى؟ فَإِنِّي لأرى مواقع الْفِتَن خلال بُيُوتكُمْ
كمواقع الْقطر " وَقَالَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء: " فَإِذا أَرْبَعَة أَنهَار نهران باطنان ونهران ظاهران، فَقلت، مَا هَذَا يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: أما الباطنان فَفِي الْجنَّة، وَأما الظاهران فالنيل والفرات " وَقَالَ فِي حَدِيث صَلَاة الْكُسُوف: " صورت لي الْجنَّة وَالنَّار " وَفِي لفظ " بيني وَبَين جِدَار الْقبْلَة " وَفِيه أَنه بسط
يَده ليتناول عنقوداً من الْجنَّة، وَأَنه تكعكع من النَّار، وَنفخ فِي حرهَا وَرَأى فِيهَا سَارِق الحجيج، وَالْمَرْأَة الَّتِي ربطة الْهِرَّة حَتَّى مَاتَت، وَرَأى فِي الْجنَّة امْرَأَة مومسة سقت الْكَلْب، وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْمسَافَة لَا تتسع للجنة وَالنَّار بأجسادهما الْمَعْلُومَة عِنْد الْعَامَّة. وَقَالَ: " حفت الْجنَّة بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات " ثمَّ أَمر جِبْرِيل أَن ينظر إِلَيْهِمَا وَقَالَ: " ينزل ينزل الْبلَاء فيعالجه الدُّعَاء ". وَقَالَ: " خلق الله الْعقل فَقَالَ لَهُ: أقبل فَأقبل وَقَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ ". وَقَالَ: " هَذَانِ كِتَابَانِ من رب الْعَالمين " الحَدِيث، وَقَالَ: " يُؤْتى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْش، فَيذْبَح بَين الْجنَّة وَالنَّار "، وَقَالَ تَعَالَى:
{فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا} .
واستفاض فِي الحَدِيث أَن جِبْرِيل كَانَ يظْهر للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتراءى لَهُ فيكلمه، وَلَا يرَاهُ سَائِر النَّاس، وَأَن الْقَبْر يفسح سبعين ذِرَاعا فِي سبعين أَو يضم حَتَّى تخْتَلف أضلاع المقبور وَأَن الْمَلَائِكَة تنزل على المقبور، فتسأله وَأَن عمله يتَمَثَّل لَهُ، وَأَن الْمَلَائِكَة تنزل إِلَى المحتضر بِأَيْدِيهِم الْحَرِير أَو الْمسْح وَأَن الْمَلَائِكَة تضرب المقبور بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد، فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب، وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليسلط على الْكَافِر فِي قَبره تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا تنهسه، وتلدغه حَتَّى تقوم السَّاعَة، وَقَالَ: " وَإِذا أَدخل الْمَيِّت الْقَبْر مثلت لَهُ الشَّمْس عِنْد غُرُوبهَا، فيجلس يمسح عَيْنَيْهِ، وَيَقُول: " دَعونِي أُصَلِّي " واستفاض فِي الحَدِيث: أَن الله تَعَالَى يتجلى بصور كَثِيرَة لأهل الْموقف، وَأَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدْخل على ربه وَهُوَ على كرسيه وَأَن الله تَعَالَى يكلم ابْن آدم شفاها إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى كَثْرَة.
والناظر فِي هَذِه الْأَحَادِيث بَين إِحْدَى ثَلَاثَة: إِمَّا أَن يقر بظاهرها فيضطر إِلَى إِثْبَات عَالم ذكرنَا شَأْنه وَهَذِه هِيَ الَّتِي تقتضيها قَاعِدَة أهل الحَدِيث نبه على ذَلِك السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى، وَبهَا أَقُول، وإليها أذهب، أَو يَقُول: أَن هَذِه الوقائع تتراءى لحس الرَّائِي، وتتمثل لَهُ فِي بَصَره، وَإِن لم تكن خَارج حسه، وَقَالَ بنظير ذَلِك عبد الله بن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى:
{يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين} .
أَنهم أَصَابَهُم جَدب فَكَانَ أحدهم ينظر إِلَى السَّمَاء، فَيرى كَهَيئَةِ الدُّخان من الْجُوع، وَيذكر عَن ابْن الْمَاجشون أَن كل حَدِيث جَاءَ فِي التنقل والرؤية فِي الْمَحْشَر، فَمَعْنَاه أَنه يُغير أبصار خلقه، فيرونه نازلا متجليا ويناجي خلقه، ويخاطبهم وَهُوَ غير متغير عَن عَظمته وَلَا منتقل ليعلموا أَن الله على كل شَيْء قدير، أَو يَجْعَلهَا تمثيلا لتفهم معَان أُخْرَى، وَلست أرى المقتصر على الثَّالِثَة من أهل الْحق، وَقد صور الإِمَام الْغَزالِيّ فِي عَذَاب الْقَبْر تِلْكَ المقامات الثَّلَاث حِين قَالَ: أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار لَهَا ظواهر صَحِيحَة وأسرار خُفْيَة، وَلكنهَا عِنْد أَرْبَاب البصائر وَاضِحَة، فَمن لم ينْكَشف لَهُ حقائقها، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُنكر ظواهرها، بل أقل دَرَجَات الْإِيمَان التَّسْلِيم والتصديق (فَإِن قلت) فَنحْن نشاهد الْكَافِر فِي قَبره مُدَّة، ونراقبه، وَلَا نشاهد شَيْئا من ذَلِك، فَمَا وَجه التَّصْدِيق على خلاف الْمُشَاهدَة
(فَاعْلَم) أَن لَك ثَلَاث مقامات فِي التَّصْدِيق بأمثال هَذَا:
أَحدهَا وَهُوَ الْأَظْهر والأصلح والأسلم: أَن تصدق بِأَنَّهَا مَوْجُودَة، وَهِي تلدغ الْمَيِّت، وَلَكِنَّك لَا تشاهد ذَلِك فَإِن هَذِه الْعين لَا تصلح لمشاهدة الْأُمُور الملكوتية، وكل مَا يتَعَلَّق فِي بِالآخِرَة فَهُوَ فِي علم الملكوت. . أما ترى الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَيفَ كَانُوا يُؤمنُونَ بنزول جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام،
وَمَا كَانُوا يشاهدونه، ويؤمنون بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام يُشَاهِدهُ، فَإِن كنت لَا تؤمن بِهَذَا فتصحيح أصل الْإِيمَان بِالْمَلَائِكَةِ وَالْوَحي أهم عَلَيْك وَإِن كنت آمَنت بِهِ، وجوزت أَن يُشَاهد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا تشاهده الْأمة، فَكيف لَا تجوز هَذَا فِي الْمَيِّت، وكما أَن الْملك لَا يشبه الْآدَمِيّين والحيوانات، فالحياة والعقارب الَّتِي تلدغ فِي الْقَبْر لَيست من جنس حيات عالمنا، بل هِيَ جنس آخر، وتدرك بحاسة أُخْرَى.
الْمقَام الثَّانِي: أَن تتذكر أَمر النَّائِم، وَأَنه قد يرى فِي نَومه حَيَّة تلدغه، وَهُوَ يتألم بذلك حَتَّى ترَاهُ رُبمَا يَصِيح ويعرق جَبينه، وَقد ينزعج من مَكَانَهُ كل ذَلِك يُدْرِكهُ من نَفسه ويتأذى بِهِ كَمَا يتَأَذَّى الْيَقظَان وَهُوَ يُشَاهِدهُ، وَأَنت ترى ظَاهره سَاكِنا وَلَا ترى حواليه حَيَّة وَلَا عقربا، والحية مَوْجُودَة فِي حَقه وَالْعَذَاب حَاصِل وَلكنه فِي حَقك غير مشَاهد، وَإِذا كَانَ الْعَذَاب فِي ألم اللدغ فَلَا فرق بَين حَيَّة تتخلل أَو تشاهد.
الْمقَام الثَّالِث: إِنَّك تعلم أَن الْحَيَّة بِنَفسِهَا لَا تؤلم بل الَّذِي يلقاك مِنْهَا هُوَ ألم السم، ثمَّ السم لَيْسَ هُوَ الْأَلَم، بل عذابك فِي الْأَثر الَّذِي يحصل فِيك من السم، فَلَو حصل مثل ذَلِك الْأَثر من غير سم لَكَانَ الْعَذَاب قد توفر وَكَانَ لَا يُمكن تَعْرِيف ذَلِك النَّوْع من الْعَذَاب إِلَّا بِأَن يُضَاف إِلَى السَّبَب الَّذِي يفضى إِلَيْهِ فِي الْعَادة، فَإِنَّهُ لَو خلق فِي الْإِنْسَان لَذَّة الوقاع مثلا من غير مُبَاشرَة صُورَة الوقاع لم يُمكن تَعْرِيفهَا إِلَّا بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ لتَكون الْإِضَافَة للتعريف بِالسَّبَبِ وَتَكون ثَمَرَة السَّبَب حَاصِلَة وَإِن لم تحصل صُورَة السَّبَب، وَالسَّبَب يُرَاد لثمرته لَا لذاته، وَهَذِه الصِّفَات المهلكات تنْقَلب مهلكات مؤذيات ومؤلمات فِي النَّفس عِنْد الْمَوْت فَيكون آلامها كآلام لدغ الْحَيَّات من غير وجودهَا. انْتهى

بَاب ذكر الْمَلأ الْأَعْلَى

قَالَ الله تَعَالَى:
{الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم} .
وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِذا قضى الله تَعَالَى الْأَمر فِي السَّمَاء ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانا لقَوْله، كَأَنَّهُ صلصة على صَفْوَان فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا: مَاذَا قَالَ ربكُم؟ قَالُوا: الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير " وَفِي رِوَايَة " إِذا قضى أمرا سبح حَملَة الْعَرْش، ثمَّ يسبح أهل السَّمَاء الَّذين يَلُونَهُمْ، حَتَّى يبلغ التَّسْبِيح أهل هَذِه السَّمَاء الدُّنْيَا، ثمَّ قَالَ: الَّذين يلون حَملَة الْعَرْش،
لحملة الْعَرْش مَاذَا قَالَ ربكُم؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ، فيستخبر بعض أهل السَّمَوَات بَعْضًا حَتَّى يبلغ الْخَبَر أهل هَذِه السَّمَاء " وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنِّي قُمْت من اللَّيْل، فَتَوَضَّأت، وَصليت مَا قدر لي، فنعست فِي صَلَاتي حَتَّى
استثقلت، فَإِذا أَنا بربي تبَارك وَتَعَالَى فِي أحسن صُورَة فَقَالَ: يَا مُحَمَّد قلت: لبيْك رب قَالَ فِيمَا يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ قلت: لَا أَدْرِي قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: فرأيته وضع كَفه بَين كَتِفي حَتَّى وجدت برد أنامله من ثديي، فتجلى لي كل شَيْء وَعرفت. فَقَالَ: يَا مُحَمَّد قلت: لبيْك رب. قَالَ: فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ قلت: فِي الْكَفَّارَات. قَالَ: وَمَا هن؟ قلت: مشي الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات وَالْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد بعد الصَّلَوَات، وإسباغ الْوضُوء حِين الكريهات. قَالَ: ثمَّ فيمَ؟ قَالَ: قلت: فِي الدَّرَجَات؟ قَالَ: وَمَا هن؟ قلت: إطْعَام الطَّعَام ولين الْكَلَام، وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام " وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَن الله إِذا أحب عبدا دَعَا جِبْرَائِيل فَقَالَ: إِنِّي أحب فلَانا فَأَحبهُ. قَالَ: فَيُحِبهُ جِبْرَائِيل. ثمَّ يُنَادي فِي السَّمَاء فَيَقُول: أَن الله يحب فلَانا فَأَحبُّوهُ، فَيُحِبهُ أهل السَّمَاء، ثمَّ يوضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض. وَإِذا أبْغض عبدا دَعَا جِبْرَائِيل فَيَقُول إِنِّي أبْغض فلَان فَأَبْغضهُ قَالَ: فَيبْغضهُ جِبْرَائِيل ثمَّ يُنَادي فِي أهل السَّمَاء أَن الله يبغض فلَانا فَأَبْغضُوهُ قَالَ فَيبْغضُونَهُ ثمَّ يوضع لَهُ الْبغضَاء فِي الأَرْض " وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" الْمَلَائِكَة يصلونَ على أحدكُم مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي صلى فِيهِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ مَا لم يؤذ فِيهِ، مَا لم يحدث فِيهِ " وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " مَا من يَوْم يصبح الْعباد فِيهِ إِلَّا وملكان ينزلان فَيَقُول أَحدهمَا: اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَيَقُول: الآخر اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا ".
اعْلَم أَنه قد استفاض من الشَّرْع: أَن لله تَعَالَى عبادا هم أفاضل الْمَلَائِكَة ومقربو الحضرة لَا يزالون يدعونَ لمن أصلح نَفسه، وهذبها، وسعى فِي إصْلَاح النَّاس فَيكون دعاؤهم ذَلِك سَبَب نزُول البركات عَلَيْهِم، ويلعنون من عصى
الله، وسعى فِي الْفساد، فَيكون لعنهم سَببا لوُجُود حسرة وندامة فِي نفس الْعَامِل، وإلهامات فِي صُدُور الْمَلأ السافل أَن يبغضوا هَذَا الْمُسِيء، ويسيئوا إِلَيْهِ، أما فِي الدُّنْيَا، أَو حِين يتخفف عَنهُ جِلْبَاب بدنه بِالْمَوْتِ الطبيعي، وَأَنَّهُمْ يكونُونَ سفراء بَين الله وَبَين عباده، وَأَنَّهُمْ يُلْهمُون فِي قُلُوب بني آدم خيرا أَي يكونُونَ أسبابا لحدوث خواطر الْخَيْر فيهم بِوَجْه من وُجُوه السَّبَبِيَّة، وَأَن لَهُم اجتماعات كَيفَ شَاءَ الله وَحَيْثُ شَاءَ الله يعبر عَنْهُم بِاعْتِبَار ذَلِك بالرفيق الْأَعْلَى، والندى الْأَعْلَى وَالْمَلَأ الْأَعْلَى وَأَن الْأَرْوَاح أفاضل الْآدَمِيّين دُخُولا فيهم ولحوقا بهم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى:
{يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي} .
وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب ملكا يطير فِي الْجنَّة مَعَ الْمَلَائِكَة بجناحين "
وَأَن هُنَالك ينزل الْقَضَاء، وَيتَعَيَّن الْأَمر الْمشَار إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى:
{فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} .
وَأَن هُنَالك يَتَقَرَّر الشَّرَائِع بِوَجْه من الْوُجُوه.
وَاعْلَم أَن الْمَلأ الْأَعْلَى ثَلَاثَة أَقسَام: قسم علم الْحق أَن نظام الْخَيْر يتَوَقَّف عَلَيْهِم، فخلق أجساما نورية بِمَنْزِلَة نَار مُوسَى، فَنفخ فِيهَا نفوس كَرِيمَة.
وَقسم اتّفق حُدُوث مزاج فِي البخارات اللطيفة من العناصر اسْتوْجبَ فيضان نفوس شاهقة شَدِيدَة الرَّفْض للألواث البهيمية.
وَقسم هم نفوس إنسانية قريبَة المأخذ من الْمَلأ الْأَعْلَى مَا زَالَت تعْمل
أعمالا منجية تفِيد اللحوق بهم حَتَّى طرحت عَنْهُم جلابيب أبدانها، فانسلكت فِي سلكهم وعدت مِنْهُم، وَالْمَلَأ الْأَعْلَى شَأْنهَا أَنَّهَا تتَوَجَّه إِلَى بارئها توجها ممعنا لَا يصدها عَن ذَلِك الْتِفَات إِلَى شَيْء وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى:
{يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ} .
وتتلقى من رَبهَا اسْتِحْسَان النظام الصَّالح واستهجان خِلَافه، فيقرع ذَلِك بَاب من أَبْوَاب الْجُود الإلهي وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى:
{وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا} .
وأفضالهم تَجْتَمِع أنوارهم، وتتداخل فِيمَا بَينهَا عِنْد الرّوح الَّذِي وَصفه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَثْرَة الْوُجُوه والألسنة، فَتَصِير هُنَالك كشيء وَاحِد وَتسَمى حَظِيرَة الْقُدس، وَرُبمَا حصل فِي حَظِيرَة الْقُدس إِجْمَاع على إِقَامَة حِيلَة لنجاة بني آدم من الدَّوَاهِي المعاشية والمعادية بتكميل أزكى خلق الله يَوْمئِذٍ وتمشية أمره فِي النَّاس، فَيُوجب ذَلِك إلهامات فِي قُلُوب المستعدين من النَّاس أَن يتبعوه، ويكونوا أمة أخرجت للنَّاس، وَيُوجب تمثل عُلُوم فِيهَا صَلَاح الْقَوْم وهداهم فِي قلبه وَحيا ورؤيا وهتفا، وَأَن تتراءى لَهُ فتكلمه شفاها، وَيُوجب نصر أحبائه وتقريبهم من كل خير وَلعن من صد عَن سَبِيل الله وتقريبهم من كل ألم، وَهَذَا أصل من أصُول النُّبُوَّة، وَيُسمى إِجْمَاعهم المستمر بتأييد روح الْقُدس، ويثمر هُنَالك بَرَكَات لم تعهد فِي الْعَادة فتسمى بالمعجزات.
وَدون هَؤُلَاءِ نفوس اسْتوْجبَ فيضانها حُدُوث مزاج معتدل فِي بخارات لَطِيفَة لم تبلغ بهم السَّعَادَة مبلغ الْأَوَّلين، فَصَارَ كَمَا لَهُم أَن تكون
فارغة لانتظار مَا يترشح من فَوْقهَا، فَإِذا ترشح شَيْء بِحَسب استعداد الْقَابِل وتأثير الْفَاعِل انبعثوا إِلَى تِلْكَ الْأُمُور كَمَا تنبعث الطُّيُور والبهائم بالدواعي الطبيعية، وهم فِي ذَلِك فانون عَمَّا يرجع إِلَى أنفسهم، باقون بِمَا ألهموا من فَوْقهم فيؤثرون فِي قُلُوب الْبشر والبهائم، فتنقلب إرادتها وَأَحَادِيث نفوسها إِلَى مَا يُنَاسب الْأَمر المُرَاد، ويؤثرون فِي بعض الْأَشْيَاء الطبيعية فِي تضاعيف حركاتها وتحولاتها، كَمَا يدحرج حجر، فأثر فِيهِ ملك كريم عِنْد ذَلِك، فَمشى فِي الأَرْض أَكثر مِمَّا يتَصَوَّر فِي الْعَادة، وَرُبمَا ألْقى الصياد شبكة فِي النَّهر، فَجَاءَت أَفْوَاج من الْمَلَائِكَة تلهم فِي قلب هَذِه السَّمَكَة أَن تقتحم، وَهَذِه أَن تهرب وتقبض حبلا، وتبسط أُخْرَى، وَهِي لَا تعلم لما تفعل ذَلِك، وَلَكِن تتبع مَا ألهمت وَرُبمَا تقاتلت فئتان، فَجَاءَت الْمَلَائِكَة تزين فِي قُلُوب هَذِه الشجَاعَة والثبات بِأَحَادِيث وخيالات يقتضيها الْمقَام، وتلهم حيل الْغَلَبَة، وتؤيد فِي الرمى وأشباهه، وَفِي قُلُوب تِلْكَ أضداد هَذِه الْخِصَال ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا، وَرُبمَا كَانَ المترشح إيلام نفس إنسانية أَو تنعيمها، فسعت الْمَلَائِكَة كل سعي، وَذَهَبت كل مَذْهَب مُمكن، وبإزاء أُولَئِكَ آخَرُونَ أولو خفَّة وطيش وأفكار مضادة للخير أوجب حدوثهم تعفن بخارات ظلمانية هم الشَّيَاطِين لَا يزالون يسعون فِي أضداد مَا سعت الْمَلَائِكَة فِيهِ وَالله أعلم.
(بَاب ذكر سنة الله الَّتِي أُشير إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا} )
اعْلَم أَن بعض أَفعَال الله يَتَرَتَّب على القوى المودعة فِي الْعَالم بِوَجْه من وُجُوه الترتب، شهد بذلك النَّقْل وَالْعقل قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" أَن الله خلق آدم من قَبْضَة

قبضهَا من جَمِيع الأَرْض، فجَاء بَنو آدم على قدر الأَرْض، مِنْهُم الْأَحْمَر والأبيض وَالْأسود، وَبَين ذَلِك، والسهل والحزن، والخبيث وَالطّيب، وَسَأَلَهُ عبد الله بن سَلام مَا ينْزع الْوَلَد إِلَى أَبِيه أَو إِلَى أمه؟ فَقَالَ:
إِذا سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة نزع الْوَلَد وَإِذا سبق مَاء الْمَرْأَة مَاء الرجل نزعت ".
وَلَا أرى أحدا يشك فِي أَن الإماتة تستند إِلَى الضَّرْب بِالسَّيْفِ أَو أكل السم، وَأَن خلق الْوَلَد فِي الرَّحِم يكون عقيب صب الْمَنِيّ، وَأَن خلق الْحُبُوب وَالْأَشْجَار يكون عقيب الْبذر وَالْغَرْس والسقي، وَلأَجل هَذِه الِاسْتِطَاعَة جَاءَ التَّكْلِيف، وَأمرُوا، ونهوا، وجوزوا بِمَا عمِلُوا، فَتلك القوى مِنْهَا خَواص العناصر وطبائعها، وَمِنْهَا الْأَحْكَام الَّتِي أودعها الله فِي كل صُورَة نوعية، وَمِنْهَا أَحْوَال عَالم الْمِثَال والوجود الْمقْضِي بِهِ هُنَالك قبل الْوُجُود الأرضي، وَمِنْهَا أدعية الْمَلأ الْأَعْلَى بِجهْد هممهم لمن هذب نَفسه، أَو سعى فِي إصْلَاح النَّاس، وعَلى من خَالف ذَلِك، وَمِنْهَا الشَّرَائِع الْمَكْتُوبَة على بني آدم وَتحقّق الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم فَإِنَّهَا سَبَب ثَوَاب الْمُطِيع وعقاب العَاصِي، وَمِنْهَا أَن يقْضِي الله تَعَالَى بِشَيْء، فيجر ذَلِك الشَّيْء شَيْئا آخر لِأَنَّهُ لَازمه فِي سنة الله، وخرم نظام اللُّزُوم غير مرضِي، وَالْأَصْل فِيهِ قَول رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِذا قضى الله لعبد أَن يَمُوت بِأَرْض جعل لَهُ إِلَيْهَا حَاجَة " فَكل ذَلِك نطقت بِهِ الْأَخْبَار، وأوجبته ضَرُورَة الْعقل.
وَاعْلَم أَنه إِذا تَعَارَضَت الْأَسْبَاب الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْقَضَاء بِحَسب جري الْعَادة، وَلم يُمكن وجود مقتضياتها أجمع - وَكَانَت الْحِكْمَة حِينَئِذٍ مُرَاعَاة أقرب الْأَشْيَاء إِلَى الْخَيْر الْمُطلق وَهَذَا هُوَ الْمعبر عَنهُ بالميزان فِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" بِيَدِهِ الْمِيزَان يرفع الْقسْط وَيخْفِضهُ " وبالشأن فِي قَوْله تَعَالَى:
{كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن} . ثمَّ التَّرْجِيح يكون تَارَة بِحَال الْأَسْبَاب أَيهَا أقوى، وَتارَة بِحَال الْآثَار المترتبة أَيهَا أَنْفَع، وبتقديم بَاب الْخلق على بَاب التَّدْبِير وَنَحْو ذَلِك من الْوُجُوه، فَنحْن أَن قصر علمنَا عَن إحاطة الْأَسْبَاب وَمَعْرِفَة الأحق عَن تعارضها نعلم قطعا أَنه لَا يُوجد شَيْء إِلَّا وَهُوَ أَحَق بِأَن يُوجد، وَمن أَيقَن بِمَا ذكرنَا استراح عَن اشكالات كَثِيرَة.
أما هيآت الْكَوَاكِب فَمن تأثيرها مَا يكون ضَرُورِيًّا كاختلاف الصَّيف والشتاء وَطول النَّهَار وقصره باخْتلَاف أَحْوَال الشَّمْس وكاختلاف الجزر وَالْمدّ باخْتلَاف أَحْوَال الْقَمَر، وَجَاء فِي الحَدِيث:
" إِذا طلع النَّجْم ارْتَفَعت العاهة " يَعْنِي بِحَسب جري الْعَادة لَكِن كَون الْفقر والغنى والجدب وَالْخصب وَسَائِر حوادث الْبشر بِسَبَب حركات الْكَوَاكِب فمما لم يثبت فِي الشَّرْع، قد نهى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الْخَوْض فِي ذَلِك فَقَالَ: " من اقتبس شُعْبَة من النُّجُوم اقتبس شُعْبَة من السحر " وشدد فِي قَول: مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَلَا أَقُول نصت الشَّرِيعَة على أَن الله لم يَجْعَل فِي النُّجُوم خَواص تتولد مِنْهَا الْحَوَادِث بِوَاسِطَة تغير الْهَوَاء المكتنف بِالنَّاسِ وَنَحْو ذَلِك، وَأَنت خَبِير بِأَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَن الكهانة وَهِي الْأَخْبَار عَمَّن الْجِنّ، وَبرئ من أَتَى كَاهِنًا وَصدقه، ثمَّ لما سُئِلَ عَن حَال الْكُهَّان أخبر أَن الْمَلَائِكَة تنزل فِي الْعَنَان فَتذكر الْأَمر قضي فِي السَّمَاء، فتسترق الشَّيَاطِين السّمع، فتوحيه إِلَى الْكُهَّان، فيكذبون مَعهَا مائَة كذبة وَأَن الله تَعَالَى قَالَ:
{يأيها الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض أَو كَانُوا غزى وَلَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا} .
وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لن يدْخل أحدكُم الْجنَّة عمله " وَقَالَ: " إِنَّمَا أَنْت رَفِيق والطبيب الله " وَبِالْجُمْلَةِ فالنهي يَدُور على مصَالح كَثِيرَة وَالله أعلم.

بَاب حَقِيقَة الرّوح

قَالَ الله تَعَالَى:
{يَسْأَلُونَك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} .
وَقَرَأَ الْأَعْمَش عَن رِوَايَة ابْن مَسْعُود (وَمَا أُوتُوا من الْعلم إِلَّا قَلِيلا) وَيعلم من هُنَالك أَن الْخطاب للْيَهُود والسائلين عَن الرّوح وَلَيْسَت الْآيَة نصافي إِنَّه لَا يعلم أحد من الْأمة المرحومة حَقِيقَة الرّوح كَمَا يظنّ، وَلَيْسَ كل ماسكت عَنهُ الشَّرْع لَا يُمكن مَعْرفَته الْبَتَّةَ، بل كثيرا مَا يسكت عَنهُ لأجل أَنه معرفَة دقيقة لَا يصلح لتعاطيها جُمْهُور الْأمة وَأَن أمكن لبَعْضهِم.
وَاعْلَم أَن الرّوح أول مَا يدْرك من حَقِيقَتهَا أَنَّهَا مبدأ الْحَيَاة فِي الْحَيَوَان وَأَنه يكون حَيا بنفخ الرّوح فِيهِ، وَيكون مَيتا بمفارقتها مِنْهُ، ثمَّ إِذا أمعن فِي التَّأَمُّل ينجلي أَن فِي الْبدن بخارا لطيفا متولدا فِي الْقلب من خُلَاصَة الأخلاط يحمل القوى الحساسة والمحركة والمدبرة للغذاء يجْرِي فِي حكم الطِّبّ، وَتكشف التجربة أَن لكل من أَحْوَال هَذَا البخار من رقته وغلظه وصفائه وكدرته أثرا خَاصّا فِي القوى والأفاعيل المنبجسة من تِلْكَ القوى وَأَن الآفة الطارئة على كل عُضْو وعَلى توليد البخار الْمُنَاسب لَهُ تفْسد هَذَا البخار، وتشوش أفاعيله ويستلزم تكونه الْحَيَاة، وتحلله الْمَوْت فَهُوَ الرّوح فِي أول النّظر، والطبقة السُّفْلى من الرّوح فِي النّظر الممعن، مثله فِي الْبدن كَمثل مَاء
الْورْد وكمثل النَّار فِي الفحم، ثمَّ إِذا أمعن فِي النّظر أَيْضا أنجلى أَن هَذَا الرّوح مَطِيَّة للروح الْحَقِيقِيَّة ومادة لتعلقها، وَذَلِكَ أَنا نرى الطِّفْل يشب، ويشيب، وتتبدل أخلاط بدنه وَالروح المتولدة من تِلْكَ الأخلاط أَكثر من ألف مرّة، ويصغر تَارَة، وَيكبر أُخْرَى، ويسود تَارَة ويبيض أُخْرَى، وَيكون جَاهِلا مرّة وعالما أُخْرَى إِلَى غير ذَلِك من الْأَوْصَاف المتبدلة والشخص هُوَ هُوَ، وَإِن نُوقِشَ فِي بعض ذَلِك فلنا أَن نفرض تِلْكَ التغيرات والطفل هُوَ هُوَ، أَو نقُول لَا نجزم بِبَقَاء تِلْكَ الْأَوْصَاف بِحَالِهَا، ونجزم بِبَقَائِهِ فَهُوَ غَيرهَا فالشيء الَّذِي هُوَ بِهِ هُوَ لَيْسَ هَذَا الرّوح، وَلَا هَذَا الْبدن، وَلَا هَذِه المشخصات الَّتِي تعرف، وَترى ببادئ الرَّأْي، بل الرّوح فِي الْحَقِيقَة حَقِيقَة فردانية ونقطة نورانية يجل طورها عَن طور هَذِه الأطوار المتغيرة المتغايرة الَّتِي بَعْضهَا جَوَاهِر وَبَعضهَا أَعْرَاض وَهِي مَعَ الصَّغِير كَمَا هِيَ مَعَ الْكَبِير وَمَعَ الْأسود كَمَا هِيَ مَعَ الْأَبْيَض إِلَى غير ذَلِك من المتقابلات، وَلها تعلق خَاص بِالروحِ الهوائي، أَولا وبالبدن ثَانِيًا من حَيْثُ إِن الْبدن مَطِيَّة النَّسمَة وَهِي كوَّة من عَالم الْقُدس ينزل مِنْهَا على النَّسمَة كل مَا استعدت لَهُ، فالأمور المتغيرة إِنَّمَا جَاءَ تغيرها من قبل الاستعدادات الأرضية بِمَنْزِلَة حر الشَّمْس يبيض الثَّوْب ويسود الْقصار وَقد تحقق عندنَا بالوجدان الصَّحِيح أَن الْمَوْت انفكاك النَّسمَة، عَن الْبدن لفقد استعداد الْبدن لتوليدها لَا انفكاك الرّوح الْقُدسِي عَن النَّسمَة، وَإِذا تحللت النَّسمَة فِي الْأَمْرَاض المدنفة وَجب فِي حِكْمَة الله أَن يبْقى الشَّيْء من النَّسمَة بِقدر مَا يَصح ارتباط الرّوح الإلهي بهَا، كَمَا أَنَّك إِذا مصصت الْهَوَاء من القارورة تخَلّل الْهَوَاء حَتَّى تبلغ إِلَى حد لَا تخَلّل بعده، فَلَا تَسْتَطِيع المص، أَو تنفقئ القارورة، وَمَا ذَلِك إِلَّا لسر نَاشِئ من طبيعة الْهَوَاء، فَكَذَلِك سر فِي النَّسمَة وحد لَهَا لَا يجاوزهما الْأَمر، وَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان كَانَ للنسمة نشأة أُخْرَى فينشئ فيض الرّوح الإلهي
فِيهَا قُوَّة فِيمَا بَقِي من الْحس الْمُشْتَرك تَكْفِي كِفَايَة السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام بمدد من عَالم الْمِثَال أَعنِي الْقُوَّة المتوسطة بَين الْمُجَرّد والمحسوس المنبثة فِي الافلاك كشيء وَاحِد، وَرُبمَا تستعد النَّسمَة حِينَئِذٍ للباس نوراني أَو ظلماني بمدد من عَالم الْمِثَال، وَمن هُنَالك تتولد عجائب عَالم البرزخ، ثمَّ إِذا نفخ فِي الصُّور أَي جَاءَ فيض عَام من بارئ الصُّور بِمَنْزِلَة الْفَيْض الَّذِي كَانَ مِنْهُ فِي بَدْء الْخلق حِين نفخت الْأَرْوَاح فِي الأجساد، وَأسسَ عَالم المواليد أوجب فيض الرّوح الإلهي أَن يكتسي لباسا جسمانيا أَو لباسا بَين الْمِثَال والجسم فَيتَحَقَّق جَمِيع مَا أخبر بِهِ الصَّادِق المصدوق عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وأيمن التَّحِيَّات، وَلما كَانَت النَّسمَة برزخا متوسطا بَين الرّوح الإلهي وَالْبدن الأرضي وَجب أَن يكون لهالا وَجه إِلَى هَذَا، وَوجه إِلَى ذَلِك، وَالْوَجْه المائل إِلَى الْقُدس هُوَ الملكية، وَالْوَجْه المائل إِلَى الأَرْض هُوَ البهيمية، ولنقتصر من حَقِيقَة الرّوح على هَذِه الْمُقدمَات لتسلم فِي هَذَا الْعلم، وتفرع عَلَيْهَا التفاريع قبل أَن ينْكَشف الْحجاب فِي علم أَعلَى من هَذَا الْعلم وَالله أعلم.

بَاب سر التَّكْلِيف

قَالَ الله تَعَالَى:
{إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما}
نبه الْغَزالِيّ والبيضاوي وَغَيرهمَا على أَن المُرَاد بالأمانة تقلد عُهْدَة
التَّكْلِيف بِأَن
تتعرض لخطر الثَّوَاب وَالْعِقَاب بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَة، وبعرضها عَلَيْهِنَّ اعْتِبَارهَا بِالْإِضَافَة إِلَى استعدادهن، وبإبائهن الْآبَاء الطبيعي الَّذِي هُوَ عدم اللياقة والاستعداد، وبحمل الْإِنْسَان قابليته واستعداده لَهَا.
أَقُول وعَلى هَذَا فَقَوله تَعَالَى {إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا} خرج مخرج التَّعْلِيل؛ فَإِن الظلوم من لَا يكون عادلا، وَمن شَأْنه أَن يعدل، والجهول من لَا يكون عَالما، وَمن شَأْنه أَن يعلم، وَغير الْآدَمِيّ إِمَّا عَالم عَادل لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الظُّلم وَالْجهل كالملائكة، وَإِمَّا لَيْسَ بعادل وَلَا عَالم وَلَا من شَأْنه أَن يكسبها كَالْبَهَائِمِ، وَإِنَّمَا يَلِيق بالتكليف، ويستعد لَهُ من كَانَ لَهُ كَمَال بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، وَاللَّام فِي قَوْله تَعَالَى {ليعذب} لَام الْعَاقِبَة كَأَنَّهُ قَالَ عَاقِبَة حمل الْأَمَانَة التعذيب والتنعيم، وَإِن شِئْت أَن تستجلي حَقِيقَة الْحَال فَعَلَيْك أَن تتَصَوَّر حَال الْمَلَائِكَة فِي تجردها لَا يزعجها حَالَة ناشئة من تَفْرِيط الْقُوَّة البهيمية كالجوع والعطش وَالْخَوْف والحزن، أَو إفراطها كالشبق وَالْغَضَب والتيه وَلَا يهمها التغذية والتنمية وَلَو أحقهما، وَإِنَّمَا تبقى فارغة لانتظار مَا يرد عَلَيْهَا من فَوْقهَا، فَإِذا ترشح عَلَيْهَا أَمر من فَوْقهَا من إِجْمَاع على إِقَامَة نظام مَطْلُوب أَو رضَا من شَيْء، أَو بغض شَيْء امْتَلَأت بِهِ، وانقادت لَهُ، وانبعثت إِلَى مُقْتَضَاهُ وَهِي فِي ذَلِك فانية عَن مُرَاد نَفسهَا بَاقِيَة بِمُرَاد مَا فَوْقهَا، ثمَّ تتَصَوَّر حَال الْبَهَائِم فِي تلطخها بالهيآت الخسيسة لَا تزَال مشغوفة بمقتضيات الطبيعة فانية فِيهَا لَا تنبعث إِلَى شَيْء إِلَّا انبعاثا بهيميا يرجع إِلَى نفع جَسَدِي واندفاع إِلَى مَا تعطيه الطبيعة فَقَط.
ثمَّ تعلم أَن الله تَعَالَى قد أودع الْإِنْسَان بِحِكْمَتِهِ الباهرة قوتين: قُوَّة ملكية تتشعب من فيض الرّوح الْمَخْصُوصَة بالإنسان على الرّوح الطبيعية السارية فِي الْبدن وقبولها ذَلِك الْفَيْض وانقهارها لَهُ، وَقُوَّة بهيمية تتشعب من النَّفس الحيوانية الْمُشْتَرك فِيهَا كل حَيَوَان المتشبحة بالقوى الْقَائِمَة بِالروحِ الطبيعية واستقلالها بِنَفسِهَا وإذعان الرّوح الإنسانية لَهَا وقبولها الحكم مِنْهَا، ثمَّ تعلم أَن بَين القوتين تزاحما وتجاذبا، فَهَذِهِ تجذب إِلَى الْعُلُوّ دون تِلْكَ إِلَى السّفل وَإِذا برزت البهيمية، وغلبت آثارها كمنت الملكية، وَكَذَلِكَ الْعَكْس، وَأَن للباري جلّ شَأْنه عناية بِكُل نظام، وجودا بِكُل مَا يسْأَله الاستعداد الْأَصْلِيّ والكسبي، فَإِن كسب هيآت بهيمية أمد فِيهَا، وَيسر لَهُ مَا يُنَاسِبهَا، وَإِن كسب هيآت ملكية أمد فِيهَا، وَيسر لَهُ مَا يُنَاسِبهَا كَمَا قَالَ الله عز وَجل.
{فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى} . وَقَالَ: {كلا نمد هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من عَطاء رَبك وَمَا كَانَ عَطاء رَبك مَحْظُورًا} .
وَأَن لكل قُوَّة لَذَّة وألما، فاللذة أَدْرَاك مَا يلائمها، والألم إِدْرَاك مَا يُخَالِفهَا وَمَا أشبه حَال الْإِنْسَان بِحَال من اسْتعْمل مخدرا فِي بدنه، فَلم يجد ألم لفح النَّار حَتَّى إِذا ضعف أَثَره، وَرجع إِلَى مَا تعطيه الطبيعة وجد الْأَلَم أَشد مَا يكون أَو بِحَال الْورْد على مَا ذكره الْأَطِبَّاء أَن فِيهِ ثَلَاث قوى: قُوَّة أرضية تظهر عِنْد السحق والطلاء، وَقُوَّة مائية تظهر عِنْد الْعَصْر وَالشرب، وَقُوَّة هوائية تظهر عِنْد الشم، فَتبين أَن التَّكْلِيف من مقتضيات النَّوْع، وَأَن الْإِنْسَان يسْأَل ربه بِلِسَان استعداده أَن يُوجب عَلَيْهِ مَا يُنَاسب الْقُوَّة الملكية، ثمَّ يثيب على ذَلِك، وَأَن يحرم عَلَيْهِ الانهماك فِي البهيمية، ويعاقب على ذَلِك وَالله أعلم.

بَاب انْشِقَاق التَّكْلِيف من التَّقْدِير

اعْلَم أَن لله تَعَالَى آيَات فِي خلقه يَهْتَدِي النَّاظر فِيهَا إِلَى أَن الله لَهُ الْحجَّة الْبَالِغَة فِي تَكْلِيفه لِعِبَادِهِ بالشرائع، فَانْظُر إِلَى الْأَشْجَار وأوراقها وأزهارها وثمراتها، وَمَا فِي كل ذَلِك من الكيفيات المبصرة والمذوقة وَغَيرهَا، فَإِنَّهُ جعل لكل نوع أوراقا بشكل خَاص، وأزهارا بلون خَاص، وثمارا مُخْتَصَّة بطعوم، وبتلك الْأُمُور يعرف أَن هَذَا الْفَرد من نوع كَذَا وَكَذَا، وَهَذِه كلهَا تَابِعَة للصورة النوعية ملتوية مَعهَا إِنَّمَا تَجِيء من حَيْثُ جَاءَت الصُّورَة النوعية، وَقَضَاء الله تَعَالَى بِأَن تكون هَذِه الْمَادَّة نَخْلَة مثلا مشتبك مَعَ قَضَائِهِ التفصيلي بِأَن تكون ثَمَرَتهَا كَذَا وخواصها كَذَا.
وَمن خَواص النَّوْع مَا يُدْرِكهُ كل من لَهُ بَال، وَمن خواصه مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الألمعي الفطن كتأثير الْيَاقُوت فِي نفس حامله بالتفريح والتشجيع، وَمن خواصه مَا يعم كل الْأَفْرَاد، وَمن خواصه مَا لَا يُوجد إِلَّا فِي بَعْضهَا حَيْثُ تستعد الْمَادَّة، كالأهليلج الَّذِي يسهل بطن من قبض عَلَيْهِ بِيَدِهِ، وَلَيْسَ لَك أَن تَقول لما كَانَت ثَمَرَة النّخل على هَذِه الصّفة؟ فَإِنَّهُ سُؤال بَاطِل لِأَن وجود لَوَازِم الماهيات مَعهَا لَا يطْلب (بلم، ثمَّ أنظر إِلَى أَصْنَاف الْحَيَوَان تَجِد لكل نوع شكلا وخلقة، كَمَا تَجِد فِي الْأَشْجَار، وتجد مَعَ ذَلِك لَهَا حركات اختيارية، وإلهامات طبيعية، وتدبيرات جبلية يمتاز كل نوع بهَا، فبهيمة الْأَنْعَام ترعى الْحَشِيش، وتجتر، وَالْفرس وَالْحمار والبغل ترعى الْحَشِيش، وَلَا تجتر، وَالسِّبَاع تَأْكُل اللَّحْم، وَالطير يطير فِي الْهَوَاء، والسمك يسبح فِي المَاء، وَلكُل نوع من الْحَيَوَان صَوت غير صَوت الآخر، ومسافدة غير مسافدة الآخر، وحضانة للأولاد غير حضَانَة الآخر، وَشرح هَذَا يطول، وَمَا ألهم نوعا من الْأَنْوَاع إِلَّا علوما تناسب مزاجه، وَإِلَّا مَا يصلح بِهِ ذَلِك النَّوْع.
وكل هَذِه الإلهامات تترشح عَلَيْهِ من جَانب بارئها من كوَّة الصُّورَة النوعية، وَمثلهَا كَمثل تخاطيط الأزهار، وطعوم الثمرات فِي تشابكها مَعَ الصُّورَة النوعية، وَمن أَحْكَام النَّوْع مَا يعم الْأَفْرَاد، وَمِنْهَا مَا لَا يُوجد إِلَّا فِي الْبَعْض حَيْثُ تستعد الْمَادَّة، وتتفق الْأَسْبَاب، وَإِن كَانَ أصل الاستعداد يعم الْكل، كاليعسوب من بَين النَّحْل، والببغاء يتَعَلَّم محاكاة أصوات النَّاس بعد تَعْلِيم وتمرين، ثمَّ أنظر إِلَى نوع الْإِنْسَان تَجِد لَهُ مَا وجدت فِي الْأَشْجَار، وَمَا وجدت فِي أَصْنَاف الْحَيَوَان كالسعال والتمطي والجشاء وَدفع الفضلات ومص الثدي فِي أول نشأته، وتجد مَعَ ذَلِك فِيهِ خَواص يمتاز بهَا من سَائِر الْحَيَوَان: مِنْهَا النُّطْق، وَفهم الْخطاب، وتوليد الْعُلُوم الكسبية من تَرْتِيب الْمُقدمَات البديهية، أَو من التجربة والاستقراء والحدس وَمن الاهتمام بِأُمُور يستحسنها بعقله، وَلَا يجدهَا بحسه، وَلَا وهمه، كتهذيب النَّفس، وتسخير الأقاليم تَحت حكمه، وَلذَلِك يتوارد على أصُول هَذِه الْأُمُور جَمِيع الْأُمَم حَتَّى سكان شَوَاهِق الْجبَال، وَمَا ذَلِك إِلَّا لسر نَاشِئ من جذر صورته النوعية، وَذَلِكَ السِّرّ أَن مزاج الْإِنْسَان يَقْتَضِي أَن يكون عقله قاهرا على قلبه، وَقَلبه قاهرا على نَفسه.
ثمَّ انْظُر إِلَى تَدْبِير الْحق لكل نوع، وتربيته إِيَّاه، ولطفه بِهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبَات لَا يحس، وَلَا يَتَحَرَّك جعل لَهُ عروقا تمص الْمَادَّة المجتمعة من المَاء والهواء ولطيف التُّرَاب، ثمَّ يفرقها فِي الأغصان وَغَيرهَا على تَقْسِيم تعطيه الصُّورَة النوعية، وَلما كَانَ الْحَيَوَان حساسا
متحركا بالإرادة لم يَجْعَل لَهُ عروقا تمص الْمَادَّة من الأَرْض، بل ألهمه طلب الْحُبُوب والحشيش وَالْمَاء من مظانها، وألهمه جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الارتفاقات، وَالنَّوْع الَّذِي لَا يتكون من الأَرْض تكون الديدان مِنْهَا دبر الله تَعَالَى لَهُ بِأَن أودع فِيهِ قوى التناسل،
وَخلق فِي الْأُنْثَى رُطُوبَة يصرفهَا إِلَى تربية الْجَنِين، ثمَّ حولهَا لَبَنًا خَالِصا، وألهم الْمُتَوَلد مص الثدي وازدراد اللَّبن، وَجعل فِي الدَّجَاجَة رُطُوبَة يصرفهَا إِلَى تكون الْبيض، فَإِذا باضت أَصَابَهَا يبس وخلو جَوف يحملانها على جُنُون يَسْتَدْعِي ترك مُخَالطَة بني نوعها، واستحباب حضَانَة شَيْء تسد بِهِ جوفها، وَجعل من طبع الْحَمَامَة الْأنس بَين ذكرهَا وأنثاها، وَجعل خلو جوفها هُوَ الْحَامِل على حضَانَة الْبيض، ثمَّ جعل رطوبتها البالية تتَوَجَّه إِلَى التهوع، وَجعل لَهَا رَحْمَة على الفرخ، وَجعل رحمتها مَعَ الرُّطُوبَة البالية سَببا لتهوعها وَدفع الْحُبُوب وَالْمَاء إِلَى جَوف فرخها، وَجعل الذّكر مِنْهَا بِسَبَب الْأنس يُقَلّد أنثاها، وَخلق للفراخ مزاجا رطبا ثمَّ حول رطوبتها ريشا تطير بِهِ.
وَلما كَانَ الْإِنْسَان مَعَ احساسه وقبوله للالهامات الجبلية والعلوم الطبيعية ذَا عقل وتوليد للعلوم الكسبية - ألهمه الزَّرْع وَالْغَرْس وَالتِّجَارَة والمعاملة، وَجعل مِنْهُم السَّيِّد بالطبع والاتفاق، وَالْعَبْد بالطبع والاتفاق، وَجعل مِنْهُم الْمُلُوك والرعية، وَجعل مِنْهُم الْحَكِيم الْمُتَكَلّم بالحكمة الإلهية والطبيعية والرياضية والعملية، وَجعل مِنْهُم الْغَنِيّ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لذَلِك إِلَّا بِضَرْب من تَقْلِيد، وَلذَلِك ترى أُمَم النَّاس من أهل الْبَوَادِي والحضر متواردين على هَذِه ... ، وَهَذَا كُله شرح الْخَواص والتدبيرات الظَّاهِرَة الْمُتَعَلّقَة بقوته البهيمية وارتفاقاته المعيشية، ثمَّ انْتقل إِلَى قوته الملكية.
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان لَيْسَ كَسَائِر أَنْوَاع الْحَيَوَان، بل لَهُ إِدْرَاك أشرف من إدراكاتهم، وَمن علومه الَّتِي يتوارد عَلَيْهَا أَكثر أَفْرَاده غير من عَصَتْ مادته أَحْكَام نَوعه - التفتيش عَن سَبَب إيجاده وتربيته، والتنبيه بِإِثْبَات مُدبر
فِي الْعَالم هُوَ أوجده ورزقه، والتضرع بَين يَدي بارئه ومدبره بهمته وَعلمه حسب مَا يتَضَرَّع إِلَيْهِ هُوَ وَجَمِيع أَبنَاء جنسه دَائِما سر مدا بِلِسَان الْحَال وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {ألم ترى أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب} .
أَلَيْسَ أَن كل جُزْء من الشَّجَرَة من أَغْصَانهَا وأوراقها وأزهارها متكفف يَده إِلَى النَّفس النباتية الْمُدبرَة فِي الشَّجَرَة دَائِما سر مدا، فَلَو كَانَ لكل جُزْء مِنْهَا عقل لحمد النَّفس النباتية حمدا غير حمد الآخر، وَلَو كَانَ لَهُ فهم لَا نطبع التكفف الحالي فِي علمه وَصَارَ تكففا بالهمة.
فَاعْلَم من هُنَاكَ أَن الْإِنْسَان لما كَانَ ذَا عقل ذكي انطبع فِي نَفسه التكفف العلمي حسب التكفف الحالي، وَمن خواصه أَيْضا أَن يكون فِي نوع الْإِنْسَان من لَهُ خلوص إِلَى منبع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة يتلقاها مِنْهُ وَحيا أَو حدسا أَو رُؤْيا، وَأَن يكون آخَرُونَ قد تفرسوا من هَذَا الْكَامِل آثَار الرشد وَالْبركَة، فانقادوا لَهُ فِيمَا يَأْمر، وَينْهى، وَلَيْسَ فَرد من أَفْرَاد الْإِنْسَان إِلَّا لَهُ قُوَّة للتخلص إِلَى الْغَيْب برؤيا يَرَاهَا، أَو بِرَأْي يبصره، أَو هتيف يسمعهُ، أَو حدس يتفطن لَهُ، إِلَّا أَن مِنْهُم الْكَامِل، وَمِنْهُم النَّاقِص، والناقص يحْتَاج إِلَى الْكَامِل، وَله صِفَات يجل طورها عَن طور صِفَات الْبَهَائِم كالخشوع والنظافة وَالْعَدَالَة والسماحة، وكظهور بوارق الجبروت والملكوت من استجابة الدُّعَاء وَسَائِر الكرامات وَالْأَحْوَال والمقامات.
والأمور الَّتِي يمتاز بهَا الْإِنْسَان من سَائِر أَفْرَاد الْحَيَوَان كَثِيرَة جدا لَكِن جماع الْأَمر وملاكه خصلتان:
أَحدهمَا زِيَادَة الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَلها شعبتان شُعْبَة غائصة فِي الارتفاقات لمصْلحَة نظام الْبشر واستنباط دقائقها، وَشعْبَة مستعدة للعلوم الغيبية الفائضة بطرِيق الوهب.
وَثَانِيهمَا براعة الْقُوَّة العملية، وَلها أَيْضا شعبتان: شُعْبَة هِيَ ابتلاعها للأعمال من طَرِيق بلعوم اخْتِيَارهَا وإرادتها، فالبهائم تفعل أفعالا بِالِاخْتِيَارِ، وَلَا تدخل أفعالا فِي جدر أَنْفسهَا، وَلَا تتلون أَنْفسهَا بأرواح تِلْكَ الْأَفْعَال، وَإِنَّمَا تلتصق بالقوى الْقَائِمَة بِالروحِ الهوائي فَقَط، فيسهل عَلَيْهَا صُدُور أَمْثَالهَا.
وَالْإِنْسَان يفعل أفعالا، فتفنى الْأَفْعَال، وتنزع مِنْهَا أرواحها، فتبلعها النَّفس، فَيظْهر فِي النَّفس إِمَّا نور وَإِمَّا ظلم، وَقَول الشَّرْع شَرط الْمُؤَاخَذَة على الْأَفْعَال أَن يَفْعَلهَا بِالِاخْتِيَارِ بِمَنْزِلَة قَول الطَّبِيب شَرط الضَّرَر بالسم وَالِانْتِفَاع بالترياق أَن يدخلا فِي البلعوم، وينزلا فِي الْجوف، وأمارة مَا قُلْنَا أَن النَّفس الإنسانية تبلع من أَرْوَاح الْأَعْمَال مَا اتّفق عَلَيْهِ أُمَم بني آدم من عمل الرياضات والعبادات وَمَعْرِفَة أنوار كل ذَلِك وجدانا، وَمن الْكَفّ عَن الْمعاصِي والمنهيات ورؤية قسوة كل ذَلِك وجدانا. وَشعْبَة: هِيَ أَحْوَال ومقامات سنية، كمحبة الله والتوكل عَلَيْهِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْبَهَائِم جِنْسهَا.
وَاعْلَم أَنه لما كَانَ اعْتِدَال مزاح الْإِنْسَان بِحَسب مَا تعطيه الصُّورَة النوعية لَا يتم إِلَّا بعلوم لَا يتَخَلَّص إِلَيْهَا أزكاهم، ثمَّ يقلده الْآخرُونَ وبشريعة تشْتَمل على معارف إلهية وتدبيرات ارتفاقية وقواعد تبحث عَن الْأَفْعَال
الاختيارية وتقسمها إِلَى الْأَقْسَام الْخَمْسَة من الْوَاجِب، وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ، والمباح وَالْمَكْرُوه، وَالْحرَام، ومقدمات تبين مقامات للإحسان وَجب فِي حِكْمَة الله تَعَالَى وَرَحمته أَن يهئ فِي غيب قدسه رزق قوته الْعَقْلِيَّة يخلص إِلَيْهِ أزكاهم فيتلقاه من هُنَالك، وينقاد لَهُ سَائِر النَّاس بمنزله مَا ترى فِي نوع النَّحْل من يعسوب يدبر لسَائِر أفرادها لَوْلَا هَذَا التلقي بِوَاسِطَة، وَلَا بِوَاسِطَة لم يكمل كَمَاله الْمَكْتُوب لَهُ، فَكَمَا أَن المستبصر إِذا رأى نوعا من أَنْوَاع الْحَيَوَان لَا يتعيش إِلَّا بالحشيش استيقن أَن الله دبر لَهُ مرعى فِيهِ حشيش كثير، فَكَذَلِك المستبصر فِي صنع الله يستيقن أَن هُنَاكَ طَائِفَة من الْعُلُوم يسد بهَا الْعقل خلته فيكمل كَمَا لَهُ الْمَكْتُوب لَهُ، وَتلك الطَّائِفَة مِنْهَا علم التَّوْحِيد وَالصِّفَات، وَيجب أَن يكون مشروحا بشرح يَنَالهُ الْعقل الإنساني بطبيعته لَا مغلقا لَا يَنَالهُ إِلَّا من ينْدر وجود مثله، فشرح هَذَا الْعلم بالمعرفة الْمشَار إِلَيْهَا بقوله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، فَأثْبت لنَفسِهِ صِفَات يعرفونها، ويستعملونها، بَينهم من الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْقُدْرَة والإرادة وَالْكَلَام وَالْغَضَب والسخط وَالرَّحْمَة وَالْملك والغنى، وَأثبت مَعَ ذَلِك أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء فِي هَذِه الصِّفَات؛ فَهُوَ حَيّ لَا كحياتنا، وبصير لَا كبصرنا، قدير لَا كقدرتنا، مُرِيد لَا كإرادتنا، مُتَكَلم لَا ككلامنا، وَنَحْو ذَلِك، ثمَّ فسر عدم الْمُمَاثلَة بِأُمُور مستبعدة فِي جنسنا مثل أَن يُقَال يعلم عدد قطر الأمطار، وَعدد رمل الفيافي، وَعدد أوراق الْأَشْجَار، وَعدد أنفاس الْحَيَوَانَات، ويبصر دَبِيب النَّمْل فِي اللَّيْلَة الظلماء، وَيسمع مَا يتوسوس بِهِ تَحت اللحف فِي الْبيُوت المغلقة عَلَيْهَا أَبْوَابهَا، وَنَحْو ذَلِك، وَمِنْهَا علم الْعِبَادَات، وَمِنْهَا علم الارتفاقات، وَمِنْهَا علم الْمُخَاصمَة. أَعنِي أَن النُّفُوس السفلية إِذا تولدت بَينهَا شُبُهَات تدافع بهَا الْحق كَيفَ يحل تِلْكَ العقد، وَمِنْهَا علم التَّذْكِير بآلاء الله، وبأيام الله
وبوقائع البرزخ والمحشر فَنظر الْحق تبَارك وَتَعَالَى فِي الْأَزَل إِلَى نوع الْإِنْسَان، وَإِلَى استعداده الَّذِي يتوارثه أَبنَاء النَّوْع، وَنظر إِلَى قوته الملكية وَالتَّدْبِير الَّذِي يصلحه من الْعُلُوم المشروحة حسب استعداده، فتمثلت تِلْكَ الْعُلُوم كلهَا فِي غيب الْغَيْب محدودة ومحصاة، وَهَذَا التَّمْثِيل هُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ الاشاعرة بالْكلَام النَّفْسِيّ، وَهُوَ غير الْعلم وَغير الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة، ثمَّ لما جَاءَ وَقت خلق الْمَلَائِكَة علم الْحق أم مصلحَة أَفْرَاد الْإِنْسَان لَا تتمّ إِلَّا بنفوس كَرِيمَة، نسبتها إِلَى نوع الْإِنْسَان كنسبة القوى الْعَقْلِيَّة فِي الْوَاحِد منا إِلَى نَفسه، فأوجدهم بِكَلِمَة (كن) بمحض الْعِنَايَة بأفراد الْإِنْسَان فأودع فِي صُدُورهمْ ظلا من تِلْكَ الْعُلُوم المحدودة المحصاة فِي غيب غيبه، فتصورت بِصُورَة روحية، وإليهم الْإِشَارَة فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى:
{الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله} . الْآيَة.
ثمَّ لما جَاءَ بعض القرانات المقتفية لتغيير الدول والملل، قضى بِوُجُود روحاني آخر لتِلْك الْعُلُوم، فَصَارَت مشروحة مفصلة بِحَسب مَا يَلِيق بِتِلْكَ القرانات، وإليها الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم} .
ثمَّ انتظرت حِكْمَة الله لوُجُود رجل زكي يستعد للوحي قد قضى بعلو شَأْنه وارتفاع مَكَانَهُ حَتَّى إِذا وجد اصطنعه لنَفسِهِ، واتخذه جارحة لإتمام مُرَاده وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه، وَأوجب طَاعَته على عباده، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام:
{واصطنعتك لنَفْسي}
فَمَا أوجب تعْيين تِلْكَ الْعُلُوم فِي غيب الْغَيْب إِلَّا الْعِنَايَة بالنوع، وَلَا سَأَلَ الْحق فيضان نفوس الْمَلأ الْأَعْلَى إِلَّا استعداد النَّوْع، وَلَا ألح عِنْد القرانات بسؤال تِلْكَ الشَّرِيعَة الْخَاصَّة إِلَّا أَحْوَال النَّوْع، فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة.
" فَإِن قيل " من أَيْن وَجب على الْإِنْسَان أَن يُصَلِّي، وَمن أَيْن وَجب عَلَيْهِ أَن ينقاد للرسول، وَمن أَيْن حرم عَلَيْهِ الزِّنَا وَالسَّرِقَة؟ " فَالْجَوَاب " وَجب عَلَيْهِ هَذَا، وَحرم عَلَيْهِ ذَلِك من حَيْثُ وَجب على الْبَهَائِم أَن ترعى الْحَشِيش، وَحرم عَلَيْهَا أكل اللَّحْم، وَوَجَب على السبَاع أَن تَأْكُل اللَّحْم، وَلَا ترعى الْحَشِيش، وَمن حَيْثُ وَجب على النَّحْل أَن يتبع اليعسوب إِلَّا أَن الْحَيَوَان اسْتوْجبَ تلقي علومها إلهاما جبليا، واستوجب الْإِنْسَان تلقي علومه كسبا ونظرا، أَو وَحيا، أَو تقليدا.

بَاب اقْتِضَاء التَّكْلِيف المجازاة

اعْلَم أَن النَّاس مجزيون بأعمالهم، إِن خيرا فَخير، وَإِن شرا فشر من أَرْبَعَة وُجُوه:
أَحدهَا مُقْتَضى الصُّورَة النوعية، فَكَمَا أَن الْبَهِيمَة إِذا علفت الْحَشِيش، والسبع إِذا علف اللَّحْم - صَحَّ مزاجهما، وَإِذا علفت الْبَهِيمَة اللَّحْم، والسبع الْحَشِيش - فسد مزاجهما، فَكَذَلِك الْإِنْسَان إِذا بَاشر أعمالا أرواحها الْخُشُوع بِجَانِب الْحق، وَالطَّهَارَة والسماحة وَالْعَدَالَة صلح مزاجه الملكي، وَإِذا بَاشر أعمالا أرواحها أضداد هَذِه الْخِصَال فسد مزاجه الملكي، فَإِذا تخفف عَن ثقل الْبدن أحس بالملاءمة والمنافرة شبه مَا يحس أَحَدنَا من ألم الاحتراق
وَثَانِيها جِهَة الْمَلأ الْأَعْلَى، فَكَمَا أَن الْوَاحِد مِنْهَا لَهُ قوى إدراكية مودعة فِي الدِّمَاغ، يحس بهَا مَا وَقعت عَلَيْهِ قدمه من جَمْرَة أَو ثلجة، فَكَذَلِك بِصُورَة الْإِنْسَان المتمثلة من الملكوت خدام من الْمَلَائِكَة أوجدها عناية الْحق بِنَوْع الْإِنْسَان، لِأَن نوع الْإِنْسَان لَا يصلح إِلَّا بهم، كَمَا أَن الْوَاحِد منا لَا يصلح إِلَّا بِالْقُوَّةِ الإدراكية، فَكلما فعل فَرد من أَفْرَاد الْإِنْسَان فعلا منجيا خرجت من تِلْكَ الْمَلَائِكَة أشعة بهجة وسرور، وَكلما فعل فعلا مهْلكا خرجت مِنْهَا أشعة نفرة وبغض، فَحلت تِلْكَ الأشعة فِي نفس هَذَا الْفَرد، فأورثت بهجة، أَو وَحْشَة، أَو فِي نفوس بعض الْمَلَائِكَة، أَو بعض النَّاس، فانعقد الإلهام أَن يحبوه، ويحسنوا إِلَيْهِ، أَو يبغضوه، ويسيئوا إِلَيْهِ شبه مَا نرى من أَن أَحَدنَا وَإِذا وَقعت رجله على جَمْرَة أحست قواه الإدراكية بألم الاحتراق ثمَّ خرجت مِنْهَا أشعة تُؤثر فِي الْقلب، فيحزن، وَفِي الطَّبْع فيحم وتأثير أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة فِينَا شَبيه بتأثير الإدراكات فِي أبداننا، فَكَمَا أَن الْوَاحِد منا قد يتَوَقَّع ألما أَو ذلا فترتعد فرائصه، ويصفر لَونه، ويضعف جسده وَرُبمَا تسْقط شَهْوَته، ويحمر بَوْله، وَرُبمَا بَال أَو خرئ من شدَّة الْخَوْف، فَهَذَا كُله تَأْثِير الْقُوَّة الإدراكية فِي الطبيعة ووحيها إِلَيْهَا وقهرها عَلَيْهَا، فَكَذَلِك الْمَلَائِكَة الموكلة ببني آدم يترشح مِنْهَا عَلَيْهِم وعَلى نفوس الْمَلَائِكَة السفلية إلهامات جبلية، وحالات طبيعية، وأفراد الْإِنْسَان كلهَا بِمَنْزِلَة القوى الطبيعية لهَذِهِ الْمَلَائِكَة بِمَنْزِلَة القوى الإدراكية لَهُم، وكما تهبط تِلْكَ الأشعة إِلَى السّفل فَكَذَلِك يصعد إِلَى حَظِيرَة الْقُدس مِنْهَا لون يعد لفيضان هَيْئَة تسمى، بِالرَّحْمَةِ والرضى وَالْغَضَب واللعن مثل إعداد مجاورة النَّار المَاء لتسخينه، وإعداد الْمُقدمَات للنتيجة، وإعداد الدُّعَاء للإجابة، فَيتَحَقَّق التجدد فِي الجبروت من هَذَا الْوَجْه، فَيكون غضب، ثمَّ تَوْبَة، وَيكون رَحْمَة، ثمَّ نقمة قَالَ الله تَعَالَى:
{إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم} .
وَقد أخبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة أَن الْمَلَائِكَة ترفع أَعمال بني آدم إِلَى الله تَعَالَى، وَأَن الله يسألهم كَيفَ تركْتُم عبَادي؟ وَأَن عمل النَّهَار يرفع إِلَيْهِ قبل عمل اللَّيْل يُنَبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ضرب من توَسط الْمَلَائِكَة بَين بني آدم وَبَين نور الله الْقَائِم وسط حَظِيرَة الْقُدس.
وَثَالِثهَا مُقْتَضى الشَّرِيعَة الْمَكْتُوبَة عَلَيْهِم، فَكَمَا يعرف المنجم أَن الْكَوَاكِب إِذا كَانَ لَهَا نظر من النظرات حصلت روحانية ممتزجة من قواها متمثلة فِي جُزْء من الْفلك، فَإِذا نقلهَا إِلَى الأَرْض ناقل أَحْكَام الفلكيات - اعني الْقَمَر - انقلبت خواطرهم حسب تِلْكَ الروحانية، فَكَذَلِك يعرف الْعَارِف بِاللَّه أَنه إِذا جَاءَ وَقت من الْأَوْقَات تسمى فِي الشَّرْع بالليلة الْمُبَارَكَة الَّتِي فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم حصلت روحانية فِي الملكوت ممتزجة من أَحْكَام نوع الْإِنْسَان، وَمُقْتَضى هَذَا الْوَقْت يترشح من هُنَالك إلهامات على أذكى خلق الله يَوْمئِذٍ، وعَلى نفوس تليه فِي الذكاء بواسطته، ثمَّ يلهم سَائِر النَّاس قبُول تِلْكَ الإلهامات واستحسانها، وَيُؤَيّد ناصرها، ويخذل معاندها، وتلهم الْمَلَائِكَة السفلية الْإِحْسَان لمطيعها، والإساءة إِلَى عاصيها، ثمَّ يصعد مِنْهَا لون إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى وحظيرة الْقُدس، فَيحصل هُنَالك رضَا وَسخط.
وَرَابِعهَا أَن النَّبِي إِذا بعث فِي النَّاس، وَأَرَادَ الله تَعَالَى ببعثه لطفا بهم وتقريبا لَهُم إِلَى الْخَيْر، وَأوجب طَاعَته عَلَيْهِم صَار الْعلم الَّذِي يُوحى إِلَيْهِ متشخصا متمثلا، وامتزج بهمة هَذَا النَّبِي ودعائه وَقَضَاء الله تَعَالَى بالنصر لَهُ، فتأكد وَتحقّق.
أما المجازاة فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين ففطرة فطر الله النَّاس عَلَيْهَا، وَلنْ
تَجِد لفطرة الله تبديلا، وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا فِي أصُول الْبر والاثم، وكلياتها دون فروعها وحدودها، وَهَذِه الْفطْرَة هُوَ الدّين الَّذِي لَا يخْتَلف باخْتلَاف الاعصار، والأنبياء كلهم مجمعون عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تبَارك وَتَعَالَى.
{إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة} .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْأَنْبِيَاء بَنو علات، أبوهم وَاحِد، وأمهاتهم شَتَّى " والمؤاخذة على هَذَا الْقدر متحققة قبل بعثة الْأَنْبِيَاء وَبعدهَا سَوَاء.
وَأما المجازاه بِالْوَجْهِ الثَّالِث فمختلفة باخْتلَاف الْأَعْصَار، وَهِي الحاملة على بعث الْأَنْبِيَاء وَالرسل، وإليها الْإِشَارَة فِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا مثلي وَمثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ كَمثل رجل أَتَى قوما، فَقَالَ يَا قوم أَنِّي رَأَيْت الْجَيْش بعيني، وَأَنِّي أَنا النذير الْعُرْيَان، فالنجا النَّجَاء، فأطاعه طَائِفَة من قومه، فأدلجوا، فَانْطَلقُوا على مهلهم، فنجوا، وكذيت طَائِفَة مِنْهُم، فَأَصْبحُوا مكانهم، فصبحهم الْجَيْش، فأهلكهم واجتاحهم، فَكَذَلِك مثل من أَطَاعَنِي، فَاتبع مَا جِئْت بِهِ، وَمثل من عَصَانِي، وَكذب مَا جِئْت بِهِ من الْحق ".
وَأما المجازاة بِالْوَجْهِ الرَّابِع، فَلَا تكون إِلَّا بعد بعثة الْأَنْبِيَاء، وكشف الشُّبْهَة وَصِحَّة التَّبْلِيغ.
{ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة} .

بَاب اخْتِلَاف النَّاس فِي جبلتهم المستوجب لاخْتِلَاف أَخْلَاقهم وأعمالهم ومراتب كمالهم

وَالْأَصْل فِيهِ مَا روى عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه قَالَ: " إِذا سَمِعْتُمْ بجبل زَالَ عَن مَكَانَهُ، فصدقوه، وَإِذا سَمِعْتُمْ بِرَجُل تغير عَن خلقه، فَلَا تصدقوا بِهِ، فَإِنَّهُ يصير إِلَى مَا جبل عَلَيْهِ " وَقَالَ: " أَلا إِن بني آدم خلقُوا على طَبَقَات شَتَّى.
فَمنهمْ من يُولد مُؤمنا " فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، وَذكر طبقاتهم فِي الْغَضَب تقاضي الدّين وَقَالَ: " النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة " وَقَالَ الله تَعَالَى:
{قل كل يعْمل على شاكلته} .
أَي طَرِيقَته الَّتِي جبل عَلَيْهَا
وَأَن شِئْت أَن تستجلي مَا فتح الله عَليّ فِي هَذَا الْبَاب، وفهمني من مَعَاني هَذِه الْأَحَادِيث (فَاعْلَم) أَن الْقُوَّة الملكية تخلق فِي النَّاس على وَجْهَيْن: أَحدهمَا الْوَجْه الْمُنَاسب بالملأ الْأَعْلَى الَّذِي شَأْنهمْ الانصباغ بعلوم الْأَسْمَاء وَالصِّفَات، وَمَعْرِفَة دقائق الجبروت، وتلقي النظام على وَجه الْإِحَاطَة بِهِ، واجتماع الهمة على طلب وجوده، وَالثَّانِي الْوَجْه الْمُنَاسب بالملأ السافل الَّذِي شَأْنهمْ انبعاث بداعية تترشح عَلَيْهِم من فَوْقهم من غير إحاطة، وَلَا اجْتِمَاع الهمة، وَلَا الْمعرفَة ونورانيه، ورفض للالواث البهيمية
وَكَذَلِكَ الْقُوَّة الْبَهِيمَة تخلق على وَجْهَيْن:
أَحدهمَا البهيمية الشَّدِيدَة الصفيقة كَهَيئَةِ الْفَحْل الفاره الَّذِي نَشأ فِي غذَاء عُزَيْر، وتدبير مُنَاسِب
فَكَانَ عَظِيم الْجِسْم شديده، وجهوري الصَّوْت، قوي الْبَطْش، ذَا همة نَافِذَة وتيه عَظِيم، وَغَضب وحسد قويين، وشبق وافر، منافسا فِي الْغَلَبَة والظهور، شُجَاع الْقلب.
وَالثَّانِي البهيمية الضعيفة المهلهلة كَهَيئَةِ الْحَيَوَان الخصى المخدج الَّذِي نَشأ فِي جَدب وتدبير غير مُنَاسِب، فَكَانَ حقير الْجِسْم ضعيفه، رَكِيك الصَّوْت، ضَعِيف الْبَطْش، جبان الْقلب، غير ذِي همة، وَلَا مُنَافَسَة فِي الْغَلَبَة والظهور، والقوتان جَمِيعًا لَهما جبلة تخصص أحد وجهيها، وَكسب يُؤَيّدهُ، ويقويه، ويمد فِيهِ
واجتماع القوتين فيهم أَيْضا يكون على وَجْهَيْن: فَتَارَة تجتمعان بالتجاذب تكون كل وَاحِدَة متوفرة فِي طلب مقتضياتها، طامحة فِي أقْصَى غاياتها مريدة سننها الطبيعي، فَلَا جرم أَن يَقع بَينهمَا التجاذب، فَإِن غلبت هَذِه اضمحلت آثَار تِلْكَ، وَكَذَلِكَ الْعَكْس، وَتارَة بالاصطلاح بِأَن تنزل الملكية عَن طلب حكمهَا الصراح إِلَى مَا يقرب مِنْهُ من عقل وسخاوة نفس وعفة وطبع، وإيثار النَّفْع الْعَام على انْتِفَاع نَفسه خَاصَّة، وَالنَّظَر إِلَى الآجل دون الِاقْتِصَار على العاجل، وَحب النَّظَافَة فِي جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِهِ، وتترقي البهيمية من طلب حكمهَا الصراح إِلَى مَا لَيْسَ بِبَعِيد من الرَّأْي الْكُلِّي، وَلَا مضاد لَهُ، فتصطلحان وَيحصل مزاج لَا تخَالف فِيهِ، وَلكُل من مرتبتي الملكية والبهيمية والاجتماع طرفان ووسط وَمَا يقرب من طرف أَو وسط، وَكَذَلِكَ تذْهب الْأَقْسَام إِلَى غير النِّهَايَة إِلَّا أَن رُءُوس الْأَقْسَام المنفرزة بأحكامها، وَالَّتِي يعرف غَيرهَا بمعرفتها ثَمَانِيَة حَاصِلَة من انقسام الِاجْتِمَاع بالتجاذب إِلَى أَرْبَعَة ملكية عالية تَجْتَمِع مَعَ بهيمية شَدِيدَة، أَو
ضَعِيفَة، أَو ملكية سافلة تَجْتَمِع مَعَ بهيمية شَدِيدَة أَو ضَعِيفَة والاجتماع بالاصطلاح أَيْضا إِلَى أَرْبَعَة مثلهَا، وَلكُل قسم حكم لَا يخْتَلف من وفْق لمعْرِفَة أَحْكَامهَا استراح من تشويشات كَثِيرَة.
وَنحن نذْكر هَهُنَا من ذَلِك مَا نحتاج إِلَيْهِ فِي هَذَا الْكتاب فأحوج النَّاس إِلَى الرياضات الشاقة من كَانَت بهيميته شَدِيدَة لَا سِيمَا صَاحب التجاذب، وأحظاها بالكمال من كَانَت ملكيته عالية لَكِن صَاحب الِاصْطِلَاح أحْسنهم عملا وآدبهم، وَصَاحب التجاذب إِذا انفلت من أسر البهيمية أَكْثَرهم علما، وَلَا يُبَالِي بآداب الْعَمَل كثير مبالاة، وأزهدهم فِي الْأُمُور الْعِظَام أضعفهم بهيمية، لَكِن صَاحب الْعَالِيَة يتْرك الْكل تفرغا للتوجه إِلَى الله، وَصَاحب السافلة إِن انفلت يتْركهُ للآخرة وَإِلَّا يتْركهُ كسلا ودعة، وأشدهم اقتحاما فِي الْأُمُور الْعِظَام أَشَّدهم بهيمية لَكِن صَاحب الْعَالِيَة أقومهم بالرياسات وَنَحْوهَا مِمَّا يُنَاسب الرَّأْي الْكُلِّي، وَصَاحب السافلة أَشَّدهم اقتحاما فِي نَحْو الْقِتَال وَحمل الأثقال، وَصَاحب التجاذب إِذا انْدفع إِلَى الْأَسْفَل أشتغل بِالْأَمر الدنيوي فَقَط، وَإِذا ترقى إِلَى الْأَعْلَى اشْتغل بِالْأَمر الديني وتهذيب النَّفس وتجريدها فَقَط، وَصَاحب الِاصْطِلَاح يشْتَغل بهما جَمِيعًا، ويقصدهما مرّة وَاحِدَة، وَمن كَانَت عاليته مِنْهُم فِي غَايَة الْعُلُوّ ينبعث إِلَى رياسة الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا، وَيصير بَاقِيا بِمُرَاد الْحق وبمنزلة الْجَارِحَة. لَهُ فِي تَمام نظام كلي كالخلافة وإمامة الْملَّة، وَأُولَئِكَ هم الْأَنْبِيَاء وورثتهم، وأساطين النَّاس وسلاطينهم، وأولو الْأَمر مِنْهُم وَالَّذين يجب انقيادهم فِي دين الله أهل الِاصْطِلَاح، الْعَالِيَة ملكيتهم، وأطوعهم لأولئك أهل الِاصْطِلَاح السافلة ملكيتهم، فَإِنَّهُم يتلقون النواميس بأشباحها
وهيئاتها، وأطرفهم مِنْهُم أهل التجاذب، لأَنهم إِمَّا منهمكون فِي ظلمات الطبيعة، فَلَا يُقِيمُونَ السّنة الراشدة، أَو قاهرون عَلَيْهَا، فَإِن كَانُوا أهل علو عضوا على أَرْوَاح النواميس، وَكَانَت لَهُم مُسَامَحَة فِي أشباحها، وَكَانَ أَكثر همتهم معرفَة دقائق الجبروت والانصباغ بصبغها، وَإِن كَانُوا دون ذَلِك اهتموا بالرياضات والأوراد، وأعجبوا ببوارق الملكية من كشف وإشراف واستجابة الدُّعَاء وَنَحْو ذَلِك، وَلم يعضوا من النواميس بجذر قُلُوبهم إِلَّا على حيل قهر الطبيعة وجلب الْأَنْوَار، فَهَذِهِ أصُول أعطانيها رَبِّي من أتقنها استجلى أَحْوَال أهل الله، ومبلغ كمالهم، ومطمح إشارتهم عَن أنفسهم، وَخرج مَرَاتِب سلوكهم:
{ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون} .

بَاب فِي أَسبَاب الخواطر الباعثة على الْأَعْمَال

اعْلَم أَن الخواطر الَّتِي يجدهَا الْإِنْسَان فِي نَفسه، وتبعثه على الْعَمَل بموجبها لَا جرم أَن لَهَا أسبابا كَسنة الله تَعَالَى فِي سَائِر الْحَوَادِث.
وَالنَّظَر والتجربة يظهران أَن مِنْهَا - وَهُوَ أعظمها - جبلة الْإِنْسَان الَّتِي خلق عَلَيْهَا، كَمَا نبه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ من قبل.
وَمِنْهَا مزاجه الطبيعي الْمُتَغَيّر بِسَبَب التَّدْبِير الْمُحِيط بِهِ من الْأكل وَالشرب وَنَحْو ذَلِك، كالجائع يطْلب الطَّعَام، والظمآن يطْلب المَاء، والمغتلم يطْلب
النِّسَاء، وَرب إِنْسَان يَأْكُل غذَاء يُقَوي الْبَاءَة، فيميل إِلَى النِّسَاء، وَيحدث نَفسه بِأَحَادِيث تتَعَلَّق بِهن، وَتصير هَذِه مهيجة لَهُ على كثير من الْأَفْعَال، وَرب إِنْسَان يتغذى غذَاء شَدِيدا، فيقسو قلبه، ويجترئ على الْقَتْل: ويغضب فِي كثير مِمَّا لَا يغْضب فِيهِ غَيره، ثمَّ إِذا ارتاض هَذَانِ أَنفسهمَا بالصيام وَالْقِيَام، أَو شَابًّا وكبرا، أَو مَرضا مَرضا مدنفا تغير أَكثر مَا كَانَ عَلَيْهِ، ورقت قلوبهما، وعفت نفوسهما، وَلذَلِك ترى الِاخْتِلَاف بَين الشُّيُوخ والشباب، وَرخّص النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للشَّيْخ فِي الْقبْلَة وَهُوَ صَائِم وَلم يرخص للشاب.
وَمِنْهَا الْعَادَات والمألوفات فَإِن من أَكثر مُلَابسَة شَيْء، وَتمكن من لوح نَفسه مَا يُنَاسِبه من الهيئات والأشكال - مَال إِلَيْهِ كثير من خواطره.
وَمِنْهَا أَن النَّفس الناطقة فِي بعض الْأَوْقَات تَنْفَلِت من أسر البهيمية، فتختطف من حيّز الْمَلأ الْأَعْلَى مَا ييسر لَهَا من هَيْئَة نورانية، فَتكون تَارَة من بَاب الْأنس والطمأنينة، وَتارَة من بَاب الْعَزْم على فعل.
وَمِنْهَا أَن بعض النُّفُوس الخسيسة تتأثر من الشَّيَاطِين وتنصبغ بِبَعْض صبغهم، وَرُبمَا اقْتَضَت تِلْكَ الْهَيْئَة خواطر وأفعالا.
وَاعْلَم أَن المنامات أمرهَا كأمر الخواطر غير أَنَّهَا تتجرد لَهَا النَّفس، فتتشبح لَهَا صورها، وهيئاتها. قَالَ مُحَمَّد بن سِرين: الرُّؤْيَا ثَلَاث: حَدِيث النَّفس، وتخويف الشَّيْطَان، وبشرى من الله.

بَاب لصوق الْأَعْمَال بِالنَّفسِ وأحصائها عَلَيْهَا

قَالَ الله تَعَالَى:
{وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا} .
وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيا عَن ربه تبَارك وَتَعَالَى: " إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها عَلَيْكُم، ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا، فَمن وجد خيرا فليحمد الله، وَمن وجد غير ذَلِك، فَلَا يَلُومن الا نَفسه " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " النَّفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذَلِك، ويكذبه ".
اعْلَم أَن الْأَعْمَال الَّتِي يقصدها الْإِنْسَان قصدا مؤكدا، والأخلاق الَّتِي هِيَ راسخة فِيهِ، تنبعث من أصل النَّفس الناطقة، ثمَّ تعود إِلَيْهَا، ثمَّ تتشبث بذيلها، وتحصي عَلَيْهَا إِمَّا الانبعاث مِنْهَا، فَلَمَّا عرفت أَن للملكية والبهيمية واجتماعهما أقساما وَلكُل قسم حكما، وَغَلَبَة المزاج الطبيعي والانصباغ من الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب لَا تكون إِلَّا حسب مَا تعطيه الجبلة، وَتحصل فِيهِ الْمُنَاسبَة، فَلذَلِك كَانَ الْمرجع إِلَى أصل النَّفس بوسط أَو بِغَيْر وسط. أَلَسْت ترى المخنث يخلق فِي أول مرّة على مزاج رَكِيك، فيستدل بِهِ الْعَارِف على أَنه أَن شب على مزاجه وَجب أَن يعْتَاد بعادات النِّسَاء، ويتزيا بزيهن، وينتحل رسومهن، وَكَذَلِكَ يدْرك الطَّبِيب أَن الطِّفْل إِن شب على مزاجه، وَلم يفجأه عَارض كَانَ قَوِيا فارها، أَو ضَعِيفا ضارعا، وَأما الْعود إِلَيْهَا فلَان الْإِنْسَان إِذا عمل عملا، فَأكْثر مِنْهُ
اعتادته النَّفس، وَسَهل صدوره مِنْهَا، وَلم يحْتَج إِلَى روية وتجشم دَاعِيَة، فَلَا جرم أَن النَّفس تأثرت مِنْهُ، وَقبلت لَونه، وَلَا جرم أَن لكل عمل من تِلْكَ الْأَعْمَال المتجانسة
مدخلًا فِي ذَلِك التأثر، وَإِن دق، وخفي مَكَانَهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودا عودا، فَأَي قلب أشر بهَا نكتت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء، وَأي قلب، أنكرها نكتت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى تصير على قلبين أَبيض مثل الصَّفَا، فَلَا تضره فتْنَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَالْآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لَا يعرف مَعْرُوفا، وَلَا يُنكر مُنْكرا إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ ".
وَأما التشبث بذيلها فلَان النَّفس فِي أول أمرهَا تخلق هيولانية فارغة عَن جَمِيع مَا تنصبغ بِهِ، ثمَّ لَا تزَال تخرج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل يَوْمًا فيوما، وكل حَالَة مُتَأَخِّرَة لَهَا معد من قبلهَا، والمعدات كلهَا سلسلة مترتبة، لَا يتَقَدَّم متأخرها على مُتَقَدم مستصحب فِي هَيْئَة النَّفس الْمَوْجُودَة الْيَوْم حكم كل معد قبلهَا وَإِن خَفِي عَلَيْهَا بِسَبَب اشتغالها بِمَا هُوَ خَارج مِنْهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يفنى حَامِل الْقُوَّة المنبعثة تِلْكَ الْأَعْمَال مِنْهَا كَمَا ذكرنَا فِي الشَّيْخ وَالْمَرِيض، أَو تهجم عَلَيْهَا هَيْئَة من فَوْقهَا نظامها كالتغير الْمَذْكُور كَمَا قَالَ الله تَعَالَى:
{أَن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} .
وَقَالَ: {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك}
وَأما الإحصاء عَلَيْهَا، فسره على مَا وجدته بالذوق أَن فِي الحيز الشاهق تظهر صُورَة لكل إِنْسَان بِمَا يُعْطِيهِ النظام الفوقاني وَالَّتِي ظَهرت فِي قصَّة الْمِيثَاق شُعْبَة مِنْهَا، فَإِذا وجد هَذَا الشَّخْص انطبقت الصُّورَة عَلَيْهِ، واتحدت مَعَه، فَإِذا عمل عملا انشرحت هَذِه الصُّورَة بذلك الْعَمَل انشراحا طبيعيا بِلَا اخْتِيَار مِنْهُ، فَرُبمَا تظهر فِي الْمعَاد أَن أَعمالهَا محصاة عَلَيْهَا من فَوْقهَا، وَمِنْه قِرَاءَة الصُّحُف، وَرُبمَا تظهر أَن أَعمالهَا فِيهَا متشبثة بأعضائها، وَمِنْهَا نطق الْأَيْدِي والأرجل.
ثمَّ كل صُورَة عمل مفصحة عَن ثَمَرَته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَرُبمَا تتَوَقَّف الْمَلَائِكَة فِي تَصْوِيره، فَيَقُول الله تَعَالَى اكتبوا الْعَمَل كَمَا هُوَ، قَالَ الْغَزالِيّ: كل مَا قدرَة الله تَعَالَى من ابْتِدَاء خلق الْعَالم إِلَى آخِره مسطور ومثبت فِي خلق خلقه الله تَعَالَى، يعبر عَنهُ تَارَة باللوح، وَتارَة بِالْكتاب الْمُبين، وَتارَة بِإِمَام مُبين، كَمَا ورد فِي الْقُرْآن، فَجَمِيع مَا جرى فِي الْعَالم، وَمَا سيجري مَكْتُوب فِيهِ، ومنقوش عَلَيْهِ نقشا لَا يُشَاهد بِهَذِهِ الْعين. وَلَا تَظنن أَن ذَلِك اللَّوْح من خشب أَو حَدِيد أَو عظم، وَأَن الْكتاب من كاغد أَو ورق، بل يَنْبَغِي أَن تفهم قطعا أَن لوح الله لَا يشبه لوح الْخلق، وَكتاب الله لَا يشبه كتاب الْخلق، كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لَا تشبه ذَات الْخلق وصفاتهم، بل أَن كنت تطلب لَهُ مِثَالا يقربهُ إِلَى فهمك، فَاعْلَم أَن ثُبُوت الْمَقَادِير فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يضاهي ثُبُوت كَلِمَات الْقُرْآن وحروفه فِي دماغ حَافظ الْقُرْآن وَقَلبه، فَإِنَّهُ مسطور فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ حَيْثُ يقْرَأ ينظر إِلَيْهِ، وَلَو فتشت دماغه جُزْءا جُزْءا لم تشاهد من ذَلِك الْخط حرفا، فَمن هَذَا النمط يَنْبَغِي أَن تفهم كَون اللَّوْح مَنْقُوشًا بِجَمِيعِ مَا قدره الله تَعَالَى وقضاه انْتهى، ثمَّ كثيرا مَا تتذكر النَّفس مَا عملته من خير أَو شَرّ، وتتوقع جزاءه، فَيكون ذَلِك وَجها آخر من وُجُوه اسْتِقْرَار عمله وَالله أعلم.

بَاب ارتباط الْأَعْمَال بالهيئات النفسانية

اعْلَم أَن الْأَعْمَال مظَاهر الهيئات النفسانية، وشروح لَهَا، وشركات لاقتناصها، ومتحدة مَعهَا فِي الْعرف الطبيعي أَن يتَّفق جُمْهُور النَّاس على التَّعْبِير بهَا عَنْهَا بِسَبَب طبيعي تعطيه الصُّورَة النوعية، وَذَلِكَ لِأَن الداعية إِذا انبعثت إِلَى عمل، فطاوعت لَهُ نَفسه انبسطت، وانشرحت، وَإِن امْتنعت انقبضت، وتقلصت فَإِذا بَاشر الْعَمَل استبد منبعه من ملكية أَو بهيمية وقوى وانحرف مُقَابِله وَضعف، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَة فِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " النَّفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذَلِك، ويكذبه ".
وَلنْ ترى خلقا إِلَّا وَله أَعمال وهيئات يشار بهَا إِلَيْهِ، ويعبر بهَا عَنهُ وتتمثل صورتهَا مكشافا لَهُ، فَلَو أَن إنْسَانا وصف إنْسَانا آخر بالشجاعة واستفسر، فَبين لم يبين إِلَّا معالجاته الشَّديد، أَو بالسخاوة لم يبين إِلَّا دَرَاهِم ودنانير يبذلها، وَلَو أَن إنْسَانا أَرَادَ أَن يستحضر صُورَة الشجَاعَة والسخاوة اضْطر إِلَى صور تِلْكَ الْأَعْمَال اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قد غير فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا، وَلَو أَن وَاحِدًا أَرَادَ أَن يحصل خلقا لَيْسَ فِيهِ، فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى ذَلِك إِلَّا الْوُقُوع فِي مظانة، وتجشم الْأَعْمَال الْمُتَعَلّقَة بِهِ، وتذكر وقائع الأقوياء
من أَهله، ثمَّ الْأَعْمَال هِيَ الْأُمُور المضبوطة الَّتِي تقصد بالتوقيت، وَترى، وتبصر، وتحكي، وتؤثر، وَتدْخل تَحت الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار، وَيُمكن أَن يُؤَاخذ بهَا وَعَلَيْهَا، ثمَّ النُّفُوس لَيست سَوَاء فِي إحصاء الْأَعْمَال والملكات عَلَيْهَا:
فَمِنْهَا نفوس قَوِيَّة تتمثل عِنْدهَا الملكات أَكثر من الْأَعْمَال، فَلَا يعد من كمالها بِالْأَصَالَةِ إِلَّا الْأَخْلَاق، وَلَكِن تتمثل الْأَعْمَال لَهَا لِأَنَّهَا قوالبها
وصورها، فيحصى عَلَيْهَا الْأَعْمَال إحصاء أَضْعَف من إحصاء الْأَخْلَاق بِمَنْزِلَة مَا يتَمَثَّل فِي الرُّؤْيَا من أشباح الْمَعْنى المُرَاد كالختم على الأفراه والفروج.
وَمِنْهَا نفوس ضَعِيفَة تحسب أَعمالهَا عين كمالها لعدم اسْتِقْلَال الهيئات النفسانية، فَلَا تتمثل إِلَّا مضمحلة فِي الْأَعْمَال، فيحصى عَلَيْهَا أنفس الْأَعْمَال وهم أَكثر النَّاس وهم المحتاجون جدا إِلَى التَّوْقِيت الْبَالِغ ولهذه الْمعَانِي عظم الاعتناء بِالْأَعْمَالِ فِي النواميس الإلهية، ثمَّ إِن كثيرا من الْأَعْمَال يسْتَقرّ فِي الْمَلأ الْأَعْلَى، وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهِ استحسانهم أَو استهجانهم بِالْأَصَالَةِ مَعَ قطع النّظر عَن الهيئات النفسانية الَّتِي تصدر عَنْهَا، فَيكون أَدَاء الصَّالح مِنْهَا بِمَنْزِلَة قبُول إلهام من الْمَلأ الْأَعْلَى فِي التَّقَرُّب مِنْهُم والتشبه بهم واكتساب أنوارهم وَيكون اقتراف السَّيئَة مِنْهَا خلاف لذَلِك.
وَهَذَا الاستقراء يكون بِوُجُوه: مِنْهَا أَنهم يتلقون من بارئهم أَن نظام الْبشر لَا يصلح إِلَّا بأَدَاء أَعمال والكف عَن أَعمال، فتمثل تِلْكَ الْأَعْمَال عِنْدهم، ثمَّ تنزل فِي الشَّرَائِع من هُنَالك.
وَمِنْهَا أَن نفوس الْبشر الَّتِي مارست ولازمت الْأَعْمَال إِذا انْتَقَلت إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى، وَتوجه إِلَيْهَا استحسانهم واستهجانهم، وَمضى على ذَلِك الْقُرُون والدهور اسْتَقَرَّتْ صور الْأَعْمَال عِنْدهم، وَبِالْجُمْلَةِ فتؤثر الْأَعْمَال حِينَئِذٍ تَأْثِير العزائم والرقى المأثورة عَن السّلف بهيئتها وصفاتها وَالله أعلم.

بَاب أَسبَاب المجازاة

اعْلَم أَن أَسبَاب المجازاة وَإِن كثرت ترجع إِلَى أصلين: إِحْدَاهمَا أَن تحس النَّفس من حَيْثُ قوتها الملكية بِعَمَل أَو خلق اكتسبته أَنه غير ملائم لَهَا،
فتتشبح فِيهَا ندامة وحسرة وألم رُبمَا أوجب ذَلِك تمثل واقعات فِي الْمَنَام أَو الْيَقَظَة تشْتَمل على إيلام وإهانة وتهديد، وَرب نفس استعدت لإلهام الْمُخَالفَة، فخوطبت على أَلْسِنَة الْمَلَائِكَة بِأَن تتراءى لَهُ كَسَائِر مَا تستعد لَهُ من الْعُلُوم، وَإِلَى هَذَا الأَصْل وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى:
{بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ} .
وَالثَّانِي توجه حَظِيرَة الْقُدس إِلَى بني آدم، فَعِنْدَ الْمَلأ الْأَعْلَى هيئات وأعمال وأخلاق مرضية ومسخوطة، فتطلب من رَبهَا طلبا قَوِيا تنعيم أهل هَذِه وتعذيب أهل تِلْكَ، فيستجاب دعاؤهم، وتحيط ببني آدم هممهم، وتترشح عَلَيْهِم صُورَة الرِّضَا واللعنة، كَمَا تترشح سَائِر الْعُلُوم، فتتشبح واقعات إيلامية أَو إنعامية، وتتراءى الْمَلأ الْأَعْلَى مهددة لَهُم أَو منبسطة إِلَيْهِم، وَرُبمَا تأثرت النَّفس من سخطها، فَعرض لَهَا كَهَيئَةِ الغشى أَو كَهَيئَةِ الْمَرَض، وَرُبمَا ترشح مَا عِنْدهم من الهمة المتأكدة على الْحَوَادِث الضعيفة كالخواطر وَنَحْوهَا، فألهمت الْمَلَائِكَة أَو بني آدم أَن يحسنوا أَو يسيئوا إِلَيْهِ، وَرُبمَا أُحِيل أَمر من ملابساته إِلَى صَلَاح أَو فَسَاد، وَظَهَرت تقريبات لتنعيمه أَو تعذيبه، بل الْحق الصراح أَن لله تبَارك وَتَعَالَى عناية بِالنَّاسِ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض توجب أَلا يهمل أَفْرَاد الْإِنْسَان سدى، وَأَن يؤاخذهم على مَا يَفْعَلُونَهُ، لَكِن لدقة مدركها جعلنَا دَعْوَة الْمَلَائِكَة عنوانا لَهَا وَالله أعلم، وَإِلَى هَذَا الأَصْل وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى:
{إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله
وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ} .
ويتركب الأصلان، فَيحدث من تركبهما بِحَسب استعداد النَّفس وَالْعَمَل صور كَثِيرَة عَجِيبَة، لَكِن الأول أقوى فِي أَعمال وأخلاق تصلح النَّفس، أَو تفسدها، وَأكْثر النُّفُوس لَهُ قبولا أزكاها وأقواها، وَالثَّانِي أقوى فِي أَعمال وأخلاق مناقضة للْمصَالح الْكُلية منافرة لما يرجع إِلَى صَلَاح نظام بني آدم، وَأكْثر النُّفُوس لَهُ قبولا أضعفها، وأسمجها، وَلكُل من
السببين مَانع يصده عَن حكمه إِلَى حِين، فَالْأول يصد عَنهُ ضعف الملكية وَقُوَّة البهيمية حَتَّى تصير كَأَنَّهَا نفس بهيمية فَقَط لَا تتألم من آلالم الملكية، فَإِذا تخففت النَّفس عَن الجلباب البهيمي، وَقل مدده، وَبَرقَتْ بوارق الملكية عذبت، أَو نعمت شَيْئا فَشَيْئًا، وَالثَّانِي يصد عَنهُ تطابق الْأَسْبَاب على مَا يُخَالف حكمه حَتَّى إِذا جَاءَ أَجله الَّذِي قدره الله ثج عَن ذَلِك الْجَزَاء ثَجًّا وَهُوَ قَوْله تبَارك وَتَعَالَى:
{لكل أمة أجل إِذا جَاءَ أَجلهم فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} .

المبحث الثَّانِي

(مَبْحَث كَيْفيَّة المجازاة فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَمَات)
(بَاب الْجَزَاء على الْأَعْمَال فِي الدُّنْيَا)
قَالَ الله تَعَالَى:
{وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير} .
وَقَالَ:
{وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم} .
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة أَصْحَاب الْجنَّة حِين منعُوا الصَّدَقَة مَا قَالَ.
قَالَ رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى:
{وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله} .
وَقَوله تَعَالَى:
{من يعْمل سوءا يجز بِهِ} .
" هَذِه معاقبة الله العَبْد بِمَا يُصِيبهُ من الْحمى والنكبة حَتَّى البضاعة يَضَعهَا فِي يَد قَمِيصه، فيعقدها، فَيفزع لَهَا حَتَّى أَن العَبْد ليخرج من ذنُوبه كَمَا يخرج التبر الْأَحْمَر من الْكِير ".
اعْلَم أَن للملكية بروزا بعد كمونها فِي البهيمية، وانفكاكا بعد اشتباكها بهَا فَتَارَة بِالْمَوْتِ الطبيعي فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَأْتِي مددها من الْغذَاء، وتتحلل موادها لَا إِلَى بدل، وَلَا تهيج النَّفس أَحْوَال طارئة كجوع وشبع وَغَضب، فيرتشح لون عَالم الْقُدس عَلَيْهَا،
وَتارَة بِالْمَوْتِ الِاخْتِيَارِيّ، فَلَا يزَال يكسر بهيميته برياضة واستدامة توجه إِلَى عَالم الْقُدس، فيبرق عَلَيْهِ بعض بوارق الملكية، وَإِن لكل شَيْء انشراحا وانبساطا بِمَا يلائمه من الْأَعْمَال والهيئات، وانقباضا وتقلصا بِمَا يُخَالِفهُ مِنْهَا، وَإِن لكل ألم وَلَذَّة شبحا يتشبح بِهِ، فشبح الْخَلْط اللذاع النخس، وشبح التأذي من حرارة الصَّفْرَاء الكرب والضجر، وَأَن يرى فِي مَنَامه النيرَان والشعل، وشبح التأذي من البلغم مقاساة الْبرد، وَأَن يرى فِي الْمَنَام الْمِيَاه والثلج، فَإِذا برزت الملكية ظهر فِي الْيَقَظَة أَو الْمَنَام أشباح الْأنس وَالسُّرُور إِن كَانَ اكْتسب النَّظَافَة والخشوع وَسَائِر مَا يُنَاسب الملكية، ويتشبح أضدادها فِي صُورَة كيفيات مضادة للاعتدال، وواقعات تشْتَمل على إهانة وتهديد، وَيظْهر الْغَضَب فِي صُورَة سبع ينهر وَالْبخل فِي صُورَة حَيَّة تلدغ.
وَالضَّابِط فِي المجازاة الخارجية أَنَّهَا تكون فِي تضاعيف أَسبَاب، فَمن أحَاط بِتِلْكَ الْأَسْبَاب، وتمثل عِنْده النظام المنبعث مِنْهَا علم قطعا أَن الْحق لَا يدع عَاصِيا إِلَّا يجازيه فِي الدُّنْيَا مَعَ رِعَايَة ذَلِك النظام، فَيكون إِذا هدأت الْأَسْبَاب عَن تنعيمه وتعذيبه. نعم بِسَبَب الْأَعْمَال الصَّالِحَة، أَو عذب بِسَبَب الْأَعْمَال الْفَاجِرَة، وَيكون إِذا أَجمعت الْأَسْبَاب على إيلامه وَكَانَ صَالحا، وَكَانَ قبضهَا لمعارضة صَلَاحه غير قَبِيح صرفت أَعماله إِلَى رفع الْبلَاء
أَو تخفيفه أَو على إنعامه، وَكَانَ فَاسِقًا صرفت إِلَى إِزَالَة نعْمَته، وَكَانَ كالمعارض لأسبابها، أَو أَجمعت على مُنَاسبَة أَعماله أمد فِي ذَلِك إمدادا بَينا.
وَرُبمَا كَانَ حكم النظام أوجب من حكم الْأَعْمَال، فيستدرج بالفاجر ويضيق على الصَّالح فِي الظَّاهِر، وَيصرف التَّضْيِيق إِلَى كسر بهيميته، وَيفهم ذَلِك، فيرضى كَالَّذي يشرب الدَّوَاء المر رَاغِبًا فِيهِ وَهَذَا معنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مثل الْمُؤمن كَمثل الخامة من الزَّرْع تفيئها الرِّيَاح تصرعها مرّة، وتعدلها أُخْرَى حَتَّى يَأْتِيهِ أَجله، وَمثل الْمُنَافِق كَمثل الأرزة المجدبة الَّتِي لَا يُصِيبهَا شَيْء حَتَّى يكون انجعافها مرّة وَاحِدَة " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " مَا من مُسلم يُصِيبهُ أَذَى من مرض، فَمَا سواهُ إِلَّا حط الله بِهِ سيئاته كَمَا تحط الشَّجَرَة وَرقهَا ".
وَرب إقليم غلبت عَلَيْهِ طَاعَة الشَّيْطَان، وَصَارَ أَهله كَمثل النُّفُوس البهيمية فتتقلص عَنهُ بعض المجازاة إِلَى أجل، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى.
{وَمَا أرسلنَا فِي قَرْيَة من نَبِي إِلَّا أَخذنَا أَهلهَا بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يضرعون ثمَّ بدلنا مَكَان السَّيئَة الْحَسَنَة حَتَّى عفوا وَقَالُوا قد مس آبَاءَنَا الضراء والسراء فأخذناهم بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض وَلَكِن كذبُوا فأخذناهم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَمْر هَهُنَا يشبه بِحَال سيد لَا يتفرغ للجزاء، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة صَار كَأَنَّهُ تفرغ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى.
{سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان} .
ثمَّ المجازاة تَارَة تكون فِي نفس العَبْد بإفاضته الْبسط والطمأنينة أوالقبض والفزع، وَتارَة فِي بدنه بِمَنْزِلَة الْأَمْرَاض الطارئة من هجوم غم أَو خوف، وَمِنْه وُقُوع النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مغشيا عَلَيْهِ قبل نبوته حِين كشف عَوْرَته، وَتارَة فِي مَاله وَأَهله وَرُبمَا ألهم النَّاس وَالْمَلَائِكَة والبهائم أَن يحسنوا إِلَيْهِ؛ أَو يسيئوا، وَرُبمَا قرب إِلَى خير أَو شَرّ بالهامات أَو إحالات، وَمن فهم مَا ذكرنَا وَوضع كل شَيْء فِي مَوْضِعه استراح من إشكالات كَثِيرَة كمعارضة الْأَحَادِيث الدَّالَّة على أَن الْبر سَبَب زِيَادَة الرزق، والفجور سَبَب نقصانه وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة على أَن الْفجار يعجل لَهُم الْحَسَنَات فِي الدُّنْيَا وَأَن أَكثر النَّاس بلَاء الأمثل فالأمثل وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم.

بَاب ذكر حَقِيقَة الْمَوْت

اعْلَم أَن لكل صُورَة من المعدنية والناموية والحيوانية والإنسانية مَطِيَّة غير مَطِيَّة الْأُخْرَى، وَلها كمالا أوليا غير كَمَال الْأُخْرَى، وَإِن اشْتبهَ الْأَمر فِي الظَّاهِر،
فالأركان إِذا تصغرت، وامتزجت بأوضاع مُخْتَلفَة كَثْرَة وَقلة حدثت ثنائيات كالبخار وَالْغُبَار وَالدُّخَان وَالثَّرَى
وَالْأَرْض المثارة والجمرة والسفعة والشعلة، وثلاثيات كالطين المخمر والطحلب، ورباعيات نَظَائِر مَا ذكرنَا.
وَتلك الْأَشْيَاء لَهَا خَواص مركبة من خَواص أَجْزَائِهَا، لَيْسَ فِيهَا شَيْء غير ذَلِك، وَتسَمى بكائنات الجو، فتأتي المعدنية، فتقتعد، غارب ذَلِك المزاج، وتتخذه مَطِيَّة، وَتصير ذَات خَواص نوعية، وَتحفظ المزاج، ثمَّ تَأتي الناموية، فتتخذ الْجِسْم الْمَحْفُوظ المزاج مَطِيَّة، وَتصير قُوَّة محولة لأجزاء الْأَركان والكائنات الجوية إِلَى مزاج نَفسه؛ لتخرج إِلَى الْكَمَال المتوقع لَهَا بِالْفِعْلِ، ثمَّ تَأتي الحيوانية، فتتخذ الرّوح الهوائية الحاملة لقوى التغذية والتنمية مَطِيَّة، وتنفذ التَّصَرُّف فِي أطرافها بالحس والإرادة انبعاثا للمطلوب، وانخناسا عَن المهروب، ثمَّ تَأتي الإنسانية، فتتخذ النَّسمَة المتصرفة فِي الْبدن مَطِيَّة، وتقصد إِلَى الْأَخْلَاق الَّتِي هِيَ أُمَّهَات الانبعاثات والانخناسات، فتقينها، وتحسن سياستها، وتأخذها منصة لما تتلقاه من فَوْقهَا، فَالْأَمْر وَإِن كَانَ مشتبها بادئ الرَّأْي لَكِن النّظر الممعن يلْحق كل آثَار بمنبعها، ويفرز كل صُورَة بمطيتها.
وكل صُورَة لَا بُد لَهَا من مَادَّة تقوم بهَا، وَإِنَّمَا تكون الْمَادَّة مَا يُنَاسِبهَا وَإِنَّمَا مثل الصُّورَة كَمثل خلقَة الْإِنْسَان الْقَائِمَة بالشمعة فِي التمثال، وَلَا يُمكن أَن تُوجد الْخلقَة إِلَّا بالشمعة، فَمن قَالَ لِأَن النَّفس النطقية الْمَخْصُوصَة بالإنسان عِنْد الْمَوْت ترفض الْمَادَّة مُطلقًا، فقد خرص نعم لَهَا مَادَّة بِالذَّاتِ، وَهِي النَّسمَة، ومادة بِالْعرضِ، وَهُوَ الْجِسْم الأرضي، فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان لم يضر نَفسه زَوَال الْمَادَّة الأرضية، وَبقيت حَالَة بمادة النسمية، وَيكون كالكاتب الْمجِيد المشغوف بكتابته إِذا قطعت يَدَاهُ، وملكة
الْكِتَابَة بِحَالِهَا، والمستهتر بالمثي إِذا قطعت رِجْلَاهُ، والسميع والبصير إِذا جعل أَصمّ وأعمى.
وَاعْلَم أَن من الْأَعْمَال والهيآت مَا يُبَاشِرهَا الْإِنْسَان بداعية من قلبه، فَلَو خلى وَنَفسه لانساق إِلَى ذَلِك، ولامتنع من مخالفه. وَمِنْهَا مَا يباشره لموافقة الإخوان، أَو لعَارض خارجي من جوع وعطش وَنَحْوهمَا إِذا لم يصر عَادَة لَا يَسْتَطِيع الإقلاع عَنْهَا، فَإِذا انفقأ الْعَارِض انْحَلَّت الداعية، فَرب مستهتر بعشق إِنْسَان أَو بالشعر أَو بِشَيْء آخر يضْطَر إِلَى مُوَافقَة قومه فِي اللبَاس والزي، فَلَو خلى وَنَفسه، وتبدل زيه لم يجد فِي قلبه بَأْسا، وَرب إِنْسَان يحب الزي بِالذَّاتِ، فَلَو خلى وَنَفسه لما سمح بِتَرْكِهِ.
وَإِن من الْإِنْسَان الْيَقظَان بالطبع يتفطن بِالْأَمر الْجَامِع بَين الكثرات، ويمسك قلبه بِالْعِلَّةِ دون المعلولات والملكة دون الأفاعيل، وَمِنْه الْوَسْنَان بالطبع يبْقى مَشْغُولًا بِالْكَثْرَةِ عَن الْوحدَة، وبالافاعيل عَن الملكات، وبالاشباح عَن الْأَرْوَاح.
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ انْفَسَخ جسده الأرضي، وَبقيت نَفسه النطقية مُتَعَلقَة بالنسمة متفرغة إِلَى مَا عِنْدهَا، وطرحت عَنْهَا مَا كَانَ لضَرُورَة الْحَيَاة الدُّنْيَا من غير دَاعِيَة قلبية، وَبَقِي فِيهَا مَا كَانَت تمسكه فِي جدر جوهرها، وَحِينَئِذٍ تبرز الملكية، وتضعف البهيمية، ويترشح عَلَيْهَا من فَوْقهَا يَقِين بحظيرة الْقُدس وَبِمَا أحصى عَلَيْهَا هُنَالك، وَحِينَئِذٍ تتألم الملكية، أَو تتنعم.
وَاعْلَم أَن الملكية عِنْد غوصها فِي البهيمية وامتزاجها بهَا لَا بُد أَن تذعن لَهَا إذعانا مَا، وتتأثر مِنْهَا أثرا مَا، لَكِن الضار كل الضَّرَر أَن تتشبح فِيهَا هيئات منافرة فِي الْغَايَة، والنافع كل النَّفْع أَن تتشبح فِيهَا هيآت مُنَاسبَة فِي الْغَايَة؛ فَمن المنافرات أَن يكون قوى التَّعَلُّق بِالْمَالِ والأهل لَا يستيقن أَن
وراءهما مَطْلُوبا، قوى الْإِمْسَاك للهيئات الدنية فِي جذر جوهرها، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجمعه أَنه على الطّرف الْمُقَابل للسماحة، وَأَن يكون متلبسا بالنجاسات متكبرا على الله لم يعرفهُ وَلم يخضع لَهُ يَوْمًا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجمعه أَنه على الطّرف الْمُقَابل للإحسان، وَأَن يكون نَاقض توجه حَظِيرَة الْقُدس فِي نصر الْحق، وتنويه أمره، وبعثة الْأَنْبِيَاء، وَإِقَامَة النظام المرضى، فأصيب مِنْهُم بالبغضاء واللعن، وَمن المناسبات مُبَاشرَة أَعمال تحاكي الطَّهَارَة والخضوع للبارئ، وتذكر حَال الْمَلَائِكَة وعقائد تنزعها من الاطمئنان بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأَن يكون سَمحا سهلا، وَأَن يعْطف عَلَيْهِ أدعيه الْمَلأ الْأَعْلَى وتوجهاتهم للنظام المرضى وَالله أعلم.

بَاب اخْتِلَاف أَحْوَال النَّاس فِي البرزخ

اعْلَم أَن النَّاس فِي هَذَا الْعَالم على طَبَقَات شَتَّى لَا يُرْجَى إحصاؤها، لَكِن رُءُوس الْأَصْنَاف أَرْبَعَة.
صنف هم أهل الْيَقَظَة، وَأُولَئِكَ يُعَذبُونَ، وينعمون بأنفس تِلْكَ المتافرات والمناسبات، وَإِلَى حَال هَذَا الصِّنْف وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى:
{أَن تَقول نفس يَا حسرتا على مَا فرطت فِي جنب الله وَإِن كنت لمن الساخرين} .
وَرَأَيْت طَائِفَة من أهل الله صَارَت نُفُوسهم بِمَنْزِلَة الجوابي الممتلئة مَاء راكدا: لَا تهيجه الرِّيَاح، فضربها ضوء الشَّمْس فِي الهاجرة، فَصَارَت بِمَنْزِلَة قِطْعَة من النُّور، وَذَلِكَ النُّور إِمَّا نور الْأَعْمَال المرضية، أَو نور الياد داشت، أَو نور الرَّحْمَة.
وصنف قريب المأخذ مِنْهُم، لَكِن هم أهل النُّور الطبيعي، فَأُولَئِك تصيبهم رُؤْيا، والرؤيا فِينَا حُضُور عُلُوم مخزونة فِي الْحس الْمُشْتَرك كَانَت مسكة الْيَقَظَة تمنع عَن الِاسْتِغْرَاق فِيهَا والذهول عَن كَونهَا خيالات، فَلَمَّا نَام لم يشك أَنَّهَا عين مَا هِيَ صورها، وَرُبمَا يرى الصفراوي أَنه فِي غيضة يابسة فِي يَوْم صَائِف وسموم، فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ فاجاءته النَّار من كل جَانب، فَجعل يهرب، وَلَا يجد مهربا، ثمَّ أَنه لفحته فقاسى ألما شَدِيدا، وَيرى البلغمى أَنه فِي لَيْلَة شَاتِيَة ونهر بَارِد وريح زمهريرية، فهاجت بسفينته الأمواج، فَصَارَ يهرب، وَلَا يجد مهربا، ثمَّ إِنَّه غرق، فقاسى ألما شَدِيدا، وَإِن أَنْت استقريت النَّاس لم تَجِد أحدا إِلَّا وَقد جرب من نَفسه تشبح الْحَوَادِث المجمعة بتنعمات وتوجعات مُنَاسبَة لَهَا وللنفس الرائية، فَهَذَا الْمُبْتَلى فِي الرُّؤْيَا غير أَنَّهَا رُؤْيا لَا يقظة مِنْهَا إِلَّا يَوْم الْقِيَامَة، وَصَاحب الرُّؤْيَا لَا يعرف فِي رُؤْيَاهُ أَنَّهَا لم تكن أَسمَاء خارجية، وَأَن التوجع والتنعم لم يكن فِي الْعَالم الْخَارِجِي، وَلَوْلَا يقظة لم يتَنَبَّه لهَذَا السِّرّ فَعَسَى أَن يكون تَسْمِيَة هَذَا الْعَالم عَالما خارجيا أَحَق وأفصح من تَسْمِيَته بالرؤيا، فَرُبمَا يرى صَاحب السبعية أَنه يخدشه سبع، وَصَاحب الْبُخْل تنهشه حيات وعقارب، ويتشبح زَوَال الْعُلُوم الفوقانية بملكين يسألانه من رَبك، وَمَا دينك، وَمَا قَوْلك فِي النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ .
وصنف بهيميتهم وملكيتهم ضعيفتان يلحقون بِالْمَلَائِكَةِ السافلة لأسباب جبلية بِأَن كَانَت ملكيتهم قَليلَة الانغماس فِي البهيمية غير مذعنة لَهَا، وَلَا متأثرة مِنْهَا، وكسبية بِأَن لابست الطهارات بداعية قلبية، ومكنت من نَفسهَا الإلهامات وبوارق ملكية، فَكَمَا أَن الْإِنْسَان رُبمَا يخلق فِي صُورَة الذكران وَفِي مزاجه خنوثة، وميل إِلَى هيآت الْإِنَاث، لكنه لَا يتَمَيَّز شهوات الْأُنُوثَة
من شهوات الذُّكُورَة فِي الصِّبَا، وَإِنَّمَا المهم حِينَئِذٍ شَهْوَة الطَّعَام وَالشرَاب وَحب اللّعب، فَيجْرِي حسب مَا يَأْمر بِهِ من التوسم بسمة الرِّجَال، وَيمْتَنع عَنهُ من اخْتَار زِيّ النِّسَاء حَتَّى إِذا شب، وَرجع إِلَى طَبِيعَته الماجنة استبد بِاخْتِيَار زيهن والتعود بعاداتهن، وغلبت عَلَيْهِ شَهْوَة الأبنة وَفعل مَا يَفْعَله النِّسَاء، وَتكلم بكلامهن، وسمى نَفسه تَسْمِيَة الْأُنْثَى، فَعِنْدَ ذَلِك خرج من حيّز الرِّجَال بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَذَلِك الْإِنْسَان قد يكون فِي حَيَاته الدُّنْيَا مَشْغُولًا بِشَهْوَة الطَّعَام وَالشرَاب والغلمة وَغَيرهَا من مقتضيات الطبيعة والرسم، لكنه قريب المأخذ من الْمَلأ السافل قوى الانجذاب إِلَيْهِم، فَإِذا مَاتَ انْقَطَعت العلاقات، وَرجع إِلَى مزاجه، فلحق بِالْمَلَائِكَةِ، وَصَارَ مِنْهُم، وألهم كالهامهم، وسعى فِيمَا يسعون فِيهِ.
وَفِي الحَدِيث " رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب ملكا يطير فِي الْجنَّة مَعَ الْمَلَائِكَة بجناحين.
وَرُبمَا اشْتغل هَؤُلَاءِ بإعلاء كلمة الله وَنصر حزب الله، وَرُبمَا كَانَ لَهُم لمة خير بِابْن آدم، وَرُبمَا اشتاق بَعضهم إِلَى صُورَة جسدية اشتياقا شَدِيدا ناشئا من أصل جبلته، فقرع ذَلِك بَاب من الْمِثَال واختلطت قُوَّة مِنْهُ بالنسمة الهوائية، وَصَارَ كالجسد النوراني، وَرُبمَا اشتاق بَعضهم إِلَى مطعوم وَنَحْوه، فأمد فِيمَا اشْتهى قَضَاء لشوقه، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى:
{وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله} الْآيَة.
وبإزاء هَؤُلَاءِ قوم قريبو المأخذ من الشَّيَاطِين جبلة، بِأَن كَانَ مزاجهم فَاسِدا يسْتَوْجب آراء مناقضة للحق، منافرة للرأي الْكُلِّي على
طرف شاسع من محَاسِن الْأَخْلَاق، وكسبابان لابست هيئات خسيسة وأفكار فَاسِدَة وانقادت لوسوسة الشَّيَاطِين، وأحاط بهم اللَّعْن، فَإِذا مَاتُوا ألْحقُوا بالشياطين، وألبسوا لباسا ظلمانيا، وصور لَهُم مَا يقضون بِهِ بعض وطرهم من الملاذ الخسيسة، وَالْأول ينعم بحدوث ابتهاج فِي نَفسه، وَالثَّانِي يعذب بِضيق وغم، كالمخنث يعلم أَن الخنوثة أَسْوَأ حالات الْإِنْسَان، وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع الإقلاع عَنْهَا. وصنف هم أهل اصْطِلَاح. قَوِيَّة بهيميتهم. ضَعِيفَة ملكيتهم، وهم أَكثر النَّاس وجودا، يكون غَالب أُمُورهم تَابعا للصورة الحيوانية المجبولة على التَّصَرُّف فِي الْبدن والانغماس فِيهِ فَلَا يكون الْمَوْت انفكاكا لنفوسهم عَن الْبدن بِالْكُلِّيَّةِ، بل تنفك تدبيرا وَلَا تنفك وهما، فتعلم علما من كَذَا بِحَيْثُ لَا يخْطر عِنْدهَا إِمْكَان مُخَالفَة أَنَّهَا عين الْجَسَد، حَتَّى لَو وطئ الْجَسَد، أَو قطع لأيقنت أَنه فعل ذَلِك بهَا، وعلامتهم أَنهم يَقُولُونَ من جذر قُلُوبهم إِن أَرْوَاحهم عين أَجْسَادهم، أَو عرض طَارِئ عَلَيْهَا وَإِن نطقت ألسنتهم لتقليد أَو رسم خلاف ذَلِك فَأُولَئِك إِذا مَاتُوا برق عَلَيْهِم بارق ضَعِيف، وتراءى لَهُم خيال ضفيف مثل مَا يكون هُنَا للمرتاضين، وتتشبح الْأُمُور فِي صور خيالية ومثالية أُخْرَى كَمَا قد تتشبح للمرتاضين، فَإِن كَانَ لابس أعمالا ملكية دس علم الملايمة فِي أشباح مَلَائِكَة حسان الْوُجُوه بِأَيْدِيهِم الْحَرِير ومخاطبات وهيئآت لَطِيفَة وَفتح بَاب إِلَى الْجنَّة تَأتي مِنْهُ روائحها، وَإِن كَانَ لابس أعمالا منافرة للملكية أَو جالية للعن دس علم ذَلِك فِي أشباح مَلَائِكَة سود الْوُجُوه ومخاطبات وهيآت عنفية، كَمَا قد يدس الْغَضَب فِي صُورَة السبَاع، والجبن فِي صُورَة الأرنب.
وهنالك نفوس ملكية اسْتوْجبَ استعدادهم أَن يوكلوا بِمثل هَذِه
المواطن، وَيُؤمر بالتعذيب أَو التَّنْعِيم، فيراهم الْمُبْتَلى عيَانًا. وَأَن كَانَ أهل الدُّنْيَا لَا يرونهم عيَانًا.
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ عَالم الْقَبْر إِلَّا من بقايا هَذَا الْعَالم، وَإِنَّمَا تترشح هُنَالك الْعُلُوم من وَرَاء حجاب، وَإِنَّمَا تظهر أَحْكَام النُّفُوس المختصة بفرد دون فَرد بِخِلَاف الْحَوَادِث الحشرية فَإِنَّهَا تظهر عَلَيْهَا وَهِي فانية وَعَن أَحْكَامهَا الْخَاصَّة بفرد فَرد بَاقِيَة بِأَحْكَام الصُّورَة الإنسانية وَالله أعلم.

بَاب ذكر شَيْء من أسرار الوقائع الحشرية

اعْلَم أَن للأرواح حَضْرَة تنجذب إِلَيْهَا انجذاب الْحَدِيد إِلَى المغناطيس وَتلك الحضرة هِيَ حَظِيرَة الْقُدس مَحل اجْتِمَاع النُّفُوس المتجردة عَن جلابيب الْأَبدَان بِالروحِ الْأَعْظَم الَّذِي وضفه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَثْرَة الْوُجُوه والألسن واللغات، وَإِنَّمَا هُوَ تشبح لصورة نوع الْإِنْسَان فِي عَالم الْمِثَال، أَو فِي الذّكر أيا مَا شِئْت فَقل، وَمحل فنائها عَن المتأكد من أَحْكَامهَا الناشئة من الخصوصية الفردية، وبقائها بأحكامها الناشئة من النَّوْع أَو الْغَالِب عَلَيْهَا جَانب النَّوْع.
وتفصيله أَن أَفْرَاد الْإِنْسَان لَهَا أَحْكَام يمتاز بهَا بَعْضهَا من بعض، وَلها أَحْكَام تشترك فِيهَا جُمْلَتهَا، وتتوارد عَلَيْهَا جَمِيعهَا، وَلَا جرم أَنَّهَا من النَّوْع وَإِلَيْهِ فِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة " الحَدِيث.
وكل نوع يخْتَص بِهِ نَوْعَانِ من الْأَحْكَام: أَحدهمَا الظَّاهِر كالخلقة أَي اللَّوْن والشكل والمقدار، وكالصوت أَي فَرد وجد مِنْهُ على هَيْئَة يُعْطِيهَا لنَوْع وَلم يكن مخدجا من قبل عصيان الْمَادَّة، فَإِنَّهُ لَا بُد يتَحَقَّق بهَا، ويتوارد عَلَيْهَا فالإنسان مستوي الْقَامَة نَاطِق بَادِي الْبشرَة، وَالْفرس معوج الْقَامَة صاهل
أشعر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يَنْفَكّ عَن الْأَفْرَاد عِنْد سَلامَة مزاجها. وَثَانِيهمَا الْأَحْكَام الْبَاطِنَة كالإدراك والاهتداء للمعاش والاستعداد لما يهجم عَلَيْهَا من الوقائع، فَلِكُل نوع شَرِيعَة، أَلا ترى النَّحْل كَيفَ أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهَا أَن تتبع الْأَشْجَار، فتأكل من ثمراتها، ثمَّ كَيفَ تتَّخذ بَيْتا يجْتَمع فِيهِ بَنو نوعها، ثمَّ كَيفَ تجمع الْعَسَل هُنَالك، وَأوحى إِلَى العصفور أَن يرغب الذّكر فِي الْأُنْثَى، ثمَّ يتَّخذ عشا، ثمَّ يحضنا الْبيض، ثمَّ يزقا الْفِرَاخ، ثمَّ إِذا نهضت الْفِرَاخ علمهَا أَيْن المَاء وَأَيْنَ الْحُبُوب، وَعلمهَا ناصحها من عدوها، وَعلمهَا كَيفَ تَفِر من السنور والصياد، وَكَيف تنَازع بني نوعها عِنْد جلب نفع أَو دفع ضرّ، وَهل تظن الطبيعة السليمة بِتِلْكَ الْأَحْكَام أَنَّهَا لَا ترجع إِلَى اقْتِضَاء الصُّورَة النوعية.
وَاعْلَم أَن سَعَادَة الْأَفْرَاد أَن تمكن مِنْهَا أَحْكَام النَّوْع وافرة كَامِلَة وَألا تعصى مادتها عَلَيْهَا، وَلذَلِك يخْتَلف أَفْرَاد الْأَنْوَاع، فِيمَا يعد لَهَا من سعادتها أَو شقاوتها، وَمهما بقيت على مَا يُعْطِيهِ النَّوْع لم يكن لَهَا ألم لَكِنَّهَا قد تغير فطرتها بِأَسْبَاب طارئة بِمَنْزِلَة الورم، وَإِلَيْهِ وَقعت الْإِشَارَة بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثمَّ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَو ينصرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ ".
وَاعْلَم أَن الْأَرْوَاح البشرية تنجذب إِلَى هَذِه الحضرة تَارَة من جِهَة البصيرة والهمة، وَتارَة من جِهَة تشبح آثارها فِيهَا إيلاما وانعاما، أما الانجذاب بالبصيرة، فَلَيْسَ أحد يتخفف عَن ألواث البهيمية إِلَّا وتلحق نَفسه بهَا، وينكشف عَلَيْهَا شَيْء مِنْهَا وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اجْتمع آدم ومُوسَى عِنْد ربهما " وروى عَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طرق شَتَّى أَن أَرْوَاح الصَّالِحين تَجْتَمِع عِنْد الرّوح الْأَعْظَم، أما الانجذاب الآخر فَاعْلَم أَن حشر الأجساد وإعادة الْأَرْوَاح إِلَيْهَا لَيست حَيَاة مستأنفة إِنَّمَا هِيَ تَتِمَّة النشأة الْمُتَقَدّمَة بِمَنْزِلَة التُّخمَة لِكَثْرَة الْأكل. كَيفَ وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا غير الْأَوَّلين، وَلما أخذُوا بِمَا فعلوا. وَاعْلَم أَن كثيرا من الْأَشْيَاء المتحققة فِي الْخَارِج تكون بِمَنْزِلَة الرُّؤْيَا فِي تشبح الْمعَانِي بأجسام مُنَاسبَة لَهَا كَمَا ظَهرت الْمَلَائِكَة لداود عَلَيْهِ السَّلَام فِي صُورَة خصمين وَرفعت إِلَيْهِ الْقَضِيَّة، فَعرف أَنه تشبح لما فرط مِنْهُ فِي امْرَأَة أوريا فَاسْتَغْفر وأناب. وكما كَانَ عرض قدمي الْخمر وَاللَّبن عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واختياره اللَّبن تشبحا لعرض الْفطْرَة والشهوات على أمته وَاخْتِيَار الرَّاشِدين مِنْهُم الْفطْرَة، وكما كَانَ جُلُوس النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأبي بكر وَعمر مُجْتَمعين على قف الْبِئْر، وجلوس عُثْمَان مُنْفَردا مِنْهُم تشبحا لما قدر الله تَعَالَى من حَال قُبُورهم ومدافنهم على مَا أَوله سعيد بن الْمسيب وناهيك بِهِ ... ، وَأكْثر الوقائع الحشرية من هَذَا الْقَبِيل.
وَاعْلَم أَن تعلق النَّفس الناطقة بالنسمة أكيد شَدِيد فِي حق أَكثر النَّاس وَإِنَّمَا مثلهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلُوم الْبَعِيدَة من مألوفها كَمثل الأكمة لَا يتخيل الألوان والأضواء أصلا وَلَا مطمع لَهَا فِي حُصُول ذَلِك إِلَّا بعد أحقاب كَثِيرَة ومدد متطاولة فِي ضمن تشبحات وتمثلات.
والنفوس أول مَا تبْعَث تجازى بِالْحِسَابِ الْيَسِير أَو العسير أَو بالمرور على الصِّرَاط ناجيا ومخدوشا أَو بِأَن يتبع كل أحد متبوعه فينجو، أَو يهْلك أَو تنطق الْأَيْدِي والأرجل وَقِرَاءَة الصُّحُف أَو بِظُهُور مَا يخل بِهِ، وَحمله على ظَهره أَو الكي بِهِ؛ وَبِالْجُمْلَةِ فتشبحات وتمثلات لما عِنْدهَا بِمَا تعطيه أَحْكَام
الصُّورَة النوعية، وَأَيّمَا رجل كَانَ أوثق نفسا، وأوسع نسمَة، فالتشبحات الحشرية فِي حَقه أتم وأوفر، وَلذَلِك أخبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن أَكثر عَذَاب أمته فِي قُبُورهم، وهنالك أُمُور متمثلة تتساوى النُّفُوس فِي مشاهدتها كالهداية المبسوطة ببعثة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تتشبح حوضا، وتتشبح أَعْمَالهم المحصا عَلَيْهَا وزنا إِلَى غير ذَلِك، وتتشبح النِّعْمَة بمطعم هنئ، ومشرب مريء، ومنكح شهي، وملبس رَضِي، ومسكن بهي،
وللخروج من ظلمات التَّخْلِيط إِلَى النِّعْمَة تدريجات عَجِيبَة كَمَا بَينه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث الرجل الَّذِي هُوَ آخر أهل النَّار خُرُوجًا مِنْهَا، وَأَن للنفوس شهوات تتوارد عَلَيْهَا من تِلْقَاء نوعها تتمثل بهَا النِّعْمَة، وشهوات دون ذَلِك يتَمَيَّز بهَا بَعْضهَا من بعض، وَهُوَ قَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دخلت الْجنَّة فَإِذا جَارِيَة أدماء لعساء، فَقلت مَا هَذِه يَا جِبْرِيل؟ فَقَالَ: أَن الله تَعَالَى عرف شَهْوَة جَعْفَر بن أبي طَالب للادم اللعس،
فخلق لَهُ هَذِه "، وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَن الله أدْخلك الْجنَّة، فَلَا تشَاء أَن تحمل فِيهَا على فرس من ياقوته حَمْرَاء تطير بك فِي الْجنَّة حَيْثُ شِئْت إِلَّا فعلت " وَقَوله: " إِن رجلا من أهل الْجنَّة اسْتَأْذن ربه فِي الزَّرْع، فَقَالَ لَهُ أَلَسْت فِيمَا شِئْت قَالَ بلَى، وَلَكِنِّي أحب أَن أزرع، فبذر، فبادر الطّرف نَبَاته واستواؤه واستحصاده، فَكَانَ أَمْثَال الْجبَال، فَيَقُول الله تَعَالَى دُونك يَا ابْن آدم، فَإِنَّهُ لَا يشبعك شَيْء "، ثمَّ آخر ذَلِك رُؤْيَة رب الْعَالمين، وَظُهُور سُلْطَان التجليات فِي جنَّة الْكَثِيب، ثمَّ كَائِن بعد ذَلِك مَا أسكت عَنهُ، وَلَا أذكرهُ اقْتِدَاء بالشارع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

المبحث الثَّالِث

(مَبْحَث الارتفاقات)
(بَاب كَيْفيَّة استنباط الارتفاقات)
اعْلَم أَن الْإِنْسَان يُوَافق أَبنَاء جنسه فِي الْحَاجة إِلَى الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع والاستظلال من الشَّمْس والمطر والاستدفاء فِي الشتَاء وَغَيرهَا، وَكَانَ من عناية الله تَعَالَى بِهِ أَن ألهمه كَيفَ يرتفق بأَدَاء هَذِه الْحَاجَات إلهاما طبيعيا من مُقْتَضى صورته النوعية، فَلَا جرم يتساوى الْأَفْرَاد فِي ذَلِك الْأكل مُخْدج عَصَتْ مادته، كَمَا ألهم النَّحْل كَيفَ تَأْكُل الثمرات، ثمَّ كَيفَ تتَّخذ بَيْتا يجْتَمع فِيهِ أشخاص من بني نوعها، ثمَّ كَيفَ
تنقاد ليعسوبها، ثمَّ كَيفَ تعسل، وكما ألهم العصفور كَيفَ يَبْتَغِي الْحُبُوب الغاذية، وَكَيف يرد المَاء، وَكَيف يفر عَن السنور والصياد، وَكَيف يُقَاتل من صده عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَكَيف يسافد ذكره الْأُنْثَى عِنْد الشبق، ثمَّ يتخذان عشا عِنْد الْجَبَل، ثمَّ كَيفَ يتعاونان فِي حضَانَة الْبيض، ثمَّ كَيفَ يزقان الْفِرَاخ، وَكَذَلِكَ لكل نوع شَرِيعَة تنفث فِي صُدُور أَفْرَاده من طَرِيق الصُّورَة النوعية.
وَكَذَلِكَ ألهم الْإِنْسَان كَيفَ يرتفق من هَذِه الضرورات غير أَنه انظم لَهُ مَعَ هَذَا ثَلَاثَة أَشْيَاء لمقْتَضى صورته النوعية الرابية على كل نوع.
أَحدهَا الانبعاث إِلَى شَيْء من رَأْي كلي فالبهيمة إِنَّمَا تنبعث إِلَى غَرَض محسوس أَو متوهم من دَاعِيَة ناشئة من طبيعتها كالجوع والعطش والشبق، وَالْإِنْسَان رُبمَا ينبعث إِلَى نفع مَعْقُول لَيْسَ لَهُ دَاعِيَة من طَبِيعَته فيقصد أَن
يحصل نظاما صَالحا فِي الْمَدِينَة أَو بكمل خلقه، ويهذب نَفسه، أَو يتفصى من عَذَاب الْآخِرَة، أَو يُمكن جاهه فِي صُدُور النَّاس.
الثَّانِي أَنه يضم مَعَ الارتفاق الظرافة، فالبهيمة إِنَّمَا تبتغي مَا تسد بِهِ خلتها، وتدفع حَاجَتهَا فَقَط، وَالْإِنْسَان رُبمَا يُرِيد أَن تقر عينه، وتلذ نَفسه زِيَادَة على الْحَاجة، فيطلب زَوْجَة جميلَة، وَطَعَامًا لذيذا، وملبسا فاخرا ومسكنا شامخا.
وَالثَّالِث أَنه يُوجد مِنْهُم أهل عقل ودارية يستنبطون الارتفاقات الصَّالِحَة، وَيُوجد مِنْهُم من يختلج فِي صَدره مَا اختلج فِي صُدُور أُولَئِكَ، وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع الاستنباط، فَإِذا رأى من الْحُكَمَاء، وَسمع مَا استنبطوه تَلقاهُ بقلبة، وعض عَلَيْهِ بنواجذه لما وجده مُوَافقا لعلمه الإجمالي، فَرب إِنْسَان يجوع، ويظمأ فَلَا يجد الطَّعَام وَالشرَاب، فيقاسي ألما شَدِيدا حَتَّى يجدهما، فيحاول ارتفاقا بِإِزَاءِ هَذِه الْحَاجة، وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلا، ثمَّ يتَّفق أَن يلقى حكيما أَصَابَهُ مَا أصَاب ذَلِك، فتعرف الْحُبُوب الغاذية، واستنبط بذرها وسقيها وحصادها ودياسها وتذريتها، وحفظها إِلَى وَقت الْحَاجة، واستنبط حفر الْآبَار للبعيد من الْعُيُون والأنهار واصطناع القلال والقرب والقصاع، فيتخذ ذَلِك بَابا من الارتفاق، ثمَّ أَنه يقضم الْحُبُوب كَمَا هِيَ، فَلَا تنهضم فِي معدته، ويرتع الْفَوَاكِه نيئة، فَلَا تنهضم، فيحاول شَيْئا بِإِزَاءِ هَذِه، فَلَا يَهْتَدِي سَبِيلا، فَيلقى حكيما استنبط الطَّبْخ والقلي والطحن وَالْخبْز، فيتخذ ذَلِك بَابا آخر، وَقس على ذَلِك حاجاته كلهَا. والمستبصر يشْهد عِنْده لما ذكرنَا حُدُوث كثير من الْمرَافِق فِي الْبلدَانِ بعد مَا لم تكن، فَمضى على ذَلِك قُرُون، وَلم يزَالُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك حَتَّى اجْتمعت
جملَة صَالِحَة من الْعُلُوم الإلهامية المؤيدة بالمكتسبة، ونشبت عَلَيْهَا نُفُوسهم، وَعَلَيْهَا كَانَ محياهم ومماتهم، وَبِالْجُمْلَةِ فحال الإلهامات الضرورية مَعَ هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة كَمثل النَّفس أَصله ضَرُورِيّ بِمَنْزِلَة حَرَكَة النبض، وَقد انظم مَعَه الِاخْتِيَار فِي صغر الأنفاس وكبرها.
وَلما كَانَت هَذِه الثَّلَاثَة لَا تُوجد فِي جَمِيع النَّاس سَوَاء لاخْتِلَاف أمزجة النَّاس وعقولهم الْمُوجبَة للانبعاث، من رَأْي كلي، ولحب الظرافة، ولاستنباط الارتفاقات، والاقتداء فِيهَا، ولاختلافهم فِي التفرغ للنَّظَر وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب كَانَ للارتفاقات حدان.
الأول هُوَ الَّذِي لَا يُمكن أَن يَنْفَكّ عَنهُ أهل الاجتماعات القاصرة كَأَهل البدو وسكان شَوَاهِق الْجبَال والنواحي الْبَعِيدَة من الأقاليم الصَّالِحَة، وَهُوَ الَّذِي نُسَمِّيه بالارتفاق الأول.
وَالثَّانِي مَا عَلَيْهِ أهل الْحَضَر والقرى العامرة من الأقاليم الصَّالِحَة المستوجبة أَن ينشأ فِيهَا أهل الْأَخْلَاق الفاضلة والحكماء، فَإِنَّهُ كثر هُنَالك الاجتماعات وزدحمت الْحَاجَات، وَكَثُرت التجارب، فاستنبطت سنَن جزيلة، وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ.
والطرف الْأَعْلَى من هَذَا الْحَد مَا يتعامله الْمُلُوك أهل الرَّفَاهِيَة الْكَامِلَة الَّذين يرد عَلَيْهِم حكماء الْأُمَم، فينتحلون مِنْهُم سننا صَالِحَة، وَهُوَ الَّذِي نُسَمِّيه بالارتفاق الثَّانِي، وَلما كمل الارتفاق الثَّانِي أوجب ارتفاقا ثَالِثا، وَذَلِكَ أَنهم لما دارت بَينهم الْمُعَامَلَات وداخلها الشُّح والحسد والمطل والتجاحد، نشأت بَينهم اختلافات ومنازعات وَأَنَّهُمْ نَشأ فيهم من تغلب عَلَيْهِ الشَّهَوَات الرَّديئَة، أَو يجبل على الجراءة فِي الْقَتْل والنهب، وَأَنَّهُمْ
كَانَت لَهُم ارتفاقات مُشْتَركَة النَّفْع لَا يُطيق وَاحِد مِنْهُم إِقَامَتهَا، أَو لَا تسهل عَلَيْهِ، أَو لَا تسمح نَفسه بهَا، فاضطروا إِلَى إِقَامَة ملك يقْضِي بَينهم بِالْعَدْلِ، ويزجر عاصيهم، ويقاوم جريئهم، ويجبي مِنْهُم الْخراج، ويصرفه فِي مصرفه، وَأوجب الارتفاق الثَّالِث ارتفاقا رَابِعا، وَذَلِكَ أَنه لما انفرز كل ملك بمدينته، وجبى إِلَيْهِ الْأَمْوَال، وانظم إِلَيْهِ الْأَبْطَال، وداخلهم الشُّح والحرص والحقد، تشاجروا فِيمَا بَينهم، وتقاتلوا، فاضطروا إِلَى إِقَامَة الْخَلِيفَة، أَو الانقياد لمن تسلط عَلَيْهِم تسلط الْخلَافَة الْكُبْرَى، وأعني بالخليفة من يحصل لَهُ من الشَّوْكَة مَا يرى مَعَه، كالممتنع أَن يسلبه رجل آخر ملكه، اللَّهُمَّ إِلَّا بعد اجتماعات كَثِيرَة، وبذل أَمْوَال خطيرة لَا يتَمَكَّن مِنْهَا إِلَّا وَاحِد فِي الْقُرُون المتطاولة، وَيخْتَلف الْخَلِيفَة باخْتلَاف الْأَشْخَاص والعادات، وَأي أمة طبائعها أَشد وَأحد، فَهِيَ أحْوج إِلَى الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء مِمَّن هِيَ دونهمَا فِي الشُّح والشحناء، وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على أصُول هَذِه الارتفاقات وفهارس أَبْوَابهَا، كَمَا أوجبه عقول الْأُمَم الصَّالِحَة ذَوي الْأَخْلَاق الفاضلة، واتخذوه سنة مسلمة لَا يخْتَلف فِيهَا أقاصيهم، وَلَا أذانيهم، فاستمع لما يُتْلَى عَلَيْك.

بَاب الارتفاق الأول

مِنْهُ اللُّغَة المعبرة عَمَّا فِي ضمير الْإِنْسَان، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَفعَال وهيآت وأجسام تلابس صَوتا مَا بالمجاورة أَو التَّسَبُّب أَو غَيرهمَا، فيحكى ذَلِك الصَّوْت كَمَا هُوَ، ثمَّ يتَصَرَّف فِيهِ باشتقاق الصِّيَغ بِإِزَاءِ اخْتِلَاف الْمعَانِي، وَيُشبه أُمُور مُؤثرَة فِي الْأَبْصَار، أَو محدثة لهيآت وجدانية فِي النَّفس، بالقسم الأول، ويتكلف لَهُ صَوت كمثله، ثمَّ اتسعت اللُّغَات بالتجوز لمشابهة أَو مجاورة وَالنَّقْل لعلاقة مَا
وهنالك أصُول أُخْرَى ستجدها فِي بعض كلامنا، وَمِنْه الزَّرْع وَالْغَرْس وحفر الْآبَار وَكَيْفِيَّة الطَّبْخ والائتدام، وَمِنْه اصطناع الْأَوَانِي والقرب، وَمِنْه تسخير الْبَهَائِم واقتناؤها ليستعان بظهورها ولحومها وجلودها وَأَشْعَارهَا وأوبارها وَأَلْبَانهَا وَأَوْلَادهَا، وَمِنْه مسكن يؤويه من الْحر وَالْبرد من الغيران والعشوش وَنَحْوهَا، وَمِنْه لِبَاس يقوم مقَام الريش من جُلُود الْبَهَائِم أَو أوراق الْأَشْجَار، أَو مِمَّا عملت أَيْديهم، وَمِنْه أَن اهْتَدَى لتعيين منكوحه لَا يزاحمه فِيهَا أحد، يدْفع بهَا شبقه، ويذرأ بهَا نَسْله، ويستعين بهَا فِي حَوَائِجه
المنزلية وَفِي حضَانَة الْأَوْلَاد وتربيتها، وَغير الْإِنْسَان لَا يعينها إِلَّا بِنَحْوِ من الِاتِّفَاق أَو بكونهما توأمين أدْركَا على المرافقة وَنَحْو ذَلِك، وَمِنْه أَن اهْتَدَى لصناعات لَا يتم الزَّرْع وَالْغَرْس والحفر وتسخير الْبَهَائِم وَغير ذَلِك إِلَّا بهَا كالمعول والدلو وَالسِّكَّة والحبال وَنَحْوهَا، وَمِنْه أَن اهْتَدَى لمبادلات ومعاونات فِي بعض الْأَمر، وَمِنْه أَن يقوم أسدهم رَأيا وأشدهم بطشا، فيسخر الآخرين، ويرأس ويربع وَلَو بِوَجْه من الْوُجُوه، وَمِنْه أَن تكون فِيهَا سنة مسلمة لفصل خصوماتهم، وكبح ظالمهم، وَدفع من يُرِيد أَن يغزوهم، وَلَا بُد أَن يكون فِي كل قوم من يستنبط طرق الارتفاق فِيمَا يهمهم شَأْنه، فيقتدى بِهِ سَائِر النَّاس، وَأَن يكون فيهم من يحب الْجمال والرفاهية والدعة، وَلَو بِوَجْه من الْوُجُوه، وَمن يباهي بأخلاقه من الشجَاعَة والسماحة والفصاحة والكيس وَغَيرهَا، وَمن يحب أَن يطير صيته، ويرتفع جاهه، وَقد من الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَظِيم على عباده بإلهام شعب هَذَا الارتفاق لعلمه بِأَن التَّكْلِيف بِالْقُرْآنِ يعم أَصْنَاف النَّاس وَأَنه لَا يشملهم جَمِيعًا إِلَّا هَذَا النَّوْع من الارتفاق وَالله أعلم.

بَاب فن أداب المعاش

وَهِي الْحِكْمَة الباحثة عَن كَيْفيَّة الارتفاق من الْحَاجَات المبينة من قبل على الْحَد الثَّانِي، وَالْأَصْل فِيهِ أَن يعرض الارتفاق الأول على التجربة الصَّحِيحَة فِي كل بَاب، فيختار الهيآت الْبَعِيدَة من الضَّرَر، الْقَرِيبَة من النَّفْع، وَيتْرك مَا سوى ذَلِك، وعَلى الْأَخْلَاق الفاضلة الَّتِي يجبل عَلَيْهَا أهل الأمزجة الْكَامِلَة، فيختار مَا توجبه، وتقتضيه، وَيتْرك مَا سوى ذَلِك، وعَلى حسن الصُّحْبَة بَين النَّاس، وَحسن الْمُشَاركَة مَعَهم، وَنَحْو ذَلِك من الْمَقَاصِد الناشئة من الرَّأْي الْكُلِّي.
ومعظم مسَائِله آدَاب الْأكل وَالشرب وَالْمَشْي وَالْقعُود وَالنَّوْم وَالسّفر والخلاء وَالْجِمَاع واللباس والمسكن والنظافة والزينة ومراجعة الْكَلَام والتمسك بالأدوية والرقى فِي العاهات، وتقدمة الْمعرفَة فِي الْحَوَادِث المجمعة، والولائم عِنْد عرُوض فَرح من ولادَة وَنِكَاح وَعِيد وقدوم مُسَافر وَغَيرهَا، والمآتم عِنْد المصائب وعيادة المرضى وَدفن الْمَوْتَى، فَإِنَّهُ أجمع من يعْتد بِهِ من أهل الأمزجة الصَّحِيحَة سكان الْبلدَانِ
المعمورة على أَلا يُؤْكَل الطَّعَام الْخَبيث كالميت حتف أَنفه والمتعفن وَالْحَيَوَان الْبعيد من اعْتِدَال المزاج وانتظام الْأَخْلَاق، ويستحبون أَن يوضع الطَّعَام فِي الْأَوَانِي، وتوضع هِيَ على السّفر وَنَحْوهَا، وَأَن ينظف الْوَجْه وَالْيَدَانِ عِنْد إِرَادَة الْأكل، ويحترز عَن هيآت الطيش والشره وَالَّتِي تورث الضغائن فِي قُلُوب المشاركين وَألا يشرب المَاء الآجن، وَأَن يحْتَرز من الكرع والعب، وَأَجْمعُوا على اسْتِحْبَاب النَّظَافَة نظافة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان عَن شَيْئَيْنِ من النَّجَاسَات
المنتنة المتقذرة، وَعَن الأوساخ النابتة على نهج طبيعي كالبخر يزَال بِالسِّوَاكِ وكشعر الابط والعانة وكتوسخ الثِّيَاب واعشيشاب الْبَيْت، وعَلى اسْتِحْبَاب أَن يكون الرجل شامة بَين النَّاس قد سوى لِبَاسه وسرح رَأسه ولحيته، وَالْمَرْأَة إِذا كَانَت تَحت رجل تتزين بخضاب وحلي وَنَحْو ذَلِك وعَلى أَن العري شين واللباس زين وَظُهُور السوأتين عَار، وَأَن أتم اللبَاس مَا ستر عَامَّة الْبدن وَكَانَ سَاتِر الْعَوْرَة غير سَاتِر الْبدن، وعَلى تقدمة الْمعرفَة بِشَيْء من الْأَشْيَاء إِمَّا بالرؤيا أَو بالنجوم أَو الطَّيرَة أوالعيافة وَالْكهَانَة والرمل وَنَحْو ذَلِك.
وكل من خلق على مزاج صَحِيح وذوق سليم يخْتَار لَا محَالة فِي كَلَامه من الْأَلْفَاظ كل لفظ غير وَحشِي، وَلَا ثقيل على اللِّسَان، وَمن التراكيب كل تركيب، متين جيد، وَمن الأساليب كل أسلوب يمِيل إِلَيْهِ السّمع، ويركن إِلَيْهِ الْقلب وَهَذَا الرجل هُوَ ميزَان الفصاحة.
وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي كل بَاب مسَائِل إجماعية مسلمة بَين أهل الْبلدَانِ وَإِن تَبَاعَدت، وَالنَّاس بعْدهَا فِي تمهيد قَوَاعِد الْآدَاب مُخْتَلفُونَ، فالطبيعي يمهدها على أستحسانات الطِّبّ والمنجم على خَواص النُّجُوم، والإلهي على الْإِحْسَان كَمَا تجدها فِي كتبهمْ مفصلة، وَلكُل قوم زِيّ وآداب يتميزون بهَا، يُوجِبهَا اخْتِلَاف الأمزجة والعادات وَنَحْو ذَلِك.

بَاب تَدْبِير الْمنزل

وَهُوَ الْحِكْمَة الباحثة عَن كَيْفيَّة حفظ الرَّبْط الْوَاقِع بَين أهل الْمنزل على الْحَد الثَّانِي من الارتفاق وَفِيه أَربع جمل: الزواج، والولاد، والملكة، والصحبة.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن حَاجَة الْجِمَاع أوجبت ارتباط واصطحاباً بَين الرجل وَالْمَرْأَة، ثمَّ الشَّفَقَة على الْمَوْلُود أوجبت تعاونا مِنْهُمَا فِي حضانته، وَكَانَت الْمَرْأَة أهداهما للحضانة بالطبع، وأخفهما عقلا، وأكثرهما انحجاما من المشاق، وأتمهما حَيَاء ولزوما للبيت، وأحذقهما سعيا فِي محقرات الْأُمُور وأوفرهما انقيادا، وَكَانَ الرجل أسدهما عقلا، وأشدهما ذباعن الذمار، وأجزأهما على الاقتحام فِي المشاق، وأتمهما تيها وتسلطا ومناقشة وغيرة، فَكَانَ معاش هَذِه لَا تتمّ إِلَّا بِذَاكَ، وَذَاكَ يحْتَاج إِلَى هَذِه.
وأوجبت مزاحمات الرِّجَال على النِّسَاء وغيرتهم عَلَيْهِنَّ أَلا يصلح أَمرهم إِلَّا بتصحيح اخْتِصَاص الرجل بِزَوْجَتِهِ على رُءُوس الأشهاد، وأوجبت رَغْبَة الرجل فِي الْمَرْأَة، وكرامتها على وَليهَا، وذبه عَنْهَا أَن يكون مهر وخطبة
وتصد من الْوَلِيّ، وَكَانَ لَو فتح رَغْبَة الْأَوْلِيَاء فِي الْمَحَارِم أفْضى ذَلِك إِلَى ضَرَر عَظِيم عَلَيْهَا من عضلها عَمَّن ترغب فِيهِ، وَألا يكون لَهَا من يُطَالب عَنْهَا بِحُقُوق الزَّوْجِيَّة مَعَ شدَّة احتياجها إِلَى ذَلِك وتكدير الرَّحِم بمنازعات الضرات وَنَحْوهَا مَعَ مَا تَقْتَضِيه سَلامَة المزاج من قلَّة الرَّغْبَة فِي الَّتِي نَشأ مِنْهَا، أَو نشأت مِنْهُ، أَو كَانَ كعصى دوحة.
وَأوجب الْحيَاء عَن ذكر الْحَاجة إِلَى الْجِمَاع أَن تجْعَل مدسوسة فِي ضمن عروج يتَوَقَّع لَهما كَأَنَّهُ الْغَايَة الَّتِي وجدا لَهَا.
وَأوجب التلطف فِي التشهير، وَجعل الْملاك المنزلي عروجا أَن تجْعَل وَلِيمَة يدعى النَّاس إِلَيْهَا ودف وطرب.
وَبِالْجُمْلَةِ فلوجوه جمة مِمَّا ذكرنَا، وَمِمَّا حذفنا - اعْتِمَادًا على ذهن الأذكياء - كَانَ النِّكَاح بالهيئة الْمُعْتَادَة أَعنِي نِكَاح غير الْمَحَارِم بِمحضر من النَّاس مَعَ تَقْدِيم مهر وخطبة وملاحظة كفاءة وتصد من الْأَوْلِيَاء ووليمة، وَكَون الرِّجَال قوامين على النِّسَاء متكفلين معاشهن، وكونهن خادمات حاضنات مطيعات سنة لَازِمَة، وأمرا مُسلما عِنْد الكافة، وفطرة فطر الله النَّاس عَلَيْهَا لَا يخْتَلف فِي ذَلِك عربهم وَلَا عجمهم.
وَلما لم يكن بذل الْجهد مِنْهُمَا فِي التعاون بِحَيْثُ يَجْعَل كل وَاحِد ضَرَر الآخر، ونفعه كالراجع إِلَى نَفسه إِلَّا بِأَن يوطنا أَنفسهمَا على إدامة النِّكَاح، وَلَا بُد من إبْقَاء طَرِيق للخلاص إِذا لم يطاوعا، وَلم يتراضيا وَإِن كَانَ من أبْغض الْمُبَاحَات وَجب فِي الطَّلَاق مُلَاحظَة قيود وعدة، وَكَذَا فِي وَفَاته عَنْهَا تَعْظِيمًا لأمر النِّكَاح فِي النُّفُوس وَأَدَاء لبَعض حق الإدامة ووفاء لعهد الصُّحْبَة، وَلِئَلَّا تشتبه الْأَنْسَاب.
وأوجبت حَاجَة الْأَوْلَاد إِلَى الأباء، وحدبهم عَلَيْهِم بالطبع أَن يكون تمرين الْأَوْلَاد على مَا يَنْفَعهُمْ فطْرَة، وَأوجب تقدم الأباء عَلَيْهِم، فَلم يكبروا إِلَّا والأباء أَكثر عقلا وتجربة مَعَ مَا يُوجِبهُ صِحَة الْأَخْلَاق من مُقَابلَة الْإِحْسَان بِالْإِحْسَانِ، وَقد قاسوا فِي تربيتهم مَالا حَاجَة إِلَى شَرحه أَن يكون بر الْوَالِدين سنة لَازِمَة.
وَأوجب اخْتِلَاف استعداد بني آدم أَن يكون فيهم السَّيِّد بالطبع، وَهُوَ الأكيس المستقل بمعيشته ذُو سياسة ورفاهية جبليتين، وَالْعَبْد بالطبع وَهُوَ الأخرق التَّابِع ينقاد كَمَا يُقَاد، وَكَانَ معاش كل وَاحِد لَا يتم إِلَّا بِالْآخرِ، وَلَا يُمكن التعاون فِي المنشط وَالْمكْره إِلَّا بِأَن يوطنا أَنفسهمَا على إدامة هَذَا الرَّبْط، ثمَّ أوجبت اتفاقات أخر أَن يأسر بَعضهم بَعْضًا، فَوَقع ذَلِك مِنْهُم بموقع، وانتظمت الملكة، وَلَا بُد من سنة يُؤَاخذ كل وَاحِد نَفسه عَلَيْهَا، ويلام على تَركهَا، وَلَا بُد من إبْقَاء طَرِيق الْخَلَاص فِي الْجُمْلَة بِمَال أَو بِدُونِهِ، وَكَانَ يتَّفق كثيرا أَن تقع على الْإِنْسَان حاجات وعاهات من مرض وزمانة وَتوجه حق عَلَيْهِ وحوائج يضعف عَن إصْلَاح أمره مَعهَا إِلَّا بمعاونة بني جنسه، وَكَانَ النَّاس فِيهَا سواسية، فاحتاجوا إِلَى إِقَامَة ألفة بَينهم وإدامتها، وَإِن تكون لإغاثة المستغيث وإعانة الملهوف سنة بَينهم يطالبون بهَا ويلامون عَلَيْهَا.
وَلما كَانَت الْحَاجَات على حَدَّيْنِ: حد لَا يتم إِلَّا بِأَن يعد كل وَاحِد ضَرَر الآخر ونفعه رَاجعا إِلَى نَفسه، وَلَا يتم إِلَّا ببذل كل وَاحِد الطَّاقَة فِي مُوالَاة الآخر وَوُجُوب الْإِنْفَاق عَلَيْهِ والتوارث، وَبِالْجُمْلَةِ فبأمور تلزمهم من الْجَانِبَيْنِ ليَكُون الْغنم بالغرم، وَكَانَ أليق النَّاس بِهَذَا الْحَد الْأَقَارِب لِأَن تحاببهم واصطحابهم كالأمر الطبيعي، وحد يَتَأَتَّى بِأَقَلّ من ذَلِك فَوَجَبَ أَن تكون مواساة أهل العاهات سنة مسلمة بَين النَّاس، وَأَن تكون صلَة الرَّحِم أوكد، وَأَشد من ذَلِك كُله.
ومعظم مسَائِل هَذَا الْفَنّ معرفَة الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة للزواج وَتَركه وَسنة الزواج وَصفَة الزَّوْج وَالزَّوْجَة، وَمَا على الزَّوْج من حسن المعاشرة وصيانة الْحرم عَن الْفَوَاحِش والعار، وَمَا على الْمَرْأَة من التعفف وَطَاعَة الزَّوْج
وبذل الطَّاقَة فِي مصَالح الْمنزل وَكَيْفِيَّة صلح المتناشزين وَسنة الطَّلَاق وإحداد المتوفي عَنْهَا زَوجهَا وحضانة الْأَوْلَاد وبر الولداين وسياسة المماليك وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَقيام المماليك بِخِدْمَة الموَالِي وَسنة الْإِعْتَاق وصلَة الْأَرْحَام وَالْجِيرَان وَالْقِيَام بمواساة فُقَرَاء الْبَلَد والتعاون فِي دفع عاهات طارئة عَلَيْهِم، وأدب نقيب الْقَبِيلَة وتعهده حَالهم، وَقِسْمَة التركات بَين الْوَرَثَة والمحافظة على الْأَنْسَاب والأحساب، فَلَنْ تَجِد أمة من النَّاس إِلَّا وهم يَعْتَقِدُونَ أصُول هَذِه الْأَبْوَاب ويجتهدون فِي إِقَامَتهَا على اخْتِلَاف أديانهم وتباعد بلدانهم وَالله أعلم.

بَاب فن الْمُعَامَلَات

وَهُوَ الْحِكْمَة الباحثة عَن كَيْفيَّة إِقَامَة المبادلات والمعاونات والإكساب على الارتفاق الثَّانِي.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَنه لما ازدحمت الْحَاجَات، وَطلب الإتقان فِيهَا، وَأَن تكون على وَجه تقر بِهِ الْأَعْين، وتلذ بِهِ الْأَنْفس تعذر إِقَامَتهَا من كل وَاحِد وَكَانَ بَعضهم وجد طَعَاما فَاضلا عَن حَاجته، وَلم يجد مَاء وَبَعْضهمْ مَاء فَاضلا وَلم يجد طَعَاما فَرغب كل وَاحِد فِيمَا عِنْد الآخر، فَلم يَجدوا سَبِيلا إِلَّا الْمُبَادلَة، فَوَقَعت تِلْكَ الْمُبَادلَة بموقع من حَاجتهم فَاصْطَلَحُوا بِالضَّرُورَةِ على أَن يقبل كل وَاحِد على إِقَامَة حَاجَة وَاحِدَة وإتقانها وَالسَّعْي فِي جَمِيع أدواتها ويجعلها ذَرِيعَة إِلَى سَائِر الْحَوَائِج بِوَاسِطَة المبادلات، وَصَارَت تِلْكَ سنة مسلمة عِنْدهم، وَلما كَانَ كثير من النَّاس يرغب فِي شَيْء وَعَن شَيْء، فَلَا يجد من يعامله فِي تِلْكَ الْحَالة، اضطروا إِلَى تقدمة وتهيئة، واندفعوا إِلَى الِاصْطِلَاح على جَوَاهِر معدنية تبقى زَمَانا طَويلا أَن تكون الْمُعَامَلَة بهَا أمرا مُسلما عِنْدهم، وَكَانَ الْأَلْيَق من بَينهَا، الذَّهَب
وَالْفِضَّة لصِغَر حجمهما، وتماثل أفرادهما، وَعظم نفعهما فِي بدن الْإِنْسَان ولتأتي التجمل بهما، فَكَانَا نقدين بالطبع، وَكَانَ غَيرهمَا نَقْدا بالاصطلاح.
وأصول المكاسب الزَّرْع والرعي والتقاط الْأَمْوَال الْمُبَاحَة من الْبر وَالْبَحْر من الْمَعْدن والنبات وَالْحَيَوَان والصناعات من نجارة وحدادة وحياكة
وَغَيرهَا مِمَّا هُوَ من جعل الْجَوَاهِر الطبيعية بِحَيْثُ يَتَأَتَّى مِنْهَا الارتفاق الْمَطْلُوب ثمَّ صَارَت التِّجَارَة كسبا، ثمَّ صَار الإقبال على كل مَا يحْتَاج النَّاس إِلَيْهِ كسبا.
وَكلما رقت النُّفُوس وأمعنت فِي حب اللَّذَّة والرفاهية، تفرعت حَوَاشِي المكاسب، واختص كل رجل بكسب لأحد شَيْئَيْنِ مُنَاسبَة الْقوي فالرجل الشجاع يُنَاسب الْغَزْو، والكيس الْحَافِظ يُنَاسب الْحساب، وَقَوي الْبَطْش يُنَاسب حمل الأثقال وشاق الْأَعْمَال، واتفاقات تُوجد فولد الْحداد وجاره يَتَيَسَّر لَهُ من صناعَة الحدادة مَا لَا يَتَيَسَّر لَهُ من غَيرهَا وَلَا لغيره مِنْهَا، وقاطن سَاحل الْبَحْر يَتَأَتَّى مِنْهُ صيد الْحيتَان دون غَيره وَدون غَيرهَا، وَبقيت نفوس أعيت بهَا الْمذَاهب الصَّالِحَة، فانحدروا إِلَى أكساب ضاره بِالْمَدِينَةِ كالسرقة والقمار والتكدى.
والمبادلة إِمَّا عين بِعَين، وَهُوَ البيع، أَو عين بِمَنْفَعَة، وَهِي الْإِجَارَة، وَلما كَانَ انتظام الْمَدِينَة لَا يتم إِلَّا بإنشاء ألفة ومحبة بَينهم، وَكَانَت الألفة كثيرا مَا تُفْضِي إِلَى بذل الْمُحْتَاج إِلَيْهِ بِلَا بدل أَو تتَوَقَّف عَلَيْهِ انشعبت الْهِبَة وَالْعَارِية، وَلَا تتمّ أَيْضا إِلَّا بمواساة الْفُقَرَاء انشعبت الصَّدَقَة وأوجبت المعدات أَن يكون مِنْهُم الأخرق وَالْكَافِي والمملق والمثري والمستنكف من الْأَعْمَال الخسيسة وَغير المستنكف وَالَّذِي ازدحمت عَلَيْهِ الْحَاجَات والمتفرغ، فَكَانَ معاش كل وَاحِد لَا يتم إِلَّا بمعاونة آخر، وَلَا معاونة إِلَّا بِعقد وشروط واصطلاح على سنة، فانشعبت الْمُزَارعَة وَالْمُضَاربَة وَالْإِجَارَة وَالشَّرِكَة وَالتَّوْكِيل، وَوَقعت حاجات تَسوق إِلَى مداينة ووديعة، وجربوا الْخِيَانَة والجحود والمطل فاضطروا إِلَى إِشْهَاد وَكِتَابَة وثائق وَرهن وكفالة وحوالة، وَكلما ترفهت النُّفُوس انشعبت أنوع المعاونات، وَلنْ تَجِد أمة من النَّاس إِلَّا ويباشرون هَذِه الْمُعَامَلَات ويعرفون الْعدْل من الظُّلم وَالله أعلم.

بَاب سياسة الْمَدِينَة

وَهِي الْحِكْمَة الباحثة عَن كَيْفيَّة حفظ الرَّبْط الْوَاقِع بَين أهل الْمَدِينَة - وأعني بِالْمَدِينَةِ جمَاعَة مُتَقَارِبَة تجْرِي بَينهم الْمُعَامَلَات وَيَكُونُونَ أهل منَازِل شَتَّى.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْمَدِينَة شخص وَاحِد من جِهَة ذَلِك الرَّبْط مركب من أَجزَاء وهيئة اجتماعية، وكل مركب يُمكن أَن يلْحقهُ خلل فِي مادته أَو صورته ويلحقه مرض أَعنِي حَالَة غَيرهَا أليق بِهِ بِاعْتِبَار نَوعه، وَصِحَّة أَي حَالَة تُحسنهُ وتجمله.
وَلما كَانَت الْمَدِينَة ذَات اجْتِمَاع عَظِيم لَا يُمكن أَن يتَّفق رَأْيهمْ جَمِيعًا على حفظ السّنة العادلة، وَلَا أَن يُنكر بَعضهم على بعض من غير أَن يمتاز بِمنْصب إِذا يُفْضِي ذَلِك إِلَى مقاتلات عريضة لم يَنْتَظِم أمرهَا إِلَّا بِرَجُل أصطلح على طَاعَته جُمْهُور أهل الْحل وَالْعقد لَهُ أعوان وشوكة، وكل من كَانَ أشح وَأحد وَأَجرا على الْقَتْل وَالْغَضَب، فَهُوَ أَشد حَاجَة إِلَى السياسة
وَمن الْخلَل أَن تَجْتَمِع أنفس شريرة لَهُم مَنْعَة وشوكة على اتِّبَاع الْهوى ورفض السّنة العادلة، إِمَّا طَمَعا فِي أَمْوَال النَّاس، وهم قطاع الطّرق، أَو إِضْرَارًا لَهُم بغضب أَو حقد أَو رَغْبَة فِي الْملك، فَيحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى جمع رجال وَنصب قتال.
وَمِنْه إِصَابَة ظَالِم إنْسَانا بقتل أَو جرح أَو ضرب أَو فِي أَهله بِأَن يزاحم على زَوجته، أَو يطْمع فِي بَنَاته وأخواته لغير حق، أَو فِي مَاله من غضب جهرة أَو سَرقَة خُفْيَة، أَو فِي عرضه من نسبته إِلَى أَمر قَبِيح يلام بِهِ أَو إغلاظ القَوْل عَلَيْهِ.
وَمِنْه أَعمال ضارة بِالْمَدِينَةِ ضَرَرا خفِيا كالسحر ودس السم وَتَعْلِيم النَّاس الْفساد وتخبيب الرّعية على الْملك وَالْعَبْد على مَوْلَاهُ وَالزَّوْجَة على زَوجهَا
وَمِنْه عادات فَاسِدَة فِيهَا إهمال للارتفاقات الْوَاجِبَة كاللواطة والسحاقة وإتيان الْبَهَائِم، فَإِنَّهُ تصد عَن النِّكَاح أَو انسلاخ عَن الْفطْرَة السليمة كَالرّجلِ يؤنث وَالْمَرْأَة تذكر، أَو حُدُوث لمنازعات عريضة كالمزاحمة على الْمَوْطُوءَة من غير اخْتِصَاص بهَا وكإدمان الْخمر.
وَمِنْه معاملات ضارة بِالْمَدِينَةِ كالقمار والربا أضعافاً مضاعفة والرشوة وتطفيف الْكَيْل وَالْوَزْن والتدليس فِي السّلع وتلقي الجلب والاحتكار والنجش.
وَمِنْه خصومات مشكلة يتَمَسَّك فِيهَا كل بِشُبْهَة، وَلَا تنكشف جلية الْحَال، فَيحْتَاج إِلَى
التَّمَسُّك بِالْبَيِّنَاتِ وَالْإِيمَان والوثائق وقرائن الْحَال وَنَحْوهَا، وردهَا إِلَى سنة مسلمة، وإبداء وَجه التَّرْجِيح، وَمَعْرِفَة مكايد المتخاصمين وَنَحْو ذَلِك.
وَمِنْه أَن يَبْدُو أهل الْمَدِينَة ويكتفوا بالارتفاق الأول، أَو يتمدنوا فِي غير هَذِه الْمَدِينَة، أَو يكون توزعهم فِي الإقبال على الاكساب بِحَيْثُ يضر بِالْمَدِينَةِ مثل أَن يقبل أَكْثَرهم على التِّجَارَة، وَيَدْعُو الزِّرَاعَة، أَو يتكسب أَكْثَرهم بالغزو وَنَحْوه، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يكون الزراع بِمَنْزِلَة الطَّعَام والصناع والتجار والحفظة بِمَنْزِلَة الْملح المصلح لَهُ.
وَمِنْه انتشار السبَاع الضارية والهوام المؤذية، فَيجب السَّعْي فِي إفنائها وَمن بَاب كَمَال الْحِفْظ بِنَاء الْأَبْنِيَة الَّتِي يشتركون فِي الِانْتِفَاع بهَا كالأسوار والربط والحصون والثغور والأسواق والقناطر.
وَمِنْه حفر الْآبَار واستنباط الْعُيُون وتهيئة السفن على سواحل الْأَنْهَار.
وَمِنْه حمل التُّجَّار على الْميرَة بتأنيسهم وتأليفهم وتوصية أهل الْبَلَد أَن يحسنوا الْمُعَامَلَة مَعَ الغرباء، فَإِن ذَلِك يفتح بَاب كَثْرَة ورودهم، وَحمل الزراع على أَلا يتْركُوا أَرضًا مُهْملَة، والصناع أَن يحسنوا الصناعات، ويتقنوها، وَأهل الْبَلَد على اكْتِسَاب الْفَضَائِل كالخط والحساب والتاريخ والطب وَالْوُجُوه الصَّحِيحَة من تقدمة الْمعرفَة.
وَمِنْه معرفَة أَخْبَار الْبَلَد ليتميز الداعر من الناصح، وليعلم الْمُحْتَاج، فيعان وَصَاحب صَنْعَة مرغوبة، فيستعان بِهِ.
وغالب سَبَب خراب الْبلدَانِ فِي هَذَا الزَّمَان شَيْئَانِ أَحدهمَا تضييقهم على بَيت المَال بِأَن يعتادوا التكسب بِالْأَخْذِ مِنْهُ على أَنهم من الْغُزَاة، أَو من الْعلمَاء الَّذين لَهُم حق فِيهِ، أَو من الَّذين جرت عَادَة الْمُلُوك بصلتهم كالزهاد وَالشعرَاء، أَو بِوَجْه من وُجُوه التكدي، وَيكون الْعُمْدَة عِنْدهم هُوَ التكسب دون الْقيام بِالْمَصْلَحَةِ، فَيدْخل قوم على قوم، فينغصون عَلَيْهِم، ويصيرون كلا على الْمَدِينَة.
وَالثَّانِي ضرب الضرائب الثَّقِيلَة على الزراع والتجار والمتحرفة وَالتَّشْدِيد عَلَيْهِم حَتَّى يُفْضِي إِلَى إجحاف المطاوعين واستئصالهم، وَإِلَى تمنع أولي بَأْس شَدِيد وبغيهم وَإِنَّمَا تصلح الْمَدِينَة بالجباية الْيَسِيرَة وَإِقَامَة الْحفظَة بِقدر الضَّرُورَة، قليتنبه أهل الزَّمَان لهَذِهِ النُّكْتَة وَالله أعلم.

بَاب سيرة الْمُلُوك

يجب أَن يكون الْملك متصفا بالأخلاق المرضية، وَإِلَّا كَانَ كلا على الْمَدِينَة، فَإِن لم يكن شجاعا ضعف عَن مقاومة الْمُحَاربين، وَلم تنظر إِلَيْهِ الرّعية
إِلَّا بِعَين الهوان، وَإِن لم يكن حَلِيمًا كَاد يُهْلِكهُمْ بسطوته، وَإِن لم يكن حكيما لم يستنبط التَّدْبِير المصلح، وَأَن يكون عَاقِلا بَالغا حرا ذكرا ذار أَي وَسمع وبصر ونطق مِمَّن سلم النَّاس شرفه وَشرف قومه، وَرَأَوا مِنْهُ وَمن آبَائِهِ المآثر الحميدة، وَعرفُوا أَنه لَا يألو جهدا فِي إصْلَاح الْمَدِينَة، هَذَا كُله يدل عَلَيْهِ الْعقل، وأجمعت عَلَيْهِ أُمَم بني آدم على تبَاعد بلداتهم وَاخْتِلَاف أديانهم لما أحسوا من أَن الْمصلحَة الْمَقْصُودَة من نصب الْملك لَا تتمّ إِلَّا بِهِ، فَإِن وَقع شَيْء من إهماله رَأَوْهُ خلاف مَا يَنْبَغِي، وكرهته قُلُوبهم، وَلَو سكتوا سكتوا على غيظ.
وَلَا بُد للْملك من إنْشَاء الجاه فِي قُلُوب رَعيته، ثمَّ حفظه وتدارك الخادشات لَهُ بتدبيرات مُنَاسبَة، وَمن قصد الجاه فَعَلَيهِ أَن يتحلى بالأخلاق الفاضلة مِمَّا يُنَاسب رياسته كالشجاعة وَالْحكمَة والسخاوة وَالْعَفو عَمَّن ظلم وارادة نفع الْعَامَّة، وَيفْعل بِالنَّاسِ مَا يفعل الصياد بالوحش، فَكَمَا أَن الصياد يذهب إِلَى الغيضة، فَينْظر إِلَى الظباء، ويتأمل الْهَيْئَة الْمُنَاسبَة لطبائعها وعاداتها، فيتهيأ بِتِلْكَ الْهَيْئَة، ثمَّ يبرز لَهَا من بعيد، وَيقصر النّظر على عيونها وآذانها، فمهما عرف مِنْهَا تيقظا أَقَامَ بمكانه كَأَنَّهُ جماد لَيْسَ بِهِ حراك، وَمهما عرف مِنْهَا غَفلَة دب إِلَيْهَا دبيبا، وَرُبمَا أطر بهَا بالنغم، وَألقى إِلَيْهَا أطيب مَا ترومه من الْعلف على أَنه صَاحب كرم بالطبع، وَأَنه لم يقْصد بذلك صيدها، وَالنعَم تورث حب الْمُنعم، وَقيد الْمحبَّة أوثق من قيد الْحَدِيد، فَكَذَلِك الرجل الَّذِي يبرز إِلَى النَّاس يَنْبَغِي أَن يُؤثر هَيْئَة ترغب فِيهَا النُّفُوس من زِيّ ومنطق وأدب.
ثمَّ يتَقرَّب مِنْهُم هونا، وَيظْهر إِلَيْهِم النصح والمحبة من غير مجازفة وَلَا ظُهُور قرينَة تدل على أَن ذَلِك لصيدهم، ثمَّ يعلمهُمْ أَن نَظِيره كالممتنع فِي حَقهم حَتَّى يرى أَن نُفُوسهم قد طمأنت بفضله وتقدمه، وصدورهم قد
امْتَلَأت مَوَدَّة وتعظيما، وجوارحهم تدابت خشوعا وإخباتا، ثمَّ ليحفظ ذَلِك فيهم، فَلَا يكن مِنْهُ مَا يَخْتَلِفُونَ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِن فرط شَيْء من ذَلِك، فليتداركه بلطف وإحسان وَإِظْهَار أَن الْمصلحَة حكمت بِمَا فعل، وَأَنه لَهُم لَا عَلَيْهِم.
وَالْملك مَعَ ذَلِك يحْتَاج إِلَى إِيجَاب طَاعَته بالانتقام مِمَّن عَصَاهُ، فمهما استشعر من رجل كِفَايَة فِي حَرْب أَو جباية أَو تَدْبِير، فليضاعف عطاءه، وليرفع قدره، ولبسط لَهُ بشره، وَمهما استشعر مِنْهُ خِيَانَة وتخلفا وانسلالا، فلينقص من عطائه، وليخفض من قدره، وليطو عَنهُ بشره، وَإِلَى يسَار أكمل من يسَار النَّاس، وَليكن مِمَّا لَا يضيق عَلَيْهِم كموات يحييه وناحية بعيدَة يحميها وَنَحْو ذَلِك وَإِلَى أَلا يبطش بِأحد إِلَّا بعد أَن يصحح على أهل الْحل وَالْعقد أَنه يسْتَحقّهُ، وَأَن الْمصلحَة الْكُلية حاكمة بِهِ.
وَلَا بُد للْملك من فراسة يتعرف بهَا مَا أضمرت نُفُوسهم، وَيكون ألمعيا يظنّ بك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمع، وَيجب عَلَيْهِ إِلَّا لَا يُؤَخر مَا لَا بُد مِنْهُ إِلَى غَد، وَلَا يصبر إِن رأى مِنْهُم أحدا يضمر عداوته دون فك نظامه وإضعاف قوته وَالله أعلم.

بَاب سياسة الأعوان

لما كَانَ الْملك لَا يَسْتَطِيع إِقَامَة هَذِه الْمصَالح كلهَا بِنَفسِهِ وَجب أَن يكون لَهُ بِإِزَاءِ كل حَاجَة أعوان، وَمن شَرط الأعوان الْأَمَانَة وَالْقُدْرَة على إِقَامَة مَا أمروا بِهِ وانقيادهم للْملك والنصح لَهُ ظَاهرا أَو بَاطِنا، وكل من خَالف هَذِه الشريطة فقد اسْتحق الْعَزْل، فَإِن أهمل الْملك عَزله، فقد خَان الْمَدِينَة، وأفسد على نَفسه أمره، وَيَنْبَغِي أَنه لَا يتَّخذ الأعوان مِمَّن يتَعَذَّر عَزله، أَو مِمَّن لَهُ حق على الْملك من قرَابَة أَو نَحْوهَا، فيقبح عَزله، وليميز الْملك
بَين محبيه، فَمنهمْ من يُحِبهُ لرهبة أَو لرغبته، فليجره إِلَيْهِ بحيلة، وَمِنْهُم من يُحِبهُ لذاته، وَيكون نَفعه نفعا لَهُ، وضرره ضَرَرا عَلَيْهِ، فَذَلِك الْمُحب الناصح وَلكُل إِنْسَان جبلة جبل عَلَيْهَا وَعَادَة اعتادها، وَلَا يَنْبَغِي للْملك أَن يَرْجُو من أحد أَكثر مِمَّا عِنْده.
والأعوان إِمَّا حفظه من شَرّ الْمُخَالفين بِمَنْزِلَة الْيَدَيْنِ الحاملتين للسلاح من بدن الْإِنْسَان، وَإِمَّا مدبرون للمدينة بِمَنْزِلَة الْقُوَّة الطبيعية من الْإِنْسَان أَو المشاورون للْملك بِمَنْزِلَة الْعقل والحواس للْإنْسَان.
وَيجب على الْملك أَن يسْأَل كل يَوْم مَا فيهم من الْأَخْبَار، وَيعلم مَا وَقع من الْإِصْلَاح وضده.
وَلما كَانَ الْملك وأعوانه عاملين للمدينة عملا نَافِعًا وَجب أَن يكون رزقهم عَلَيْهَا، وَلَا بُد أَن يكون بجباية العشور وَالْخَرَاج سنة عادلة لَا تضر بهم، وَقد كفت الْحَاجة، وَلَا يَنْبَغِي أَن يضْرب على كل أحد وَفِي كل مَال، وَالْأَمر مَا أَجمعت مُلُوك الْأُمَم من مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا أَن تكون الجباية من أهل الدُّثُور والقناطير المقنطرة، وَمن الْأَمْوَال النامية كماشية متناسلة وزراعة وتجارة، فَإِن احْتِيجَ إِلَى أَكثر من ذَلِك، فعلى رُءُوس الكاسبين:
وَلَا بُد للْملك من سياسة جُنُوده، وَطَرِيق السياسة مَا يَفْعَله الرائض الماهر بفرسه حَيْثُ يتعرف أَصْنَاف الجري من إرفال وهرولة وعدو وَغَيرهَا، والعادات الذميمة من حرونة وَنَحْوهَا، والأمور الَّتِي تنبه الْفرس تَنْبِيها بليغا كالنخس والزجر وَالسَّوْط، ثمَّ يراقبه، فَكلما فعل مَا لَا يرتضيه، أَو ترك مَا يرتضيه ينبهه بِمَا ينقاد لَهُ طبعه، وتنكسر بِهِ سورته، وليقصد فِي ذَلِك أَلا يتشوش خاطره، فَلَا يتفطن لماذا ضربه، ولتكن صُورَة الْأَمر الَّذِي يلقيه إِلَيْهِ متمثله فِي صَدره منعقدة فِي قلبه وَالْخَوْف من المجازاه مُقيما فِي
خاطره، ثمَّ إِذا حصل فعل الْمَطْلُوب والكف عَن المهروب لَا يَنْبَغِي أَن يتْرك الرياضة حَتَّى يرى أَن الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة صَارَت خلقا لَهُ وديدنا، وَصَارَ بِحَيْثُ لَوْلَا الزّجر لما ركن إِلَى خلَافهَا، فَكَذَلِك يجب على رائض الْجنُود أَن يعرف الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة فعلا وكفا والأمور الَّتِي يَقع بهَا تنبيههم، وَليكن من شَأْنه أَلا يهمل شَيْء من ذَلِك أبدا.
وَلَيْسَ للأعوان حصر فِي عدد لكنه يَدُور على دوران حاجات الْمَدِينَة، فَرُبمَا تقع الْحَاجة إِلَى اتِّخَاذ عونين فِي حَاجَة، وَرُبمَا كفا عون لحاجتين، غير أَن رُءُوس الأعوان خَمْسَة.
القَاضِي، وَليكن حرا ذكرا بَالغا عَاقِلا كَافِيا عَارِفًا بِسنة الْمُعَامَلَات وبمكايد الْخُصُوم فِي اختصامهم، وَليكن صلبا حَلِيمًا جَامعا للأمرين، ولينظر فِي مقامين: أَحدهمَا معرفَة جلية الْحَال، وَهِي إِمَّا عقد أَو مظْلمَة أَو سَابِقَة بَينهمَا، وَثَانِيهمَا مَا يُرِيد كل وَاحِد من صَاحبه أَي الإراديتين أصوب وأرجح ولينظر فِي وَجه الْمعرفَة، فهنالك حجَّة لَا يريب فِيهَا النَّاس تَقْتَضِي الحكم الصراح، وَحجَّة لَيست بِذَاكَ تَقْتَضِي حكما دون الحكم الأول.
وأمير الْغُزَاة، وَليكن من شَأْنه معرفَة عدَّة الْحَرْب وتأليف الْأَبْطَال والشجعان وَمَعْرِفَة مبلغ كل رجل فِي النَّفْع وَكَيْفِيَّة تعبية الجيوش وَنصب الجواسيس والخبرة فِي بمكايد الْخُصُوم. وسائس الْمَدِينَة، وَليكن مجربا قد عرف وُجُوه صَلَاح الْمَدِينَة وفسادها صلبا حَلِيمًا، وَليكن من قوم لَا يسكتون إِذا رَأَوْا خلاف مَا يرتضونه، وليتخذ لكل قوم نَقِيبًا مِنْهُم عَارِفًا؛ أخبارهم يَنْتَظِم بِهِ أَمرهم ويؤاخذه بِمَا عِنْدهم.
وَالْعَامِل، وَليكن عَارِفًا بكيفية جباية الْأَمْوَال وتفريقها على الْمُسْتَحقّين.
وَالْوَكِيل، المتكفل بمعاش الْملك فَإِنَّهُ مَعَ مَا بِهِ من الأشغال لَا يُمكن أَن يتفرغ إِلَى إصْلَاح معاشه

بَاب الارتفاق الرَّابِع

وَهِي الْحِكْمَة الباحثة عَن سياسة حكام المدن وملوكها، وَكَيْفِيَّة حفظ الرَّبْط الْوَاقِع بَين أهل الأقاليم، وَذَلِكَ أَنه لما انفرز كل ملك بمدينته، وجبي إِلَيْهِ الْأَمْوَال، وانظم إِلَيْهِ الْأَبْطَال أوجب اخْتِلَاف أمزجتهم وتشتت استعداداتهم أَن يكون فيهم الْجور وَترك السّنة الراشدة، وَأَن يطْمع بَعضهم فِي مَدِينَة الْآخِرَة، وَأَن يتحاسدوا، ويتقاتلوا باراء جزئية من نَحْو رَغْبَة فِي الْأَمْوَال والأراضي، أَو حسد وحقد، فَلَمَّا كثر ذَلِك فِي الْمُلُوك اضطروا إِلَى الْخَلِيفَة، وَهُوَ من حصل لَهُ من العساكر وَالْعدَد مَا يرى كالممتنع أَن يسلب رجل آخر ملكه، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يتَصَوَّر بعد بلَاء عَام وَجهد كَبِير واجتماعات كَثِيرَة وبذل أَمْوَال خطيرة تتقاصر الْأَنْفس دونهَا وتحيله الْعَادة، وَإِذا وجد الْخَلِيفَة، وَأحسن السِّيرَة فِي الأَرْض، وخضعت لَهُ الْجَبَابِرَة، وانقاد لَهُ الْمُلُوك تمت النِّعْمَة، واطمأنت الْبِلَاد والعباد، واضطر الْخَلِيفَة إِلَى إِقَامَة الْقِتَال دفعا للضَّرَر اللَّاحِق لَهُم من أنفس سبعية تنهب أَمْوَالهم، وَتَسْبِي ذَرَارِيهمْ، وتهتك حرمهم، وَهَذِه الْحَاجة هِيَ الَّتِي دعت بني إِسْرَائِيل إِلَى أَن قَالُوا لنَبِيّ لَهُم. {ابْعَثْ لنا ملكا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله}
وَابْتِدَاء إِذا أساءت أنفس شهوية أَو سبعية السِّيرَة، وأفسدوا فِي الأَرْض، فألهم الله سُبْحَانَهُ إِمَّا بِلَا وَاسِطَة أَو بِوَاسِطَة الْأَنْبِيَاء أَن يسلب شوكتهم، وَيقتل مِنْهُم من لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْإِصْلَاح أصلا، وهم فِي نوع الْإِنْسَان بِمَنْزِلَة
والعضو المؤف بالاكلة، وَهَذِه الْحَاجة
هِيَ الْمشَار إِلَيْهَا بقوله تَعَالَى:
{وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لهدمت صوامع وَبيع} الْآيَة
وَقَوله تَعَالَى:
{وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} .
وَلَا يتَصَوَّر للخليفة مقاتلة الْمُلُوك الْجَبَابِرَة وَإِزَالَة شوكتهم إِلَّا بأموال وَجمع رجال، وَلَا بُد فِي ذَلِك من معرفَة الْأَسْبَاب الْمُقْتَضِيَة لكل وَاحِد من الْقِتَال والهدنة، وَضرب الْخراج والجزية، وَأَن يتَأَمَّل أَولا مَا يقْصد بالمقاتلة من دفع مظْلمَة أَو إزهاق أنفس سبعية خبيثة لَا يرجي صَلَاحهَا، أَو كبت أنفس دونهَا فِي الْخبث بِإِزَالَة شوكتها، أَو كبت قوم مفسدين فِي الأَرْض بقتل رُءُوسهم المدبرين لَهُم أَو حَبسهم أَو حِيَازَة أَمْوَالهم وأراضيهم أَو صرف وُجُوه الرّعية عَنْهُم.
وَلَا يَنْبَغِي للخليفة أَن يقتحم لتَحْصِيل مقصد فِيمَا هُوَ أَشد مِنْهُ، فَلَا يقْصد حِيَازَة الْأَمْوَال بإفناء جمَاعَة صَالِحَة من الموافقين، وَلَا بُد من استمالة قُلُوب الْقَوْم وَمَعْرِفَة مبلغ نفع كل وَاحِد، فَلَا يعْتَمد على أَكثر مِمَّا هُوَ فِيهِ، والتنوية بشأن السراة والدهاة والتحريض على الْقِتَال ترغيبا وترهيبا وَليكن أول نظرة إِلَى تَفْرِيق جمعهم وتكليل حَدهمْ وإخافة قُلُوبهم حَتَّى يتمثلوا بَين يَدَيْهِ
لَا يَسْتَطِيعُونَ لأَنْفُسِهِمْ شَيْئا، فَإِذا ظفر بذلك فليتحقق فيهم ظَنّه الَّذِي زوره قبل الْحَرْب، فَإِن خَافَ مِنْهُم أَن يفسدوا تَارَة أُخْرَى ألزمهم خراجا منهكا وجزية مستأصلة، وَهدم صياصيهم، وجعلهم بِحَيْثُ لَا يُمكن لَهُم أَن يَفْعَلُوا فعلهم ذَلِك.
وَلما كَانَ الْخَلِيفَة حَافِظًا لصِحَّة مزاج حَاصِل من أخلاط متشاكسة جدا أوجب أَن يكون متيقظا، وَيبْعَث عيُونا فِي كل نَاحيَة، وَيسْتَعْمل فراسة نَافِذَة، وَإِذا رأى اجتماعا منعقدا من عساكره، فَلَا صَبر دون أَن ينصب اجتماعا آخر مثله مِمَّن تحيل الْعَادة مواطأتهم مَعَهم، وَإِذا رأى من رجل التمَاس خلَافَة، فَلَا صَبر دون اتقاء جرأته وَإِزَالَة شوكته وإضعاف قوته وَلَا بُد أَن يَجْعَل قبُول أمره والارتفاق على مناصحته سنة مسلمة عِنْدهم، وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِك مُجَرّد الْقبُول، بل لَا بُد من أَمارَة ظَاهِرَة للقبول، بهَا يُؤَاخذ الرّعية، كالدعاء لَهُ والتنويه بِشَأْنِهِ فِي الاجتماعات الْعَظِيمَة، وَأَن يوطنوا أنفسهم على زِيّ وهيئة أَمر بهَا الْخَلِيفَة، كالاصطلاح على الدَّنَانِير المنقوشة باسم الْخَلِيفَة فِي زَمَاننَا وَالله أعلم.

بَاب اتِّفَاق النَّاس على أصُول الارتفاقات

اعْلَم أَن الارتفاقات لَا تخلوا عَنْهَا مَدِينَة من الأقاليم المعمورة، وَلَا أمة من الْأُمَم أهل الأمزجة المعتدلة والأخلاق الفاضلة من لدن آدم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وأصولها مسلمة عِنْد الْكل قرنا بعد قرن وطبقة بعد طبقَة لم يزَالُوا يُنكرُونَ على من عصاها أَشد نَكِير، ويرونها أُمُور بديهية من شدَّة شهرتها، وَلَا يصدنك عَمَّا ذكرنَا اخْتلَافهمْ فِي صور الارتفاقات وفروعها، فاتفقوا مثلا على إِزَالَة نَتن الْمَوْتَى وَستر سوآتهم، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الصُّور، فَاخْتَارَ بَعضهم الدّفن فِي الأَرْض، وَبَعْضهمْ الحرق بالنَّار،
وَاتَّفَقُوا على تشهير أَمر النِّكَاح وتمييزه عَن السفاح على رُءُوس الأشهاد، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الصُّور، فَاخْتَارَ بَعضهم الشُّهُود والإيجاب وَالْقَبُول والوليمة، وَبَعْضهمْ الدُّف والغناء وَلبس ثِيَاب فاخرة لَا تلبس إِلَّا فِي الولائم الْكَبِيرَة، وَاتَّفَقُوا على زجر الزِّنَا والسراق ثمَّ اخْتلفُوا، فَاخْتَارَ بَعضهم الرَّجْم وَقطع الْيَد، وَبَعْضهمْ الضَّرْب والأليم وَالْحَبْس الوجيع والغرامات المنهكة، وَلَا يصدنك أَيْضا مُخَالفَة طائفتين، أَحدهمَا البلة الملتحقون بالبهائم مِمَّن لَا يشك الْجُمْهُور أَن أمزجتهم نَاقِصَة وعقولهم مخدجة، وصاروا يستدلون على بلاهتهم بِمَا يرَوْنَ من عدم تقييدهم أنفسهم بِتِلْكَ الْقُيُود، وَالثَّانيَِة الْفجار الَّذين لَو نقح مَا فِي قُلُوبهم ظهر أَنهم يَعْتَقِدُونَ الارتفاقات لَكِن تغلب عَلَيْهِم الشَّهَوَات، فيعصونها شَاهِدين على أنفسهم بِالْفُجُورِ، ويزنون ببنات النَّاس وأخواتهم، وَلَو زني ببناتهم وأخواتهم كَادُوا يتميزون من الغيظ، ويعلمون قطعا أَن النَّاس يصيبهم مَا أصَاب أولاء، وَإِن إِصَابَة هَذِه الْأُمُور مخلة بانتظام الْمَدِينَة لَكِن يعميهم الْهوى، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي السّرقَة وَالْغَصْب وَغَيرهمَا، وَلَا يَنْبَغِي أَن يظنّ أَنهم اتَّفقُوا على ذَلِك من غير شَيْء بِمَنْزِلَة الِاتِّفَاق على أَن يتغذى بِطَعَام وَاحِد أهل الْمَشَارِق والمغارب كلهم وَهل سفسطه أَشد من ذَلِك؟ بل الْفطْرَة السليمة حاكمة بِأَن النَّاس لم يتفقوا عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَاف أمزجتهم وتباعد بلدانهم وتشتت مذاهبهم وأديانهم إِلَّا لمناسبة فطرية متشعبة من الصُّورَة النوعية، وَمن حاجات كَثِيرَة الْوُقُوع يتوارد عَلَيْهَا أَفْرَاد النَّوْع، وَمن أَخْلَاق توجبها الصِّحَّة النوعية فِي أمزجة الْأَفْرَاد، وَلَو أَن إنْسَانا
نَشأ ببادية نائية عَن الْبلدَانِ، وَلم يتَعَلَّم من أحد رسما كَانَ لَهُ لَا جرم حاجات من الْجُوع والعطش والغلمة، واشتاق لَا محَالة إِلَى امْرَأَة، وَلَا بُد عِنْد صِحَة مزاجهما أَن يتَوَلَّد بَينهمَا أَوْلَاد، وَيضم أهل أَبْيَات، وينشأ فيهم معاملات، فينتظم الارتفاق الأول عَن آخِره، ثمَّ إِذا كَثُرُوا لَا بُد
أَن يكون فيهم أهل أَخْلَاق فاضلة تقع فيهم وقائع توجب سَائِر الارتفاقات وَالله أعلم.

بَاب الرسوم السائرة فِي النَّاس

اعْلَم أَن الرسوم من الارتفاقات هِيَ بِمَنْزِلَة الْقلب من جَسَد الْإِنْسَان، وَإِيَّاهَا قصدت الشَّرَائِع أَولا وبالذات، وعنها الْبَحْث فِي النواميس الإلهية، وإليها الإشارات، وَلها أَسبَاب تنشأ مِنْهَا كاستنباط الْحُكَمَاء، وكالهام الْحق فِي قُلُوب المؤيدين بِالنورِ الملكي، وَأَسْبَاب تَنْتَشِر بهَا فِي النَّاس، مثل كَونهَا سنة ملك كَبِير دَانَتْ لَهُ الرّقاب، أَو كَونهَا تَفْصِيلًا لما يجده النَّاس فِي صُدُورهمْ، فيتلقونها بِشَهَادَة قُلُوبهم، وَأَسْبَاب يعضون عَلَيْهَا بالنواجذ لأ أجلهَا من تجربة مجازاة غيبية على إهمالها، أَو وُقُوع فَسَاد فِي إغفالها، وكإقامة أهل الآراء الراشدة اللائمة على تَركهَا، وَنَحْو ذَلِك، والمستبصر رُبمَا يوفق لتصديق ذَلِك من إحْيَاء سنَن وإماتتها فِي كثير من الْبلدَانِ بنظائر مَا ذكرنَا.
وَالسّنَن السائرة وَإِن كَانَت من حق فِي أصل أمرهَا لكَونهَا حافظة على الارتفاقات الصَّالِحَة، ومفضية بأفراد الْإِنْسَان إِلَى كمالها النظري والعملي، ولولاها لالتحق أَكثر النَّاس بالبهائم، فكم من رجل يُبَاشر النِّكَاح والمعاملات على الْوَجْه الْمَطْلُوب، وَإِذا سُئِلَ عَن سَبَب تقيده بِتِلْكَ الْقُيُود لم يجد جَوَابا إِلَّا مُوَافقَة الْقَوْم، وَغَايَة جهده علم إجمالي لَا يعرب عَنهُ لِسَانه فظلا عَن تمهيد ارتفاقه، فَهَذَا لَو لم يلْتَزم سنة كَاد يلْتَحق بالبهائم، لَكِنَّهَا قد يَنْضَم مَعهَا بَاطِل، فيلبس على النَّاس سنتهمْ، وَذَلِكَ بِأَن يترأس قوم يغلب عَلَيْهِم الآراء الْجُزْئِيَّة دون الْمصَالح الْكُلية، فَيخْرجُونَ إِلَى أَعمال سبعية كَقطع الطَّرِيق أَو غضب أَو شهوية كاللواطة وتأنث الرِّجَال أَو أكساب ضارة
كالربا وتطفيف الْكَيْل وَالْوَزْن أَو عادات فِي الزي والولائم تميل إِلَى الْإِسْرَاف، وتحتاج إِلَى تعمق بليغ فِي الاكساب، أَو
الْإِكْثَار من المسليات بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى إهمال أَمر المعاش والمعاد كالمزامير وَالشطْرَنْج وصيد واقتناء الْحمام وَنَحْوهَا، أَو جبايات منهكة لأبناء السَّبِيل وخراج مستأصل للرعية، أَو التشاحح والتشاحن فِيمَا بَينهم، فيستحسنون أَن يفعلوها مَعَ النَّاس، وَلَا يستحسنون أَن يفعل ذَلِك مَعَهم، فَلَا يُنكر عَلَيْهِم أحد لجاههم وصولتهم فَيَجِيء فجرة الْقَوْم، فيقتدون بهم، وينصرونهم، ويبذلون السَّعْي فِي إِشَاعَة ذَلِك، وَيَجِيء قوم لم يخلق فِي قُلُوبهم ميل قوى إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة، وَلَا إِلَى أضدادها، فيحملهم مَا يرَوْنَ من الرؤساء على التَّمَسُّك بذلك، وَرُبمَا أعيت بهم الْمذَاهب الصَّالِحَة، وَيبقى قوم فطرتهم سوية فِي أخريات الْقَوْم لَا يخالطونهم، ويسكتون على غيظ فتنعقد سنة سَيِّئَة وتتأكد.
وَيجب بذل الْجهد على أهل الآراء الْكُلية فِي إِشَاعَة الْحق وتمشيته وإخمال الْبَاطِل، وصده، فَرُبمَا لم يُمكن ذَلِك إِلَّا بمخاصمات أَو مقاتلات، فيعد كل ذَلِك من أفضل أَعمال الْبر، وَإِذا انْعَقَدت سنة راشدة، فسلمها الْقَوْم عصرا بعد عصر، وَعَلَيْهَا كَانَ محياهم ومماتهم، ويبست عَلَيْهَا نُفُوسهم وعلومهم، فظنوها متلازمة لِلْأُصُولِ وجودا وعدما لم تكن إِرَادَة الْخُرُوج عَنْهَا وعصيانها إِلَّا مِمَّن سمجت نَفسه، وطاش عقله، وقويت شَهْوَته، واقتعد غاربه الْهوى، فَإِذا بَاشر الْخُرُوج أضمر فِي قلبه شَهَادَة على فجوره، وسدل حجاب بَينه وَبَين الْمصلحَة الْكُلية، فَإِذا كمل فعله صَار ذَلِك شرحا لمرضه النفساني، وَكَانَ ثلمة فِي دينه، فَإِذا تقرر ذَلِك تقررا بَينا ارْتَفَعت أدعية الْمَلأ الْأَعْلَى وتضرعت مِنْهُم لمن وَافق تِلْكَ السّنة وعَلى من خالفها، وانعقد فِي حَظِيرَة الْقُدس رضَا وَسخط عَمَّن بَاشَرَهَا، أَو عَلَيْهِ، وَإِذا كَانَت السّنَن كَذَلِك عدت من الْفطْرَة الَّتِي فطر الله النَّاس عَلَيْهَا وَالله أعلم.

المبحث الرَّابِع

(مَبْحَث السَّعَادَة)
(بَاب حَقِيقَة السَّعَادَة)
اعْلَم أَن للْإنْسَان كمالا تَقْتَضِيه الصُّورَة النوعية، وكمالا يَقْتَضِيهِ مَوْضُوع النَّوْع من الْجِنْس الْقَرِيب والبعيد، وسعادته الَّتِي يضرّهُ فقدها، ويقصدها أهل الْعُقُول المستقيمة قصدا مؤكدا هُوَ الأول، وَذَلِكَ أَنه قد يمدح فِي الْعَادة
بِصِفَات يُشَارك فِيهَا الْأَجْسَام المعدنية، كالطول وَعظم الْقَامَة، فَإِن كَانَت السَّعَادَة هَذِه، فالجبال أتم سَعَادَة، وصفات يُشَارك فِيهَا النَّبَات كالنمو الْمُنَاسب وَالْخُرُوج إِلَى تخاطيط جميلَة وهيآت ناضرة، فَإِن كَانَت السَّعَادَة هَذِه فالشقائق والأوراد أتم سَعَادَة، وصفات يُشَارك فِيهَا الْحَيَوَان، كشدة الْبَطْش وجهورية الصَّوْت وَزِيَادَة الشبق وَكَثْرَة الْأكل وَالشرب ووفور الْغَضَب والحسد، فَإِن كَانَت السَّعَادَة هَذِه فالحمار أتم سَعَادَة، وصفات يخْتَص بهَا الْإِنْسَان كالأخلاق المهذبة والارتفاقات الصَّالِحَة والصنائع الرفيعة والجاه الْعَظِيم، فبادئ الرَّأْي أَنَّهَا سَعَادَة الْإِنْسَان، وَلذَلِك ترى كل أمة من أُمَم النَّاس يسْتَحبّ أتمهَا عقلا وأسدها رَأيا أَن يكْتَسب هَذِه، وَيجْعَل مَا سواهَا كَأَنَّهَا لَيْسَ صِفَات مدح، وَلَكِن الْأَمر إِلَى الْآن غير منقح لِأَن أصل هَذِه مَوْجُود فِي أَفْرَاد الْحَيَوَان، فالشجاعة أَصْلهَا الْغَضَب وَحب الانتقام والثبات فِي الشدائد والإقدام على المهالك، وَهَذِه كلهَا موفرة فِي الفحول من الْبَهَائِم، لَكِن لَا تسمى شجاعة إِلَّا بعد مَا يهذبها فيض النَّفس النطقية، فَتَصِير منقادة للْمصْلحَة الْكُلية منبعثة من دَاعِيَة معقولة، وَكَذَلِكَ أصل الصناعات مَوْجُود فِي الْحَيَوَان كالعصفور الَّذِي ينسج العش، بل رب صَنْعَة يصنعها الْحَيَوَان بطبيعته لَا يتَمَكَّن مِنْهَا الْإِنْسَان بتجشم، كلا بل الْحق أَن هَذِه سَعَادَة بِالْعرضِ وَأَن السَّعَادَة الْحَقِيقَة هِيَ انقياد البهيمية للنَّفس النطقية، وَاتِّبَاع الْهوى لِلْعَقْلِ، وَكَون النَّفس الناطقة قاهرة على البهيمية وَالْعقل غَالِبا على الْهوى وَسَائِر الخصوصيات ملغاة.
وَاعْلَم أَن الْأُمُور الَّتِي تشبك بالسعادة الْحَقِيقِيَّة على قسمَيْنِ: قسم هُوَ من بَاب ظُهُور فيض النَّفس النطقية فِي المعاش بِحكم الجبلة، وَلَا يُمكن أَن يحصل الْخلق الْمَطْلُوب بِهَذَا الْقسم، بل رُبمَا يكون الغوص فِي تِلْكَ الْأَفْعَال بزينتها لَا سِيمَا بفكر جزئي كَمَا هُوَ شَأْن النَّاقِص ضد الْكَمَال الْمَطْلُوب، كَالَّذي يقْصد تَحْصِيل الشجَاعَة بإثارة الْغَضَب والمصارعة وَنَحْو ذَلِك، أَو الفصاحة بِمَعْرِِفَة أشعار الْعَرَب وخطبهم، والأخلاق لَا تظهر إِلَى عِنْد مزاحمات من نَبِي النَّوْع، والارتفاقات لَا تقتنص الابحاجات طارئه، والصنائع لَا تتمّ إِلَّا بآلات ومادة، وَهَذِه كلهَا منقضية بِانْقِضَاء الْحَيَاة الدُّنْيَا، فَإِن مَاتَ النَّاقِص فِي تِلْكَ الْحَالة، وَكَانَ سمجا بَقِي عَارِيا عَن الْكَمَال وَإِن لزق بِنَفسِهِ صور هَذِه العلاقات كَانَ الضَّرَر عَلَيْهِ أَشد من النَّفْع، وَقسم إِنَّمَا روحه هَيْئَة إذعان البهيمية للملكية بِأَن تتصرف حسب وحيها، وتنصبغ بصبغها، وتمنع الملكية مِنْهَا بألا تقبل ألوانها الدنية، وَلَا تنطبع فِيهَا نقوشها الخسيسة، كَمَا تنطبع نقوش الْخَاتم فِي الشمعة، وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِلَّا أَن تَقْتَضِي الملكية شَيْئا من ذَاتهَا، وتوحيه إِلَى البهيمية، وتقترحه عَلَيْهَا، ومتنقاد لَهَا، وَلَا تبغي عَلَيْهَا، وَلَا تتمنع مِنْهَا، ثمَّ تَقْتَضِي أَيْضا، فتنقاد هَذِه أَيْضا، ثمَّ، وَثمّ حَتَّى تعتاد ذَلِك؛ وتتمرن، وَهَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي تقتضيها هَذِه من ذَاتهَا وتقسر عَلَيْهَا تِلْكَ على رغم أنفها إِنَّمَا يكون من جنس مَا فِيهِ انْشِرَاح لهَذِهِ وانقباض لتِلْك، وَذَلِكَ كالتشبه بالملكوت، والتطلع للجبروت، فَإِنَّهَا خَاصَّة الملكية بعيدَة عَنْهَا البهيمية غَايَة الْبعد، أَو يتْرك مَا تَقْتَضِيه البهيمية، وتستلذه، وتشتاق إِلَيْهِ فِي غلوائها.
وَهَذَا الْقسم يُسمى بالعبادات والرياضات وَهِي شركات تَحْصِيل الْفَائِت من الْخلق الْمَطْلُوب، فآل تَحْقِيق الْمقَام إِلَى أَن السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة لَا تقتنص
إِلَّا بالعبادات، وَلذَلِك كَانَت الْمصلحَة الْكُلية تنادي أَفْرَاد الْإِنْسَان من كوَّة الصُّورَة النوعية، وتأمرها أمرا مؤكدا أَن تجْعَل إصْلَاح الصِّفَات الَّتِي هِيَ كَمَال ثَان بِقدر الضَّرُورَة، وَأَن تجْعَل غَايَة همتها ومطمح بصرها تَهْذِيب النَّفس وتحليتها بهيآت تجعلها شَبيهَة بِمَا فَوْقهَا من الْمَلأ الْأَعْلَى مستعدة لنزول أكوان الجبروت والملكوت عَلَيْهَا، وَأَن تجْعَل البهيمية مذعنة للملكية مطيعة لَهَا منصة لظُهُور أَحْكَامهَا.
وأفراد الْإِنْسَان عِنْد الصِّحَّة النوعية، وتمكين الْمَادَّة لظُهُور أَحْكَام النَّوْع كَامِلَة وافرة تشتاق إِلَى هَذِه السَّعَادَة وتنجذب إِلَيْهَا انجذاب الْحَدِيد إِلَى المغناطيس، وَذَلِكَ خلق خلق الله النَّاس عَلَيْهِ، وفطرة فطرهم عَلَيْهَا، وَلِهَذَا مَا كَانَ فِي بني آدم أمة من أهل المزاج المعتدل إِلَّا فِيهَا قوم من عظمائهم يهتمون بتكميل هَذَا الْخلق، ويرونه السَّعَادَة القصوى، ويراهم الْمُلُوك والحكماء فَمن دونهم فائزين بِمَا يجل عَن سعادات الدُّنْيَا كلهَا، ملتحقين بِالْمَلَائِكَةِ، منخرطين فِي سلكهم، حَتَّى صَارُوا يتبركون بهم، ويقبلون أَيْديهم وأرجلهم، فَهَل يُمكن أَن يتَّفق عرب النَّاس وعجمهم على اخْتِلَاف عاداتهم وأديانهم وتباعد مساكنهم وبلدانهم على شَيْء، وَاحِد وحدة نوعية إِلَّا لمناسبة فطرية، كَيفَ لَا وَقد عرفت أَن الملكية مَوْجُودَة فِي أصل فطْرَة الْإِنْسَان، وَعرفت أفاضل النَّاس وأساطينهم من هم، وَالله أعلم.

بَاب اخْتِلَاف النَّاس فِي السَّعَادَة

اعْلَم أَن الشجَاعَة وَسَائِر الْأَخْلَاق كَمَا يخْتَلف أَفْرَاد الْإِنْسَان فِيهَا، فَمنهمْ الفاقد الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ حُصُولهَا أبدا لقِيَام هَيْئَة مضادة فِي أصل جبلته، كالمخنث وَضَعِيف الْقلب جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشجَاعَة.
وَمِنْهُم الفاقد الَّذِي يُرْجَى لَهُ ذَلِك بعد ممارسة أَفعَال وأقوال وهيآت تناسبها
وتلقي ذَلِك من أَهلهَا، وتذكر أَحَادِيث أئمتها وَمَا جرى عَلَيْهِم من الْحَوَادِث فِي الْأَيَّام، فثبتوا فِي الشدائد، وأقدموا على المهالك.
وَمِنْهُم الَّذِي خلق فِيهِ أصل الْخلق، وَلَا تزَال تنبجس فِيهِ فلتات كل حِين، فَإِن أَمر بِحَبْس نَفسه عَنْهَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمر، وَسكت على غيظ، وَأَن أَمر بِمَا يُنَاسب جبلته كَانَ كالكبريت يتَّصل بِهِ النَّار، فَلَا يتراخى احتراقه
وَمِنْهُم الَّذِي خلق فِيهِ الْخلق كَامِلا وافرا، ويندفع إِلَى مقتضياته ضَرُورَة، وَإِن دعِي إِلَى الْجُبْن أَشد دَعْوَة لم يقبل، ويتيسر لَهُ الْخُرُوج إِلَى أَفعَال هَذَا الْخلق والهيآت الْمُنَاسبَة لَهُ بالطبع من غير رسم وَلَا دَعْوَة، وَهَذَا هُوَ الإِمَام فِي هَذَا الْخلق لَا يحْتَاج إِلَى إِمَام أصلا، وَيجب على الَّذين هم دونه فِي الْخلق أَن يَتَمَسَّكُوا بسنته، ويعضوا بنواجذهم على رسومه، ويتكلفوا فِي محاكاة هيئآته، ويتذكروا وقائعه، ليتحرجوا إِلَى الْكَمَال المتوقع لَهُم من الْخلق بِحَسب مَا قدر لَهُم، فَكَذَلِك يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا الْخلق الَّذِي عَلَيْهِ مدَار سعادتهم، فَمنهمْ الفاقد الَّذِي لَا يُرْجَى صَلَاحه كَالَّذي قَتله الْخضر طبع كَافِرًا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى:
{صم بكم عمي فهم لَا يرجعُونَ} .
وَمِنْهُم الفاقد الَّذِي يُرْجَى لَهُ ذَلِك بعد رياضات شاقة وأعمال دِيمَة يُؤَاخذ بهَا نَفسه وَيحْتَاج إِلَى دَعْوَة حثيثة من الْأَنْبِيَاء وَسنَن مأثورة مِنْهُم وَهَؤُلَاء أَكثر النَّاس وجودا، وهم المقصودون فِي الْبعْثَة أَولا وبالذات.
وَمِنْهُم الَّذِي ركب فِيهِ الْخلق إِجْمَالا وينبجس مِنْهُ فلتاته إِلَّا أَنه يحْتَاج فِي التَّفْصِيل وتمهيد الهيآت على مَا يُنَاسب الْخلق فِي كثير مِمَّا يَنْبَغِي إِلَى إِمَام وَفِيه قَوْله تَعَالَى:
{يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار}
وهم السباق.
وَمِنْهُم الْأَنْبِيَاء يَتَأَتَّى لَهُم الْخُرُوج إِلَى كَمَال هَذَا الْخلق وَاخْتِيَار هيآت مُنَاسبَة لَهُ وَكَيْفِيَّة تَحْصِيل الْفَائِت وإبقاء الْحَاضِر وإتمام النَّاقِص من غير إِمَام وَلَا دَعْوَة، فينتظم من جريانهم فِي مُقْتَضى جبلتهم سنَن يتذكرها النَّاس، ويتخذونها دستورا، وَكَيف وَلما كَانَت الحدادة وَالتِّجَارَة وأمثالهما لَا تَأتي من جُمْهُور النَّاس إِلَّا بسنن مأثورة عَن أسلافهم، فَمَا ظَنك بِهَذِهِ المطالب الشَّرِيفَة الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا إِلَّا الموفقون " وَمن هَذَا الْبَاب يَنْبَغِي أَن يعلم شدَّة الْحَاجة إِلَى الْأَنْبِيَاء وَوُجُوب إتباع سنتهمْ والاشتغال بأحاديثهم وَالله أعلم.

بَاب توزع النَّاس فِي كَيْفيَّة تَحْصِيل هَذِه السَّعَادَة

اعْلَم أَن هَذِه السَّعَادَة تحصل بِوَجْهَيْنِ، أَحدهمَا مَا هُوَ كالانسلاخ عَن الطبيعية البهيمية، وَذَلِكَ أَن يتَمَسَّك بالحيل الجالبة لركود أَحْكَام الطبيعة وخمود سورتها، وانطفاء لَهب علومها وحالاتها، وَيقبل على التَّوَجُّه التَّام إِلَى مَا وَرَاء الْجِهَات من الجبروت، وَقبُول النَّفس لعلوم مُفَارقَة عَن الزَّمَان وَالْمَكَان بِالْكُلِّيَّةِ، ولذات مباينة اللَّذَّات المألوفة من كل وَجه، حَتَّى يصير لَا يخالط النَّاس، وَلَا يرغب فِيمَا يرغبون، وَلَا يرهب مِمَّا يرهبون، وَيكون مِنْهُم على طرف شاسع، وصقع بعيد، وَهَذَا الَّذِي يرومه المتألهون من الْحُكَمَاء، والمجذبون من الصُّوفِيَّة، فوصل بَعضهم غَايَة مداها، وَقَلِيل مَا هم وَبَقِي آخَرُونَ مشتاقين لَهَا، طامحة أَبْصَارهم إِلَيْهَا، متكلفين لمحاكاة هيآتها.
وَثَانِيهمَا مَا هُوَ كالإصلاح للبهيمية وَالْإِقَامَة لعوجها مَعَ تعلق أَصْلهَا، وَذَلِكَ أَن يسْعَى فِي محاكاة البهيمية مَا عِنْد النَّفس النطقية بِأَفْعَال وهيآت وأذكار وَنَحْوهَا، كَمثل مَا يحاكي الْأَخْرَس أَقْوَال النَّاس بإشاراته، والمصور
أحوالا نفسانية من الوجل والخجل بهيآت مبصرة يجدهَا متعانقة مَعَ تِلْكَ الْأَحْوَال، والثكلى تفجعها بِكَلِمَات وترجيعات لَا يسْمعهَا أحد إِلَّا حزن وتمثل عِنْده صُورَة التفجع.
وَلما كَانَ مبْنى التَّدْبِير الإلهي فِي الْعَالم على اخْتِيَار الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب، والأسهل فالأسهل، وَالنَّظَر إِلَى صَلَاح مَا يجْرِي مجْرى جملَة أَفْرَاد النَّوْع دون الشاذة والفاذة، وَإِقَامَة مصَالح الدَّاريْنِ من غير أَن ينخرم نظام شَيْء مِنْهُمَا اقْتضى لطف الله وَرَحمته أَن يبْعَث الرُّسُل أَولا وبالذات لإِقَامَة الطَّرِيق الثَّانِيَة، والدعوة إِلَيْهَا، والحث عَلَيْهَا، وَيدل على الأولى بإشارات التزامية، وتلويحات تضمنية لَا غير، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة.
تَفْصِيل ذَلِك أَن الأولى إِنَّمَا تَأتي من قوم ذَوي تجاذب، وَقَلِيل مَا هم، وبرياضات شاقة، وتفرغ قوى، وَقَلِيل من يَفْعَلهَا، وَإِنَّمَا أئمتها قوم أهملوا معاشهم، وَلَا دَعْوَة لَهُم فِي الدُّنْيَا، وَلَا تتمّ إِلَّا بِتَقْدِيم جملَة صَالِحَة من الثَّانِيَة وَلَا يخلوا من إهمال إِحْدَى السعادتين إصْلَاح الارتفاقات فِي الدُّنْيَا وَإِصْلَاح النَّفس للآخرة، فَلَو أَخذ بهَا أَكثر النَّاس خربَتْ الدُّنْيَا، وَلَو كلفوا بهَا كَانَ كالتكاليف بالمحال، لِأَن الارتفاقات صَارَت كالجبلة، وَالثَّانيَِة إِنَّمَا أئمتها المفهمون، وذوو إصْلَاح، وهم القائمون برياسة الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا، ودعوتهم هِيَ المقبولة، وسنتهم هِيَ المتبعة، وينحصر فِيهَا كَمَال المصطلحين من السَّابِقين أَصْحَاب الْيَمين، وهم أَكثر النَّاس وجودا، ويتمكن مِنْهَا الذكي والغبي، والمشتغل والفارغ، وَلَا حرج فِيهَا وتكفي العَبْد فِي استقامة نَفسه، وَدفع أعوجاجها، وَدفع الآلام المتوقعة فِي الْمعَاد عَنْهَا، إِذْ لكل نفس أَفعَال ملكية تتنعم بوجودها، وتتألم بفقدها أما أَحْكَام التجرد فسيلقي إِلَيْهَا نشآت الْقَبْر والحشر من حَيْثُ لَا يدْرِي بجبلتها وَلَو بعد حِين. ... ستبدي لَك الْأَيَّام مَا كنت جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزَود ...
وَبِالْجُمْلَةِ فالإحاطة واستقصاء وُجُوه الْخَيْر كالمحال فِي حق الْأَكْثَرين، وَالْجهل الْبَسِيط غير الضار، وَالله أعلم.

بَاب الْأُصُول الَّتِي يرجع إِلَيْهَا تَحْصِيل الطَّرِيقَة الثَّانِيَة

اعْلَم أَن طرق تَحْصِيل السَّعَادَة على الْوَجْه الثَّانِي كَثِيرَة جدا غير أَنِّي فهمني الله تَعَالَى بفضله أَن مرجعها إِلَى خِصَال أَربع تتلبس بهَا البهيمية مَتى غطتها النَّفس النطقية، وقسرتها على مَا يُنَاسِبهَا، وَهِي أشبه حالات الْإِنْسَان بِصفة الْمَلأ الْأَعْلَى معدة للحوقة بهم، وانخراطه فِي سلكهم، وفهمني أَنه إِنَّمَا بعث الْأَنْبِيَاء للدعوة إِلَيْهَا والحث عَلَيْهَا وَأَن الشَّرَائِع تَفْصِيل لَهَا وراجعة إِلَيْهَا.
أَحدهَا: الطَّهَارَة، وحقيقتها أَن الْإِنْسَان عِنْد سَلامَة فطرته وَصِحَّة مزاجه وتفرع قلبه من الْأَحْوَال السلفية الشاغلة لَهُ عَن التَّدْبِير إِذا تلطخ بالنجاسات، وَكَانَ حاقبا حاقنا قريب الْعَهْد من الْجِمَاع ودواعيه، انقبضت نَفسه، وأصابه ضيق وحزن، وَوجد نَفسه فِي غاشية عَظِيمَة، ثمَّ إِذا تخفف عَن الأخبثين، ودلك بدنه، واغتسل وَلبس أحسن ثِيَابه، وتطيب انْدفع عَنهُ ذَلِك الانقباض، وَوجد مَكَانَهُ انشراحا وسرورا وانبساطا كل ذَلِك لَا لمراءاة النَّاس وَالْحِفْظ على رسومه، بل لحكم النَّفس النطقية فَقَط،
فالحالة الأولى تسمى حَدثا، وَالثَّانيَِة الطَّهَارَة، والذكي من النَّاس، وَالَّذِي يرى مِنْهُ سَلامَة أَحْكَام النَّوْع وتمكين الْمَادَّة لأحكام الصُّورَة النوعية يعرف الْحَالَتَيْنِ متميزة كل وَاحِدَة من الْأُخْرَى، وَيُحب إِحْدَاهمَا، وَيبغض الْأُخْرَى لطبيعته، والغبي مِنْهُم إِذا أَضْعَف شَيْئا من البهيمية، ولج بالطهارات والتبتل، وتفرغ لمعرفتها، لَا بُد يعرفهما ويميز كل وَاحِدَة من الْأُخْرَى، وَالطَّهَارَة أشبه الصِّفَات النسمية بحالات الْمَلأ الْأَعْلَى فِي تجردها عَن الألواث البهيمية، وابتهاجها بِمَا عِنْدهَا من النُّور، وَلذَلِك كَانَت معدة لتلبس النَّفس
بكمالها بِحَسب الْقُوَّة العملية، وَالْحَدَث إِذا تمكن من الْإِنْسَان وأحاط بِهِ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه أورث لَهُ اسْتِعْدَادًا لقبُول وساوس الشَّيَاطِين ورؤيتهم بحاسة الْحس الْمُشْتَرك، ولمنامات موحشة، ولظهور الظلمَة عَلَيْهِ فِيمَا يَلِي النَّفس النطقية، وتمثل الْحَيَوَانَات الملعونة اللئيمة وَإِذا تمكنت الطَّهَارَة مِنْهُ، وأحاطت بِهِ، وتنبه لَهَا، وركن إِلَيْهَا أورثت اسْتِعْدَادًا لقبُول إلهامات الْمَلَائِكَة ورؤيتها، ولمنامات صَالِحَة، ولظهور الْأَنْوَار، وتمثل الطَّيِّبَات والأشياء الْمُبَارَكَة المعظمة.
وَالثَّانيَِة: الإخبات لله تَعَالَى، وَحَقِيقَته أَن الْإِنْسَان عِنْد سَلَامَته وتفرغه إِذا ذكر بآيَات الله تَعَالَى وَصِفَاته، وأمعن فِي التَّذَكُّر تنبهت النَّفس النطقية، وخضعت الْحَواس والجسد لَهَا، وَصَارَت كالحائرة الكليلة، وَوجد ميلًا إِلَى جَانب الْقُدس، وَكَانَ كَمثل الْحَالة الَّتِي تعتري السوقة بِحَضْرَة الْمُلُوك، وملاحظة عجز أنفسهم، واستبداد أُولَئِكَ بِالْمَنْعِ وَالعطَاء، وَهَذِه الْحَالة أقرب الْحَالَات النسمية، وأشبهها بِحَال الْمَلأ الْأَعْلَى فِي توجهها إِلَى بارئها، وهيمانها فِي جَلَاله، واستغراقها فِي تقديسه وَلذَلِك كَانَت معدة لخُرُوج النَّفس إِلَى كمالها العلمي أَعنِي انتقاش الْمعرفَة الإلهية فِي لوح ذهنها، واللحوق بتك الحضرة بِوَجْه من الْوُجُوه وَإِن كَانَت الْعبارَة تقصر عَنهُ.
وَالثَّالِثَة: السماحة، وحقيقتها كَون النَّفس بِحَيْثُ لَا تنقاد لدواعي الْقُوَّة البهيمية، وَلَا يتشبح فِيهَا نقوشها، وَلَا يلْحق بهَا ضَرَر لوثها، وَذَلِكَ لِأَن النَّفس إِذا تصرفت فِي أَمر معاشها، وتاقت للنِّسَاء، وعاسفت اللَّذَّات، أَو قرمت لطعام فاجتهدت فِي تَحْصِيله حَتَّى استوفت مِنْهَا حَاجَتهَا، وَكَذَلِكَ إِذا غضِبت أَو شحت بِشَيْء، فَإِنَّهَا لَا بُد فِي تِلْكَ الْحَالة تستغرق سَاعَة فِي هَذِه الْكَيْفِيَّة لَا ترفع إِلَى مَا وَرَائِهَا النّظر أَلْبَتَّة، ثمَّ إِذا
زايلت تِلْكَ الْحَالة، فَإِن كَانَت سَمْحَة خرجت من تِلْكَ المضايق كَأَن لم تكن فِيهَا قطّ، وَإِن كَانَت غير ذَلِك فَإِنَّهَا تشتبك مَعهَا تِلْكَ الكيفيات، وتتشبح كَمَا تتشبح نقوش الْخَاتم فِي الشمعة فَإِذا فَارَقت الْجَسَد، وتخففت عَن العلائق الظلمانية المتراكمة، وَرجعت إِلَى مَا عِنْدهَا لم تَجِد شَيْئا مِمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا من مخلفات الملكية فَحصل لَهَا الْأنس، وَصَارَت فِي أرغد عَيْش.
والشحيحة تتمثل نقوشها عِنْدهَا، كَمَا ترى بعض النَّاس يسرق مِنْهُ مَال نَفِيس فَإِن كَانَ سخيا لم يجدله بَالا، وَإِن كَانَ رَكِيك النَّفس صَار كَالْمَجْنُونِ، وتمثلت عِنْده، والسماحة وضدها لَهما ألقاب كَثِيرَة بِحَسب مَا يكونَانِ فِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمَا فِي المَال يُسمى سخاوة وشحا، وَمَا كَانَ فِي دَاعِيَة شَهْوَة الْفرج أَو الْبَطن يُسمى عفة وشرة، وَمَا كَانَ فِي دَاعِيَة الرَّفَاهِيَة والنبو عَن المشاق يُسمى صبرا وهلعا، وَمَا كَانَ فِي دَاعِيَة الْمعاصِي الممنوعة عَنْهَا فِي الشَّرْع يُسمى تقوى وفجورا، وَإِذا تمكنت السماحة من الْإِنْسَان بقيت نَفسه عرية عَن شهوات الدُّنْيَا، واستعدت للذات الْعلية الْمُجَرَّدَة، والسماحة هَيْئَة تمنع الْإِنْسَان من أَن يتَمَكَّن مِنْهُ ضد الْكَمَال الْمَطْلُوب علما وَعَملا.
الرَّابِعَة الْعَدَالَة، وَهِي ملكة فِي النَّفس تصدر عَنْهَا الْأَفْعَال الَّتِي يُقَام بهَا نظام الْمَدِينَة والحي بسهولة، وَتَكون النَّفس كالمجبول على تِلْكَ الأفاعيل والسر فِي ذَلِك أَن الْمَلَائِكَة والنفوس الْمُجَرَّدَة عَن العلائق الجسمانية ينطبع فِيهَا مَا أَرَادَ الله فِي خلق الْعَالم من إصْلَاح النظام وَنَحْوه، فتنقلب مرضياتها إِلَى مَا يُنَاسب ذَلِك النظام، فَهَذِهِ طبيعة الرّوح الْمُجَرَّدَة، فَإِن فَارَقت جَسدهَا وفيهَا شَيْء من هَذِه الصّفة ابتهجت كل الابتهاج، وَوجدت سَبِيلا إِلَى اللَّذَّة الْمُفَارقَة عَن اللَّذَّات الخسيسة، وَإِن فَارَقت وفيهَا ضد هَذِه الْخصْلَة ضَاقَ
عَلَيْهَا الْحَال، وتوحشت، وتألمت، فَإِذا بعث الله نَبيا لإِقَامَة الدّين، وليخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَيقوم النَّاس بِالْعَدْلِ، فَمن سعى فِي إِشَاعَة هَذَا النُّور، ووطأ لَهُ فِي النَّاس كَانَ مرحوما، وَمن سعى لردها وإخمالها كَانَ ملعونا مرجوما، وَإِذا تمكنت الْعَدَالَة من الْإِنْسَان وَقع اشْتِرَاك بَينه وَبَين حَملَة الْعَرْش ومقربي الحضرة من الْمَلَائِكَة الَّذين هم وسائط نزُول الْجُود والبركات، وَكَانَ ذَلِك بَابا مَفْتُوحًا بَينه وَبينهمْ، ومعدا لنزول ألوانهم وصبغهم بِمَنْزِلَة تَمْكِين النَّفس من إلهام الْمَلَائِكَة والانبعاث حسبها.
فَهَذِهِ الْخِصَال الْأَرْبَع إِن تحققت حَقِيقَتهَا، وفهمت كَيْفيَّة اقتضائها للكمال العلمي والعملي وإعدادها للانسلاك فِي سلك الْمَلَائِكَة، وفطنت كَيْفيَّة انشعاب الشَّرَائِع الإلهية بِحَسب كل عصر مِنْهَا - أُوتيت الْخَيْر الْكثير، وَكنت فَقِيها فِي الدّين مِمَّن أَرَادَ الله بهم خيرا، وَالْحَالة المركبة مِنْهَا تسمى بالفطرة، وللفطرة أَسبَاب تحصل بهَا، بَعْضهَا علمية، وَبَعضهَا عملية، وحجب تصد الْإِنْسَان عَنْهَا، وحيل تكسر الْحجب، وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على هَذِه الْأُمُور، فاستمع لما يُتْلَى عَلَيْك بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وَالله أعلم.

بَاب طَرِيق اكْتِسَاب هَذِه الْخِصَال وتكميل ناقصها ورد فائتها

اعْلَم أَن اكْتِسَاب هَذِه الْخِصَال يكون بتدبيرين: تَدْبِير علمي، وتدبير عَمَلي.
أما التَّدْبِير العلمي، فَإِنَّمَا احْتِيجَ لَهُ لِأَن الطبيعة منقادة للقوى العلمية، وَلذَلِك ترى سُقُوط الشَّهْوَة والشبق عِنْد خطور مَا يُورث فِي النَّفس كَيْفيَّة الْحيَاء أَو الْخَوْف، فَمَتَى امْتَلَأَ علمه بِمَا يُنَاسب الْفطْرَة جر ذَلِك إِلَى تحققها فِي النَّفس، وَلذَلِك أَن يعْتَقد أَن لَهُ رَبًّا منزها عَن الأدناس البشرية، لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء، مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم، يفعل مَا يَشَاء، وَيحكم مَا يُرِيد لاراد لقضائه، وَلَا مَانع لحكمه، منعم بِأَصْل الْوُجُود وتوابعه من النعم الجسمانية
والنفسانية، مجَاز على أَعماله، إِن خيرا فَخير، وَإِن شرا فشر، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: " أذْنب عَبدِي ذَنبا، فَعلم أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب، وَيَأْخُذ بالذنب، قد غفرت لعبدي ".
وَبِالْجُمْلَةِ فيعتقد اعتقادا مؤكدا مَا يُفِيد الهيبة وَغَايَة التَّعْظِيم، وَمَا لَا يبْقى وَلَا يذر فِي قلبه جنَاح بعوضة من إخبات غَيره ورهبته، ويعتقد أَن كَمَال الْإِنْسَان أَن يتَوَجَّه إِلَى ربه، ويعبده، وَأَن أحسن حالات الْبشر أَن يتشبه بِالْمَلَائِكَةِ، وَيَدْنُو مِنْهُم، وَأَن هَذِه الْأُمُور مقربة لَهُ من ربه، وَأَن الله تَعَالَى ارتضى مِنْهُم ذَلِك، وَأَنه حق الله عَلَيْهِ لَا بُد لَهُ توفيقه.
وَبِالْجُمْلَةِ فَيعلم علما لَا يحْتَمل النقيض أَن سعادته فِي اكْتِسَاب هَذِه، وَأَن شقاوته فِي إهمالها، وَلَا بُد لَهُ من سَوط يُنَبه البهيمية تَنْبِيها قَوِيا، ويزعجها إزعاجا شَدِيدا، وَاخْتلف مسالك الْأَنْبِيَاء فِي ذَلِك فَكَانَ عُمْدَة مَا أنزل الله تَعَالَى على إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام التَّذْكِير بآيَات الله الباهرة وَصِفَاته الْعليا ونعمه الآفاقية والنفسانية، حَتَّى يصحح بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ أَنه حقيق أَن يبذلوا لَهُ الملاذ، وَأَن يؤثروا ذكره على مَا سواهُ، وَأَن يحبوه حبا شَدِيدا، ويعبدوه بأقصى مجهودهم، وَضم الله مَعَه لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام التَّذْكِير بأيام الله، وَهُوَ بَيَان مجازاة الله تَعَالَى للمطيعين والعصاة فِي الدُّنْيَا، وتقليبه النعم والنقم حَتَّى يتَمَثَّل فِي صُدُورهمْ الْخَوْف من الْمعاصِي، ورغبة قَوِيَّة فِي الطَّاعَات، وَضم مَعَهُمَا ل نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْذَار والتبشير بحوادث الْقَبْر، وَمَا بعده، وَبَيَان خَواص الْبر والاثم،
وَلَا يُفِيد أصل الْعلم بِهَذِهِ الْأُمُور، بل لَا بُد من تكرارها وتردادها وملاحظتها كل حِين، وَجعلهَا بَين عَيْنَيْهِ حَتَّى تمتلئ القوى العلمية بهَا، فتنقاد الْجَوَارِح لَهَا، وَهَذِه الثَّلَاثَة مَعَ اثْنَيْنِ آخَرين أَحدهمَا بَيَان الْأَحْكَام من الْوَاجِب وَالْحرَام وَغَيرهمَا، وَثَانِيهمَا مخاصمة الْكفَّار - فنون خَمْسَة هِيَ عُمْدَة عُلُوم الْقُرْآن الْعَظِيم.
أما التَّدْبِير العملي، فالعمدة فِيهِ التَّلَبُّس بهيآت وأفعال وَأَشْيَاء تذكر النَّفس الْخصْلَة الْمَطْلُوبَة، وتنبهها لَهَا، وتهيجها إِلَيْهَا، وتحثها عَلَيْهَا إِمَّا لتلازم عَادَة بَينهَا وَبَين الْخصْلَة، أَو لكَونهَا مَظَنَّة لَهَا بِحكم الْمُنَاسبَة الجبلية، فَكَمَا أَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يُنَبه نَفسه للغضب، ويحضره بَين عَيْنَيْهِ يتخيل الشتم الَّذِي تفوه بِهِ المغضوب عَلَيْهِ، وَالَّذِي يلْحقهُ من الْعَار وَنَحْو ذَلِك، والنائحة إِذا أَرَادَت أَن تجدّد عهدها بالفجع تذكر نَفسهَا محَاسِن الْمَيِّت، وتتخيلها، وتبعث من خواطرها الْخَيل وَالرجل إِلَيْهَا، وَالَّذِي يُرِيد الْجِمَاع، يتَمَسَّك بداوعيه، ونظائر هَذَا الْبَاب كَثِيرَة جدا لَا تعصى على من يُرِيد الْإِحَاطَة بجوانب الْكَلَام، فَكَذَلِك لكل وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال أَسبَاب تكتسب بهَا، والاعتماد فِي معرفَة تِلْكَ الْأُمُور على ذوق أهل الأذواق السليمة، فأسباب الْحَدث امتلاء الْقلب بِحَالَة سفلية، كقضاء الشَّهْوَة من النِّسَاء جماعا ومباشرة، وإضماره مُخَالفَة الْحق وإحاطة لَهُنَّ الْمَلأ الْأَعْلَى بِهِ، وَكَونه حاقبا حاقنا، وَقرب الْعَهْد بالبول وَالْغَائِط وَالرِّيح، وَهَذِه الثَّلَاثَة فضول الْمعدة، وتوسخ الْبدن والبخر واجتماع المخاط ونبات الشّعْر على الْعَانَة والابط وتلطخ الثَّوْب وَالْبدن بالنجاسات المستقذرة، وامتلاء الْحَواس بِصُورَة تذكر الْحَالة السفلية كالقاذورات وَالنَّظَر إِلَى الْفرج ومسافدة الْحَيَوَانَات وَالنَّظَر الممعن فِي الْجِمَاع والطعن فِي الْمَلَائِكَة وَالصَّالِحِينَ وَالسَّعْي فِي إِيذَاء النَّاس، وَأَسْبَاب الطَّهَارَة إِزَالَة هَذِه الْأَشْيَاء واكتساب أضدادها وَاسْتِعْمَال مَا تقرر فِي الْعَادَات كَونه نظافة بالغه كالغسل وَالْوُضُوء وَلبس أحسن الثِّيَاب وَاسْتِعْمَال الطّيب، فَإِن اسْتِعْمَال هَذِه الْأَشْيَاء تنبه النَّفس على صفة الطَّهَارَة، وَأَسْبَاب الإخبات مُؤَاخذَة نَفسه بِمَا هُوَ أَعلَى حالات التَّعْظِيم عِنْده من الْقيام مطرقا وَالسُّجُود والنطق بِأَلْفَاظ دَالَّة على الْمُنَاجَاة والتذلل لَدَيْهِ وَرفع الْحَاجَات إِلَيْهِ، فَإِن هَذِه الْأُمُور تنبه النَّفس تَنْبِيها قَوِيا على صفة
الخضوع والاخبات، وَأَسْبَاب السماحة التمرن على السخاوة والبذل وَالْعَفو عَمَّن ظلم ومؤاخذة نَفسه بِالصبرِ عِنْد المكاره وَنَحْو ذَلِك، وَأَسْبَاب الْعَدَالَة الْمُحَافظَة على السّنة الراشدة بتفاصيلها وَالله أعلم.

بَاب الْحجب الْمَانِعَة عَن ظُهُور الْفطْرَة

اعْلَم أَن مُعظم الْحجب ثَلَاثَة: حجاب الطَّبْع، وحجاب الرَّسْم، وحجاب سوء الْمعرفَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ركب فِي الْإِنْسَان دواعي الْأكل وَالشرب وَالنِّكَاح، وَجعل قلبه مَطِيَّة للأحوال الطبيعية كالحزن والنشاط وَالْغَضَب والوجل وَغَيرهَا، فَلَا يزَال مَشْغُولًا بهَا، إِذْ كل حَالَة يتقدمها توجه النَّفس إِلَى أَسبَابهَا وانقياد القوى العلمية لما يُنَاسِبهَا، ويجتمع مَعهَا استغراق النَّفس فِيهَا وذهولها عَمَّا سواهَا، ويتخلف عَنْهَا بَقِيَّة ظلها ووضر لَوْنهَا، فتمر الْأَيَّام والليالي، وَهُوَ على ذَلِك لَا يتفرغ لتَحْصِيل غَيرهَا من الْكَمَال، وَرب إِنْسَان ارتطمت قدماه فِي هَذَا الوحل، فَلم يخرج مِنْهُ طول عمره، وَرب إِنْسَان غلب عَلَيْهِ حكم الطَّبْع، فَخلع رقبته عَن رَقَبَة الرَّسْم وَالْعقل، وَلم ينزجر بالملامة، وَهَذَا الْحجاب يُسمى بِالنَّفسِ، لَكِن من تمّ عقله، وتوفر تيقظه يختطف من أوقاته فرصا يركد فِيهَا أَحْوَال الطبيعة، ويتسع نَفسه لهَذِهِ الْأَحْوَال وَغَيرهَا، ويستوجب لفيضان عُلُوم أُخْرَى غير اسْتِيفَاء مقتضيات الطَّبْع، ويشتاق إِلَى الْكَمَال النوعي بِحَسب القوتين الْعَاقِلَة والعاملة؛ فَإِذا فتح حدقة بصيرته أبْصر فِي أول الْأَمر قومه فِي ارتفاقات وزي ومباهات وفضائل من الفصاحات والصناعات، فَوَقَعت من قلبه بموقع عَظِيم، واستقبلها بعزيمة كَامِلَة وهمة قَوِيَّة، وَهَذَا حجاب الرَّسْم وَيُسمى بالدنيا.
وَمن النَّاس من لَا يزَال مُسْتَغْرقا فِي ذَلِك إِلَى أَن يَأْتِيهِ الْمَوْت، فتزول تِلْكَ الْفَضَائِل بأسرها، لِأَنَّهَا لَا تتمّ إِلَّا بِالْبدنِ والآلات، فَتبقى النَّفس عَارِية
لَيْسَ بهَا شَيْء، وَصَارَ مثله كَمثل ذِي جنَّة أَصَابَهَا إعصار، أَو كرماد اشتدت بِهِ الرّيح فِي يَوْم عاصف، فَإِن كَانَ شَدِيد التنبه عَظِيم الفطنة استيقن بِدَلِيل برهاني أَو خطابي أَو بتقليد الشَّرْع أَن لَهُ رَبًّا قاهرا فَوق عباده، مُدبرا أُمُورهم، منعما عَلَيْهِ جَمِيع النعم، ثمَّ خلق فِي قلبه ميل إِلَيْهِ
ومحبه بِهِ، وَأَرَادَ التَّقَرُّب مِنْهُ وَرفع الْحَاجَات إِلَيْهِ واطرح لَدَيْهِ، فَمن مُصِيب فِي هَذَا الْقَصْد ومخطئ، ومعظم الْخَطَأ شيآن: أَن يعْتَقد فِي الْوَاجِب صِفَات الْمَخْلُوق، أَو يعْتَقد فِي الْمَخْلُوق صِفَات الْوَاجِب. فَالْأول هُوَ التَّشْبِيه، ومنشؤه قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد، وَالثَّانِي هُوَ الْإِشْرَاك، ومنشؤه رُؤْيَة الْآثَار الخارقة من المخلوقين، فيظن أَنَّهَا مُضَافَة إِلَيْهِم بِمَعْنى الْخلق، وَأَنَّهَا ذاتية لَهُم، وَيَنْبَغِي لَك أَن تستقرئ أَفْرَاد الْإِنْسَان هَل ترى من تفَاوت فِيمَا أَخْبَرتك؟ لَا أَظُنك تَجِد ذَلِك بل كل إِنْسَان وَإِن كَانَ فِي تشريع مَا، لَا بُد لَهُ من أَوْقَات تستغرق فِي حجاب الطَّبْع قلت أَو كثرت، وَإِن لم يزل مباشراً للأعمال الرسمية، وَمن أَوْقَات تستغرق فِي حجاب الرَّسْم، ويهمه حِينَئِذٍ التَّشَبُّه بعاقلي قومه كلَاما وزيا وخلقا ومعاشرة، وأوقات يصغي فِيهَا إِلَى مَا كَانَ يسمع، وَلَا يصغي من أَحَادِيث الجبروت وَالتَّدْبِير الْغَيْبِيِّ فِي الْعَالم. وَالله أعلم.

بَاب طَرِيق رفع هَذِه الْحجب

اعْلَم أَن تَدْبِير حجاب الطَّبْع شيآن: أَحدهمَا يُؤمر بِهِ، ويرغب فِيهِ، ويحث عَلَيْهِ، وَالثَّانِي يضْرب عَلَيْهِ من فَوْقه، ويؤاخذ بِهِ، أنشاء أم أَبى.
فَالْأول رياضات تضعف البهيمية كَالصَّوْمِ والسهر، وَمن النَّاس من أفرط، وَاخْتَارَ تَغْيِير خلق الله مثل قطع الآت التناسل، وجفيف عُضْو شرِيف كَالْيَدِ وَالرجل، وَأُولَئِكَ جهال الْعباد، وَخير الْأُمُور وَسطهَا، وَإِنَّمَا الصَّوْم والسهر بِمَنْزِلَة دَوَاء سمى يجب أَن يتَقَدَّر بِقدر ضَرُورِيّ.
وَالثَّانِي إِقَامَة الْإِنْكَار على من اتبع الطبيعة، فَخَالف السّنة الراشدة، وَبَيَان طَرِيق التفصي من كل غَلَبَة طبيعية، وَضرب سنة لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَن
يضيق على النَّاس كل الضّيق، وَلَا يَكْفِي فِي الْكل الْإِنْكَار القولي، بل لَا بُد من ضرب وجيع وغرامة منهكة فِي بعض الْأُمُور، والأليق بذلك إفراطات فِيهَا ضَرَر مُتَعَدٍّ كَالزِّنَا وَالْقَتْل.
وتدبير حجاب الرَّسْم شيآن: أَحدهمَا أَن يضم مَعَ كل ارتفاق ذكر الله تَعَالَى تَارَة وَحفظ أَلْفَاظ يُؤمر بهَا، وَتارَة بمراعاة حُدُود وقيود لَا يُرَاعى إِلَّا الله
وَالثَّانِي أَن يَجْعَل أَنْوَاع من الطَّاعَات رسما فاشيا، ويسجل على الْمُحَافظَة عَلَيْهَا، أَشَاء أم أَبى، ويلام على تَركهَا، ويكبح عَن المرغوبات من الجاه وَغَيره جَزَاء لتفويتها،
فبهذين التدبيرين تنْدَفع غوائل الرَّسْم، وَتصير مؤيدة لعبادة الله تَعَالَى، وَتصير السّنة تَدْعُو إِلَى الْحق. وَسُوء الْمعرفَة بكلا قسميه ينشأ من سببين: أَحدهمَا لَا يَسْتَطِيع أَن يعرف ربه حق مَعْرفَته، لتعاليه عَن صِفَات الْبشر جدا وتنزهه عَن سمة المحدثات والمحسوسات وتدبيره أَلا يخاطبوا إِلَّا بِمَا تسعه أذهانهم.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَنه مَا من مَوْجُود، أَو مَعْدُوم متحيز، أَو مُجَرّد إِلَّا يتَعَلَّق علم الْإِنْسَان بِهِ، إِمَّا بِحُضُور صورته، أَو بِنَحْوِ التَّشْبِيه والمقايسة حَتَّى الْعَدَم الْمُطلق والمجهول الْمُطلق، فَيعلم الْعَدَم من جِهَة معرفَة الْوُجُود وملاحظة عدم الاتصاف بِهِ، وَيعلم مَفْهُوم الْمُشْتَقّ على صِيغَة الْمَفْعُول، وَيعلم مَفْهُوم الْمُطلق، فَيجمع هَذِه الْأَشْيَاء، وَيضم بَعْضهَا إِلَى بعض، فينتظم صُورَة تركيبية هِيَ مكشاف الْبَسِيط الْمَقْصُود تصَوره الَّذِي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج وَلَا فِي الأذهان، كَمَا أَنه رُبمَا يتَوَجَّه إِلَى مَفْهُوم نَظَرِي، فيعمد إِلَى مَا يحسبه جِنْسا وَإِلَى مَا يحسبه فصلا، فيركبهما فَيحصل صُورَة مركبة هِيَ مكشاف الْمَطْلُوب تصَوره، فيخاط وَا مثلا بِأَن الله تَعَالَى مَوْجُود، لَا كوجودنا، وَبِأَنَّهُ حَيّ، لَا كحياتنا، وَبِالْجُمْلَةِ فيعمد إِلَى صِفَات هِيَ مورد الْمَدْح فِي الشَّاهِد،
ويلاحظ ثَلَاثَة مفاهيم فِيمَا نشاهد، شَيْء فِيهِ هَذِه الصِّفَات، وَقد صدرت من آثارها، وَشَيْء لَيست فِيهِ وَلَيْسَت من شَأْنه، وَشَيْء لَيست فِيهِ وَمن شَأْنه أَن تكون فِيهِ كالحي والجماد وَالْمَيِّت، فَيثبت هَذِه بِثُبُوت آثارها، وَيجْبر هَذِه التَّشْبِيه بِأَنَّهُ لَيْسَ كمثلنا.
وَالثَّانِي تمثل الصُّورَة المحسوسة بزينتها وَاللَّذَّات بجمالها وامتلاء القوى العلمية بالصور الحسية، فينقاد قلبه لذَلِك، وَلَا يصفو التَّوَجُّه إِلَى الْحق وتدبير هَذِه رياضات وأعمال يستعد بهَا الْإِنْسَان للتجليات الشامخة، وَلَو فِي الْمعَاد واعتكافات وَإِزَالَة للشاغل بِقدر الْإِمْكَان، كَمَا هتك رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرام المصور وَنزع خميصه فِيهَا أَعْلَام وَالله أعلم.

المبحث الْخَامِس

(مَبْحَث الْبر وَالْإِثْم)
(مُقَدّمَة فِي بَيَان حَقِيقَة الْبر وَالْإِثْم)
إِذْ قد ذكرنَا لمية المجازاة وإنيتها، ثمَّ ذكرنَا الارتفاقات الَّتِي جبل عَلَيْهَا الْبشر، فَهِيَ مستمرة فيهم لَا تنفك عَنْهُم، ثمَّ ذكرنَا السَّعَادَة وَطَرِيق اكتسابها، حَان أَن نشتغل بتحقيق معنى الْبر وَالْإِثْم.
فالبر كل عمل يَفْعَله الْإِنْسَان قَضِيَّة لإنقياد للملأ الْأَعْلَى واضمحلاله فِي تلقي الإلهام من الله وصيرورته فانيا فِي مُرَاد الْحق، وكل عمل يجازى عَلَيْهِ
خيرا فِي الدُّنْيَا أَو الْآخِرَة، وكل عمل يصلح الارتفاقات الني بنى عَلَيْهَا نظام الْإِنْسَان، وكل عمل يُفِيد حَالَة الانقياد، وَيدْفَع الْحجب.
وَالْإِثْم كل عمل يَفْعَله الْإِنْسَان قَضِيَّة لانقياده للشَّيْطَان وصيرورته فانيا فِي مُرَاده، وكل عمل يجازى عَلَيْهِ شرا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وكل عمل يفْسد الارتفاقات وكل عمل يُفِيد هَيْئَة مضادة للانقياد، ويؤكد الْحجب.
وكما أَن الارتفاقات استنبطها أولو الْخِبْرَة، فاقتدى بهم النَّاس بِشَهَادَة قُلُوبهم. وَاتفقَ عَلَيْهِ أهل الأَرْض، أَو من يعْتد بِهِ مِنْهُم، فَكَذَلِك للبر سننن ألهمها الله تَعَالَى فِي قُلُوب المؤيدين فِي بِالنورِ الملكي الْغَالِب عَلَيْهِم خلق الْفطْرَة بِمَنْزِلَة مَا ألهم فِي قُلُوب النَّحْل مَا يصلح بِهِ معاشها، فجروا عَلَيْهَا، وَأخذُوا بهَا وأرشدوا إِلَيْهَا وحثوا عَلَيْهَا، فاقتدى بهم النَّاس، وَاتفقَ عَلَيْهَا أهل الْملَل جَمِيعهَا فِي أقطار الأَرْض على تبَاعد بلدانهم وَاخْتِلَاف أديانهم بِحكم مُنَاسبَة فطرية واقتضاء نَوْعي، وَلَا يضر ذَلِك اخْتِلَاف صور تِلْكَ السّنَن بعد الِاتِّفَاق على أُصُولهَا، وَلَا صدود طَائِفَة مخدجة لَو تَأمل فيهم أَصْحَاب البصائر لم يشكو أَن مادتهم عَصَتْ الصُّورَة النوعية، وَلم تمكن لأحكامها، وهم فِي الْإِنْسَان كالعضو الزَّائِد فِي الْجَسَد، زَوَاله أجمل لَهُ من بَقَائِهِ.
ولشيوع هَذِه السّنَن أَسبَاب جليلة، وتدبيرات محكمَة أحكمها المؤيدون بِالْوَحْي صلوَات الله عَلَيْهِم، فأثبتوا لَهُم منَّة عَظِيمَة فِي رِقَاب النَّاس، وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على أصُول هَذِه السّنَن مِمَّا أجمع عَلَيْهِ جُمْهُور أهل الأقاليم الصَّالِحَة من الْأُمَم الْعَظِيمَة الَّتِي
يجمع كل وَاحِدَة أَقْوَامًا من المتألهين والملوك والحكماء ذَوي الرَّأْي الثاقب من عربهم وعجمهم ويهودهم ومجوسهم وهنودهم ونشرح كَيْفيَّة توليدها فِي انقياد البهيمية للقوة الملكية، وَبَعض فوائدها حَسْبَمَا جربنَا على أَنْفُسنَا غير مرّة، وَأدّى إِلَيْهِ الْعقل السَّلِيم، وَالله أعلم.

بَاب التَّوْحِيد

أصل أصُول الْبر، وعمدة أَنْوَاعه هُوَ التَّوْحِيد، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يتَوَقَّف عَلَيْهِ الإخبات لرب الْعَالمين، الَّذِي هُوَ أعظم الْأَخْلَاق الكاسبة للسعادة وَهُوَ أصل التَّدْبِير العلمي الَّذِي هُوَ أفيد التدبيرين، وَبِه يحصل للْإنْسَان التَّوَجُّه التَّام تِلْقَاء الْغَيْب، ويستعد نَفسه للحوق بِهِ بِالْوَجْهِ الْمُقَدّس، وَقد نبه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عظم أمره، وَكَونه من أَنْوَاع الْبر بِمَنْزِلَة الْقلب إِذا صلح صلح الْجَمِيع، وَإِذا فسد فسد الْجَمِيع، حَيْثُ أطلق القَوْل فِيمَن مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْء شَيْئا أَنه دخل الْجنَّة، أَو حرمه الله على النَّار، أَو لَا يحجب من الْجنَّة وَنَحْو ذَلِك من الْعبارَات، وَحكى عَن ربه تبَارك وَتَعَالَى " من لَقِيَنِي بقراب الأَرْض خَطِيئَة لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا لَقيته بِمِثْلِهَا مغْفرَة ".
وَاعْلَم أَن التَّوْحِيد أَربع مَرَاتِب.
إِحْدَاهَا: حصر وجوب الْوُجُود فِيهِ تَعَالَى، فَلَا يكون غَيره وَاجِبا.
وَالثَّانيَِة: حصر خلق الْعَرْش وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَائِر الْجَوَاهِر فِيهِ تَعَالَى، وَهَاتَانِ المرتبتان لم تبحث الْكتب الإلهية عَنْهُمَا، وَلم يُخَالف فيهمَا مشركو الْعَرَب، وَلَا الْيَهُود، وَلَا النَّصَارَى، بل الْقُرْآن الْعَظِيم ناص على أَنَّهُمَا من الْمُقدمَات الْمسلمَة عِنْدهم.
وَالثَّالِثَة: حصر تَدْبِير السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِيهِ تَعَالَى.
وَالرَّابِعَة: أَنه لَا يسْتَحق غَيره الْعِبَادَة، وهما متشابكتان متلازمتان لربط طبيعي بَينهمَا.
وَقد اخْتلف فيهمَا طوائف من النَّاس معظمهم ثَلَاثَة فرق:
النجامون ذَهَبُوا إِلَى أَن النُّجُوم تسْتَحقّ الْعِبَادَة، وَأَن عبادتها تَنْفَع فِي
الدُّنْيَا، وَرفع الْحَاجَات إِلَيْهَا حق، قَالُوا: قد تحققنا أَن لَهَا أثرا عَظِيما فِي الْحَوَادِث اليومية وسعادة
الْمَرْء وشقاوته وَصِحَّته وسقمه، وَأَن لَهَا نفوساً مُجَرّدَة عَاقِلَة تبعثها على الْحَرَكَة، وَلَا تغفل عَن عبادها، فبنوا هيا كل على أسمائها وعبدوها
وَالْمُشْرِكُونَ وافقوا الْمُسلمين فِي تَدْبِير الْأُمُور الْعِظَام، وَفِيمَا أبرم وَجزم، وَلم يتْرك لغيره خيرة، وَلم يوافقوهم فِي سَائِر الْأُمُور، ذَهَبُوا إِلَى أَن الصَّالِحين من قبلهم عبدُوا الله وتقربوا إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُمْ الله الألوهية، فاستحقوا الْعِبَادَة من سَائِر خلق الله، كَمَا أَن ملك الْمُلُوك يَخْدمه عَبده، فَيحسن خدمته، فيعطيه خلعة الْملك، ويفوض إِلَيْهِ تَدْبِير بلد من بِلَاده، فَيسْتَحق السّمع وَالطَّاعَة من أهل ذَلِك الْبَلَد، وَقَالُوا: لَا تقبل عبَادَة الله إِلَّا مَضْمُومَة بعبادتهم بل الْحق فِي غَايَة التعالي، فَلَا تفِيد عِبَادَته تقربا مِنْهُ، بل لَا بُد من عبَادَة هَؤُلَاءِ ليقربوا إِلَى الله زلفى، وَقَالُوا هَؤُلَاءِ يسمعُونَ، ويبصرون، ويشفعون لعبادهم، ويدبرون أُمُورهم، وينصرونهم، فنحتوا على أسمائهم أحجارا، وجعلوها قبْلَة عِنْد توجههم إِلَى هَؤُلَاءِ، فخلف من بعدهمْ خلف، فَلم يفطنوا للْفرق بَين الْأَصْنَام وَبَين من هِيَ على صورته، فظنوها معبودات بِأَعْيَانِهَا، وَلذَلِك رد الله تَعَالَى عَلَيْهِم تَارَة بالتنبيه على أَن الحكم وَالْملك لَهُ خَاصَّة، وَتارَة بِبَيَان أَنَّهَا جمادات.
{ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا أم لَهُم أيد يبطشون بهَا أم لَهُم أعين يبصرون بهَا أم لَهُم آذان يسمعُونَ بهَا} .
وَالنَّصَارَى ذَهَبُوا إِلَى أَن للمسيح عَلَيْهِ السَّلَام قربا من الله، علوا على الْخلق، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُسمى عبدا، فيسوى بِغَيْرِهِ، لِأَن هَذَا سوء أدب مَعَه واهمال لقُرْبه من الله، ثمَّ مَال بَعضهم عِنْد التَّعْبِير عَن تِلْكَ الخصوصية إِلَى تَسْمِيَته ابْن الله نظرا إِلَى أَن الْأَب يرحم الابْن، ويربيه على عَيْنَيْهِ، وَهُوَ
فَوق العبيد؛ فَهَذَا الِاسْم أولى بِهِ وَبَعْضهمْ إِلَى تَسْمِيَته بِاللَّه نظرا إِلَى أَن الْوَاجِب حل فِيهِ، وَصَارَ دَاخله، وَلِهَذَا يصدر مِنْهُ آثَار لم تعهد من الْبشر، مثل إحْيَاء الْأَمْوَات، وَخلق الطين، فَكَلَامه كَلَام الله، وعبادته هِيَ عبَادَة الله، فخلف بعدهمْ خلف لم يفطنوا لوجه التَّسْمِيَة، وكادوا يجْعَلُونَ النُّبُوَّة حَقِيقِيَّة، أَو يَزْعمُونَ أَنه الْوَاجِب من جَمِيع الْوُجُوه، وَلذَلِك رد الله تَعَالَى عَلَيْهِم تَارَة. بِأَنَّهُ لَا صَاحِبَة لَهُ وَتارَة بِأَنَّهُ بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض.
{إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون} .
وَهَذِه الفرف الثَّلَاث لَهُم دعاوى عريضة وخرافات كَثِيرَة لَا تخفى على المتتبع، وَعَن هَاتين المرتبتين بحث الْقُرْآن الْعَظِيم، ورد على الْكَافرين شبهتهم ردا مشبعا.

بَاب فِي حَقِيقَة الشّرك

اعْلَم أَن الْعِبَادَة هُوَ التذلل الْأَقْصَى، وَكَون تذلل أقْصَى من غَيره لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بالصورة مثل كَون هَذَا قيَاما وَذَلِكَ سجودا، أَو بِالنِّيَّةِ بِأَن نوى بِهَذَا الْفِعْل تَعْظِيم الْعباد لمولاهم، وَبِذَلِك تَعْظِيم الرّعية للملوك، أَو التلاميذه للأستاذ لَا ثَالِث لَهما، وَلما ثَبت سُجُود التَّحِيَّة من الْمَلَائِكَة لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام وَمن أخوة يُوسُف ليوسف عَلَيْهِ السَّلَام، وَأَن السُّجُود أَعلَى صور التَّعْظِيم، وَجب إِلَّا يكون التميز إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَكِن الْأَمر إِلَى الْآن غير منقح؛ إِذْ الْمولى مثلا يُطلق على معَان، وَالْمرَاد هَهُنَا المعبود لَا محَالة، فقد أَخذ فِي حد الْعِبَادَة فالتنقيح أَن التذلل يَسْتَدْعِي مُلَاحظَة ضعف فِي الذَّلِيل، وَقُوَّة فِي الآخر، وخسة فِي الذَّلِيل وَشرف فِي الآخر، وانقياد واخبات فِي الذَّلِيل، وتسخير ونفاذ حكم للْآخر، وَالْإِنْسَان إِذا خلى وَنَفسه أدْرك لَا محَالة أَنه يقدر للقوة والشرف والتسخير وَمَا أشبههَا مِمَّا يعبر بِهِ عَن الْكَمَال قدرين قدرا لنَفسِهِ وَلمن يُشبههُ بِنَفسِهِ، وَقدرا لمن هُوَ متعال عَن وصمة الْحُدُوث والإمكان بِالْكُلِّيَّةِ.
وَلمن انْتقل إِلَيْهِ شَيْء من خصوصيات هَذَا المتعالي، فالعلم بالمغيبات يَجعله على دَرَجَتَيْنِ: علم بِرُؤْيَة وترتيب ومقدمات، أَو حدس، أَو مَنَام أَو تلقي إلهام مِمَّا يجد نَفسه لَا يباين ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ، وَعلم ذاتي هُوَ مُقْتَضى ذَات الْعَالم لَا يلقاه من غَيره، وَلَا يتجشم كَسبه، وَكَذَلِكَ يَجْعَل التَّأْثِير وَالتَّدْبِير والتسخير. أَي لفظ قلت على دَرَجَتَيْنِ: بِمَعْنى الْمُبَاشرَة وَاسْتِعْمَال الْجَوَارِح والقوى والاستعانة بالكيفيات المزاجية كالحرارة والبرودة وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يجد نَفسه مستعد لَهُ اسْتِعْدَادًا قَرِيبا أَو بَعيدا، وَبِمَعْنى التكوين من غير كيفيه جسمانية وَلَا مُبَاشرَة شَيْء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون}
وَكَذَلِكَ يَجْعَل العظمة والشرف وَالْقُوَّة على دَرَجَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا كعظمة الْملك بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَعيته مِمَّا يرجع إِلَى كَثْرَة الأعوان وَزِيَادَة الطول، أَو عَظمَة البطل والأستاذ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضَعِيف الْبَطْش والتلميذ مِمَّا يجد نَفسه يُشَارك الْعظم فِي أصل الشَّيْء،
وثانيتهما مَا لَا يُوجد إِلَّا فِي المتعالي جدا، وَلَا تن فِي تفتيش هَذَا السِّرّ حَتَّى تستيقن أَن الْمُعْتَرف بانصرام سلسلة الْإِمْكَان إِلَى وَاجِب لَا يحْتَاج إِلَى غَيره يضْطَر إِلَى جعل هَذِه الصِّفَات الَّتِي يتمادحون بهَا على دَرَجَتَيْنِ دَرَجَة لما هُنَالك ودرجة لما يُشبههُ بِنَفسِهِ.
وَلما كَانَت الْأَلْفَاظ المستعملة فِي الدرجتين مُتَقَارِبَة، فَرُبمَا يحمل نُصُوص الشَّرَائِع الإلهية على غير محملها، وَكَثِيرًا مَا يطلع الْإِنْسَان على آثر صادر من بعض أَفْرَاد الْإِنْسَان أَو الْمَلَائِكَة أَو غَيرهمَا يستبعده من أَبنَاء جنسه، فيشتبه عَلَيْهِ الْأَمر، فَيثبت لَهُ شرفا مقدسا وتسخيرا إلهيا، وَلَيْسوا فِي معرفَة الدرجَة المتعالية سَوَاء، فَمنهمْ من يُحِيط بقوى الْأَنْوَار المحيطة الْغَالِبَة على المواليد، ويعرفها من جنسه، وَمِنْهُم من لَا يَسْتَطِيع ذَلِك، وكل إِنْسَان
مُكَلّف بِمَا عِنْده من الِاسْتِطَاعَة، وَهَذَا تَأْوِيل مَا حَكَاهُ الصَّادِق المصدوق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نجاة مُسْرِف على نَفسه أَمر أَهله بحرقه، وتذرية رماده حذرا من أَن يَبْعَثهُ، الله، وَيقدر عَلَيْهِ فَهَذَا الرجل استيقن بِأَن الله متصف بِالْقُدْرَةِ التَّامَّة، لَكِن الْقُدْرَة إِنَّمَا هِيَ من الممكنات، لَا فِي الممتنعات، وَكَانَ يظنّ أَن جمع الرماد المتفرق نصفه فِي الْبر وَنصفه فِي الْبَحْر مُمْتَنع، فَلم يَجْعَل ذَلِك نقصا، فَأخذ بِقدر مَا عِنْده من الْعلم، وَلم يعد كَافِرًا - كَانَ التشيبه والاشراك بالنجوم وبصالحي الْعباد الَّذين ظهر مِنْهُم خرق العوائد كالكشف واستجابة الدُّعَاء متوارثا فيهم، وكل نَبِي يبْعَث فِي قومه فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يفهمهم حَقِيقَة الاشراك، ويميز كلا من الدرجتين، ويحصر الدرجَة المقدسة فِي الْوَاجِب، وَإِن تقاربت الْأَلْفَاظ كَمَا قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطبيب " إِنَّمَا أَنْت رَفِيق والطبيب هُوَ الله " وكما قَالَ " السَّيِّد هُوَ الله " يُشِير إِلَى بعض الْمعَانِي دون بعض، ثمَّ لما انقرض الحواريون من أَصْحَابه وَحَملَة دينه خلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة، وَاتبعُوا الشَّهَوَات، فحملوا الْأَلْفَاظ المستعملة المشتبهة على غير محملها، كَمَا حملُوا المحبوبية والشفاعة الَّتِي أثبتها الله تَعَالَى فِي قاطبة الشَّرَائِع لخواص الْبشر على غير محملها، وكما حملُوا صُدُور خرق العوائد والاشراقات على انْتِقَال الْعلم والتسخير الاقصيين إِلَى هَذَا الَّذِي يرى مِنْهُ، وَالْحق أَن ذَلِك كُله يرجع إِلَى قوى ناسوتية، أَو روحانية تعد لنزول التَّدْبِير الإلهي على وَجه، وَلَيْسَ من الإيجاد والأمور المختصة بِالْوَاجِبِ فِي شَيْء.
والمرضى بِهَذَا الْمَرَض على أَصْنَاف: مِنْهُم من نسي جلال الله بِالْكُلِّيَّةِ، فَجعل لَا يعبد إِلَّا الشُّرَكَاء، وَلَا يرفع حَاجته إِلَّا إِلَيْهِم، لَا يلْتَفت إِلَى الله أصلا، وَإِن كَانَ يعلم بِالنّظرِ البرهاني أَن سلسلة الْوُجُود تنصرم إِلَى الله، وَمِنْهُم من اعْتقد أَن الله هُوَ السَّيِّد وَهُوَ الْمُدبر، لكنه قد يخلع على بعض
عبيده لِبَاس الشّرف والتأله، ويجعله متصرفا فِي بعض الْأُمُور الْخَاصَّة، وَيقبل شَفَاعَته فِي عباده بِمَنْزِلَة ملك الْمُلُوك يبْعَث على كل قطر ملكا، ويقلده تَدْبِير تِلْكَ المملكة فِيمَا عدا الْأُمُور الْعِظَام، فيتلجلج لِسَانه أَن يسميهم عباد الله، فيسويهم وَغَيرهم، فَعدل عَن ذَلِك إِلَى تسميتهم أَبنَاء الله ومحبوبي الله، وسمى نَفسه عبدا لأولئك كَعبد الْمَسِيح وَعبد الْعُزَّى، وَهَذَا مرض جُمْهُور الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين وَبَعض الغلاة من منافقي دين مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمنَا هَذَا.
وَلما كَانَ مبْنى التشريع على إِقَامَة المظنة مقَام الأَصْل عد أَشْيَاء محسوسة هِيَ مظان الاشراك كفرا، كسجدة الْأَصْنَام، وَالذّبْح لَهَا، وَالْحلف باسمها، وأمثال ذَلِك، وَكَانَ أول فتح هَذَا الْعلم على أَن رفع لي قوم يَسْجُدُونَ لذباب صَغِير سمى لَا يزَال يُحَرك ذَنبه وأطرافه، فنفث فِي قلبِي هَل تَجِد فيهم ظلمَة الشّرك، وَهل أحاطت الْخَطِيئَة بِأَنْفسِهِم كَمَا تجدها فِي عَبدة الْأَوْثَان؟ قلت لَا أَجدهَا فيهم لأَنهم جعلُوا الذُّبَاب قبْلَة وَلم يخلطوا دَرَجَة تذلل بِالْأُخْرَى قيل فقد هديت إِلَى السِّرّ فَيَوْمئِذٍ ملئ قلبِي بِهَذَا الْعلم، وصرت على بَصِيرَة من الْأَمر، وَعرفت حَقِيقَة التَّوْحِيد والاشراك، وَمَا نَصبه الشَّرْع مظان لَهما، وَعرفت ارتباط الْعِبَادَة بِالتَّدْبِيرِ وَالله أعلم.

بَاب أَقسَام الشّرك

حَقِيقَة الشّرك أَن يعْتَقد إِنْسَان فِي بعض المعظمين من النَّاس أَن الْآثَار العجيبة الصادرة مِنْهُ إِنَّمَا صدرت لكَونه متصفا بِصفة من صِفَات الْكَمَال مِمَّا لم يعْهَد فِي جنس الْإِنْسَان، بل يخْتَص بِالْوَاجِبِ جلّ مجده لَا يُوجد فِي غَيره إِلَّا أَن يخلع هُوَ خلعة الألوهية على غَيره، أَو يُغني غَيره فِي ذَاته
وَيبقى بِذَاتِهِ أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يَظُنّهُ هَذَا المعتقد من أَنْوَاع الخرافات، كَمَا ورد فِي الحَدِيث " إِن الْمُشْركين كَانُوا يلبون بِهَذِهِ
الصِّيغَة: لبيْك لبيْك لَا شريك لَك - إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك، تملكه وَمَا ملك " فيتذلل عِنْده أقْصَى التذلل، ويعامل مَعَه مُعَاملَة الْعباد مَعَ الله تَعَالَى.
وَهَذَا معنى لَهُ أشباح وقوالب، وَالشَّرْع لَا يبْحَث إِلَّا عَن أشباحه وقوالبه الَّتِي بَاشَرَهَا النَّاس بنية الشّرك حَتَّى صَارَت مَظَنَّة للشرك ولازمه لَهُ فِي الْعَادة، كَسنة الشَّرْع فِي إِقَامَة الْعِلَل المتلازمة للْمصَالح والمفاسد مقَامهَا.
وَنحن نُرِيد أَن ننبهك على أُمُور جعلهَا الله تَعَالَى فِي الشَّرِيعَة المحمدية، على صَاحبهَا الصَّلَوَات والتسليمات مظنات للشرك، فَنهى عَنْهَا.
فَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يَسْجُدُونَ للأصنام والنجوم، فجَاء النَّهْي عَن السَّجْدَة لغير الله قَالَ الله تَعَالَى:
{لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ} .
والاشراك فِي السَّجْدَة كَانَ متلازما للاشراك فِي التَّدْبِير كَمَا أومأنا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا يظنّ بعض الْمُتَكَلِّمين من أَن تَوْحِيد الْعِبَادَة حكم من أَحْكَام الله تَعَالَى مِمَّا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَدْيَان لَا يطْلب بِدَلِيل برهاني، كَيفَ وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يلْزمهُم الله تَعَالَى بتفرده بالتخليق وَالتَّدْبِير، كَمَا قَالَ عز من قَائِل:
{قل الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى آللَّهُ خير} .
إِلَى آخر خمسى آيَات، بل الْحمق أَنهم اعْتَرَفُوا بتوحيد الْخلق وبتوحيد التَّدْبِير فِي الْأُمُور الْعِظَام، وسلموا أَن الْعِبَادَة متلازمه مَعَهُمَا، لما أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي تَحْقِيق معنى التَّوْحِيد فَلذَلِك ألزمهم الله بِمَا ألزمهم وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة.
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يستعينون بِغَيْر الله فِي حوائجهم من شِفَاء الْمَرِيض وغناء الْفَقِير، وينذرون لَهُم، يتوقعون إنْجَاح مقاصدهم بِتِلْكَ النذور، ويتلون اسماءهم رَجَاء بركتها، فَأوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَن يَقُولُوا فِي صلَاتهم: {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} .
وَقَالَ تَعَالَى:
{فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا} .
وَلَيْسَ المُرَاد من الدُّعَاء الْعِبَادَة كَمَا قَالَه الْمُفَسِّرُونَ، بل هُوَ الِاسْتِعَانَة لقَوْله تَعَالَى:
{بل إِيَّاه تدعون فَيكْشف مَا تدعون} .
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يسمون بعض شركائهم بَنَات الله وَأَبْنَاء الله، فنهو عَن ذَلِك أَشد النَّهْي، وَقد شرحنا سره من قبل.
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يتخذون أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله تَعَالَى بِمَعْنى أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن مَا أحله هَؤُلَاءِ حَلَال لَا بَأْس بِهِ فِي نفس الْأَمر وَأَن مَا حرمه هَؤُلَاءِ حرَام يؤاخذون بِهِ فِي نفس الْأَمر، وَلما نزل قَوْله تَعَالَى:
{اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ} . الْآيَة
سَأَلَ عدي بن حَاتِم رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن ذَلِك فَقَالَ: " كَانُوا يحلونَ لَهُم أَشْيَاء، فيستحلونها، ويحرمون عَلَيْهِم أَشْيَاء، فيحرمونها.
وسر ذَلِك أَن التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم عبارَة عَن تكوين نَافِذ فِي الملكوت أَن الشَّيْء الْفُلَانِيّ يُؤَاخذ بِهِ أَو لَا يُؤَاخذ بِهِ، فَيكون هَذَا التكوين سَببا للمؤاخذة وَتركهَا، وَهَذَا من صِفَات الله تَعَالَى، وَأما نِسْبَة التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم
إِلَى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبمعنى أَن قَوْله أَمارَة قَطْعِيَّة لتحليل الله وتحريمه و، أما نسبتها إِلَى الْمُجْتَهدين من أمته فبمعنى روايتهم ذَلِك عَن الشَّرْع من نَص الشَّارِع أَو استنباط معنى من كَلَامه.
وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى إِذا بعث رَسُولا وَثَبت رسَالَته بالمعجزة، وَأحل على لِسَانه بعض مَا كَانَ حَرَامًا عِنْدهم، وَوجد بعض النَّاس فِي نَفسه انجحاما عَنهُ، وَبَقِي فِي نَفسه ميل إِلَى حرمته لما وجد فِي مِلَّته من تَحْرِيمه فَهَذَا على وَجْهَيْن: إِن كَانَ لتردد فِي ثُبُوت هَذِه الشَّرِيعَة، فَهُوَ كَافِر بِالنَّبِيِّ، وَإِن كَانَ لاعتقاد وُقُوع التَّحْرِيم الأول تَحْرِيمًا لَا يحْتَمل النّسخ لأجل أَنه تبَارك وَتَعَالَى خلع على عبد خلعة الألوهية، أَو صَار فانيا فِي الله بَاقِيا بِهِ، فَصَارَ نَهْيه عَن فعل أَو كراهيته لَهُ مستوجبا لحرم فِي مَاله وَأَهله، فَذَلِك مُشْرك بِاللَّه تَعَالَى، مُثبت لغيره غَضبا وسخطا مقدسين وتحليلا وتحريما مقدسين.
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يَتَقَرَّبُون إِلَى الْأَصْنَام والنجوم بِالذبْحِ لأجلهم، إِمَّا بالاهلال عِنْد الذَّبَائِح باسمائهم، وَأما بِالذبْحِ على الأنصاب الْمَخْصُوصَة لَهُم، فنهوا عَن ذَلِك، وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يسيبون السوائب والبحائر تقربا إِلَى شركائهم فَقَالَ الله تَعَالَى:
{مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة} . الْآيَة
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي آناس أَن أَسْمَاءَهُم مباركة معظمة، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الْحلف باسمائهم على الْكَذِب يسْتَوْجب حرما فِي مَاله وَأَهله، فَلَا يقدمُونَ على ذَلِك، وَلذَلِك كَانُوا يستحلفون الْخُصُوم بأسماء الشُّرَكَاء بزعمهم، فنهو عَن ذَلِك وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك " وَقد فسره بعض الْمُحدثين على معنى التَّغْلِيظ والتهديد، وَلَا أَقُول
بذلك وَإِنَّمَا المُرَاد عِنْدِي الْيَمين المنعقدة وَالْيَمِين الْغمُوس باسم غير الله تَعَالَى على اعْتِقَاد مَا ذكرنَا.
وَمِنْهَا الْحَج لغير الله تَعَالَى، وَذَلِكَ أَن يقْصد مَوَاضِع متبركة مُخْتَصَّة بشركائهم يكون الْحُلُول بهَا تقربا من هَؤُلَاءِ، فَنهى الشَّرْع عَن ذَلِك، وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد ".
وَمِنْهَا أَنهم كَانُوا يسمون ابناءهم عبد الْعُزَّى وَعبد شمس وَنَحْو ذَلِك فَقَالَ الله:
{هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا فَلَمَّا تغشاها} .
وَجَاء فِي الحَدِيث أَن حَوَّاء سمت وَلَدهَا عبد الْحَرْث وَكَانَ ذَلِك من وَحي الشَّيْطَان، وَقد ثَبت فِي أَحَادِيث لَا تحصى أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير أَسمَاء أَصْحَابه عبد الْعَزِيز وَعبد شمس وَنَحْوهمَا إِلَى عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَمَا أشبههما، فَهَذِهِ أشباح وقوالب للشرك نهى الشَّارِع عَنْهَا لكَونهَا قوالب لَهُ، وَالله أعلم.

بَاب الْإِيمَان بِصِفَات الله تَعَالَى

اعْلَم أَن من أعظم أَنْوَاع الْبر الْإِيمَان بِصِفَات الله تَعَالَى، واعتقاد اتصافه بهَا، فَإِنَّهُ يفتح بَابا بَين هَذَا العَبْد وَبَينه تَعَالَى ويعده لانكشاف مَا هُنَالك من الْمجد والكبرياء.
وَاعْلَم أَن الْحق تَعَالَى أجل من أَن يُقَاس بمعقول، أَو محسوس، أَو يحل فِيهِ صِفَات كحلول الْأَعْرَاض فِي محالها أَو تعالجه الْعُقُول العامية، أَو تتناوله الْأَلْفَاظ الْعُرْفِيَّة، وَلَا بُد من تَعْرِيفه إِلَى النَّاس، ليكملوا كمالهم
الْمُمكن لَهُم، فَوَجَبَ أَن تسْتَعْمل الصِّفَات بِمَعْنى وجود غايتها، لَا بِمَعْنى وجود مباديها، فَمَعْنَى الرَّحْمَة إفَاضَة النعم، لَا انعطاف الْقلب والرقة، وَأَن تستعار أَلْفَاظ تدل على تسخير الْملك لمدينته لتخسيره لجَمِيع الموجودات، إِذْ لَا عبارَة فِي هَذَا الْمَعْنى أفْصح من هَذِه، وَأَن تسْتَعْمل تشبيهات بِشَرْط أَلا
يقْصد إِلَى أَنْفسهَا، بل إِلَى معَان مُنَاسبَة لَهَا فِي الْعرف، فيراد ببسط الْيَد الْجُود مثلا، وبشرط أَلا يُوهم المخاطبين إيهاما صَرِيحًا أَنه فِي ألواث البهيمية وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف المخاطبين، فَيُقَال يرى، وَيسمع، وَلَا يُقَال يَذُوق، ويلمس، وَأَن يُسَمِّي إفَاضَة كل معَان متفقه فِي أَمر باسم، كالرزاق والمصور، وَأَن يسلب عَنهُ كل مَا لَا يَلِيق بِهِ لَا سِيمَا مَا لهج بِهِ الظَّالِمُونَ فِي حَقه مثل لم يلد وَلم يُولد، وَقد أَجمعت الْملَل السماوية قاطبتها على بَيَان الصِّفَات على هَذَا الْوَجْه، وعَلى أَن تسْتَعْمل تِلْكَ الْعبارَات على وَجههَا، وَلَا يبْحَث عَنْهَا أَكثر من اسْتِعْمَالهَا، وعَلى هَذَا مَضَت الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بِالْخَيرِ، ثمَّ خَاضَ طَائِفَة من الْمُسلمين فِي الْبَحْث عَنْهَا، وَتَحْقِيق مَعَانِيهَا من غير نَص، وَلَا برهَان قَاطع، قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَفَكَّرُوا فِي الْخلق وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِق " وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى:
{وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى} .
" لَا فكرة فِي الرب ".
وَالصِّفَات لَيست بمخلوقات محدثات، والتفكر فِيهَا إِنَّمَا هُوَ أَن الْحق كَيفَ اتّصف بهَا، فَكَانَ تفكر فِي الْخَالِق، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث " يَد
الله ملأى "، وَهَذَا الحَدِيث قَالَ الْأَئِمَّة نؤمن كَمَا جَاءَ من غير أَن يُفَسر أَو يتَوَهَّم هَكَذَا قَالَ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة، مِنْهُم سيفان الثَّوْريّ، وَمَالك بن أنس، وَابْن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُبَارك: أَنه تروى هَذِه الْأَشْيَاء ويؤمن بهَا، وَلَا يُقَال كَيفَ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِن إِجْرَاء هَذِه الصِّفَات كَمَا هِيَ لَيْسَ بتشبيه، وَإِنَّمَا التَّشْبِيه أَن يُقَال: سمع كسمع وبصر كبصر، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: لم ينْقل عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَن أحد من الصَّحَابَة من طَرِيق صَحِيح التَّصْرِيح بِوُجُوب تَأْوِيل شَيْء من ذَلِك يعْنى المتشابهات وَلَا الْمَنْع من ذكره وَمن الْمحَال أَن يَأْمر الله نبيه بتبليغ مَا أنزل إِلَيْهِ من ربه، وَينزل عَلَيْهِ:
{الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} .
ثمَّ يتْرك هَذَا الْبَاب فَلَا يُمَيّز مَا يجوز نسبته إِلَيْهِ تَعَالَى مِمَّا لَا يجوز مَعَ حثه على التَّبْلِيغ عَنهُ بقوله: " ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب " حَتَّى نقلوا أَقْوَاله وأفعاله وأحواله وَمَا فعل بِحَضْرَتِهِ، فَدلَّ على أَنهم اتَّفقُوا على الْإِيمَان بِهِ على الْوَجْه الَّذِي أَرَادَ الله تَعَالَى مِنْهَا، وَأوجب تنزيهه عَن مشابهات الْمَخْلُوقَات بقوله:
{لَيْسَ كمثله شَيْء} .
فَمن أوجب خلاف ذَلِك بعدهمْ، فقد خَالف سبيلهم.
أَقُول لَا فرق بَين السّمع وَالْبَصَر وَالْقُدْرَة والضحك وَالْكَلَام والاستواء فَإِن الْمَفْهُوم عِنْد أهل اللِّسَان من كل ذَلِك غير مَا يَلِيق بجناب الْقُدس، وَهل فِي الضحك اسْتِحَالَة إِلَّا من جِهَة أَنه يَسْتَدْعِي الْفَم، وَكَذَلِكَ الْكَلَام؟ وَهل فِي الْبَطْش وَالنُّزُول اسْتِحَالَة إِلَّا من جِهَة أَنَّهُمَا يستدعيان الْيَد وَالرجل؟ وَكَذَلِكَ السّمع وَالْبَصَر يستدعيان الْأذن وَالْعين، وَالله أعلم.
واستطال هَؤُلَاءِ الخائضون على معشر أهل الحَدِيث، وسموهم مجسمة
ومشبهة، وَقَالُوا هم المتسترون بالبلكفة، وَقد وضح عَليّ وضوحا بَينا أَن استطالتهم هَذِه لَيست بِشَيْء وانهم مخطئون فِي مقالتهم رِوَايَة ودراية وخاطئون فِي طعنهم أَئِمَّة الْهدى.
وتفصيل ذَلِك أَن هَهُنَا مقامين: أَحدهمَا أَن الله تبَارك وَتَعَالَى كَيفَ اتّصف بِهَذِهِ الصِّفَات، وَهل هِيَ زَائِدَة على ذَاته أَو عين ذَاته؟ وَمَا حَقِيقَة السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَغَيرهَا؟ فَإِن الْمَفْهُوم من هَذِه الْأَلْفَاظ بَادِي الرَّأْي غير لَائِق بجناب الْقُدس.
وَالْحق فِي هَذَا الْمقَام أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتَكَلَّم فِيهِ بِشَيْء، بل حجر أمته عَن التَّكَلُّم فِيهِ والبحث عَنهُ فَلَيْسَ لأحد أَن يقدم على مَا حجره، وَالثَّانِي أَنه أَي شَيْء يجوز فِي الشَّرْع أَن نصفه تَعَالَى بِهِ وَأي شَيْء لَا يجوز أَن نصفه بِهِ، وَالْحق أَن صِفَاته وأسماءه توقيفيه بِمَعْنى أَنا وَإِن عرفنَا الْقَوَاعِد الَّتِي بنى الشَّرْع بَيَان صِفَاته تَعَالَى عَلَيْهَا كَمَا حررنا فِي صدر الْبَاب، لَكِن كثيرا من النَّاس لَو أُبِيح لَهُم الْخَوْض فِي الصِّفَات لضلوا، وأضلوا، وَكثير من الصِّفَات وَإِن كَانَ الْوَصْف بهَا جَائِزا فِي الأَصْل، لَكِن قوما من الْكفَّار حملُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظ على غير محملها. وشاع ذَلِك فِيمَا بَينهم، فَكَانَ حكم الشَّرْع النَّهْي عَن اسْتِعْمَالهَا دفعا لتِلْك الْمفْسدَة، وَكثير من الصِّفَات يُوهم اسْتِعْمَالهَا على ظواهرها خلاف المُرَاد، فَوَجَبَ الِاحْتِرَاز عَنْهَا فلهذه الحكم جعلهَا الشَّرْع توقيفية، وَلم يبح الْخَوْض فِيهَا بِالرَّأْيِ. وَبِالْجُمْلَةِ فالضحك والفرح والتبشبش وَالْغَضَب وَالرِّضَا يجوز لنا اسْتِعْمَالهَا والبكاء وَالْخَوْف وَنَحْو ذَلِك لَا يجوز لنا اسْتِعْمَالهَا، وَإِن كَانَ المأخذان متقاربين، وَالْمَسْأَلَة على مَا حققناه معتضدة بِالْعقلِ وَالنَّقْل لَا يحوم الْبَاطِل من بَين يَديهَا وَلَا من خلفهَا، والاطالة فِي إبِْطَال اقوالهم ومذاهبهم لَهَا مَوضِع آخر غير هَذَا الْموضع.
وَلنَا أَن نفسرها بمعان هِيَ أقرب وأوفق مِمَّا قَالُوا إبانه لِأَن تِلْكَ الْمعَانِي لَا يتَعَيَّن القَوْل بهَا، وَلَا يضْطَر النَّاظر فِي الدَّلِيل الْعقلِيّ إِلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَيست راجحة على غَيرهَا وَلَا فِيهَا مزية بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَداهَا، لَا حكما بِأَن مُرَاد الله مَا نقُول، وَلَا إِجْمَاعًا على الِاعْتِقَاد بهَا والإذعان بهَا هَيْهَات ذَلِك، فَنَقُول مثلا لما كَانَ بَين يَديك ثَلَاثَة أَنْوَاع حَيّ وميت وجماد، وَكَانَ الْحَيّ أقرب شبها بِمَا هُنَالك لكَونه عَالما مؤثرا فِي الْخلق وَجب أَن يُسمى حَيا، وَلما كَانَ الْعلم عندنَا هُوَ الانكشاف، وَقد انكشفت عَلَيْهِ الْأَشْيَاء كلهَا بِمَا هِيَ مندمجة فِي ذَاته، ثمَّ بِمَا هِيَ مَوْجُودَة تَفْصِيلًا وَجب أَن يُسمى عليما، وَلما كَانَت الرُّؤْيَة والسمع انكشافا تَاما للمبصرات والمسموعات، وَذَلِكَ هُنَاكَ بِوَجْه أتم وَجب أَن يُسمى بَصيرًا سميعا، وَلما كَانَ قَوْلنَا أَرَادَ فلَان إِنَّمَا نعني بِهِ هاجس عزم على فعل أَو ترك، وَكَانَ الرَّحْمَن يفعل كثيرا من أَفعاله عِنْد حُدُوث شَرط أَو استعداد فِي الْعَالم، فَيُوجب عِنْد ذَلِك مَا لم يكن وَاجِبا، وَيحصل فِي بعض الأحياز الشاهقة إِجْمَاع بعد مَا لم يكن بِإِذْنِهِ وَحكمه وَجب أَن يُسمى مرِيدا وَأَيْضًا فالارادة الْوَاحِدَة الأزلية الذاتية المفسرة باقتضاء الذَّات لما تعلّقت بالعالم بأسره مرّة وَاحِدَة، ثمَّ جَاءَت الْحَوَادِث يَوْمًا بعد يَوْم صَحَّ أَن ينْسب إِلَى كل حَادث حَادث عَن حِدته، وَيُقَال أَرَادَ كَذَا وَكَذَا، وَلما كَانَ قَوْلنَا قدر فلَان إِنَّمَا نعني بِهِ أَنه يُمكن لَهُ أَن يفعل وَلَا يصده من ذَلِك سَبَب خَارج، أما إِيثَار أحد المقدورين من الْقَادِر فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي اسْم الْقُدْرَة، وَكَانَ الرَّحْمَن قَادِرًا على كل شَيْء، وَإِنَّمَا يُؤثر بعض الْأَفْعَال دون أضداده لعنايته واقتضائه الذاتي وَجب أَن يُسمى قَادِرًا، وَلما كَانَ قَوْلنَا كلم فلَان إِنَّمَا نعني بِهِ إفَاضَة الْمعَانِي المرادة، مقرونة بِأَلْفَاظ دَالَّة عَلَيْهَا، وَكَانَ الرَّحْمَن رُبمَا يفِيض على عَبده علوما، وَيفِيض مَعهَا ألفاظا منعقدة فِي خياله، دَالَّة عَلَيْهَا ليَكُون التَّعْلِيم أصرح مَا يكون وَجب أَن يُسمى متكلما قَالَ الله تَعَالَى:
{وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّه عَليّ حَكِيم} .
فالوحي هُوَ النفث فِي الروع برؤيا، أَو خلق علم ضَرُورِيّ عِنْد توجهه إِلَى الْغَيْب، وَمن وَرَاء حجاب أَن يسمع كلَاما منظوما كَأَنَّهُ سَمعه من خَارج، وَلم ير قَائِله، أَو يُرْسل رَسُولا، فيتمثل الْملك لَهُ، وَرُبمَا يحصل عِنْد توجهه إِلَى الْغَيْب وانقهار الْحَواس صَوت صلصة الجرس كَمَا قد يكون عِنْد عرُوض الغشى من رُؤْيَة ألوان حمر وسود.
وَلما كَانَ فِي حَظِيرَة الْقُدس نظام، مَطْلُوبَة إِقَامَته فِي الْبشر، فَإِن وافقوه لَحِقُوا بالملأ الْأَعْلَى، وأخرجوا من الظُّلُمَات إِلَى نور الله وبسطته، ونعموا فِي أنفسهم، وألهمت الْمَلَائِكَة بَنو آدم أَن يحسنوا إِلَيْهِم، وَإِن خالفوا باينوا من الْمَلأ الْأَعْلَى، وأصيبوا ببغضه مِنْهُم، وعذبوا بِنَحْوِ مَا ذكر، وَجب أَن يُقَال رَضِي وشكر، أَو سخط وَلعن، وَالْكل يرجع إِلَى جَرَيَان الْعَالم حسب مُقْتَضى الْمصلحَة، وَرُبمَا كَانَ من نظام الْعَالم خلق الْمَدْعُو إِلَيْهِ فَيُقَال اسْتَجَابَ الدُّعَاء، وَلما كَانَت الرُّؤْيَا فِي استعمالنا انكشاف المرئي أتم مَا يكون، وَكَانَ النَّاس إِذا انتقلوا إِلَى بعض مَا وعدوا من الْمعَاد اتصلوا بالتجلي الْقَائِم وسط عَالم الْمثل، ورأوه رَأْي عين بأجمعهم، وَجب أَن يُقَال إِنَّكُم سَتَرَوْنَهُ كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، وَالله أعلم.

بَاب الْإِيمَان بِالْقدرِ

من أعظم أَنْوَاع الْبر الْإِيمَان بِالْقدرِ، وَذَلِكَ أَنه بِهِ يُلَاحظ الْإِنْسَان التَّدْبِير الْوَاحِد الَّذِي يجمع الْعَالم وَمن اعتقده على وَجهه يصير طامح الْبَصَر
إِلَى مَا عِنْد الله، يرى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا كالظل لَهُ، وَيرى اخْتِيَار الْعباد من قَضَاء الله كالصورة المنطبعة فِي الْمرْآة، وَذَلِكَ يعد لَهُ - لانكشاف مَا هُنَالك من التَّدْبِير الوحداني، وَلَو فِي الْمعَاد - أتم إعداد، وَقد نبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عظم أمره من بَين أَنْوَاع الْبر حَيْثُ قَالَ: " من لم يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره، فَأَنا برِئ مِنْهُ " وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يُؤمن عبد حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره، وَحَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه، وَأَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه ".
وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى شَمل علمه الأزلي الذاتي كل مَا وجد، أَو سيوجد من الْحَوَادِث، محَال أَن يتَخَلَّف علمه عَن شَيْء أَو يتَحَقَّق غير مَا علم، فَيكون جهلا لَا علما، وَهَذِه مَسْأَلَة شُمُول الْعلم، وَلَيْسَت بِمَسْأَلَة الْقدر وَلَا يُخَالف فِيهَا فرقة من الْفرق الإسلامية، إِنَّمَا
الْقدر الَّذِي دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث المستفيضة، وَمضى عَلَيْهِ السّلف الصَّالح، وَلم يوفق لَهُ إِلَّا الْمُحَقِّقُونَ، وَيتَّجه عَلَيْهِ السُّؤَال بِأَنَّهُ متدافع مَعَ التَّكْلِيف، وَأَنه فيمَ الْعَمَل - هُوَ الْقدر الملزم الَّذِي يُوجب الْحَوَادِث قبل وجودهَا، فيوجد بذلك الْإِيجَاب، لَا يَدْفَعهُ هرب، وَلَا تَنْفَع مِنْهُ حِيلَة، وَقد وَقع ذَلِك خمس مَرَّات.
فأولها: أَنه أجمع فِي الْأَزَل أَن يُوجد الْعَالم على أحسن وَجه مُمكن مراعيا للْمصَالح، مؤثرا لما هُوَ الْخَيْر النسبي حِين وجوده، وَكَانَ علم الله يَنْتَهِي إِلَى تعْيين صُورَة وَاحِدَة من الصُّور لَا يشاركها غَيرهَا، فَكَانَت الْحَوَادِث سلسلة مترتبة، مجتمعا وجودهَا، لَا تصدق على كثيرين، فإرادة إِيجَاد الْعَالم مِمَّن لَا تخفى عَلَيْهِ خافية هُوَ بِعَيْنِه تَخْصِيص صُورَة وجوده إِلَى آخر مَا ينجر إِلَيْهِ الْأَمر.
وَثَانِيها: أَنه قدر الْمَقَادِير، ويروى أَنه كتب مقادير الْخَلَائق كلهَا، وَالْمعْنَى وَاحِد قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة، وَذَلِكَ أَنه خلق
الْخَلَائق حسب الْعِنَايَة الأزلية فِي خيال الْعَرْش، فصور هُنَالك جَمِيع الصُّور، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالذكر فِي الشَّرَائِع، فتحقق هُنَالك مثلا صُورَة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعثه إِلَى الْخلق فِي وَقت كَذَا، وانذاره لَهُم وإنكار أبي لَهب وإحاطة الْخَطِيئَة بِنَفسِهِ فِي الدُّنْيَا، ثمَّ اشتعال النَّار عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة، وَهَذِه الصُّورَة سَبَب لحدوث الْحَوَادِث على نَحْو مَا كَانَت هُنَالك كتأثير الصُّورَة، المنتقشة فِي أَنْفُسنَا فِي زلق الرجل على الْجذع الْمَوْضُوع فَوق الجدران، وَلم تكن لتزلق لَو كَانَت على الأَرْض.
وَثَالِثهَا: أَنه لما خلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام ليَكُون أَبَا الْبشر، وليبدأ مِنْهُ نوع الْإِنْسَان أحدث فِي عَالم الْمِثَال صور بنيه وَمثل سعادتهم وشقاوتهم بِالنورِ والظلمة، وجعلهم بِحَيْثُ يكلفون، وَخلق فيهم مَعْرفَته والاخبات لَهُ، وَهُوَ أصل الْمِيثَاق المدسوس فِي فطرتهم، فيؤاخذون بِهِ، وَإِن نسوا الْوَاقِعَة إِذا النُّفُوس المخلوقة فِي الأَرْض إِنَّمَا هِيَ ظلّ الصُّور الْمَوْجُودَة يَوْمئِذٍ، فمدسوس فِيهَا مَا دس يَوْمئِذٍ.
وَرَابِعهَا حِين نفخ الرّوح فِي الْجَنِين، فَكَمَا أَن النواة إِذا ألقيت فِي الأَرْض فِي وَقت مَخْصُوص، وأحاط بهَا تَدْبِير مَخْصُوص علم المطلع على خاصية نوع النّخل، وخاصية تِلْكَ الأَرْض وَذَلِكَ المَاء والهواء أَنه يحسن نباتها، ويتحقق من شَأْنه على بعض الْأَمر، فَكَذَلِك تتلقى الْمَلَائِكَة الْمُدبرَة يَوْمئِذٍ، وينكشف عَلَيْهِم الْأَمر فِي عمره ورزقه، وَهل يعْمل عمل من غلبت ملكيته على بهيميته، أَو بِالْعَكْسِ، وَأي نَحْو تكون سعادته وشقاوته. وخامسها: قبيل حُدُوث الْحَادِثَة، فَينزل الْأَمر من حَظِيرَة الْقُدس إِلَى الأَرْض، وينتقل شَيْء مثالي، فتنبسط أَحْكَامه فِي الأَرْض.
وَقد شاهدت ذَلِك مرَارًا، مِنْهَا أَن نَاسا تشاجروا فِيمَا بَينهم، وتحاقدوا،
فالتجأت إِلَى الله، فَرَأَيْت نقطة مثالية نورانية نزلت من حَظِيرَة الْقُدس إِلَى الأَرْض فَجعلت تنبسط شَيْئا فَشَيْئًا، وَكلما انبسطت زَالَ الحقد عَنْهُم فَمَا برحنا الْمجْلس حَتَّى تلاطفوا، وَرجع كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى مَا كَانَ من الالفة، وَكَانَ ذَلِك من عَجِيب آيَات الله عِنْدِي.
وَمِنْهَا أَن بعض أَوْلَادِي كَانَ مَرِيضا وَكَانَ خاطري مَشْغُولًا بِهِ، فَبَيْنَمَا أَنا أُصَلِّي الظّهْر شاهدت مَوته نزل، فَمَاتَ فِي ليلته.
وَقد بيّنت السّنة بَيَانا وَاضحا أَن الْحَوَادِث يخلقها الله تَعَالَى قبل أَن تحدث فِي الأَرْض خلقا مَا، ثمَّ ينزل فِي هَذَا الْعَالم فَيظْهر فِيهِ كَمَا خلق أول مرّة سنة من الله تَعَالَى، ثمَّ قد يمحى الثَّابِت، وَيثبت الْمَعْدُوم، بِحَسب هَذَا الْوُجُود قَالَ الله تَعَالَى:
{يمحوا الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب}
مثل أَن يخلق الله تَعَالَى الْبلَاء خلقا مَا، فينزله على الْمُبْتَلى، ويصعد الدُّعَاء، فَيردهُ، وَقد يخلق الْمَوْت، فيصعد الْبر، ويدده وَالْفِقْه فِيهِ أَن الْمَخْلُوق النَّازِل سَبَب من الْأَسْبَاب العادية كالطعام وَالشرَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقَاء الْحَيَاة وَتَنَاول السم، وَالضَّرْب بِالسَّيْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْت، وَقد دلّ أَحَادِيث كَثِيرَة على ثُبُوت عَالم تتجسم فِيهِ الْأَعْرَاض، وتنتقل الْمعَانِي، ويخلق الشَّيْء قبل ظُهُوره فِي الأَرْض، مثل كَون الرَّحِم مُعَلّقا بالعرش، وتزول الْفِتَن كمواقع الْقطر، وَخلق النّيل والفرات فِي أصل السِّدْرَة، ثمَّ أنزالهما إِلَى الأَرْض، وإنزال الْحَدِيد والانعام وإنزال الْقُرْآن إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا مجموعا، وَحُضُور الْجنَّة وَالنَّار بَين يَدي النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَين جِدَار الْمَسْجِد بِحَيْثُ يُمكن تنَاول العنقود، وَيَأْتِي حر النَّار، وكتعالج الْبلَاء وَالدُّعَاء، وَخلق ذُرِّيَّة آدم، وَخلق الْعقل،
وَأَنه أقبل وَأدبر، وإتيان الزهراوين كَأَنَّهُمَا فرقان، وَوزن الْأَعْمَال، وحفوف الْجنَّة بالمكاره وَالنَّار بالشهوات، وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على من لَهُ أدنى معرفَة بِالسنةِ.
وَاعْلَم أَن الْقدر لَا يزاحم سَبَبِيَّة الْأَسْبَاب لمسبباتها، لإنه إِنَّمَا تعلق بالسلسلة المترتبة جملَة مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرقى والدواء والتقاة هَل ترد شَيْئا من قدر الله؟ قَالَ: " هِيَ من قدر الله "، وَقَول عمر رَضِي الله عَنهُ فِي قصَّة سرغ أَلَيْسَ إِن رعيتها فِي الخصب رعيتها بِقدر الله؟ الخ وللعباد اخْتِيَار أفعالهم، نعم لااختيار لَهُم فِي ذَلِك الِاخْتِيَار لكَونه معلولا بِحُضُور صُورَة الْمَطْلُوب ونفعه ونهوض داعيه وعزم بِمَا لَيْسَ لَهُ علم بهَا فَكيف الِاخْتِيَار فِيهَا وَهُوَ قَوْله: " إِن الْقُلُوب بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الله يقلبها كَيفَ يَشَاء " وَالله اعْلَم.

بَاب الْإِيمَان بِأَن الْعِبَادَة حق الله تَعَالَى على عباده لِأَنَّهُ منعم عَلَيْهِم مجَاز لَهُم بالارادة

اعْلَم أَن من أعظم أَنْوَاع الْبر أَن يعْتَقد الْإِنْسَان بِمَجَامِع قلبه بِحَيْثُ لَا يحْتَمل نقيض هَذَا الِاعْتِقَاد عِنْده أَن الْعِبَادَة حق الله تَعَالَى على عباده، وَأَنَّهُمْ مطالبون بِالْعبَادَة من الله تَعَالَى بِمَنْزِلَة سَائِر مَا يَطْلُبهُ ذَوُو الْحُقُوق من حُقُوقهم، قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمعَاذ: " يَا معَاذ هَل تدرى مَا حق الله على عباده وَمَا حق الْعباد على الله؟ قَالَ معَاذ: الله وَرَسُوله أعلم قَالَ: " فَإِن
حق الله على الْعباد أَن يعبدوه، وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا، وَحقّ الْعباد على الله تَعَالَى أَلا يعذب من لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا " وَذَلِكَ لِأَن من لم يعْتَقد ذَلِك اعتقادا جَازِمًا وَاحْتمل عِنْده أَن يكون سدى مهملا لَا يُطَالب بِالْعبَادَة، وَلَا يُؤَاخذ بهَا من جِهَة رب مُرِيد مُخْتَار - كَانَ دهريا لَا تقع عِبَادَته، وَإِن بَاشَرَهَا بجوارحه بموقع من قلبه، وَلَا تفتح بَابا بَينه وَبَين ربه، وَكَانَت عَادَة كَسَائِر عاداته.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَنه قد ثَبت فِي معارف الْأَنْبِيَاء وورثتهم عَلَيْهِم الصَّلَوَات والتسليمات أَن موطنا من مَوَاطِن الجبروت فِيهِ إِرَادَة وَقصد بِمَعْنى الْإِجْمَاع على فعل مَعَ صِحَة الْفِعْل وَالتّرْك بِالنّظرِ إِلَى هَذَا الموطن، وَإِن كَانَت الْمصلحَة الفوقانية لَا تبقي، وَلَا تذر شَيْئا إِلَّا أوجب وجوده، أَو أوجب عَدمه، لَا وجود للحالة المنتظرة بِحَسب ذَلِك، وَلَا عِبْرَة بِقوم يسمعُونَ الْحُكَمَاء يَزْعمُونَ أَن الْإِرَادَة بِهَذَا الْمَعْنى، فقد حفظوا شَيْئا وَغَابَتْ عَنْهُم أَشْيَاء، وهم محجوبون عَن مُشَاهدَة هَذَا الموطن محجوبون بأدلة الْآفَاق والأنفس.
أما حجابهم فَهُوَ أَنهم لم يهتدوا إِلَى موطن بَين التجلي الْأَعْظَم، وَبَين الْمَلأ الْأَعْلَى شَبيه بالشعاع الْقَائِم بالجوهرة، وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى، فَفِي هَذَا الموطن يتَمَثَّل إِجْمَاع على شَيْء استوجبه عُلُوم الْمَلأ الْأَعْلَى وهيآتهم بعد مَا كَانَ يستوى الْفِعْل وَالتّرْك فِي هَذَا الموطن.
وَأما الْحجَّة عَلَيْهِم فَهِيَ أَن الْوَاحِد منا يعلم بداهة أَنه يمد يَده، ويتناول الْقَلَم مثلا، وَهُوَ فِي ذَلِك مُرِيد قَاصد يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الْفِعْل وَالتّرْك بِحَسب هَذَا الْقَصْد وبحسب هَذِه القوى المتشبحة فِي نَفسه، وَإِن كَانَ كل شَيْء بِحَسب الْمصلحَة الفوقانية إِمَّا وَاجِب الْفِعْل، أَو وَاجِب التّرْك، فَكَذَلِك الْحَال فِي كل مَا يستوجبه استعداد خَاص، فَينزل من بارئ الصُّور نزُول
الصُّور على الْموَاد المستعدة لَهَا كالاستجابة عقيب الدُّعَاء مِمَّا فِيهِ دخل لمتجدد حَادث بِوَجْه من الْوُجُوه، وَلذَلِك تَقول هَذَا جهل بِوُجُوب الشَّيْء بِحَسب الْمصلحَة الفوقانية، فَكيف يكون فِي موطن من مَوَاطِن الْحق؟ ! فَأَقُول حاش لله، بل هُوَ علم وإيفاء لحق هَذَا الموطن، إِنَّمَا الْجَهْل أَن يُقَال لَيْسَ بِوَاجِب أصلا، وَقد نفت الشَّرَائِع الإلهية هَذَا الْجَهْل حَيْثُ أَثْبَتَت الْإِيمَان بِالْقدرِ، وَأَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك، وَمَا أخطاك لم يكن ليصيبك، وَأما إِذا قيل يَصح فعله وَتَركه بِحَسب هَذَا الموطن، فَهُوَ علم حق لَا محَالة، كَمَا أَنَّك إِذا رَأَيْت الْفَحْل من الْبَهَائِم يفعل الْأَفْعَال الفحلية، وَرَأَيْت الْأُنْثَى تفعل الْأَفْعَال الأنثوية، فَإِن حكمت بِأَن هَذِه الْأَفْعَال صادرة جبرا كحركة الْحجر فِي تدحرجه كذبت، وَإِن حكمت بِأَنَّهَا صادرة من غير عِلّة مُوجبه لَهَا، فَلَا المزاج الفحلي يُوجب هَذَا الْبَاب، وَلَا المزاج الأنثوي يُوجب ذَلِك كذبت، وَإِن حكمت بِأَن الْإِرَادَة المتشبحة فِي أَنفسهمَا تحكى وجوبا فوقانيا، وتعتمد عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا لَا تَفُور فورانا استقلاليا كَانَ لَيْسَ وَرَاء ذَلِك مرمى، فقد كذبت، بل الْحق الْيَقِين أَمر بَين الْأَمريْنِ وَهُوَ أَن الِاخْتِيَار مَعْلُول لَا يتَخَلَّف عَن علله، وَالْفِعْل المُرَاد توجبه الْعِلَل، وَلَا يُمكن أَلا يكون، وَلَكِن هَذَا الِاخْتِيَار من شَأْنه أَن يبتهج بِالنّظرِ إِلَى نَفسه، وَلَا ينظر إِلَى مَا فَوق ذَلِك. فَإِن أدّيت حق هَذَا الموطن، وَقلت أجد فِي نَفسِي أَن الْفِعْل وَالتّرْك كَانَا مستويين، وَأَنِّي اخْتَرْت الْفِعْل، فَكَانَ الِاخْتِيَار عِلّة لفعله صدقت، وبررت، فَأخْبرت الشَّرَائِع الإلهية عَن هَذِه الْإِرَادَة المتشبحة فِي هَذَا الموطن.
وَبِالْجُمْلَةِ فقد ثبتَتْ إِرَادَة يَتَجَدَّد تعلقهَا، وَثبتت المجازاة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَثَبت أَن مُدبر الْعَالم دبر الْعَالم بِإِيجَاب شَرِيعَة يسلكونها، لينتفعوا بهَا، فَكَأَن الْأَمر شَبِيها بِأَن السَّيِّد استخدم عبيده، وَطلب مِنْهُم
ذَلِك وَرَضي عَمَّن خدم، وَسخط على من لم يخْدم، فَنزلت الشَّرَائِع الإلهية بِهَذِهِ الْعبارَة لما ذكرنَا أَن الشَّرَائِع تنزل فِي الصِّفَات وَغَيرهَا بِعِبَارَة لَيْسَ هُنَالك أفْصح، وَلَا أبين للحق مِنْهَا أَكَانَت حَقِيقَة لغوية أَو مجَازًا متعارفا، ثمَّ مكنت الشَّرَائِع الإلهية هَذِه الْمعرفَة الغامضة من نُفُوسهم بِثَلَاثَة مقامات مسلمة عِنْدهم جَارِيَة مجْرى المشهورات البديهية بَينهم
أَحدهَا: أَنه تَعَالَى منعم، وشكر الْمُنعم وَاجِب، وَالْعِبَادَة شكر لَهُ على نعْمَة.
وَالثَّانِي: أَنه يجازي المعرضين عَنهُ التاركين لعبادته فِي الدُّنْيَا أَشد الْجَزَاء.
وَالثَّالِث: أَنه يجازي فِي الْآخِرَة المطيعين والعاصين، فانبسطت من هُنَالك ثَلَاثَة عُلُوم، علم التَّذْكِير بآلاء الله، وَعلم التَّذْكِير بأيام الله، وَعلم التَّذْكِير بالمعاد، فَنزل الْقُرْآن الْعَظِيم شرحا لهَذِهِ الْعُلُوم.
وَإِنَّمَا عظمت الْعِنَايَة بشرح هَذِه الْعُلُوم لِأَن الْإِنْسَان خلق فِي أصل فطرته ميل إِلَى بارئه جلّ مجده، وَذَلِكَ الْميل أَمر دَقِيق لَا يتشبح إِلَّا بخليقته ومظنته، وخليقته ومظنته على مَا أثْبته الوجدان الصَّحِيح الْإِيمَان بِأَن الْعِبَادَة حق الله تَعَالَى على عباده لِأَنَّهُ منعم لَهُم مجَاز على أَعْمَالهم، فَمن أنكر الْإِرَادَة أَو ثُبُوت حَقه على الْعباد، أَو أنكر المجازاة، فَهُوَ الدهري الفاقد لِسَلَامَةِ فطرته، لِأَنَّهُ أفسد على نَفسه مَظَنَّة الْميل الفطري الْمُودع فِي جبلته ونائبه وخليفته والمأخوذ مَكَانَهُ.
وَإِن شِئْت أَن تعلم حَقِيقَة هَذَا الْميل، فَاعْلَم أَن فِي روح الْإِنْسَان لَطِيفَة نورانية تميل بطبعها إِلَى الله عز وَجل ميل الْحَدِيد إِلَى المغناطيس، وَهَذَا أَمر مدرك بالوجدان، فَكل من أمعن فِي الفحص عَن لطائف نَفسه، وَعرف كل لَطِيفَة بحيالها لَا بُد أَن يدْرك هَذِه اللطيفة النورانية، وَيدْرك ميلها بطبعها إِلَى الله تَعَالَى، وَيُسمى ذَلِك الْميل عِنْد أهل الوجدان بالمحبة الذاتية، مثله كَمثل سَائِر الوجدانيات لَا يقتنص بالبراهين كجوع هَذَا الجائع وعطش هَذَا العطشان، فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان فِي غاشية من أَحْكَام لطائفه السفلية
كَانَ بِمَنْزِلَة من اسْتعْمل مخدرا فِي جسده، فَلم يحس بالحرارة والبرودة فَإِذا هدأت لطائفه السفلية عَن الْمُزَاحمَة إِمَّا بِمَوْت اضطراري يُوجب تناثر كثير من أَجزَاء نسمته ونقصان كثير من خواصها وقواها، أَو بِمَوْت اخْتِيَاري وَتمسك حيل عَجِيبَة من الرياضات النفسانية والبدنية كَانَ كمن زَالَ المخدر عَنهُ، فَأدْرك مَا كَانَ عِنْده وَهُوَ لَا يشْعر بِهِ، فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان وَهُوَ غير مقبل على الله تَعَالَى، فَإِن كَانَ عدم إقباله جهلا بسيطا، وفقدا ساذجا، فَهُوَ شقي بِحَسب الْكَمَال النوعي، وَقد يكْشف عَلَيْهِ بعض مَا هُنَالك، وَلَا يتم الانكشاف لفقد استعداده، فَبَقيَ حائرا مبهوتا، وَإِن كَانَ ذَلِك مَعَ قيام هَيْئَة مضادة فِي قواه العلمية أَو العملية كَانَ فِيهِ تجاذب، فانجذبت النَّفس الناطقة إِلَى صقع الجبروت، والنسمة بِمَا كسبت من الْهَيْئَة المضادة إِلَى السّفل، فَكَانَت فِيهِ وَحْشَة ساطعة من جَوْهَر النَّفس منبسطة على جوهرها وَرُبمَا أوجب ذَلِك تمثل واقعات هِيَ أشباح الوحشة، كَمَا يرى الصفراوي فِي مَنَامه النيرَان والشعل، وَهَذَا أصل تَوْجِيه حِكْمَة معرفَة النَّفس، وَكَانَ أَيْضا فِي تحديق غضب من الْمَلأ الْأَعْلَى يُوجب إلهامات فِي قُلُوب الْمَلَائِكَة وَغَيرهَا من ذَوَات الِاخْتِيَار أَن تعذبه وتؤلمه وَهَذَا أصل تَوْجِيه معرفَة أَسبَاب الخطرات والدواعي الناشئة فِي نفوس بني آدم.
وَبِالْجُمْلَةِ فالميل إِلَى صقيع الجبروت وَوُجُوب الْعَمَل بِمَا يفك وثَاقه من مزاحمة اللطائف السفلية الْمُؤَاخَذَة على ترك هَذَا الْعَمَل بِمَنْزِلَة أَحْكَام الصُّورَة النوعية وقواها وآثارها الفائضة فِي كل فَرد من أَفْرَاد النَّوْع من بارئ الصُّور ومفيض الْوُجُود وفْق الْمصلحَة الْكُلية لَا باصطلاح الْبشر والتزامهم على أنفسهم وجريان رسومهم بذلك فَقَط، وكل هَذِه الْأَعْمَال فِي الْحَقِيقَة حق هَذِه اللطيفة النورانية المنجذبة إِلَى الله وتوفير مقتضاها واصلاح عوجها، وَلما كَانَ هَذَا الْمَعْنى دَقِيقًا وَهَذِه اللطيفة لَا تدركها إِلَّا شرذمة
قَليلَة وَجب أَن ينْسب الْحق إِلَى مَا إِلَيْهِ مَالَتْ وإياه قصدت وَنَحْوه انتحت كَانَ ذَلِك تعْيين لبَعض قوى النَّفس الَّتِي مَالَتْ من جِهَته، وَكَأن ذَلِك اخْتِصَار قَوْلنَا حق هَذِه اللطيفة من جِهَة ميلها إِلَى الله، فَنزلت الشَّرَائِع الإلهية كاشفة عَن هَذَا السِّرّ بِعِبَارَة سهلة يفهمها الْبشر بعلومهم الفطرية، ويعطيها سنة الله من إِنْزَال الْمعَانِي الدقيقة فِي صور مُنَاسبَة لَهَا بِحَسب النشأة المثالية، كَمَا يتلَقَّى وَاحِد منا فِي مَنَامه معنى مُجَردا فِي صُورَة شَيْء ملازم لَهُ فِي الْعَادة أَو نَظِيره وَشبهه، فَقيل الْعِبَادَة حق الله تَعَالَى على عباده، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يُقَاس حق الْقُرْآن. وَحقّ الرَّسُول، وَحقّ الْمولى، وَحقّ الْوَالِدين، وَحقّ الْأَرْحَام، فَكل ذَلِك حق نَفسه على نَفسه، لتكمل كمالها، وَلَا تقترف على نَفسهَا جورا، وَلَكِن نسب الْحق إِلَى من مَعَه هَذِه الْمُعَامَلَة، وَمِنْه الْمُطَالبَة، فَلَا تكن من الواقعين على الظَّوَاهِر، بل من الْمُحَقِّقين لِلْأَمْرِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ.

بَاب تَعْظِيم شَعَائِر الله تَعَالَى

قَالَ الله تَعَالَى:
{وَمن يعظم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب}
اعْلَم أَن مبْنى الشَّرَائِع على تَعْظِيم شَعَائِر الله تَعَالَى، والتقرب بهَا إِلَيْهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لما أومأنا إِلَيْهِ من أَن الطَّرِيقَة الَّتِي نصبها الله تَعَالَى للنَّاس هِيَ محاكاة مَا فِي صقع التجرد بأَشْيَاء يقرب تنَاولهَا للبهيمية، وأعني بالشعائر أمورا ظَاهِرَة محسوسة جعلت ليعبد الله بهَا، واختصت بِهِ حَتَّى صَار تعظيمها عِنْدهم تَعْظِيمًا لله، والتفريط فِي جنبها تفريطا فِي جنب الله، وركز ذَلِك فِي صميم قُلُوبهم لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم، والشعائر إِنَّمَا تصير شَعَائِر
بنهج طبيعي، وَذَلِكَ أَن تطمئِن نُفُوسهم بعادة وخصلة، وَتصير من المشهورات الذائعة الَّتِي تلْحق بالبديهيات الأولية، وَلَا تقبل التشكيك، فَعِنْدَ ذَلِك تظهر رَحْمَة الله فِي صُورَة أَشْيَاء تستوجبها نُفُوسهم وعلومهم الذائعة فِيمَا بَينهم، فيقبلونها ويكشف الغطاء عَن حَقِيقَتهَا، وتبلغ الدعْوَة الأدانى والأقاصى على السوَاء، فَعِنْدَ ذَلِك يكْتب عَلَيْهِم تعظيمها، وَيكون الْأَمر بِمَنْزِلَة الْحَالِف باسم الله يضمر فِي نَفسه التَّفْرِيط فِي حق الله إِن حنث، فيؤاخذ بِمَا يضمر، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ يشْتَهر فِيمَا بَينهم أُمُور تنقاد لَهَا علومهم، فَيُوجب انقياد علومهم، لَهَا أَلا تظهر رَحْمَة الله بهم إِلَّا فِيمَا انقادوا لَهُ، إِذْ مبْنى التَّدْبِير على الأسهل فالأسهل، وَيُوجب أَيْضا أَن يؤاخذوا أنفسهم بأقصى مَا عِنْدهم من التَّعْظِيم لِأَن كمالهم هُوَ التَّعْظِيم الَّذِي لَا يشوبه إهمال، وَمَا أوجب الله تَعَالَى شَيْئا على عباده لفائدة ترجع إِلَيْهِ تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا، بل لفائدة ترجع إِلَيْهِم، وَكَانُوا بِحَيْثُ لَا يكملون إِلَّا بالتعظيم الْأَقْصَى، فَأخذُوا بِمَا عِنْدهم، وَأمرُوا أَلا يفرطوا فِي جنب الله، وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِالذَّاتِ فِي الْعِنَايَة التشريعية حَال فَرد بل حَال جمَاعَة كَأَنَّهَا كل النَّاس، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة.
ومعظم شعار الله أَرْبَعَة: الْقُرْآن، والكعبة، وَالنَّبِيّ، وَالصَّلَاة. أما الْقُرْآن فَكَانَ النَّاس شاع فِيمَا بَينهم رسائل الْمُلُوك إِلَى رعاياهم، وَكَانَ تعظيمهم للملوك مساوقا لتعظيمهم للرسائل، وشاع صحف الْأَنْبِيَاء ومصنفات غَيرهم، وَكَانَ تمذهبهم لمذاهبهم مساوقا لتعظيم تِلْكَ الْكتب وتلاوتها، وَكَانَ الانقياد للعلوم وتلقيها على مر الدهور بِدُونِ كتاب يُتْلَى، ويروى، كالمحال بَادِي الرَّأْي، فاستوجب النَّاس عِنْد ذَلِك أَن تظهر رَحْمَة الله فِي صُورَة كتاب نَازل من رب الْعَالمين، وَوَجَب تَعْظِيمه، فَمِنْهُ أَن يستمعوا
لَهُ، وينصتوا إِذا قرئَ، وَمِنْه أَن يبادروا لأوامره كسجدة التِّلَاوَة
وكالتسبيح عِنْد الْأَمر بذلك، وَمِنْه أَلا يمسوا الْمُصحف إِلَّا على وضوء
وَأما الْكَعْبَة فَكَانَ النَّاس فِي زمن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام توغلوا فِي بِنَاء المعابد وَالْكَنَائِس باسم روحانية الشَّمْس وَغَيرهَا من الْكَوَاكِب، وَصَارَ عِنْدهم التَّوَجُّه إِلَى الْمُجَرّد غير المحسوس بِدُونِ هيكل يبْنى باسمه يكون الْحُلُول فِيهِ والتلبس بِهِ تقربا مِنْهُ أمرا محالا تَدْفَعهُ عُقُولهمْ بادى الرَّأْي، فاستوجب أهل ذَلِك الزَّمَان أَن تظهر رَحْمَة الله بهم فِي صُورَة بَيت يطوفون بِهِ، ويتقربون بِهِ إِلَى الله، فدعوا إِلَى الْبَيْت وتعظيمه، ثمَّ نَشأ قرن بعده قرن على علم أَن تَعْظِيمه مساوق لتعظيم الله والتفريط فِي حَقه مساوق للتفريط فِي حق الله، فَعِنْدَ ذَلِك وَجب حجه، وَأمرُوا بتعظيمه، فَمِنْهُ أَلا يطوفوا إِلَّا متطهرين، وَمِنْه أَن يستقبلوها فِي صلَاتهم، وكراهية استقبالها واستدبارها عِنْد الْغَائِط
وَأما النَّبِي فَلم يسم مُرْسلا إِلَّا تَشْبِيها برسل الْمُلُوك إِلَى رعاياهم مخبر ين بأمرهم ونهيهم، وَلم يُوجب عَلَيْهِم طاعتهم إِلَّا بعد مساوقة تعظيمهم لتعظيم الْمُرْسل عِنْدهم، فَمن تَعْظِيم النَّبِي وجوب طَاعَته، وَالصَّلَاة عَلَيْهِ، وَترك الْجَهْر عَلَيْهِ بالْقَوْل.
وَأما الصَّلَاة فيقصد فِيهَا التَّشْبِيه بِحَال عبيد الْملك عِنْد مثولهم بَين يَدَيْهِ ومناجاتهم إِيَّاه وخضوعهم لَهُ، وَلذَلِك وَجب تَقْدِيم الثَّنَاء على الدُّعَاء ومؤاخذة الْإِنْسَان نَفسه بالهيآت الَّتِي يجب مراعاتها عِنْد مُنَاجَاة الْمُلُوك من ضم الْأَطْرَاف وَترك الِالْتِفَات وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذا أحدكُم صلى فَإِن الله قبل وَجهه " وَالله أعلم.

بَاب أسرار الْوضُوء وَالْغسْل

اعْلَم أَن الْإِنْسَان قد يختطف من ظلمات الطبيعة إِلَى أنوار حَظِيرَة الْقُدس فيغلب عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَنْوَار وَيصير سَاعَة مَا بَرِيئًا من أَحْكَام الطبيعة بِوَجْه من الْوُجُوه، فينسلك فِي سلكهم، وَيصير فِيمَا يرجع إِلَى تَجْرِيد النَّفس كَأَنَّهُ مِنْهُم، ثمَّ يرد إِلَى حَيْثُ كَانَ، فيشتاق إِلَى مَا يُنَاسب الْحَالة الأولى، ليغتنمه عِنْد فقدها، ويجعله شركا لاقتناص الْفَائِت مِنْهَا، فيجد بِهَذِهِ الصّفة حَالَة من أَحْوَاله وَهِي السرُور والانشراح الْحَاصِل من هجر الرجز وَاسْتِعْمَال المطهرات، فيعض عَلَيْهَا بنواجذه، ويتلوه إِنْسَان سمع الْمخبر الصَّادِق يخبر بِأَن هَذِه الْحَالة
كَمَال الْإِنْسَان، وَأَنه ارتضاها مِنْهُ بارئه وَأَن فِيهَا فَوَائِد لَا تحصى، فَصدقهُ بِشَهَادَة قلبه، فَفعل مَا أَمر بِهِ، فَوجدَ مَا أخبر بِهِ حَقًا، وَفتحت عَلَيْهِ أَبْوَاب الرَّحْمَة وانصبغ بصبغ الْمَلَائِكَة، ويتلوه رجل لَا يعلم شَيْئا من ذَلِك لَكِن قَادَهُ الْأَنْبِيَاء وألجأوه إِلَى هيآت تعدله فِي معاده للإنسلاك فِي سلك الْمَلَائِكَة، وَأُولَئِكَ قوم جروا بالسلاسل إِلَى الْجنَّة.
وَالْحَدَث الَّذِي يحس أَثَره فِي النَّفس بَادِي الرَّأْي، وَالَّذِي يَلِيق أَن يُخَاطب بِهِ جُمْهُور النَّاس لانضباط مظانه، وَالَّذِي يكثر وُقُوع مثله، وَفِي إهمال تَعْلِيمه ضَرَر عَظِيم بِالنَّاسِ - منحصر استقراء فِي جِنْسَيْنِ:
أَحدهمَا اشْتِغَال النَّفس بِمَا يجد الْإِنْسَان فِي معدته من الفضول الثَّلَاثَة الرّيح وَالْبَوْل وَالْغَائِط، فَلَيْسَ من الْبشر أحد إِلَّا وَيعلم من نَفسه أَنه إِذا وجد فِي بَطْنه الرِّيَاح، أَو كَانَ حاقبل حاقنا خبثت نَفسه، فَأخذت إِلَى الأَرْض، وَصَارَت كالحائرة المنقبضة، وَكَانَ بَينهَا وَبَين انشراحها حجاب، فَإِذا اندفعت عَنهُ الرِّيَاح، وتخفف عَنهُ الاخبثان، وَاسْتعْمل مَا يُنَبه نَفسه
للطَّهَارَة كالغسل وَالْوُضُوء، وجد انشراحا وسروراً، وَصَارَ كَأَنَّهُ وجد مَا فقد.
وَالثَّانِي اشْتِغَال النَّفس بِشَهْوَة الْجِمَاع وغوصها فِيهَا، فَإِن ذَلِك يصرف وَجه النَّفس إِلَى الطبيعة الْبَهِيمَة بِالْكُلِّيَّةِ، حَتَّى إِن الْبَهَائِم إِذا ارتضيت، ومرنت على الْآدَاب الْمَطْلُوبَة، والجوارح إِذا ذللت بِالْجُوعِ والسهر، وَعلمت إمْسَاك الصَّيْد على صَاحبهَا، والطيور إِذا كلفت بمحاكاة كَلَام النَّاس، وَبِالْجُمْلَةِ كل حَيَوَان أفرغ الْجهد فِي إِزَالَة مَاله من طَبِيعَته واكتساب مَالا تَقْتَضِيه طَبِيعَته، ثمَّ قضى هَذَا الْحَيَوَان شَهْوَة فرجه وعافس الإناس، وغاص فِي تِلْكَ اللَّذَّة أَيَّامًا لَا بُد أَن تنسى مَا اكْتَسبهُ، وَرجع إِلَى عَمه وَجَهل وضلال، وَمن تَأمل فِي ذَلِك علم لَا محَالة أَن قَضَاء هَذِه الشَّهْوَة يُؤثر فِي تلويث النَّفس مَالا يؤثره شَيْء من كَثْرَة الْأكل والمغامرة وَسَائِر مَا يمِيل النَّفس إِلَى الطبيعة البهيمية، وليجرب الْإِنْسَان ذَلِك من نَفسه، وليرجع إِلَى مَا ذكره الاطباء فِي تَدْبِير الرهبان المنقطعين إِذا أُرِيد إرجاعهم إِلَى البهيمية.
وَالطَّهَارَة الَّتِي يحس أَثَرهَا بَادِي الرَّأْي، وَالَّتِي يَلِيق أَن يُخَاطب بهَا جُمْهُور النَّاس لِكَثْرَة وجوج آلتها فِي الإقاليم المعمورة أعنى المَاء وانضباط أمرهَا، وَالَّتِي هِيَ أوقع الطهارات فِي نفوس الْبشر وكالمسلمات الْمَشْهُورَة بَينهم مَعَ كَونهَا كالمذهب الطبيعي - تَنْحَصِر بالاستقراء فِي جِنْسَيْنِ: صغرى وكبرى. أما الْكُبْرَى فتععيم الْبدن بِالْغسْلِ والدك، إِذْ المَاء طهُور مزيل للنجاسات قد سلمت الطقد سلمت الطبائغ مِنْهُ ذَلِك، فَهِيَ آلَة صَالِحَة لتنبيه النَّفس على خلة الطَّهَارَة، وَرب إِنْسَان شرب الْخمر، وثمل، وَغلب السكر على طبيعة، ثمَّ فرط مِنْهُ شَيْء من قتل بِغَيْر حق، أَو إِضَاعَة مَال فِي غَايَة النفاسة،
فتنبهت نَفسه دفْعَة، وعقلت، وكشفت عَنْهَا الثمالة، وَرب إِنْسَان ضَعِيف لَا يَسْتَطِيع أَن ينْهض، وَلَا أَن يُبَاشر شَيْئا فاتفقت وَاقعَة تنبه النَّفس تَنْبِيها قَوِيا من عرُوض غضب أَو حمية أَو مُنَافَسَة، فعالج معالجة شَدِيدَة، وَسَفك سفكا بليغا.
وَبِالْجُمْلَةِ فللنفس انْتِقَال دفعي، وتنبه من خصْلَة إِلَى خصْلَة هُوَ الْعُمْدَة فِي المعالجات النفسانية، وَإِنَّمَا يحصل هَذَا التنبه بماركز فِي صميم طبائعهم وجذر نُفُوسهم أَنه طَهَارَة بليغة، وَمَا ذَلِك إِلَّا المَاء.
وَالصُّغْرَى الِاقْتِصَار على غسل الْأَطْرَاف، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوَاضِع جرت الْعَادة فِي الأقاليم الصَّالِحَة بانكشافها، وخروجها من اللبَاس لمَذْهَب طبيعى إِلَيْهِ وَقعت الْإِشَارَة حَيْثُ نهى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن اشْتِمَال الصماء، فَلَا يتَحَقَّق حرج فِي غسلهَا، وَلَيْسَ ذَلِك فِي سَائِر الْأَعْضَاء، وَأَيْضًا جرت الْعَادة فِي أهل الْحَضَر بتنظيفها كل يَوْم، وَعند الدُّخُول على الْمُلُوك وأشباههم، وَعند قصد الْأَعْمَال النظيفة، وَفقه ذَلِك أَنَّهَا ظَاهِرَة تسرع إِلَيْهَا الأوساخ، وَهِي الَّتِي ترى، وتبصر عِنْد ملاقاة النَّاس بَعضهم لبَعض، وَأَيْضًا التجربة شاهدة بِأَن غسل الْأَطْرَاف، ورش المَاء على الْوَجْه وَالرَّأْس، يُنَبه النَّفس من نَحْو النّوم والغشى المثقل تَنْبِيها قَوِيا، وليرجع الْإِنْسَان فِي ذَلِك إِلَى مَا عِنْده من التجربة وَالْعلم، وَإِلَى مَا أَمر بِهِ الْأَطِبَّاء فِي تَدْبِير من غشى عَلَيْهِ أَو أفرط بِهِ الإسهال والفصد.
وَالطَّهَارَة بَاب من أَبْوَاب الارتفاق الثَّانِي الَّذِي يتَوَقَّف كَمَال الْإِنْسَان عَلَيْهِ، وَصَارَ من جبلتهم، وفيهَا قرب من الْمَلَائِكَة، وَبعد من الشَّيَاطِين، وتدفع عَذَاب الْقَبْر، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أستنزهوا من الْبَوْل
فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ " وَلها مدْخل عَظِيم فِي قبُول النَّفس لون الْإِحْسَان وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{وَيُحب المتطهرين}
وَإِذا اسْتَقَرَّتْ فِي النَّفس وتمكنت مِنْهَا تقررت فِيهَا شُعْبَة من نور الْمَلَائِكَة، وانقهرت شُعْبَة من ظلمَة البهيمية وَهُوَ معنى كِتَابَة الْحَسَنَات وتكفير الْخَطَايَا، وَإِذا جعلت رسما نَفَعت من غوائل الرسوم، وَإِذا حَافظ صَاحبهَا على مَا فِيهَا من هيآت يُؤَاخذ النَّاس بهَا أنفسهم عِنْد الدُّخُول على الْمُلُوك وعَلى النِّيَّة المستصحبة والاذكار نَفَعت من سوء الْمعرفَة، وَإِذا عقل الْإِنْسَان أَن هَذِه كَمَاله، فآداب جوارحه حَسْبَمَا عقل من غير دَاعِيَة حسية وَأكْثر من ذَلِك - كَانَت تمرينا على انقياد الطبيعة لِلْعَقْلِ وَالله أعلم.

بَاب أسرار الصَّلَاة

اعْلَم أَن الْإِنْسَان قد يختطف إِلَى الحظيرة المقدسة، فيلتصق بجناب الله تَعَالَى أتم لصوق، وَينزل عَلَيْهِ من هُنَالك التجليات المقدسة، فتغلب على النَّفس ويشاهد هُنَالك مَا لَا يقدر اللِّسَان على وَصفه، ثمَّ يرد إِلَى حَيْثُ كَانَ، فَلَا يقر بِهِ الْقَرار، فيعالج نَفسه بِحَالَة هِيَ أقرب الْحَالَات السفلية من استغراق النَّفس فِي معرفَة بارئها، ويتخذها شركا لاقتناص مَا فَاتَهُ مِنْهَا، وَتلك الْحَالة هِيَ التَّعْظِيم والخضوع والمناجاة فِي ضمن أَفعَال وأقوال بنيت لذَلِك، ويتلوه رجل سمع الْمخبر الصَّادِق يَدعُوهُ إِلَى هَذِه الْحَالة، ويرغب فِيهَا، فَصدقهُ بِشَهَادَة قلبه فَفعل، وَوجد مَا وعد بِهِ حَقًا، وارتقى إِلَى مَا يرجوه، ثمَّ يتلوه رجل أَلْجَأَهُ الْأَنْبِيَاء إِلَى الصَّلَوَات، وَهُوَ لَا يعلم بِمَنْزِلَة الْوَالِد يحبس أَوْلَاده على تَعْلِيم الصناعات النافعة، وهم كَارِهُون، وَرُبمَا يسْأَل الْإِنْسَان من
ربه دفع بلَاء أَو ظُهُور نعْمَة، فَيكون الْأَقْرَب حِينَئِذٍ الِاسْتِغْرَاق فِي أَفعَال وأقوال تعظيمية لتؤثر همته الَّتِي هِيَ روح السُّؤَال، وَذَلِكَ مَا سنّ من صَلَاة الاسْتِسْقَاء.
وأصل الصَّلَاة ثَلَاثَة أَشْيَاء.
أَن يخضع الْقلب عِنْد مُلَاحظَة جلال الله وعظمته، ويعبر اللِّسَان عَن تِلْكَ العظمة، وَذَلِكَ الخضوع أفْصح عبارَة.
وَأَن يُؤَدب الْجَوَارِح حسب ذَلِك الخضوع قَالَ الْقَائِل.
(أفادتكم النعماء مني ثَلَاثَة ... يَدي ولساني وَالضَّمِير المحجبا)
وَمن الْأَفْعَال التعظيمية أَن يقوم بَين يَدَيْهِ مناجيا، وَيقبل عَلَيْهِ مواجها، وَأَشد من ذَلِك أَن يستشعر ذله وَعزة ربه، فينكس رَأسه إِذْ من الْأَمر المجبول فِي قاطبة الْبشر والبهائم أَن رفع الْعُنُق آيَة التيه والتكبر، وتنكيسه آيَة الخضوع والاخبات، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين}
وَأَشد من ذَلِك أَن يعفر وَجهه الَّذِي هُوَ أشرف أَعْضَائِهِ وَمجمع حواسه بَين يَدَيْهِ، فَتلك التعظيمات الثَّلَاثَة الفعلية شائعة فِي طوائف الْبشر لَا يزالون يفعلونها فِي صلواتهم وَعند مُلُوكهمْ وأمرائهم، وَأحسن الصَّلَاة مَا كَانَ جَامعا بَين الأوضاع الثَّلَاثَة مترقيا من الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى؛ ليحصل الترقي فِي استشعار الخضوع والتذلل، وَفِي الترقي من الْفَائِدَة مَا لَيْسَ فِي أَفْرَاد التَّعْظِيم الْأَقْصَى، وَلَا فِي الانحطاط من الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى.
وَإِنَّمَا جعلت الصَّلَاة أم الْأَعْمَال المقربة دون الْفِكر فِي عَظمَة الله، وَدون الذّكر الدَّائِم؛ لِأَن الْفِكر الصَّحِيح فِيهَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا من قوم عالية نُفُوسهم، وَقَلِيل مَا هم، وَسوى أُولَئِكَ لَو خَاضُوا فِيهِ تبلدوا، وأبطلوا
رَأس مَالهم فضلا عَن فَائِدَة أُخْرَى، وَالذكر بِدُونِ أَن يشرحه ويعضده عمل تعظيمي يعمله بجوارحه، ويعنوا فِي آدابها. لقلقَة خَالِيَة عَن الْفَائِدَة فِي حق الاكثرين.
أما الصَّلَاة فَهِيَ المعجون الْمركب من الْفِكر المصروف تِلْقَاء عَظمَة الله بِالْقَصْدِ الثَّانِي، والالتفات التبعي المتأتي من كل وَاحِد، وَلَا حجر لصَاحب استعداد الْخَوْض فِي لجة الشُّهُود أَن يَخُوض، بل ذَلِك مُنَبّه لَهُ أتم تَنْبِيه، وَمن الْأَدْعِيَة المبينة إخلاص عمله لله وتوجيه وَجهه تِلْقَاء الله وَقصر الِاسْتِعَانَة فِي الله، وَمن أَفعَال تعظيمية كالسجود وَالرُّكُوع يصير كل وَاحِد عضد الآخر ومكمله والمنبه عَلَيْهِ، فَصَارَت نافعة لعامة النَّاس وخاصتهم، تريافا قوى الْأَثر ليَكُون لكل إِنْسَان مِنْهُ مَا استوجبه أصل استعداده، وَالصَّلَاة مِعْرَاج الْمُؤمن معدة للتجليات الأخروية، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم فَإِذا اسْتَطَعْتُم أَلا تغلبُوا على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا فافعلوا " وَسبب عَظِيم لمحبة الله وَرَحمته وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " أَعنِي على نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود " وحكايته تَعَالَى عَن أهل النَّار
{وَلم نك من الْمُصَلِّين}
وَإِذا تمكنت من العَبْد اضمحل فِي نور الله، وكفرت عَنهُ خطاياه {إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات}
وَلَا شَيْء أَنْفَع من سوء الْمعرفَة مِنْهَا لَا سِيمَا إِذا فعلت أفعالها وأقوالها على حُضُور الْقلب وَالنِّيَّة الصَّالِحَة، وَإِذا جعلت رسما مَشْهُورا انفعت من غوائل الرَّسْم نفعا بَينا، وَصَارَت شعار للْمُسلمِ يتَمَيَّز بِهِ من الْكَافِر، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
:: الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة، فَمن تَركهَا فقد كفر " وَلَا شَيْء فِي تمرين النَّفس على انقياد الطبيعة لِلْعَقْلِ وجريانها فِي حِكْمَة مثل الصَّلَاة وَالله اعْلَم.

بَاب أسرار الزَّكَاة

اعْلَم أَن الْمِسْكِين إِذا عنت لَهُ حَاجَة، وتضرع إِلَى الله فِيهَا بِلِسَان الْمقَال أَو الْحَال - قرع تضرعه بَاب الْجُود الالهي، وَرُبمَا تكون الْمصلحَة أَن يلهم فِي قلب زكي أَن يقوم بسد خلته، فاذا تغشاه الالهام، وانبعث، وَفقه رَضِي الله عَنهُ، وأفاض عَلَيْهِ البركات من فَوْقه وَمن تَحْتَهُ وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، وَصَارَ مرحوما.
وسألني مِسْكين ذَات يَوْم فِي حَاجَة اضْطر فِيهَا، فأوجست فِي قلبِي إلهاما يَأْمُرنِي بالاعطاء، ويبشرني بِأَجْر جزيل فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَأعْطيت، وشاهدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا، وَكَانَ قرعه لباب الْجُود وانبعاث الالهام واختياره لقلبي يَوْمئِذٍ ظُهُور الْأجر كل ذَلِك " بمرأى مني ".
وَرُبمَا كَانَ الانفاق فِي مصرف مَظَنَّة لرحمة إلهية، كَمَا إِذا انْعَقَدت دَاعِيَة فِي الْمَلأ الْأَعْلَى بتنويه مِلَّة، فَصَارَ كل من يتَعَرَّض لتمشيته أمرهَا مرحوما، وَتَكون تمشيته يَوْمئِذٍ فِي الانفاق كغزوة الْعسرَة، وكما إِذا كَانَ أَيَّام قحط، وَتَكون أمة هِيَ أحْوج خلق الله، وَيكون المُرَاد إحياءهم.
وَبِالْجُمْلَةِ فَيَأْخُذ الْمخبر الصَّادِق من هَذِه المظنة كُلية فَيَقُول: " من تصدق على فَقير - كَذَا وَكَذَا أَو فِي حَالَة كَذَا وَكَذَا - تقبل مِنْهُ عمله " فيسمعه سامع، وينقاد لحكمه بشهاده قلبه، فيجد مَا وعد حَقًا.
وَرُبمَا تفطنت النَّفس بِأَن حب الْأَمْوَال وَالشح بهَا يضرّهُ، ويصده عَمَّا هُوَ بسبيله، فَيَتَأَذَّى مِنْهُ أَشد تأذ، وَلَا يتَمَكَّن من دَفعه إِلَّا بتمرين على إِنْفَاق أحب مَا عِنْده، فَصَارَ الانفاق فِي حَقه أَنْفَع شَيْء، وَلَوْلَا الانفاق
لبقي الْحبّ وَالشح كَمَا هُوَ، فيتمثل فِي الْمعَاد شجاعا أَقرع، أَو تمثلت الْأَمْوَال ضارة فِي حَقه وَهُوَ
حَدِيث " بطح لَهَا بقاع قرقر " وَقَوله تَعَالَى:
{وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة}
وَرُبمَا يكون العَبْد قد أحيط بِهِ، وَقضى بهلاكه فِي عَالم الْمِثَال، فَانْدفع إِلَى بذل أَمْوَال خطيرة، وتضرع إِلَى الله هُوَ وناس من المرحومين، فمحا هَلَاكه بِنَفسِهِ باهلاك مَاله، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء، وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر ".
وَرُبمَا يفرط من الْإِنْسَان أَن يعْمل عملا شريرا بِحكم غَلَبَة الطبيعة، ثمَّ يطلع على قبحه، فيندم، ثمَّ تغلب عَلَيْهِ الطبيعة، فَيَعُود لَهُ، فَتكون الْحِكْمَة فِي معالجة هَذِه النَّفس أَن تلْزم بذل مَال خطير غَرَامَة على مَا فعل؛ ليَكُون ذَلِك بَين عَيْنَيْهِ، فيردعه عَمَّا يقْصد.
وَرُبمَا يكون حسن الْخلق والمحافظة على نظام الْعَشِيرَة منحصرا فِي إطْعَام طَعَام وإفشاء سَلام وأنواع من الْمُوَاسَاة، فَيُؤْمَر بهَا، وتعد صَدَقَة، وَالزَّكَاة تزيد فِي الْبركَة، وتطفئ الْغَضَب بجلبها فيضا من الرَّحْمَة، وتدفع عَذَاب الْآخِرَة الْمُتَرَتب على الشُّح، وَتعطف دَعْوَة الْمَلأ الْأَعْلَى المصلحين فِي الأَرْض على هَذَا العَبْد وَالله أعلم.

بَاب أسرار الصَّوْم

اعْلَم أَنه رُبمَا يتفطن الْإِنْسَان من قبل إلهام الْحق إِيَّاه أَن سُورَة الطبيعة
البهيمية تصده عَمَّا هُوَ كَمَاله من انقيادها للملكية، فيبغضها، وَيطْلب كسر سورتها، فَلَا يجد مَا يغيثه فِي ذَلِك، كالجوع والعطش، وَترك الْجِمَاع وَالْأَخْذ على لِسَانه وَقَلبه وجوارحه، ويتمسك بذلك علاجا لمرضه النفساني، ويتلوه من يَأْخُذ ذَلِك عَن الْمخبر الصَّادِق بِشَهَادَة قلبه، ثمَّ الَّذِي يَقُودهُ الْأَنْبِيَاء شَفَقَة عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يعلم، فيجد فَائِدَة ذَلِك فِي الْمعَاد من انكسار السُّورَة
وَرُبمَا يطلع الْإِنْسَان على أَن انقياد الطبيعة لِلْعَقْلِ كَمَال لَهُ، وَتَكون طَبِيعَته باغية تنقاد تَارَة، وَلَا تنقاد أُخْرَى، فَيحْتَاج إِلَى تمرين، فيعمد إِلَى عمل شاق كَالصَّوْمِ، فيكلف طَبِيعَته، ويلتزم وَفَاء الْعَهْد، ثمَّ، وَثمّ حَتَّى يحصل الْأَمر الْمَطْلُوب.
وَرُبمَا يفرط مِنْهُ ذَنْب، فيلتزم صَوْم أَيَّام كَثِيرَة يشق عَلَيْهِ بِإِزَاءِ الذَّنب، ليردعه عَن الْعود فِي مثله.
وَرُبمَا تاقت نَفسه إِلَى النِّسَاء، وَلَا يجد طولا، وَيخَاف الْعَنَت، فيكسر شَهْوَته
بِالصَّوْمِ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَإِن الصَّوْم لَهُ وَجَاء ".
وَالصَّوْم حَسَنَة عَظِيمَة يقوى الملكية، ويضعف البهيمية، وَلَا شَيْء مثله فِي صيقلة وَجه الرّوح وقهر الطبيعة، وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى: " الصَّوْم لي وَأَنا أجزى بِهِ "، وَيكفر الْخَطَايَا بِقدر مَا اضمحل من سُورَة البهيمية، وَيحصل بِهِ تشبه عَظِيم بِالْمَلَائِكَةِ، فيحبونه، فَيكون مُتَعَلق الْحبّ أثر ضعف البهيمية، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك " وَإِذا جعل رسما مَشْهُورا نفع عَن غوائل الرسوم وَإِذا الْتَزمهُ أمة من الْأُمَم سلسلت شياطينها، وَفتحت أَبْوَاب جنانها، وغلقت أَبْوَاب النيرَان عَنْهَا.
وَالْإِنْسَان إِذا سعى فِي قهر النَّفس وَإِزَالَة رذائلها كَانَت لعملة صُورَة تقديسية فِي الْمِثَال، وَمن أزكياء العارفين من يتَوَجَّه إِلَى هَذِه الصُّورَة، فيمد من الْغَيْب فِي علمه، فيصل إِلَى الذَّات من قبل التَّنْزِيه وَالتَّقْدِيس، وَهُوَ معنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصَّوْم لي وَأَنا أجزى بِهِ ".
وَرُبمَا يتفطن الْإِنْسَان بِضَرَر توغله فِي معاشه وامتلاء حواسه مِمَّا يدْخل عَلَيْهِ من خَارج، وينفع التفرغ لِلْعِبَادَةِ فِي مَسْجِد بني للصلوات، فَلَا يُمكنهُ إدامة ذَلِك، وَمَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله، فيختطف من أَحْوَاله فرصا، فيعتكف مَا قدر لَهُ، ويتلوه المتلقي لَهُ من الْمخبر الصَّادِق بِشَهَادَة قلبه، والعامي المغلوب عَلَيْهِ كَمَا مر.
وَرُبمَا يَصُوم وَلَا يَسْتَطِيع تَنْزِيه لِسَانه إِلَّا بالاعتكاف.
وَرُبمَا يطْلب لَيْلَة الْقدر واللصوق بِالْمَلَائِكَةِ فِيهَا، فَلَا يتَمَكَّن مِنْهَا إِلَّا بالاعتكاف ويسأتيك معنى لَيْلَة الْقدر وَالله أعلم.

بَاب أسرار الْحَج

اعْلَم أَن حَقِيقَة الْحَج اجْتِمَاع جمَاعَة عَظِيمَة من الصَّالِحين فِي زمَان يذكر حَال الْمُنعم عَلَيْهِم من الْأَنْبِيَاء وَالصديقين، وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وَمَكَان فِيهِ آيَات بَيِّنَات، قد قَصده جماعات من أَئِمَّة الدّين معظمين لشعائر الله ومتضرعين راغبين وراجين من الله الْخَيْر وتكفير الْخَطَايَا، فَإِن الهمم إِذا اجْتمعت بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة لَا يتَخَلَّف عَنْهَا نزُول الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة، وَهُوَ
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا رؤى الشَّيْطَان يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَر وَلَا أَدْحَر وَلَا أَحْقَر وَلَا أَغيظ مِنْهُ فِي يَوْم عَرَفَة " الحَدِيث.
وأصل الْحَج مَوْجُود فِي كل أمة لَا بُد لَهُم من مَوضِع يتبركون بِهِ لما رَأَوْا من ظُهُور آيَات الله فِيهِ، وَمن قرابين وهيآت مأثورة عَن أسلافهم يلتزمونها بهَا؛ لانها تذكر المقربين وَمَا كَانُوا فِيهِ.
وأحق مَا يحجّ إِلَيْهِ بَيت الله، فِيهِ آيَات بَيِّنَات، بناه إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ الْمَشْهُود لَهُ بِالْخَيرِ على أَلْسِنَة أَكثر الْأُمَم بِأَمْر الله ووحيه بعد أَن كَانَت الأَرْض قفرا وعرا، إِذْ لَيْسَ غَيره محجوج إِلَّا وَفِيه إشراك أَو اختراع مَا لَا أصل لَهُ.
وَمن بَاب الطَّهَارَة النفسانية الْحُلُول بِموضع لم يزل الصالحون يعظمونه، وَيحلونَ فِيهِ، ويعمرونه بِذكر الله، فَإِن ذَلِك يجلب تعلق همم الْمَلَائِكَة السفلية، ويعطف عَلَيْهِ دَعْوَة الْمَلأ الْأَعْلَى الْكُلية لأهل الْخَيْر، فَإِذا حل بِهِ غلب ألوانهم على نَفسه، " وَقد شاهدت ذَلِك رَأْي عين ".
وَمن بَاب ذكر الله تَعَالَى رُؤْيَة شَعَائِر الله وتعظيمها، فَإِنَّهَا إِذا رؤيت ذكر الله كَمَا يذكر الْمَلْزُوم اللازام لَا سِيمَا عِنْد الْتِزَام هيآت تَعْظِيمه وقيود وحدود تنبه النَّفس تَنْبِيها عَظِيما.
وَرُبمَا يشتاق الْإِنْسَان إِلَى ربه أَشد شوق، فَيحْتَاج إِلَى شَيْء يقْضِي بِهِ شوقه فَلَا يجد إِلَّا الْحَج.
وكما أَن الدولة تحْتَاج إِلَى عرضة بعد كل مُدَّة؛ ليتميز الناصح من الغاش والمنقاد من المتمرد، وليرتفع الصيت، وَتَعْلُو الْكَلِمَة، ويتعارف أَهلهَا فِيمَا بَينهم، فَكَذَلِك الْملَّة تحْتَاج إِلَى حج ليتميز الْمُوفق من الْمُنَافِق،
وليظهر دُخُول النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا، وليرى بَعضهم بَعْضًا، فيستفيد كل وَاحِد مَا لَيْسَ عِنْده، إِذْ الرغائب إِنَّمَا تكتسب بالمصاحبة والترائي.
وَإِذا جعل الْحَج رسما مَشْهُورا نفع من غوائل الرسوم، وَلَا شَيْء مثله فِي تذكر الْحَالة الَّتِي كَانَ فِيهَا أَئِمَّة الْملَّة والتحضيض على الْأَخْذ بهَا.
وَلما كَانَ الْحَج سفرا شَائِعا وَعَملا شاقا لَا يتم إِلَّا بِجهْد الْأَنْفس كَانَ مُبَاشَرَته خَالِصَة لله مكفرا للخطايا هادما لما قبله بِمَنْزِلَة الْإِيمَان.

بَاب أسرار انواع من الْبر

مِنْهَا الذّكر فَإِنَّهُ لَا حجاب بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَلَا شَيْء مثله فِي علاج سوء الْمعرفَة، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا أنبئكم بِأَفْضَل أَعمالكُم " الحَدِيث وَفِي كسب المحاضرة، وطرد الْقَسْوَة لَا سِيمَا لمن ضعفت بهيميته جبلة أَو ضعفت كسبا، وَلمن سكت خياله جبلة عَن خلط الْمُجَرّد بِأَحْكَام المحسوس.
وَمِنْهَا الدُّعَاء فَإِنَّهُ يفتح بَابا عَظِيما من المحاضرة، وَيجْعَل الانقياد التَّام والاحتياج إِلَى رب الْعَالمين فِي جَمِيع الْحَالَات بَين عَيْنَيْهِ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة " وَهُوَ شبح توجه النَّفس إِلَى المبدأ بِصفة الطّلب الَّذِي هُوَ السِّرّ فِي جلب الشَّيْء الْمَدْعُو إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا تِلَاوَة الْقُرْآن واستماع المواعظ، فَمن ألْقى السّمع إِلَى ذَلِك، ومكنه من اتصبغ بحالات الْخَوْف والرجاء والحيرة فِي عَظمَة الله والاستغراق فِي منَّة الله وَغَيرهَا، فينفع من خمود الطبيعة نفعا بَينا، ويعد النَّفس لفيضان ألوان مَا فَوْقهَا، وَلذَلِك كَانَ أَنْفَع شَيْء فِي الْمعَاد، وَهُوَ قَول الْملك للمقبور:
" لَا دَريت وَلَا تليت " وَفِي الْقُرْآن تَطْهِير للنَّفس عَن الهيآت السفلية، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لكل شَيْء مصقلة ومصقلة الْقلب تِلَاوَة الْقُرْآن "
وَمِنْهَا صلَة الارحام وَالْجِيرَان وَحسن المعاشرة مَعَ أهل الْقرْيَة وَأهل الْملَّة وَفك العاني بالاعتاق، فَإِن ذَلِك يعد لنزول الرَّحْمَة والطمأنينة، وَبهَا يتم نظام الارتفاق الثَّانِي وَالثَّالِث، وَبهَا يستجلب دَعْوَة الْمَلَائِكَة.
وَمِنْهَا الْجِهَاد وَذَلِكَ أَن يلعن الْحق إنْسَانا فَاسِقًا ضارا بالجمهور، إعدامه أوفق بِالْمَصْلَحَةِ الْكُلية من إبقائه، فَيظْهر الإلهام فِي قلب رجل زكي؛ ليَقْتُلهُ، فينبجس من قلبه غضب لَيْسَ لَهُ سَبَب طبيعي، وَيكون فانيا عَن مُرَاده بَاقِيا بِمُرَاد الْحق، ويضمحل فِي رَحْمَة الله ونوره، وَينْتَفع الْعباد والبلاد بذلك، ويتلوه أَن يقْضِي الله بِزَوَال دولة مدن جائرة كفرُوا بِاللَّه، وأساءوا السِّيرَة، فَيُؤْمَر نَبِي من أَنْبيَاء الله بمجاهدتهم، فينفخ دَاعِيَة الْجِهَاد فِي قُلُوب قومه، ليَكُون أمة أخرجت للنَّاس، وتشمله الرَّحْمَة الإلهية، ويتلوه أَن يطلع قوم بِالرَّأْيِ الْكُلِّي على حسن أَن يذبوا أنفسا سبعية عَن المظلومين وَإِقَامَة الْحُدُود على العصاة وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فَيكون سَببا لأمن الْعباد وطمأنينتهم، فيشكر الله لَهُ عمله.
وَمِنْهَا تقريبات ترد على الْبشر من غير اخْتِيَاره كالمصائب والأمراض، فتعد من بَاب الْبر لمعان:
مِنْهَا أَن الرَّحْمَة إِذا تَوَجَّهت إِلَى عبد بصلاح عمله، واقتضت الْأَسْبَاب التضيق عَلَيْهِ انصرفت إِلَى تَكْمِيل نَفسه، فكفرت خطاياه، وكتبت لَهُ
الْحَسَنَات، كَمَا إِذا صد نبع المَاء نبع المَاء من فَوْقه وَمن تَحْتَهُ، فينسب الإجراء إِلَى ذَلِك التضيق، والسر فِي الْمُحَافظَة على الْخَيْر النسبي.
وَمِنْهَا أَن الْمُؤمن إِذا اشتدت بِهِ المصائب ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ، فانكسر حجاب الطَّبْع والرسم، وانقلع قلبه إِلَّا عَن الله، أما الْكَافِر، فَلَا يزَال يتَذَكَّر الْفَائِت، ويغوص فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا حَتَّى يصير أَخبث مِنْهُ قبل أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب.
وَمِنْهَا أَن حَامِل السيآت المتحجرة إِنَّمَا هُوَ البهيمية الغليظة الكثيفة، فَإِذا مرض وَضعف، وتحلل مِنْهُ أَكثر مِمَّا يدْخل فِيهِ اضمحل كثير من الْحَامِل، وانتقص بِقدر ذَلِك الْمَحْمُول، كَمَا نرى أَن الْمَرِيض يَزُول شبقه وغضبه، وتبدل أخلاقه، وينسى كثيرا مِمَّا كَانَ فِيهِ كَأَنَّهُ لَيْسَ الَّذِي كَانَ.
وَمِنْهَا أَن الْمُؤمن إِذا انفكت بهيميته عَن ملكيته نوع انفكاك أَخذ على سيآته فِي الدُّنْيَا غَالِبا، وَذَلِكَ حَدِيث " نصيب الْمُؤمن من الْعَذَاب نصب الدُّنْيَا " " وَالله اعْلَم.

بَاب طَبَقَات الاثم

اعْلَم أَنه كَمَا أَن لانقياد البهيمية للملكية أعمالا هِيَ أشباحه ومظانه وَالسّنَن الكاسبة لَهُ، فَكَذَلِك للحالة المضادة لإنقياد كل المضادة أَعمال ومظان وكواسب، وَهِي الآثام، وَهِي على مَرَاتِب،
الْمرتبَة الأولى: أَن ينسد سَبيله إِلَى الْكَمَال الْمَطْلُوب رَأْسا، ومعظم ذَلِك فِي نَوْعَيْنِ:
أَحدهمَا: مَا يرجع إِلَى المبدأ بألا يعرف أَن لَهُ رَبًّا، أَو يعرف متصفا بِصِفَات المخلوقين، أَو يعْتَقد فِي مَخْلُوق شَيْء من صِفَات الله: فَالثَّانِي التَّشْبِيه، وَالثَّالِث الْإِشْرَاك، فَإِن النَّفس لَا تقدس أبدا حَتَّى تجْعَل مطمح بصيرتها
التجرد الفوقاني، وَالتَّدْبِير الْعَام الْمُحِيط بالعالم، فَإِذا فقدت هَذِه بقيت مَشْغُولَة بِنَفسِهَا، أَو بِمَا هُوَ مثل نَفسهَا فِي التقيد كل الشّغل لَا يقْدَح حجاب النكرَة، وَلَا مَوضِع أبرة، فَهَذَا هُوَ الْبلَاء كل الْبلَاء.
وَالثَّانِي أَن يعْتَقد أَن لَيْسَ للنَّفس نشأة غير النشأة الجسدية، وَأَنه لَيْسَ لَهَا كَمَال آخر يجب عَلَيْهَا طلبه، فَإِن النَّفس إِذا أضمرت ذَلِك لم يطمح بصرها إِلَى الْكَمَال أصلا.
وَلما كَانَ القَوْل بِإِثْبَات كَمَال غير كَمَال الْجَسَد لَا يَتَأَتَّى من الْجُمْهُور إِلَّا بتصور حَالَة تبَاين الْحَالة الْحَاضِرَة من كل وَجه، وَلَوْلَا ذَلِك لتعارض الْكَمَال الْمَعْقُول والمحسوس، فَمَال إِلَى المحسوس، وأهمل الْمَعْقُول نصب لَهُ مَظَنَّة هُوَ الْإِيمَان بلقاء الله وَالْيَوْم الآخر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{فَالَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة قُلُوبهم مُنكرَة وهم مستكبرون}
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا كَانَ الْإِنْسَان فِي هَذِه الْمرتبَة من الْإِثْم، فَمَاتَ، واضمحلت بهيميته، وشحت عَلَيْهِ المنافرة من فَوْقه كل المنافرة بِحَيْثُ لَا يجد سَبِيلا إِلَى الْخَلَاص أبدا.
والمرتبة الثَّانِيَة أَن يتكبر بكبره البهيمي على مَا نَصبه الله تَعَالَى لوصول النَّاس إِلَى كمالهم، وقصدت الْمَلأ الْأَعْلَى بأقصى هممها إِشَاعَة أمره وتنويه شَأْنه من الرُّسُل والشرائع، فينكرها، ويعاديها، فَإِذا مَاتَ انعطف جَمِيع هممهم منافرة لَهُ، ومؤذية إِيَّاه، وأحاطت بِهِ خطيئته من حَيْثُ لم يجد لِلْخُرُوجِ مِنْهُ سَبِيلا، على أَنه لَا يَنْفَكّ هَذِه الْحَالة من عدم الْوُصُول إِلَى كَمَاله، أَو الْوَصْل الَّذِي لَا يعْتد بِهِ، وَهَذِه الْمرتبَة تخرج الْإِنْسَان من مِلَّة نبيه فِي جَمِيع الشَّرَائِع.
والمرتبة الثَّالِثَة ترك مَا ينجيه، وَفعل مَا انْعَقَد فِي الذّكر اللَّعْن على فَاعله، من جِهَة كَونه مَظَنَّة غَالِبا لفساد كَبِير فِي الأَرْض، وهيئة مضادة لتهذيب النَّفس.
فَمِنْهَا أَلا يفعل من الشَّرَائِع الكاسبة للانقياد، أَو المهيئة لَهُ مَا يعْتد بِهِ، وَيخْتَلف باخْتلَاف النُّفُوس إِلَّا أَن المنغمسة فِي الهيئات البهيمية الضعيفة أحْوج النَّاس إِلَى إكثارها، والأمم الَّتِي بهيميتها أَشد وَأَغْلظ أحْوج النَّاس إِلَى إكثار الشاق مِنْهَا.
وَمِنْهَا أَعمال سبعية تستجلب لعنا عَظِيما كَالْقَتْلِ.
وَمِنْهَا أَعمال شهوية، وَمِنْهَا مكاسب ضارة كالقمار والربا.
وَفِي كل شَيْء من هَذِه الْمَذْكُورَات ثلمة عَظِيمَة فِي النَّفس من جِهَة الاقدام على خلاف السّنة اللَّازِمَة كَمَا ذكرنَا، وَلعن من الْمَلأ الْأَعْلَى يُحِيط بِهِ، فبمجموع الْأَمريْنِ يحصل الْعَذَاب، وَهَذِه الْمرتبَة أعظم الْكَبَائِر قد انْعَقَد فِي حَظِيرَة الْقُدس تَحْرِيمهَا، وَلعن صَاحبهَا، وَلم يزل الْأَنْبِيَاء يترجمون مَا انْعَقَد هُنَالك، وأكثرها مجمع عَلَيْهِ فِي الشَّرَائِع.
الْمرتبَة الرَّابِعَة مَعْصِيّة الشَّرَائِع والمناهج الْمُخْتَلفَة باخْتلَاف الْأُمَم والأعصار وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِذا بعث نَبيا إِلَى قوم؛ ليخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وليقيم عوجهم؛ وليسوسهم أحسن السياسة - كَانَ بَعثه متضمنا لإِيجَاب مَا لَا يُمكن إِقَامَة عوجهم وسياستهم إِلَّا بِهِ، فَلِكُل مقصد مَظَنَّة أكثرية أَو دائمة يجب أَن يؤاخذوا عَلَيْهَا، ويخاطبوا بهَا، وللتوقيت قوانين توجبه، وَرب أَمر يكون دَاعيا إِلَى مفْسدَة أَو مصلحَة فيؤمرون حَسْبَمَا يدعونَ إِلَيْهِ، وَمن ذَلِك مَا هُوَ مَأْمُور أَو مَنْهِيّ عَنهُ حتما، وَمِنْه مَا هُوَ مَأْمُور أَو مَنْهِيّ عَنهُ من غير عزم " واقل ذَلِك مَا نزل بِهِ الْوَحْي الظَّاهِر، وَأَكْثَره مَالا يُثبتهُ إِلَّا اجْتِهَاد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْمرتبَة الْخَامِسَة مَا لم ينص عَلَيْهِ الشَّارِع وَلم ينْعَقد فِي الْمَلأ الْأَعْلَى حكمه لَكِن توجه عبد إِلَى الله بِمَجَامِع همته فاعتراه شَيْء يَظُنّهُ مَمْنُوعًا عَنهُ، أَو مَأْمُورا بِهِ من قبل قِيَاس، أَو تَخْرِيج، أَو نَحْو ذَلِك، كَمَا يظْهر للعوام تَأْثِير بعض الْأَدْوِيَة من قبل تجربة نَاقِصَة أَو دوران حكم الطَّبِيب الحاذق على عِلّة، وَلَا يعلمُونَ وَجه التَّأْثِير، وَلَا ينص عَلَيْهِ الطَّبِيب، فَلَا يخرج مثل هَذَا الْإِنْسَان من الْعهْدَة حَتَّى يَأْخُذ بِالِاحْتِيَاطِ، وَإِلَّا كَانَ بَينه وَبَين ربه حجاب فِيمَا يظنّ فيؤاخذ بظنه.
وأصل المرضى فِي هَذِه الْمرتبَة أَن يهمل أمرهَا، وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا، غير أَن فِي الْوُجُود أنفًا يستوجبون ذَلِك فيوفر عَلَيْهِم الْجواد مَا استوجبوه وفيهَا قَوْله تَعَالَى: " أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي " وَقَوله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم:
{ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله}
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تشددوا فيشدد الله عَلَيْكُم " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْإِثْم مَا حاك فِي صدرك " وَيلْحق بهَا مَعْصِيّة حكم مُجْتَهد فِيهِ إِذا كَانَ مُقَلدًا مجمعا تَقْلِيد من يرى ذَلِك و، الله أعلم.

بَاب مفاسد الآثام

وَاعْلَم أَن الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة تطلقان باعتبارين: أَحدهمَا بِحَسب حِكْمَة الْبر وَالْإِثْم، وَثَانِيهمَا بِحَسب الشَّرَائِع والمناهج المختصة بعصر دون عصر.
أما الْكَبِيرَة بِحَسب حِكْمَة الْبر وَالْإِثْم، فَهِيَ ذَنْب يُوجب الْعَذَاب فِي الْقَبْر وَفِي
الْمَحْشَر إِيجَابا قَوِيا، وَيفْسد الارتفاقات الصَّالِحَة إفسادا قَوِيا، وَيكون من الْفطْرَة على الطّرف الْمُخَالف جدا.
وَالصَّغِيرَة مَا كَانَ مَظَنَّة لبَعض ذَلِك، أَو مفضيا إِلَيْهِ فِي الْأَكْثَر أَو يُوجب بعض ذَلِك من وَجه، وَلَا يُوجِبهُ من وَجه، كمن ينْفق فِي سَبِيل الله، وَأَهله جِيَاع، فَيدْفَع رذيلة الْبُخْل، وَيفْسد تَدْبِير الْمنزل.
وَأما بِحَسب الشَّرَائِع الْخَاصَّة، فَمَا نصت الشَّرِيعَة على تَحْرِيمه أَو أَو عد الشَّارِع عَلَيْهِ بالنَّار، أَو شرع عَلَيْهِ حدا، أَو سمى مرتكبة كَافِرًا خَارِجا من الْملَّة إبانة لقبحه وتغليظا لأَمره، فَهُوَ كَبِيرَة، وَرُبمَا يكون شَيْء صَغِيرَة
بِحَسب حِكْمَة الْبر وَالْإِثْم، كَبِيرَة بِحَسب الشَّرِيعَة، وَذَلِكَ أَن الْملَّة الْجَاهِلِيَّة رُبمَا ارتكبت شَيْئا حَتَّى فَشَا الرَّسْم بِهِ فيهم لَا يخرج مِنْهُم إِلَّا أَن تتقطع قُلُوبهم، ثمَّ جَاءَ الشَّرْع ناهيا عَنهُ، فَحصل مِنْهُم لجاج ومكابرة، وَحصل من الشَّرْع تَغْلِيظ وتهديد بِحَسب ذَلِك حَتَّى صَار ارتكابها كالمناوأة الشَّدِيدَة للملة، وَلَا يَتَأَتَّى الْإِقْدَام عَليّ مثله إِلَّا من كل مارد متمرد لَا يستحي من الله وَلَا من النَّاس، فَكتب كَبِيرَة عِنْد ذَلِك.
وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن نؤخر الْكَلَام فِي الْكَبَائِر بِحَسب الشَّرِيعَة إِلَى الْقسم الثَّانِي من هَذَا الْكتاب لِأَن ذَلِك مَوْضِعه، وننبه على مفاسد الْكَبَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم هَهُنَا كَمَا فعلنَا فِي أَنْوَاع الْبر نَحوا من ذَلِك.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي الْكَبِيرَة إِذا مَاتَ العَاصِي عَلَيْهَا، وَلم يتب هَل يجوز أَن يعْفُو الله عَنهُ أَولا؟ وَجَاء كل فرقة بأدلة من الْكتاب وَالسّنة، وَحل الِاخْتِلَاف عِنْدِي أَن أَفعَال الله تَعَالَى على وَجْهَيْن: مِنْهَا الْجَارِيَة على الْعَادة المستمرة، وَمِنْهَا الخارقة للْعَادَة، والقضايا الَّتِي يتَكَلَّم بهَا النَّاس موجهة بجهتين: إِحْدَاهمَا فِي الْعَادة: وَالثَّانيَِة مُطلقًا، وَشرط التَّنَاقُض اتِّحَاد الْجِهَة مثل مَا قَرَّرَهُ المنطقيون فِي القضايا الموجهة، وَقد تحذف الْجِهَة فَيجب اتِّبَاع الْقَرَائِن، فقولنا كل من تنَاول السم مَاتَ مَعْنَاهُ بِحَسب الْعَادة المستمرة، وَقَوْلنَا لَيْسَ كل من تنَاول السم مَاتَ مَعْنَاهُ بِحَسب خرق الْعَادة، فَلَا تنَاقض،
وكما أَن لله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا أفعالا خارقة وأفعالا جَارِيَة على الْعَادة، فَكَذَلِك فِي الْمعَاد أَفعَال خارقة وعادية، أما الْعَادة المستمرة فَإِن يُعَاقب العَاصِي إِذا مَاتَ من غير تَوْبَة زَمَانا طَويلا، وَقد تخرق الْعَادة وَكَذَلِكَ حَال حُقُوق الْعباد، وَأما خُلُود صَاحب الْكَبِيرَة فِي الْعَذَاب، فَلَيْسَ بِصَحِيح وَلَيْسَ من حِكْمَة الله أَن يفعل بِصَاحِب الْكَبِيرَة مثل مَا يفعل يَا الْكَافِر سَوَاء وَالله أعلم.

بَاب فِي الْمعاصِي الَّتِي هِيَ فِيمَا بَينه وَبَين نَفسه

اعْلَم أَن الْقُوَّة الملكية من الْإِنْسَان اكتنفت بهَا الْقُوَّة البهيمية من جوانبها، وَإِنَّمَا مثلهَا فِي ذَلِك مثل طَائِر فِي قفص، سعادته أَن يخرج من هَذَا القفص، فَيلْحق بحيزه الْأَصْلِيّ من الرياض الأريضة، وَيَأْكُل الْحُبُوب الغاذية والفواكه اللذيذة من هُنَالك، وَيدخل فِي زمرة أَبنَاء نَوعه، فيبتهج بهم كل الابتهاج، فأشد شقاوة الْإِنْسَان أَن يكون دهريا، وَحَقِيقَة الدهري أَن يكون مناقضا للعلوم الفطرية المخلوقة فِيهِ، وَقد بَينا أَن لَهُ ميلًا فِي أصل فطرته إِلَى المبدأ جلّ جَلَاله، وميلا إِلَى تَعْظِيمه أَشد مَا يجد من التَّعْظِيم، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى:
{وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم} الْآيَة
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة " والتعظيم الْأَقْصَى لَا يتَمَكَّن من نَفسه إِلَّا باعتقاد تصرف فِي بارئه بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَار ومجازاة وتكليف لَهُم وتشريع عَلَيْهِم، فَمن أنكر أَن لَهُ رَبًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ سلسلة الْوُجُود، أَو اعْتقد رَبًّا معطلا لَا يتَصَرَّف فِي الْعَالم أَو يتَصَرَّف فِي بِالْإِيجَابِ من غير إِرَادَة أَو لَا يجازى عباده على مَا يَفْعَلُونَ من خير وَشر، أَو أعتقد
ربه كَمثل سَائِر الْخلق، أَو أشرك عباده فِي صِفَاته، أَو اعْتقد أَنه لَا يكلفهم بشريعة على لِسَان نَبِي - فَذَلِك الدهري الَّذِي لم يجمع فِي نَفسه تَعْظِيم ربه، وَلَيْسَ لعلمه نُفُوذ إِلَى حيّز الْقُدس أصلا، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الطَّائِر الْمَحْبُوس فِي قفص من حَدِيد لَيْسَ فِيهِ منفذ وَلَا مَوضِع إبرة، فَإِذا مَاتَ شف الْحجاب وبرزت الملكية بروزا مَا، وتحرك الْميل المفطور فِيهِ، وعاقته الْعَوَائِق فِي علمه بربه وَفِي الْوُصُول إِلَى حيّز الْقُدس، فهاجت فِي نَفسه وَحْشَة عَظِيمَة، وَنظر إِلَيْهَا بارئها وَالْمَلَأ الْأَعْلَى، وَهِي فِي تِلْكَ الْحَالة الخبيثة، فأحدقت فِيهَا بِنَظَر السخط والازدراء، وترشحت فِي نفوس الْمَلَائِكَة إلهامات السخط وَالْعَذَاب، فعذب فِي الْمِثَال وَفِي الْخَارِج، أَو كَافِرًا تكبر على الشَّأْن الَّذِي تطور بِهِ الله تَعَالَى كَمَا قَالَ:
{كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن}
وأعني بالشأن أَن للْعَالم أدوارا وأطواراً حسب الْحِكْمَة الإلهية، فَإِذا جَاءَ دوره أُوحِي الله تَعَالَى فِي كل سَمَاء أمرهَا، ودبر الْمَلأ الْأَعْلَى بِمَا يُنَاسِبهَا، وَكتب لَهُم شَرِيعَة ومصلحة.
ثمَّ ألهم الْمَلأ الْأَعْلَى أَن يجمعوا تمشية هَذَا الطّور فِي الْعَالم، فَيكون إِجْمَاعهم سَببا لإلهامات فِي قُلُوب الْبشر، فَهَذَا الشَّأْن تلو الْمرتبَة الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يشوبها حُدُوث، وَهَذِه أَيْضا شارحة لبَعض كَمَال الْوَاجِب جلّ مجده كالمرتبة الأولى فَكل من باين هَذَا الشَّأْن، وأبغضه وَصد عَنهُ أتبع من الْمَلأ الْأَعْلَى بلعنة شَدِيدَة تحيط بِنَفسِهِ، فتحبط أَعماله، ويقسوا قلبه، وَلَا يَسْتَطِيع أَن يكْسب من أَعمال الْبر مَا يَنْفَعهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى
{إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}
وَقَوله:
{ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم}
فَهَذَا كطير فِي قفص لَهُ منافذ إِلَّا أَنه قد غشى من فَوْقه بغاشية عَظِيمَة وَأدنى من ذَلِك أَن يعْتَقد التَّوْحِيد والتعظم على وجههما، وَلَكِن ترك الِامْتِثَال لما أَمر بِهِ فِي حِكْمَة الْبر والاثم، وَمثله كَمثل رجل عرف الشجَاعَة مَا هِيَ وَمَا فائدتها، وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع الاتصاف بهَا لِأَن حُصُول نفس الشجَاعَة غير حُصُول صورتهَا فِي النَّفس، وَهُوَ أحسن حَالا مِمَّن لَا يعرف معنى الشجَاعَة أَيْضا، وَمثله كَمثل طَائِر فِي قفص مشبك يرى الخضرة والفواكه وَقد كَانَ فِيمَا هُنَالك أَيَّامًا، ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَبْس، فيشتاق إِلَى مَا هُنَالك وَيضْرب بجناحه، وَيدخل فِي المنافذ مناقيره، وَلَا يجد طَرِيقا يخرج مِنْهُ، وَهَذِه هِيَ الْكَبَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم.
وَأدنى من ذَلِك أَن يفعل هَذِه الْأَوَامِر؛ وَلَكِن لاعلى شريطتها الَّتِي تجب لَهَا، فَمثله كَمثل طَائِر فِي قفص مكسور فِي الْخُرُوج مِنْهُ حرج، وَلَا يتَصَوَّر الْخُرُوج إِلَّا بخدش فِي جلده ونتف فِي ريشه، فَهُوَ يَسْتَطِيع أَن يخرج من قفصه، وَلَكِن بجد وكد، وَلَا يبتهج فِي أَبنَاء نَوعه كل الابتهاج، وَلَا يتَنَاوَل من فواكه الرياض كَمَا يَنْبَغِي لما أَصَابَهُ من الخدش والنتف، وَهَؤُلَاء هم الَّذين خلطوا عملا صَالحا وَأخر سَيِّئًا، وعوائقهم هَذِه هِيَ الصَّغَائِر بِحَسب حِكْمَة الْبر والاثم وَقد أَشَارَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي حَدِيث الصِّرَاط إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة حَيْثُ قَالَ: " سَاقِط فِي النَّار، ومخردل نَاجٍ، ومخدوش نَاجٍ " وَالله أعلم.

بَاب الآثام الَّتِي هِيَ فِيمَا بَينه وَبَين النَّاس

اعْلَم أَن أَنْوَاع الْحَيَوَان على مَرَاتِب شَتَّى:
مِنْهَا مَا يتكون تكون الديدان من الأَرْض، وَمن حَقّهَا أَن تلهم من بارئ الصُّور كَيفَ تتغذى، وَلَا تلهم كَيفَ تدبر الْمنَازل.
وَمِنْهَا مَا يتناسل ويتعاون الذّكر وَالْأُنْثَى مِنْهَا فِي حضَانَة الْأَوْلَاد، وَمن حَقّهَا فِي حِكْمَة الله تَعَالَى أَن تلهم تَدْبِير الْمنَازل أَيْضا، فألهم الطير كَيفَ يتغذى، ويطير، وألهم أَيْضا كَيفَ يسافد، وَكَيف يتَّخذ عشا، وَكَيف تزق الْفِرَاخ، وَالْإِنْسَان من بَينهَا مدنِي الطَّبْع لَا يتعيش إِلَّا بالتعاون من بني نَوعه، فَإِنَّهُ لَا يتغذى الْحَشِيش النَّابِت بِنَفسِهِ وَلَا بالفواكه نيئة، وَلَا يتدفأ بالوبر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا شرحناه من قبل، وَمن حَقه أَن يلهم تَدْبِير الْمَعْدن مَعَ تَدْبِير الْمنَازل وآداب المعاش، غير أَن سَائِر الْأَنْوَاع تلهم عِنْد الِاحْتِيَاج إلهاما جبليا إِلَّا فِي حِصَّة قَليلَة من عُلُوم التعيش كمص الثدي عِنْد الارتضاع والسعال عِنْد البحة وَفتح الجفون عِنْد إِرَادَة الرُّؤْيَة وَنَحْو ذَلِك، وَذَلِكَ لِأَن خياله كَانَ صناعًا هماما، ففوض لَهُ عُلُوم تَدْبِير الْمنَازل وتدبير المدن، إِلَى الرَّسْم وتقليد المؤيدين بِالنورِ الملكي فِيمَا يُوحى إِلَيْهِم، وَإِلَى تجربة ورصد تَدْبِير غيبي وروية بالاستقراء وَالْقِيَاس والبرهان، وَمثله فِي تلقي الْأَمر الشَّائِع الْوَاجِب فيضانه من بارئ الصُّور مَعَ الِاخْتِلَاف النَّاشِئ من قبل استعدادتهم كَمثل الْوَاقِعَات الَّتِي يتلقاها فِي الْمَنَام يفاض
عَلَيْهِم الْعُلُوم الفوقانية من حيزها، فتتشبح عِنْدهم بأشباح مُنَاسبَة، فتختلف الصُّور لِمَعْنى فِي المفاض عَلَيْهِ لَا فِي المفيض.
فَمن الْعُلُوم الفائضة على أَفْرَاد الْإِنْسَان جَمِيعًا عربهم وعجمهم وحضرهم وبدوهم - وَإِن اختلق طَرِيق التلقي مِنْهُم - حُرْمَة خِصَال تدمر نظام مدنهم، وَهِي ثَلَاثَة أَصْنَاف: مِنْهَا أَعمال شهوية، وَمِنْهَا أَعمال سبعية، وَمِنْهَا أَعمال ناشئة من سوء الْأَخْذ فِي الْمُعَامَلَات.
وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْإِنْسَان متوارد أَبنَاء نَوعه فِي الشَّهْوَة والغيرة والحرص، والفحول مِنْهُم يشبهون الفحول من الْبَهَائِم فِي الطموح إِلَى الْإِنَاث وَفِي عدم تَجْوِيز الْمُزَاحمَة على الْمَوْطُوءَة، غير أَن الفحول من الْبَهَائِم تتحارب حَتَّى يغلب أَشدّهَا بطشا
وأحدها نفسا، وينهزم مَا دون ذَلِك، أَو لَا تشعر بالمزاحمة لعدم رُؤْيَة المسافدة.
وَالْإِنْسَان ألمعي يظنّ الظَّن كَأَنَّهُ يرى وَيسمع، وألهم أَن التجارب لأجل ذَلِك مدمر لمدنهم لأَنهم لَا يتمدنون إِلَّا بتعاون من الرِّجَال، والفحول أَدخل فِي التمدن من الْإِنَاث، فألهم إنْشَاء اخْتِصَاص كل وَاحِد بِزَوْجَتِهِ، وَترك الْمُزَاحمَة فيمَ اخْتصَّ بِهِ أَخُوهُ، وَهَذَا أصل حُرْمَة الزِّنَا، ثمَّ صُورَة الِاخْتِصَاص بالزوجات أَمر موكول إِلَى الرَّسْم والشرائع، والفحول مِنْهُم أَيْضا يشبهون الفحول من الْبَهَائِم من حَيْثُ إِن سَلامَة فطرتهم لَا تَقْتَضِي إِلَّا الرَّغْبَة فِي الْإِنَاث دون الرِّجَال، كَمَا أَن الْبَهَائِم لَا تلْتَفت هَذِه اللفتة إِلَّا قبل الْإِنَاث غير أَن رجَالًا غلبتهم الشَّهْوَة الْفَاسِدَة بِمَنْزِلَة من يتلذذ بِأَكْل الطين والحممة فانسلخوا من سَلامَة الْفطْرَة: يقْضِي هَذَا شَهْوَته بِالرِّجَالِ، وَذَلِكَ صَار مأبونا يستلذ مَا لَا يستلذه الطَّبْع السَّلِيم، فأعقب ذَلِك تغيرا لأمزجتهم
ومرضا فِي نُفُوسهم، كَانَ مَعَ ذَلِك سَببا لإهمال النَّسْل من حَيْثُ إِنَّهُم قضوا حَاجتهم الَّتِي قيض الله تَعَالَى عَلَيْهِم مِنْهُم ليذرأ بهَا نسلهم بِغَيْر طريقها، فغيروا النظام الَّذِي خلقهمْ الله تَعَالَى عَلَيْهِ، فَصَارَ قبح هَذِه الفعلة مندمجا فِي نُفُوسهم، فَلذَلِك يَفْعَلهَا الْفُسَّاق، وَلَا يعترفون بهَا، وَلَو نسبوا إِلَيْهَا لماتوا حَيَاء إِلَّا أَن يكون انسلاخا قَوِيا، فيجهرون، وَلَا يستحيون فَلَا، يتراخى أَن يعاقبوا، كَمَا كَانَ فِي زمن سيدنَا لوط عَلَيْهِ السَّلَام، وَهَذَا أصل حُرْمَة اللواطة.
ومعاش بني آدم وتدبير مَنَازِلهمْ وسياسة مدنهم لَا يتم إِلَّا بعقل وتمييز، وإدمان الْخمر ترجع إِلَى نظامهم بخرم قوى، وَيُورث محاربات وضغائن غير أَن أنفسا غلبت شهوتهم الرَّديئَة على عُقُولهمْ أَقبلُوا على هَذِه الرذيلة، وأفسدوا عَلَيْهِم ارتفاقاتهم، فَلَو لم يجر الرَّسْم بِمَنْع عَن فعلتهم تِلْكَ لهلك النَّاس وَهَذَا أصل حُرْمَة إدمان الْخمر، وَأما حُرْمَة قليلها وكثيرها، فَلَا يبين إِلَّا فِي مَبْحَث الشَّرَائِع.
والفحول مِنْهُم يشبهون الفحول من الْبَهَائِم فِي الْغَضَب على من يصد عَن مَطْلُوب، وَيجْرِي عَلَيْهِ مؤلما فِي نَفسه أَو فِي بدنه، لَكِن الفحول من الْبَهَائِم لَا تتَوَجَّه إِلَّا إِلَى مَطْلُوب محسوس أَو متوهم، وَالْإِنْسَان يطْلب المتوهم والمعقول، وحرصه أَشد من حرص الْبَهَائِم، وَكَانَت الْبَهَائِم تتقاتل حَتَّى ينهزم وَاحِد، ثمَّ ينسى الحقد إِلَّا مَا كَانَ من مثل الفحول من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْخَيْل، وَالْإِنْسَان يحقد وَلَا ينسى، فَلَو فتح فيهم بَاب التقاتل لفسدت مدينتهم، واختلت مَعَايشهمْ، فألهموا حُرْمَة الْقَتْل وَالضَّرْب إِلَّا لمصْلحَة عَظِيمَة من قصاص وَنَحْوه، وهاج من الحقد فِي صُدُور بَعضهم مثل مَا هاج فِي صُدُور الْأَوَّلين، وخافوا الْقصاص فانحدروا إِلَى أَن يدسوا السم، فِي الطَّعَام
أَو يقتلُوا بِالسحرِ، وَهَذَا حَالَة بِمَنْزِلَة حَال الْقَتْل بل أَشد مِنْهُ، فَإِن الْقَتْل ظَاهِرَة يُمكن التَّخَلُّص مِنْهُ، وَهَذِه لَا يُمكن التَّخَلُّص مِنْهَا، وانحدروا أَيْضا إِلَى الْقَذْف وَالْمَشْي بِهِ إِلَى ذِي سُلْطَان ليقْتل.
والمعايش الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِنَّمَا هِيَ الِالْتِقَاط من الأَرْض الْمُبَاحَة والرعي والزراعة والصناعة وَالتِّجَارَة وسياسة الْمَدِينَة وَالْملَّة وكل كسب تجَاوز عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا مدْخل لَهُ فِي تمدنهم.
وَانْحَدَرَ بَعضهم إِلَى أكساب ضارة كالسرقة وَالْغَصْب، وَهَذِه كلهَا مدمرة للمدينة فألهم أَنَّهَا مُحرمَة، وَاجْتمعَ بَنو آدم كلهم على ذَلِك وَإِن بَاشَرَهَا العصاة مِنْهُم فِي غلواء نُفُوسهم، وسعى الْمُلُوك العادلة فِي إِبْطَالهَا ومحقها، واستشعر بَعضهم سعي الْمُلُوك فِي إِبْطَالهَا، فانحدروا إِلَى الدَّعَاوَى والكاذبة وَالْيَمِين الْغمُوس وَشَهَادَة الزُّور وتطفيف الْكَيْل وَالْوَزْن والقمار والربا أضعافا مضاعفة، وَحكمهَا حكم تِلْكَ الأكساب الضارة، وَأخذ الْعشْر النهك بِمَنْزِلَة قطع الطَّرِيق، بل أقبح.
وَبِالْجُمْلَةِ فلهذه الْأَسْبَاب دخلت فِي نفوس بني آدم حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء، وَقَامَ أقواهم عقلا وأسدهم رَأيا وأعلمهم بِالْمَصْلَحَةِ الْكُلية يمْنَع عَن ذَلِك طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار رسما فاشيا، وَدخلت فِي البديهيات الأولية كَسَائِر المشهورات الذائعة، فَعِنْدَ ذَلِك رَجَعَ إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى لون مِنْهُم حَسْبَمَا كَانَ انحدر إِلَيْهِم من الإلهام أَن هَذِه مُحرمَة وَأَنَّهَا ضارة أَشد الضَّرَر، فصاروا كلما فعل وَاحِد من بني آدم شَيْئا من تِلْكَ الْأَفْعَال تأذوا مِنْهُ، مثل مَا يضع أَحَدنَا رجله على الْجَمْرَة، فتنتقل إِلَى القوى الإدراكية فِي تِلْكَ اللمحة، وتتأذى مِنْهُ، ثمَّ صَار لتأذيها خطوط شعاعية تحيط بِهَذَا العَاصِي، وَتدْخل فِي قُلُوب المستعدين من الْمَلَائِكَة وَغَيرهم أَن يؤذوه إِذا أمكن إيذاؤه،
ورخت فِيهِ مصْلحَته الْمَكْتُوبَة عَلَيْهِ الْمُسَمَّاة فِي الشَّرْع بالهام الْمَلَائِكَة مَا رزقه وَمَا أَجله، وَمَا عمره، وشقي أَو سعيد، وَفِي النُّجُوم بِأَحْكَام الطالع حَتَّى إِذا مَاتَ وهدأت عَنهُ هَذِه الْمصلحَة فرغ لَهُ بارئه كَمَا قَالَ: {سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان}
وجازاه الْجَزَاء الأوفى وَالله اعْلَم.

المبحث السَّادِس

(مَبْحَث السياسات الملية)
(بَاب الْحَاجة إِلَى هداة السبل ومقيمى الْملَل)
قَالَ الله تَعَالَى:
{إِنَّمَا أَنْت مُنْذر وَلكُل قوم هاد}
وَاعْلَم أَن السّنَن الكاسبة لانقياد البهيمية للملكية والآثام المباينة لَهَا، وَإِن كَانَ الْعقل السَّلِيم يدل عَلَيْهَا، وَيدْرك فَوَائِد هَذِه ومضار تِلْكَ، لَكِن النَّاس فِي غَفلَة مِنْهَا، لِأَنَّهُ تغلب عَلَيْهِم الْحجب، فَيفْسد وجدانهم، كَمثل الصفراوي، فَلَا يتصورون الْحَالة الْمَقْصُودَة وَلَا نَفعهَا وَلَا الْحَالة المحوفة وَلَا ضررها، فيحتاجون إِلَى عَالم بِالسنةِ الراشدة يسوسهم، وَيَأْمُر بهَا، ويحض عَلَيْهَا، وينكر على مخالفتها.
وَمِنْهُم ذُو رَأْي فَاسد لَا يقْصد بِالذَّاتِ إِلَّا لأضداد الطَّرِيقَة الْمَطْلُوبَة فيضل ويضل، فَلَا يَسْتَقِيم أَمر الْقَوْم إِلَّا بكبته وإخماله.
وَمِنْهُم ذُو رَأْي رَاشد فِي الْجُمْلَة لَا يدْرك إِلَّا حِصَّة نَاقِصَة من الاهتداء
فيحفظ شَيْئا، ويغيب عَنهُ أَشْيَاء، أَو يظنّ فِي نَفسه أَنه الْكَامِل الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى مكمل، فَيحْتَاج إِلَى من ينبهه على جَهله.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس يَحْتَاجُونَ لَا محَالة إِلَى عَالم حق الْعلم تؤمن فلتاته.
وَلما كَانَت الْمَدِينَة مَعَ استبداد الْعقل المعاشى الَّذِي يُوجد عِنْد كثير من النَّاس بِإِدْرَاك النظام المصلح لَهَا تضطر إِلَى رجل عَارِف بِالْمَصْلَحَةِ على وَجههَا يقوم بسياستها، فَمَا ظَنك بِأمة عَظِيمَة من الْأُمَم تجمع استعدادات مُخْتَلفَة جدا فِي طَريقَة لَا يقبلهَا بِشَهَادَة الْقُلُوب إِلَّا الازكياء أهل الْفطْرَة الصافية أَو التَّجْرِيد الْبَالِغ، وَلَا يهدى إِلَيْهَا إِلَّا الَّذين هم فِي أَعلَى دَرَجَة من أَصْنَاف النُّفُوس - وَقَلِيل مَا هم.
وَكَذَلِكَ أَيْضا لما كَانَت الحدادة والنجارة وأمثالهما لَا تتأتى من جُمْهُور النَّاس بسنن مأثورة عَن أسلافهم وأساتذة يهدونهم إِلَيْهَا، ويحضونهم عَلَيْهَا، فَمَا ظَنك بِهَذِهِ المطالب الشَّرِيفَة الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا إِلَّا الموفقون، وَلَا يرغب فِيهَا إِلَّا المخلصون.
ثمَّ لَا بُد لهَذَا الْعَالم أَن يثبت على رُءُوس الاشهاد أَنه عَالم بِالسنةِ الراشدة، وَأَنه مَعْصُوم فِيمَا يَقُوله من الْخَطَأ والاضلال، وَمن أَن يدْرك حِصَّة من الاصلاح، وَيتْرك حِصَّة أُخْرَى لَا بُد مِنْهَا، وَذَلِكَ ينْحَصر فِي وَجْهَيْن: إِمَّا أَن يكون رَاوِيا عَن رجل قبله انْقَطع عِنْده الْكَلَام لكَوْنهم مُجْمِعِينَ على اعْتِقَاد كَمَاله وعصمته وَكَون الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عِنْدهم، فَيمكن لَهُ أَن يؤاخذهم بِمَا اعتقدوه، ويحتج عَلَيْهِم، ويفحمهم، أَو يكون هُوَ الَّذِي انْقَطع عِنْده الْكَلَام، وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُد للنَّاس من رجل مَعْصُوم يَقع عَلَيْهِ الْإِجْمَاع يكون فيهم، أَو تكون الرِّوَايَة مَحْفُوظَة عِنْدهم، وَعلمه بِحَالَة الانقياد وتوليد هَذِه السّنَن
مِنْهَا ووجوه مَنَافِعهَا، وَعلمه الآثام ووجوه مضارها لَا يُمكن أَن يحصل بالبرهان، وَلَا بِالْعقلِ الْمُتَصَرف فِي المعاش، وَلَا بالحس، بل هِيَ أُمُور لَا يكْشف عَن حَقِيقَتهَا إِلَّا الوجدان. فَكَمَا أَن الْجُوع والعطش، وتأثير الدَّوَاء المسخن أَو الْمبرد لَا يدْرك إِلَّا بالوجدان، فَكَذَلِك معرفَة ملاءمة الشَّيْء للروح ومباينته لَهَا لَا طَرِيق إِلَيْهَا إِلَّا الذَّوْق السَّلِيم.
وَكَونه مَأْمُونا عَن الْخَطَأ فِي نَفسه إِنَّمَا يكون بِخلق الله علما ضَرُورِيًّا فِيهِ بِأَن جَمِيع مَا أدْرك وَعلم حق مُطَابق للْوَاقِع بِمَنْزِلَة مَا يَقع للمبصر عِنْد الابصار، فَإِنَّهُ إِذا أبْصر شَيْئا لَا يحْتَمل عِنْده أَن تكون عينه مؤفة، وَأَن يكون الابصار على خلاف الْوَاقِع، وبمنزلة الْعلم بالموضوعات اللُّغَوِيَّة، فَإِن الْعَرَبِيّ مثلا لَا يشك أَن المَاء مَوْضُوع لهَذَا العنصر، وَلَفظ الأَرْض لذَلِك مَعَ أَنه لم يقم لَهُ على ذَلِك برهَان، وَلَيْسَ بَينهمَا مُلَازمَة عقلية، وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّهُ يخلق فِيهِ علم ضَرُورِيّ.
وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك فِي الْأَكْثَر بِأَن يكون لنَفسِهِ ملكة جبلية يكون بهَا تلقي الْعلم الوجداني على سنَن الصَّوَاب دَائِما، وَإِن يتتابع الوجدان، ويتكرر تجربة صدق وجدانه. .، وَعند النَّاس إِنَّمَا يكون بِأَن يصحح عِنْدهم بأدلة كَثِيرَة برهانية أَو خطابية أَن مَا يَدْعُو إِلَيْهِ حق، وَأَن سيرته صَالِحَة يبعد مِنْهَا الْكَذِب، وَأَن يرَوا مِنْهُ آثَار الْقرب، كالمعجزات واستجابة الدَّعْوَات، حَتَّى لَا يشكوا أَن لَهُ فِي التَّدْبِير العالي منزلَة عَظِيمَة، وَأَن نَفسه من النُّفُوس القدسية اللاحقة بِالْمَلَائِكَةِ، وَأَن مثله حقيق بألا يكذب على الله، وَلَا يُبَاشر مَعْصِيّة، ثمَّ بعد ذَلِك تحدث أُمُور تؤلفهم تأليفا عَظِيما، وتصيره عِنْدهم أحب من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وَالْمَاء الزلَال عِنْد العطشان، فَهَذَا كُله لَا يتَحَقَّق انصباغ أمة من الْأُمَم بالحالة الْمَقْصُودَة بِدُونِهِ، وَلذَلِك لم يزل المشغولون بنظائر هَذِه الْعِبَادَات يسندون أَمرهم إِلَى من يَعْتَقِدُونَ فِيهِ هَذِه الْأُمُور أَصَابُوا أم أخطأوا، وَالله اعْلَم.

بَاب حَقِيقَة النُّبُوَّة وخواصها

اعْلَم أَن أَعلَى طَبَقَات النَّاس المفهمون، وهم نَاس أهل اصْطِلَاح ملكيتهم فِي غَايَة الْعُلُوّ، يُمكن لَهُم أَن ينبعثوا إِلَى إِقَامَة نظام مَطْلُوب بداعية حقانية، ويترشح عَلَيْهِم من الْمَلأ الْأَعْلَى عُلُوم وأحوال إلهية، وَمن سيرة الْمُفْهم أَن يكون معتدل المزاج سوي الْخلق والخلق لَيْسَ فِيهِ خبابة مفرطة بِحَسب الآراء الْجُزْئِيَّة، وَلَا ذكاء مفرط لَا يجذبه من الكلى إِلَى الجزئي، وَمن الرّوح إِلَى الشبح سَبِيلا، وَلَا غباوة مفرطة لَا يتَخَلَّص بهَا إِلَى الكلى، وَمن الشبح إِلَى الرّوح، وَيكون ألزم النَّاس من بِالسنةِ الراشدة ذَا سمت حسن فِي عباداته، ذَا عَدَالَة فِي مُعَامَلَته مَعَ النَّاس، محبا للتدبير الْكُلِّي، رَاغِبًا فِي النَّفْع الْعَام، لَا يُؤْذِي أحدا إِلَّا بِالْعرضِ بِأَن يتَوَقَّف النَّفْع الْعَام عَلَيْهِ أَو يلازمه، لَا يزَال مائلا إِلَى عَالم الْغَيْب، يحس أثر ميله فِي كَلَامه وَوجه وشأنه كُله، يرى أَنه مؤيد من الْغَيْب، ينفتح لَهُ بِأَدْنَى رياضة مَا لَا ينفتح لغيره من الْقرب والسكينة.
والمفهون على أَصْنَاف كَثِيرَة واستعدادات مُخْتَلفَة:
فَمن كَانَ أَكثر حَاله أَن يتلَقَّى من الْحق عُلُوم تَهْذِيب النَّفس بالعبادات فَهُوَ الْكَامِل.
وَمن كَانَ أَكثر حَاله تلقي الْأَخْلَاق الفاضلة وعلوم تَدْبِير الْمنزل وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ الْحَكِيم.
وَمن كَانَ أَكثر حَاله تلقي السياسات الْكُلية، ثمَّ وفْق لإِقَامَة الْعدْل فِي النَّاس وذب الْجور عَنْهُم يُسمى خَليفَة، وَمن ألمت بِهِ الْمَلأ الْأَعْلَى، فعلمته وخاطبته، وتراءت لَهُ، وَظَهَرت أَنْوَاع من كراماته يُسمى بالمؤيد بِروح الْقُدس.
وَمن جعل مِنْهُم فِي لِسَانه وَقَلبه نور، فنفع النَّاس بِصُحْبَتِهِ وموعظته، وانتقل مِنْهُ إِلَى حواريين من أَصْحَابه سكينَة وَنور، فبلغوا بواسطته مبالغ الْكَمَال، وَكَانَ حثيثا على هدايتهم يُسمى هاديا مزكيا.
وَمن كَانَ أَكثر علمة وَمَعْرِفَة قَوَاعِد الْملَّة ومصالحها، وَكَانَ حثيثا على إِقَامَة المندرس مِنْهَا يُسمى إِمَامًا.
وَمن نفث فِي قلبه أَن يُخْبِرهُمْ بالداهية الْمقدرَة عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا، أَو تفطن بلعن الْحق قوما، فَأخْبرهُم بذلك، أَو جرد من نَفسه فِي بعض أوقاته، فَعرف مَا سَيكون فِي الْقَبْر والحشر، فَأخْبرهُم بِتِلْكَ الْأَخْبَار يُسمى منذرا.
وَإِذا اقْتَضَت الْحِكْمَة الالهية أَن يبْعَث إِلَى الْخلق وَاحِد من المفهمين، فَيَجْعَلهُ سَببا لخُرُوج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النَّار، وَفرض الله على عباده أَن يسلمُوا وُجُوههم وَقُلُوبهمْ لَهُ، وتأكد فِي الْمَلأ الْأَعْلَى الرِّضَا عَمَّن انْقَادَ لَهُ، وانضم إِلَيْهِ، واللعن على من خَالفه، وناوأه فَأخْبر النَّاس بذلك، وألزمهم طَاعَته فَهُوَ النَّبِي، وَأعظم الْأَنْبِيَاء شَأْنًا من لَهُ نوع آخر من الْبعْثَة أَيْضا، وَذَلِكَ أَن يكون مُرَاد الله تَعَالَى فِيهِ أَن يكون سَببا لخُرُوج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، وَأَن يكون قومه خير أمة أخرجت للنَّاس، فَيكون بَعثه يتَنَاوَل بعثا آخر.
وَإِلَى الأول وَقعت الاشارة فِي قَوْله تَعَالَى:
{هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم} الْآيَة
وَإِلَى الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى:
{كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس}
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين " وَنَبِينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استوعب جَمِيع فنون المفهمين، واستوجب أتم البعثين، وَكَانَ من الْأَنْبِيَاء قبله من يدْرك فَنًّا أَو فنين وَنَحْو ذَلِك.
وَاعْلَم أَن اقْتِضَاء الْحِكْمَة الإلهية لبعث الرُّسُل لَا يكون إِلَّا لانحصار الْخَيْر النسبي الْمُعْتَبر فِي التَّدْبِير فِي الْبَعْث، وَلَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك إِلَّا علام الغيوب، إِلَّا أَنا نعلم قطعا أَن هُنَالك أسبابا لَا يتَخَلَّف عَنْهَا الْبَعْث الْبَتَّةَ، وافتراض الطَّاعَة إِنَّمَا يكون بِأَن يعلم الله تَعَالَى صَلَاح أمة من الْأُمَم أَن يطيعوا الله، ويعبدوه، ويكونوا بِحَيْثُ لَا تستوجب نُفُوسهم التلقي من الله، وَيكون صَلَاح أَمرهم محصورا يَوْمئِذٍ فِي اتِّبَاع النَّبِي، فَيَقْضِي الله فِي حَظِيرَة الْقُدس بِوُجُوب اتِّبَاعه، ويتقرر هُنَالك الْأَمر، وَذَلِكَ إِمَّا بِأَن يكون الْوَقْت وَقت ابْتِدَاء ظُهُور دولة، وكبت الدول بهَا، فيبعث الله تَعَالَى من يُقيم دين أَصْحَاب تِلْكَ الدولة كبعث سيدنَا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَو يقدر الله تَعَالَى بَقَاء قوم واصطفاءهم على الْبشر، فيبعث من يقوم عوجهم، وَيُعلمهُم الْكتاب كبعث سيدنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، أَو يكون نظم مَا قضى لقوم من اسْتِمْرَار دولة أَو دين يَقْتَضِي بعث مُجَدد كداود وَسليمَان وَجمع من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل عَلَيْهِم السَّلَام، وَهَؤُلَاء الْأَنْبِيَاء قد قضى الله بنصرتهم على أعدائهم كَمَا قَالَ: {وَلَقَد سبقت كلمتنا لعبادنا الْمُرْسلين إِنَّهُم لَهُم المنصورون وَإِن جندنا لَهُم الغالبون}
ووراء هَؤُلَاءِ قوم يبعثون لاتمام الْحجَّة، وَالله أعلم.
وَإِذا بعث النَّبِي وَجب على الْمَبْعُوث إِلَيْهِم أَن يتبعوه، وَإِن كَانُوا على سنة راشدة، لِأَن مناوأة هَذَا المنوه شَأْنه يُورث لعنا من الْمَلأ الْأَعْلَى، وإجماعا على خذلانه، فينسد سَبِيل تقربهم من الله، وَلَا يُفِيد كدهم شَيْئا،
وَإِذا مَاتُوا أحاطت اللَّعْنَة بنفوسهم، على أَن هَذِه صُورَة مَفْرُوضَة غير وَاقعَة، وَلَك عِبْرَة باليهود: كَانُوا أحْوج خلق الله إِلَى بعث الرَّسُول لغلوهم فِي دينهم وتحريفاتهم فِي كِتَابهمْ.
وَثُبُوت حجَّة الله على عباده ببعثه الرُّسُل إِنَّمَا هُوَ بِأَن أَكثر النَّاس خلقُوا بِحَيْثُ لَا يُمكن لَهُم تلقي مَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم بِلَا وَاسِطَة، بل استعدادهم إِمَّا ضَعِيف يتقوى بأخبار الرُّسُل، أَو هُنَالك مفاسد لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْقصرِ، على رغم أنفهم، وَكَانُوا بِحَيْثُ يؤاخذون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَأوجب لطف الله عِنْد اجْتِمَاع بعض الْأَسْبَاب العلوية والسفلية أَن يُوحى إِلَى أزكى الْقَوْم أَن يهْدِيهم إِلَى الْحق، ويدعوهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، فَمثله فِي ذَلِك كَمثل سيد مرض عبيده، فَأمر بعض خواصه أَن يكلفهم شرب دَوَاء أشاؤا، أم أَبُو، فَلَو أَنه أكرههم على ذَلِك كَانَ حَقًا، وَلَكِن تَمام اللطف يَقْتَضِي أَن يعلمهُمْ أَولا أَنهم مرضى، وَأَن الدَّوَاء نَافِع، وَأَن يعْمل أمورا خارقة تطمئِن نُفُوسهم بهَا على أَنه صَادِق فِيمَا قَالَ، وان يشوب الدَّوَاء بحلو، فَحِينَئِذٍ يَفْعَلُونَ مَا يؤمرون بِهِ على بَصِيرَة مِنْهُ وبرغبة فِيهِ، فَلَيْسَتْ المعجزات، وَلَا استجابة الدَّعْوَات، وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أمورا خَارِجَة عَن أصل النُّبُوَّة لَازِمَة لَهَا فِي الْأَكْثَر، وَظُهُور مُعظم المعجزات يكون من أَسبَاب ثَلَاثَة:
أَحدهَا كَونه من المفهمين، فَإِن ذَلِك يُوجب انكشاف بعض الْحَوَادِث عَلَيْهِ، وَيكون سَببا لاستجابة الدَّعْوَات وَظُهُور البركات فِيمَا يبرك عَلَيْهِ.
وَالْبركَة إِمَّا زِيَادَة نفع الشَّيْء بِأَن يخيل إِلَيْهِم مثلا أَن الْجَيْش كثير، فيفشلوا أَو بِصَرْف الطبيعة الْغذَاء إِلَى خلط صَالح، فَيكون كمن تنَاول أَضْعَاف ذَلِك الْغَدَاء، أَو زِيَادَة عين الشَّيْء بِأَن تتقلب الْمَادَّة الهوائية بِتِلْكَ الصُّورَة لحلول قُوَّة مثالية، وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يعسر إحصاؤها.
وَالثَّانِي أَن تكون الْمَلأ الْأَعْلَى مجمعة إِلَى تمشية أمره، فَيُوجب ذَلِك
إلهامات وإحالات وتقريبات لم تكن تعهد من قبل، فينصر الأحباء، ويخذل الْأَعْدَاء، وَيظْهر أَمر الله وَلَو كره الْكَافِرُونَ. وَالثَّالِث أَن تحدث حوادث لأسبابها الخارجية من مجازاة العصاة وحدوث الْأُمُور الْعِظَام فِي الجو، فيجعلها الله تَعَالَى معْجزَة لَهُ بِوَجْه من الْوُجُوه، إِمَّا لتقدم إِخْبَار بهَا، أَو تربت المجازاة على مُخَالفَة أمره، أَو كَونهَا مُوَافقَة بِمَا أخبر من سنة المجازاة، أَو أَمر مِمَّا يشبه ذَلِك.
والعصمة لَهَا أَسبَاب ثَلَاثَة: أَن يخلق الْإِنْسَان نقيا عَن الشَّهَوَات الرذيلة سَمحا لَا سِيمَا فِيمَا يرجع إِلَى مُحَافظَة الْحُدُود الشَّرْعِيَّة، وَأَن يوحي إِلَيْهِ حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح ومالهما، وَأَن يحول الله بَينه وَبَين مَا يُرِيد من الشَّهَوَات الرذيلة.
وَاعْلَم أَن من سيرة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام أَلا يأمروا بالتفكر فِي ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته، فان ذَلِك لَا يستطيعه جُمْهُور النَّاس، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله " وَقَوله فِي آيَة.
{وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى}
قَالَ: " لَا فكرة فِي الرب " وَإِنَّمَا يأمرون فِي التفكر فِي نعم الله تَعَالَى وعظيم قدرته.
وَمن سيرتهم أَلا يكلموا النَّاس إِلَّا على قدر عُقُولهمْ الَّتِي خلقُوا عَلَيْهَا وعلومهم الَّتِي هِيَ حَاصِلَة عِنْدهم بِأَصْل الْخلقَة، وَذَلِكَ لِأَن نوع الْإِنْسَان حَيْثُمَا وجد فَلهُ فِي أصل الْخلقَة حد من الْإِدْرَاك زَائِد على إِدْرَاك سَائِر الْحَيَوَانَات إِلَّا إِذا عَصَتْ الْمَادَّة جدا، وَله عُلُوم لَا يخرج إِلَيْهَا إِلَّا بخرق الْعَادة المستمرة كالنفوس القدسية من الْأَنْبِيَاء والأولياء، أَو برياضات شاقة تهيئ
نَفسه لإدراك مَا لم يكن عِنْده بِحِسَاب، أَو بممارسة قَوَاعِد الْحِكْمَة وَالْكَلَام وأصول الْفِقْه وَنَحْوهَا مُدَّة طَوِيلَة، فالأنبياء لم يخاطبوا النَّاس إِلَّا على منهاج إدراكهم الساذج الْمُودع فيهم بِأَصْل الْخلقَة، وَلم يلتفتوا إِلَى مَا يكون نَادِر الْأَسْبَاب قَلما يتَّفق وجودهَا، فَلذَلِك لم يكلفوا النَّاس أَن يعرفوا رَبهم بالتجليات والمشاهدات، وَلَا بالبراهين والقياسات، وَلَا أَن يعرفوه منزها عَن جَمِيع الْجِهَات، فان ذَلِك كالممتنع بِالْإِضَافَة إِلَى من لم يشْتَغل بالرياضات، وَلم يخالط المعقوليين مُدَّة طَوِيلَة، وَلم يرشدوهم إِلَى طَرِيق الاستنباط والاستدلالات ووجوه الاستحسانات، وَالْفرق بَين الْأَشْبَاه والنظائر بمقدمات دقيقة المأخذ، وَسَائِر مَا يَتَطَاوَل بِهِ أَصْحَاب الرَّأْي على أهل الحَدِيث.
وَمن سيرتهم أَلا يشتغلوا بِمَا لَا يتَعَلَّق بتهذيب النَّفس وسياسة الْأمة كبيان أَسبَاب حوادث الجو من الْمَطَر والكسوف والهالة وعجائب النَّبَات وَالْحَيَوَان ومقادير سير الشَّمْس وَالْقَمَر وَأَسْبَاب الْحَوَادِث اليومية وقصص الْأَنْبِيَاء والملوك والبلدان وَنَحْوهَا اللَّهُمَّ إِلَّا كَلِمَات يسيرَة ألفها أسماعهم، وَقبلهَا عُقُولهمْ يُؤْتى بهَا فِي التَّذْكِير بآلاء الله والتذكير بأيام الله على سَبِيل الاستطراد بِكَلَام إجمالي يسامح فِي مثله بإيراد الاستعارات وبالمجازات، وَلِهَذَا الأَصْل لما سَأَلُوا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن لمية نُقْصَان الْقَمَر وزيادته أعرض الله تَعَالَى عَن ذَلِك إِلَى بَيَان فَوَائِد الشُّهُور فَقَالَ:
{يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج}
وَترى كثيرا من النَّاس فسد ذوقهم بِسَبَب الألفة بِهَذِهِ الْفُنُون أَو غَيرهَا من الْأَسْبَاب، فحملوا كَلَام الرُّسُل على غير محمله، وَالله اعْلَم.

بَاب بَيَان أَن أصل الدّين وَاحِد والشرائع والمناهج مُخْتَلفَة

قَالَ الله تَعَالَى:
{شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ}
قَالَ مُجَاهِد: أوصيناك يَا مُحَمَّد وإياهم دينا وَاحِدًا، وَقَالَ تَعَالَى:
{وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ}
يَعْنِي مِلَّة الْإِسْلَام ملتكم، / فتقطعوا يَعْنِي الْمُشْركين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالَ تَعَالَى:
{لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا}
قَالَ ابْن عَبَّاس: سَبِيلا وَسنة وَقَالَ الله تَعَالَى:
{لكل أمة جعلنَا منسكا هم ناسكوه}
يَعْنِي شَرِيعَة هم عاملون بهَا.
اعْلَم أَن أصل الدّين وَاحِد اتّفق عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الشَّرَائِع والمناهج.
تَفْصِيل ذَلِك أَنه أجمع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام على تَوْحِيد الله تَعَالَى عبَادَة واستعانة،
وتنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه، وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ، وَأَن حق الله على عباده أَن يعظموه تَعْظِيمًا لَا يشوبه تَفْرِيط، وَأَن يسلمُوا وُجُوههم وَقُلُوبهمْ إِلَيْهِ، وَأَن يتقربوا بشعائر الله إِلَى الله، وَأَنه قدر جَمِيع الْحَوَادِث، قبل أَن يخلقها، وَأَن لله مَلَائِكَة لَا يعصونه فِيمَا أَمر، ويفعلون مَا يأمرون، وَأَنه ينزل الْكتاب على من يَشَاء من عباده، ويفرض طَاعَته على النَّاس، وَأَن الْقِيَامَة حق، والبعث بعد الْمَوْت حق، وَالْجنَّة، وَالنَّار حق، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَنْوَاع الْبر من الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والتقرب إِلَى الله بنوافل الطَّاعَات من الدُّعَاء وَالذكر وتلاوة الْكتاب الْمنزل من الله، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على النِّكَاح وَتَحْرِيم السفاح وَإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس وَتَحْرِيم الْمَظَالِم وَإِقَامَة الْحُدُود على أهل الْمعاصِي وَالْجهَاد مَعَ أَعدَاء الله وَالِاجْتِهَاد فِي إِشَاعَة أَمر الله وَدينه، فَهَذَا أصل الدّين، وَلذَلِك لم يبْحَث الْقُرْآن الْعَظِيم عَن لمية هَذِه الْأَشْيَاء إِلَّا مَا شَاءَ الله، فَإِنَّهَا كَانَت مسلمة فِيمَن نزل الْقُرْآن على ألسنتهم، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي صور هَذِه الْأُمُور وأشباحها، فَكَانَ من شَرِيعَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الِاسْتِقْبَال فِي الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَفِي شَرِيعَة نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَة، وَكَانَ من شَرِيعَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الرَّجْم فَقَط، وَجَاءَت فِي شريعتنا بِالرَّجمِ للمحصن وَالْجَلد لغيره، وَكَانَ فِي شَرِيعَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الْقصاص فَقَط، وَجَاءَت شريعتنا بِالْقصاصِ وَالدية جَمِيعًا، وعَلى ذَلِك اخْتلَافهمْ فِي أَوْقَات الطَّاعَات وآدابها وأركانها.
وَبِالْجُمْلَةِ فالأوضاع الْخَاصَّة الَّتِي مهدت، وبنيت بهَا أَنْوَاع الْبر والارتفاقات هِيَ الشرعة والمنهاج
وَاعْلَم أَن الطَّاعَات الَّتِي امْر الله تَعَالَى بهَا فِي جَمِيع الْأَدْيَان إِنَّمَا هِيَ أَعمال تنبعث من الهيئات النفسانية الَّتِي هِيَ فِي الْمعَاد للنفوس أَو عَلَيْهَا، وتمد فِيهَا
وتشرحها، وَهِي أشباحها وتماثيلها، وَلَا جرم أَن ميزانها وملاك أمرهَا تِلْكَ الهيئات، فَمن لم يعرفهَا لم يكن من الْأَعْمَال على بَصِيرَة، فَرُبمَا اكْتفى بِمَا لَا يَكْفِي، وَرُبمَا صلى بِلَا قِرَاءَة وَلَا دُعَاء، يُفِيد فَلَا بُد من سياسة عَارِف حق الْمعرفَة يضْبط الخفى المشتبه بأمارات وَاضِحَة، ويجعلها أمرا محسوسا يميزه الأداني والأقاصي، وَلَا يشْتَبه عَلَيْهِم ليطالبوا بِهِ ويؤاخذوا عَلَيْهِ على حجَّة من الله واستطاعة مِنْهُم
والآثام رُبمَا تشتبه بِمَا لَيْسَ باثم كَقَوْل الْمُشْركين:
{إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا} إِمَّا لقُصُور الْعلم، أَو لغَرَض دُنْيَوِيّ يفْسد بصيرته، فمست الْحَاجة إِلَى أَمَارَات يتَمَيَّز بهَا الاثم من غَيره، وَلَو لم يؤقت الْأَوْقَات لاستكثر بَعضهم الْقَلِيل من الصَّلَاة وَالصَّوْم، فَلم يغن ذَلِك عَنْهُم شَيْئا، وَلم تمكن المعاقبة على تسللهم واحتيالهم، وَلَو لم يعين لَهُم الْأَركان والشروط لخبطوا خبط عشواء وَلَوْلَا الْحُدُود لم ينزجر أهل الطغيان.
وَبِالْجُمْلَةِ فجمهور النَّاس لَا يتم تكليفهم إِلَّا بأوقات وأركان وشروط وعقوبات وَأَحْكَام كُلية، وَنَحْو ذَلِك، وَإِذا شِئْت أَن تعرف للتشريع ميزانا، فَتَأمل حَال الطَّبِيب الحاذق عِنْدَمَا يجْتَهد فِي سياسة المرضى، ويخبرهم بِمَا لَا يعْرفُونَ، ويكلفهم بِمَا لَا يحيطون بدقائقه علما كَيفَ يعمد إِلَى مظنات محسوسة، فيقيمها مقَام الْأُمُور الْخفية كَمَا يُقيم حمرَة الْبشرَة وَخُرُوج الدَّم من اللثة مقَام غَلَبَة الدَّم، وَكَيف ينظر إِلَى قُوَّة الْمَرَض وَسن الْمَرِيض وبلده وفصله وَإِلَى قُوَّة الدَّوَاء وَجَمِيع مَا هُنَاكَ، فيحدس بِمِقْدَار خَاص من الدَّوَاء يلائم الْحَال، فيكلفه بِهِ، وَرُبمَا اتخذ قَاعِدَة كُلية من قبل إِقَامَة المظنة
مقَام سَبَب الْمَرَض وَإِقَامَة هَذَا الْقدر الَّذِي تفطن بِهِ من الدَّوَاء مقَام إِزَالَة الْمَادَّة المؤذية أَو تَغْيِير هيئتها الْفَاسِدَة، فَيَقُول مثلا: من احْمَرَّتْ بَشرته ودميت لثته وَجب عَلَيْهِ بِحكم الطِّبّ أَن يحتسي على الرِّيق شراب الْعنَّاب أَو مَاء الْعَسَل، وَمن لم يفعل ذَلِك فَإِنَّهُ على شرف الْهَلَاك، وَيَقُول: من تنَاول من معجون كَذَا وَكَذَا وزن مِثْقَال زَالَ عَنهُ مرض كَذَا، وَأمن من مرض كَذَا، فيؤثر عَنهُ تِلْكَ الْكُلية، وَيعْمل بهَا، فَيجْعَل الله فِي ذَلِك نفعا كثيرا، وَتَأمل حَال الْملك الْحَكِيم النَّاظر فِي إصْلَاح الْمَدِينَة وسياسة الجيوش كَيفَ ينظر إِلَى الْأَرَاضِي وريعها، وَإِلَى الزراع ومؤنتهم، وَإِلَى الحراس وكفايتهم، فَيضْرب الْعشْر وَالْخَرَاج حسب ذَلِك، وَكَيف يُقيم هيئات محسوسة وقرائن مقَام الْأَخْلَاق والملكات الَّتِي يجب وجودهَا فِي الأعوان، فيتخذهم على ذَلِك القانون وَكَيف ينظر إِلَى الْحَاجَات الَّتِي لَا بُد من كفايتها، وَإِلَى الأعوان وكثرتهم، فيوزعهم توزيعا يَكْفِي الْمَقْصُود، وَلَا يضيق عَلَيْهِم، وَتَأمل حَال معلم الصّبيان بِالنِّسْبَةِ إِلَى صبيانه، وَالسَّيِّد بِالنِّسْبَةِ إِلَى غلمانه يُرِيد هَذَا تعليمهم، وَذَلِكَ كِفَايَة الْحَاجة الْمَقْصُودَة بِأَيْدِيهِم، وهم لَا يعْرفُونَ حَقِيقَة الْمصلحَة، وَلَا يرغبون فِي إِقَامَتهَا، ويتسللون، ويعتذرون، يَعْتَذِرُونَ، ويحتالون كَيفَ يعرفان مَظَنَّة الثلمة قبل وُقُوعهَا، فيسدان الْخلَل، وَلَا يخاطبانهم إِلَّا بطريقة لَيْلهَا نَهَارهَا، ونهارها لَيْلهَا، لَا يَجدونَ مِنْهَا حِيلَة، وَلَا يتمكنون من التسلل وَهِي تقضي إِلَى الْمَقْصُود من حَيْثُ يعلمُونَ أَو لَا يعلمُونَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من تولى لإِصْلَاح جم غفير مُخْتَلفَة استعدادهم، وَلَيْسوا من الْأَمر على بَصِيرَة وَلَا فِيهِ على رَغْبَة يضْطَر إِلَى تَقْدِير وتوقيت وَتَعْيِين أوضاع وهيئات يَجْعَلهَا الْعُمْدَة فِي الْمُطَالبَة والمؤاخذة.
وَأعلم أَن الله تَعَالَى لما اراد ببعثة الرُّسُل أَن يخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، فَأوحى إِلَيْهِم أمره لذَلِك، وَألقى عَلَيْهِم نوره، وَنَفث فيهم الرَّغْبَة
فِي إصْلَاح الْعَالم، وَكَانَ اهتداء الْقَوْم يَوْمئِذٍ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأُمُور ومقدمات وَجب فِي حِكْمَة الله أَن يلتوى جَمِيع ذَلِك فِي إِرَادَة بعثتهم، وَأَن يكون افتراض طَاعَة الرُّسُل وانقيادهم منفسحا إِلَى افتراض مُقَدمَات الْإِصْلَاح، وكل مَا لَا يتم فِي الْعقل أَو الْعَادة إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ جملَة بجر بَعْضهَا بَعْضًا، وَالله لَا يخفى عَلَيْهِ خافية، وَلَيْسَ فِي دين الله جزاف، فَلَا يعين شَيْء دون نَظَائِره إِلَّا بِحكم وَأَسْبَاب يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، وَنحن نُرِيد ان ننبه على جملَة صَالِحَة من تِلْكَ الحكم والأسباب، وَالله أعلم.

بَاب أَسبَاب نزُول الشَّرَائِع الْخَاصَّة بعصر دون عصر وَقوم دون قوم

وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى:
{كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة قل فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين} .
تَفْسِيرهَا أَن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام مرض مَرضا شَدِيدا، فَنَذر لَئِن عافاه الله ليحرمن على نَفسه أحب الطَّعَام وَالشرَاب إِلَيْهِ، فَلَمَّا عوفي حرم على نَفسه لحْمَان الْإِبِل وَأَلْبَانهَا، وأقتدى بِهِ بنوه فِي تَحْرِيمهَا، وَمضى على ذَلِك الْقُرُون حَتَّى أضمروا فِي نُفُوسهم التَّفْرِيط فِي حق الْأَنْبِيَاء إِن خالفوهم بأكلها، فَنزل التَّوْرَاة بِالتَّحْرِيمِ، وَلما بَين النَّبِي صلى اله عَلَيْهِ وَسلم أَنه على مِلَّة إِبْرَاهِيم قَالَت الْيَهُود كَيفَ يكون على مِلَّته وَهُوَ يَأْكُل لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا، فَرد الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَن كل الطَّعَام كَانَ حلا فِي الأَصْل وَإِنَّمَا حرمت الْإِبِل لعَارض لحق باليهود، فَلَمَّا ظَهرت النُّبُوَّة فِي بني إِسْمَاعِيل وهم بُرَآء من ذَلِك الْعَارِض لم يجب رعايته.
وَقَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاة التَّرَاوِيح " مَا زَالَ بكم الَّذِي رَأَيْت من صنيعكم حَتَّى خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم، وَلَو كتب عَلَيْكُم مَا قُمْتُم بِهِ، فصلوها أَيهَا النَّاس فِي بُيُوتكُمْ " فكبحهم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن جعلهَا شَائِعا ذائعا بَينهم لِئَلَّا تصير من شَعَائِر الدّين، فيعتقدوا تَركهَا تفريطا فِي جنب الله، فتفرض عَلَيْهِم.
وَقَوله [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] : " أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شَيْء، فَحرم لأجل مَسْأَلته ".
وَقَوله [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] : " إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة ودعوت لَهَا فِي مدها وصاعها مثل مَا دَعَا إِبْرَاهِيم لمَكَّة ".
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن سَأَلَهُ عَن الْحَج " أهوَ فِي كل عَام لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ، وَلَو وَجَبت لم تقوموا بهَا، وَلَو لم تقوموا بهَا عذبتم ". وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا اخْتلفت شرائع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام لأسباب ومصالح، وَذَلِكَ أَن شَعَائِر الله إِنَّمَا كَانَت شَعَائِر لمعدات وَأَن الْمَقَادِير يُلَاحظ فِي شرعها حَال الْمُكَلّفين وعاداتهم.
فَلَمَّا كَانَت أمزجة قوم نوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي غَايَة الْقُوَّة والشدة كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحق تَعَالَى - استوجبوا أَن يؤمروا بدوام الصّيام؛ ليقاوم سُورَة بهيميتهم، وَلما كَانَت أمزجة هَذِه الْأمة ضَعِيفَة نهوا عَن ذَلِك، وَكَذَلِكَ لم يَجْعَل الله تَعَالَى الْغَنَائِم حَلَالا للأولين، وأحلها لنا لما رأى ضعفنا، وَأَن مُرَاد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام إصْلَاح مَا عِنْدهم من الارتفاقات، فَلَا يعدل عَنْهَا إِلَى مَا يباين المألوف إِلَّا مَا شَاءَ الله، وَأَن مظان الْمصَالح تخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار والعادات، وَلذَلِك صَحَّ وُقُوع النّسخ، وَإِنَّمَا مثله كَمثل الطَّبِيب يعمد إِلَى حفظ المزاج المعتدل فِي جَمِيع الْأَحْوَال، فتختلف أَحْكَامه باخْتلَاف الْأَشْخَاص وَالزَّمَان، فيأمر الشَّاب بِمَا لَا يَأْمر بِهِ الشائب، وَيَأْمُر فِي الصَّيف
بِالنَّوْمِ فِي الجو لما يرى أَن الجو مَظَنَّة الِاعْتِدَال حِينَئِذٍ، وَيَأْمُر فِي الشتَاء بِالنَّوْمِ دَاخل الْبَيْت لما يرى أَنه مَظَنَّة الْبرد حِينَئِذٍ.
فَمن عرف أصل الدّين وَأَسْبَاب اخْتِلَاف المناهج لم يكن عِنْده تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل وَلذَلِك نسبت الشَّرَائِع إِلَى أقوامها، وَرجعت اللائمة إِلَيْهِم حِين استوجبوا بهَا بِمَا عِنْدهم من الاستعداد، وسألوها جهد سُؤَالهمْ بِلِسَان الْحَال، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ} .
وَلذَلِك ظهر فضل أمة نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين استحقوا تعْيين الْجُمُعَة لكَوْنهم أُمِّيين بُرَآء من الْعُلُوم المكتسبة، واستحقت الْيَهُود السبت لاعتقادهم أَنه يَوْم فرغ الله فِيهِ من الْخلق وَأَنه أحسن شَيْء لأَدَاء الْعِبَادَة مَعَ أَن الْكل بِأَمْر الله ووحيه، وَمثل الشَّرَائِع فِي ذَلِك كَمثل الْعَزِيمَة يؤمرون بهَا أَولا، ثمَّ يكون هُنَالك أعذار وحرج، فتشرع لَهُم الرُّخص لِمَعْنى يرجع إِلَيْهِم فَرُبمَا توجه بذلك بعض اللائمة إِلَيْهِم لكَوْنهم استوحبوا ذَلِك بِمَا عِنْدهم قَالَ الله تَعَالَى:
{إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم} .
وَقَالَ النَّبِي [صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] : " مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن " وَبَين نُقْصَان دينهن بقوله " أَرَأَيْت أَنَّهَا إِذا حَاضَت لم تصل، وَلم تصم ".
وَاعْلَم أَن أَسبَاب نزُول المناهج فِي صُورَة خَاصَّة كَثِيرَة لَكِنَّهَا ترجع إِلَى نَوْعَيْنِ.
أَحدهمَا كالأمر الطبيعي الْمُوجب لتكليفهم بِتِلْكَ الْأَحْكَام، فَكَمَا أَن لأفراد الْإِنْسَان جَمِيعهَا طبيعة وأحوالا ورثتها من النَّوْع توجب تكليفهم بِأَحْكَام، كَمَا أَن الأكمه لَا يكون فِي خزانَة خياله الألوان والصور، وَإِنَّمَا هُنَالك الْأَلْفَاظ والملموسات وَنَحْو ذَلِك، فاذا تلقى من الْغَيْب علما فِي رُؤْيا أَو وَاقعَة أَو نَحْو ذَلِك، فَإِنَّمَا يتشبح علمه فِي صُورَة مَا اختزنه خياله دون غَيره، وكما أَن الْعَرَبِيّ الَّذِي لَا يعرف غير لُغَة الْعَرَب إِذا تمثل لَهُ علم فِي نشأة اللَّفْظ، فَإِنَّمَا يتَمَثَّل لَهُ فِي لُغَة الْعَرَب دون غَيرهَا، وكما أَن الْبِلَاد الَّتِي يُوجد فِيهَا الْفِيل وَغَيره من الْحَيَوَانَات سَيِّئَة المنظر يتَرَاءَى لأَهْلهَا إِلْمَام الْجِنّ وتخويف الشَّيَاطِين فِي صُورَة تِلْكَ الْحَيَوَانَات دون غير تِلْكَ الْبِلَاد، وَالَّتِي يعظم فِيهَا بعض الْأَشْيَاء، وَيُوجد فِيهَا بعض الطَّيِّبَات من الْأَطْعِمَة والألبسة - تتراءى لأَهْلهَا النِّعْمَة وانبساط الْمَلَائِكَة فِي تيك الصُّور دون غير تِلْكَ الْبِلَاد، وكما أَن الْعَرَبِيّ المتوجه إِلَى شَيْء ليفعله أَو طَرِيق ليسلكه إِذا سمع لَفْظَة رَاشد أَو نجيح كَانَ دَلِيلا على حسن مَا يستقبله دون غير الْعَرَبِيّ وَقد جَاءَت السّنة بِبَعْض هَذَا النَّوْع - فَكَذَلِك يعْتَبر فِي الشَّرَائِع عُلُوم مخزونة فِي الْقَوْم واعتقادات كامنة فيهم وعادات تتجارى فيهم كَمَا يتجارى الْكَلْب.
وَلذَلِك نزل تَحْرِيم لُحُوم الابل وَأَلْبَانهَا على بنى إِسْرَائِيل دون بني إِسْمَاعِيل، وَلذَلِك كَانَ الطّيب والخبيث فِي المطاعم مفوضا إِلَى عادات الْعَرَب، وَلذَلِك حرمت بَنَات الْأُخْت علينا دون الْيَهُود، فانهم كَانُوا يعدونها من قوم أَبِيهَا لَا مُخَالطَة بَينهم وَبَينهَا، وَلَا ارتباط، وَلَا اصطحاب، فَهِيَ كالأجنبية بِخِلَاف الْعَرَب، وَلذَلِك كَانَ طبخ الْعجل فِي لبن أمه حَرَامًا عَلَيْهِم دُوننَا، فان علم كَون ذَلِك تغييرا لخلق الله ومصادمة لتدبير الله حَيْثُ صرف
مَا خلقه الله لنشء الْعجل ونموه إِلَى فك بنيته وَحل تركيبه كَانَ راسخا فِي الْيَهُود متجاريا فيهم، وَكَانَ الْعَرَب أبعد خلق الله عَن هَذَا الْعلم حَتَّى لَو ألْقى عَلَيْهِم لما فهموه، وَلما أدركوا المناط الْمُنَاسب للْحكم، وَالْمُعْتَبر فِي نزُول الشَّرَائِع لَيْسَ الْعُلُوم والحالات والعقائد المتمثلة فِي صُدُورهمْ فَقَط، بل أعظمها اعْتِبَارا، وأولاها اعتدادا مَا نشأوا عَلَيْهِ واندفعت عُقُولهمْ إِلَيْهِ من حَيْثُ يعلمُونَ وَمن حَيْثُ لَا يعلمُونَ، كَمَا ترى ذَلِك فِي علاقات تمثل شَيْء بِصُورَة غَيره كتمثل منع النَّاس عَن السّحُور فِي صُورَة الْخَتْم على الأفواه، فان الْخَتْم شبح الْمَنْع عِنْد الْقَوْم استحضروه أم لَا.
وَحقّ الله على عباده فِي الأَصْل أَن يعظموه غَايَة التَّعْظِيم، وَلَا يقدموا على مُخَالفَة أمره بِوَجْه من الْوُجُوه، وَالْوَاجِب فِيمَا بَين النَّاس أَن يقيموا مصلحَة التَّأْلِيف والتعاون، وَلَا يُؤْذى أحد أحدا إِلَّا إِذا أَمر بِهِ الرأى الْكُلِّي وَنَحْو ذَلِك، وَلذَلِك كَانَ الَّذِي وَقع على امْرَأَة يعلم أَنَّهَا أَجْنَبِيَّة - قد أرْخى بَينه وَبَين الله حجاب، وَكتب ذَلِك من اجترائه على الله، وَإِن كَانَت امْرَأَته فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ أقدم على مُخَالفَة أَمر الله وَحكمه، وَالَّذِي وَقع على أَجْنَبِيَّة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا امْرَأَته لَا يألوا فِي ذَلِك مَعْذُورًا فِيمَا بَينه وَبَين الله، وَكَانَ الَّذِي نذر الصَّوْم ماخوذا بنذره دون من لم ينذر، وَكَانَ من تشدد فِي الدّين شدد عَلَيْهِ، وَكَانَت لطمة الْيَتِيم للتاديب حَسَنَة، وللتعذيب سَيِّئَة، وَكَانَ الْمُخطئ والناسى معفوا عَنْهُمَا فِي كثير من الْأَحْكَام، فَهَذَا الأَصْل يتلقاه عُلُوم الْقَوْم وعاداتهم الكامنة مِنْهَا والبارزة، فيتشخص الشَّرَائِع فِي حَقهم حسب ذَلِك.
وَاعْلَم أَن كثيرا من الْعَادَات والعلوم الكامنة يتَّفق فِيهَا الْعَرَب والعجم وَجمع سكان الأقاليم المعتدلة وَأهل الأمزجة الْقَابِلَة للأخلاق الفاضلة. كالحزن لميتهم واستحباب الرِّفْق بِهِ. وكالفخر بِالْأَحْسَابِ والأنساب.
وكالنوم إِذا مضى ربع اللَّيْل أَو ثلثه. أَو نَحْو ذَلِك. والاستيقاظ فِي تباشير الصُّبْح إِلَى غير ذَلِك مِمَّا أَو مَا نَا إِلَيْهِ فِي الارتفاقات. فَتلك الْعَادَات والعلوم أَحَق الْأَشْيَاء بِالِاعْتِبَارِ ثمَّ بعْدهَا عادات وعقائد تخْتَص بالمبعوث إِلَيْهِم. فَتعْتَبر تِلْكَ أَيْضا وَقد جعل الله لكل شَيْء قدرا.
وَاعْلَم أَن النُّبُوَّة كثيرا مَا تكون من تَحت الْملَّة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم} .
وكما قَالَ: {وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم} .
وسر ذَلِك أَنه تنشأ قُرُون كَثِيرَة على التدين بدين. وعَلى تَعْظِيم شعائره. وَتصير أَحْكَامه من المشهورات الذائعة اللاحقة بالبديهيات الأولية الَّتِي لَا تكَاد تنكر. فتجيء نبوة أُخْرَى لإِقَامَة مَا اعوج مِنْهَا: وَصَلَاح مَا فسد مِنْهَا بعد اخْتِلَاط رِوَايَة نبيها، فتفتش عَن الْأَحْكَام الْمَشْهُورَة عِنْدهم، فَمَا كَانَ صَحِيحا مُوَافقا لقواعد السياسة الملية لَا تغيره، بل تَدْعُو إِلَيْهِ، وتحث عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ سقيما قد دخله التحريف، فَإِنَّهَا تغيره، بِقدر الْحَاجة، وَمَا كَانَ حريا أَن يزْدَاد، فَإِنَّهَا تزيده على مَا كَانَ عِنْدهم، وَكَثِيرًا مَا يسْتَدلّ هَذَا النَّبِي فِي مطالبه بِمَا بَقِي عِنْدهم من الشَّرِيعَة الأولى، فَيُقَال عِنْد ذَلِك هَذَا النَّبِي فِي مِلَّة فلَان النَّبِي أَو من شيعته، وَكَثِيرًا مَا تخْتَلف النبوات لاخْتِلَاف الْملَل النَّازِلَة تِلْكَ النُّبُوَّة فِيهَا.
وَالنَّوْع الثَّانِي بِمَنْزِلَة طَارِئ عَارض، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى وَإِن كَانَ
متعاليا عَن الزَّمَان، فَلهُ ارتباط بِوَجْه من الْوُجُوه بِالزَّمَانِ والزمانيات، وَقد أخبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن الله يقْضِي بعد كل مائَة بحادثة عَظِيمَة من الْحَوَادِث، وَأخْبر آدم وَغَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام فِي حَدِيث الشَّفَاعَة بِشَيْء من هَذَا الْبَاب حَيْثُ قَالَ كل وَاحِد مِنْهُم: " إِن رَبِّي تبَارك وَتَعَالَى قد غضب الْيَوْم غَضبا لم يغضبه قبله مثله، وَلنْ يغْضب بعده مثله " فَإِذا تهَيَّأ الْعَالم لإفاضة الشَّرَائِع وَتَعْيِين الْحُدُود، وتجلى الْحق منزلا عَلَيْهِم الدّين، وامتلأ الْمَلأ الْأَعْلَى بهمة قَوِيَّة حسب ذَلِك يكون حِينَئِذٍ أدنى سَبَب من الْأَسْبَاب الطارئة كَافِيا فِي قرع بَاب الْجُود، وَمن دق بَاب الْكَرِيم انْفَتح، وَلَك عِبْرَة بفصل الرّبيع يُؤثر فِي أدنى شَيْء من الْغَرْس وَالْبذْر مَا لَا يُؤثر فِي غَيره أَضْعَاف ذَلِك، وهمة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستشرافه للشَّيْء، ودعوته لَهُ، واشتياقه إِلَيْهِ، وَطَلَبه إِيَّاه سَبَب قوي لنزول الْقَضَاء فِي ذَلِك الْبَاب، وَإِذا كَانَت دَعوته تحيي السّنة الشَّهْبَاء، وتغلب فِئَة عَظِيمَة من النَّاس، وتزيد الطَّعَام وَالشرَاب زِيَادَة محسوسة، فَمَا ظَنك فِي نزُول الحكم الَّذِي هُوَ روح لطيف إِنَّمَا يتَعَيَّن بِوُجُود مثالي، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن يخرج أَن حُدُوث حَادِثَة عَظِيمَة فخيمة فِي ذَلِك الزَّمَان يفزع لَهَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كقصة الْإِفْك، وسؤال سَائل يُرَاجع النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحاوره فيهم لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كقصة الظِّهَار يكون سَببا لنزول الْأَحْكَام، وَأَن يكْشف عَلَيْهِ فِيهَا جلية الْحَال، وَأَن استبطاء الْقَوْم عَن الطَّاعَة وتبلدهم عَن الانقياد، وإخلادهم عَن الْعِصْيَان، وَكَذَا رغبتهم فِي شَيْء، وعضهم عَلَيْهِ بالنواجذ، واعتقادهم التَّفْرِيط فِي جنب الله عِنْد تَركه - يكون سَببا لِأَن يشدد عَلَيْهِم بِالْوُجُوب الأكيد وَالتَّحْرِيم الشَّديد، وَمثل ذَلِك كُله فِي استمطار الْجُود كَمثل الْإِنْسَان الصَّالح قوي الهمة يتوخى سَاعَة انتشار
الروحانية وَقُوَّة السَّعَادَة، فَيسْأَل الله فِيهَا بِجهْد همته، فَلَا تتراخى إجَابَته، وَإِلَى هَذِه الْمعَانِي وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى:
{يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسئلوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ وَإِن تسئلوا عَنْهَا حِين ينزل الْقُرْآن تبد لكم} .
وأصل المرضى أَن يقل هَذَا النَّوْع من أَسبَاب نزُول الشَّرَائِع لِأَنَّهُ يعد لنزول مَا يغلب فِيهِ حكم الْمصلحَة الْخَاصَّة بذلك الْوَقْت، فكثيرا مَا كَانَ تضييقا على الَّذين يأْتونَ من بعد، وَلذَلِك كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكره الْمسَائِل، وَكَانَ يَقُول: " ذروني مَا تركتكم، فَإِنَّمَا هلك من قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ ". وَقَالَ: " إِن أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما من سَأَلَ شَيْئا فَحرم لأجل مسئلته " وَجَاء فِي الْخَبَر: " أَن بني إِسْرَائِيل لَو ذَبَحُوا أَي بقرة شَاءُوا كفت عَنْهُم لَكِن شَدَّدُوا فَشدد عَلَيْهِم " وَالله أعلم.

بَاب أَسبَاب الْمُؤَاخَذَة على المناهج

لنبحث عَن المناهج والشرائع الَّتِي ضربهَا الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ هَل يَتَرَتَّب الثَّوَاب وَالْعَذَاب عَلَيْهَا كَمَا يَتَرَتَّب على أصُول الْبر والاثم، أَو لَا يَتَرَتَّب إِلَّا على مَا جعلت مظنات وأشباحا وقوالب لَهُ؟ فَمن ترك صَلَاة وَقت من الْأَوْقَات، وَقَلبه مطمئن بالاخبات، هَل يعذب بِتَرْكِهَا؟ وَمن صلى صَلَاة وَأدّى الْأَركان والشروط حَسْبَمَا يخرج عَن الْعهْدَة، وَلم يرجع بِشَيْء من الاخبات، وَلم يدْخل ذَلِك فِي صميم قلبه هَل يُثَاب على فعلهَا؟ وَلَيْسَ الْكَلَام فِي كَون مَعْصِيّة المناهج مفْسدَة عَظِيمَة من جِهَة كَونهَا قدحا فِي السّنة الراشدة، وفتحا لباب الْإِثْم، وغشا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جمَاعَة الْمُسلمين، وضررا للحي وَالْمَدينَة والإقليم بِمَنْزِلَة سيل سد مجْرَاه لمصْلحَة الْمَدِينَة، فجَاء رجل،
ونقب السد، وَنَجَا بِنَفسِهِ وَأهْلك أهل مدينته، وَلَكِن الْكَلَام فِيمَا يرجع إِلَى نَفسه من إحاطة السَّيِّئَات بهَا أَو إحاطة الْحَسَنَات.
فَذهب أهل الْملَل قاطبة إِلَى أَنَّهَا توجب الثَّوَاب وَالْعَذَاب بِنَفسِهَا، فالمحققون مِنْهُم والراسخون فِي الْعلم والحواريون من أَصْحَاب الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام يدركون مَعَ ذَلِك وَجه الْمُنَاسبَة والارتباط لتِلْك الأشباح والقوالب بأصولها وأرواحها، وَعَامة حَملَة الدّين ووعاة الشَّرَائِع يكتفون بِالْأولِ، وَذهب فلاسفة الْإِسْلَام إِلَى أَن الْعَذَاب وَالثَّوَاب إِنَّمَا يكونَانِ على الصِّفَات النفسانية والأخلاق المتشبثة بذيل الرّوح، وَإِنَّمَا ذكر قوالبها وأشباحها فِي الشَّرَائِع تفهيما وتقريبا للمعاني الدقيقة إِلَى أذهان النَّاس، هَذَا تَحْرِير الْمقَام على مشرب الْقَوْم.
أَقُول: وَالْحق مَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أهل الْملَل - بَيَان ذَلِك أَن الشَّرَائِع لَهَا معدات وَأَسْبَاب تشخصها، وترجح بعض محتملاتها على بعض، وَالْحق يعلم أَن الْقَوْم لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعَمَل بِالدّينِ إِلَّا بِتِلْكَ الشَّرَائِع والمناهج، وَيعلم أَن هَذِه الأوضاع هِيَ الَّتِي يَلِيق أَن تكون عَلَيْهِم، فتندرج فِي عناية الْحق بالقوم أزلا، ثمَّ لما تهَيَّأ الْعَالم لفيضان صور الشَّرَائِع وإيجاد شخوصها المثالية، فاوجدها وأفاضها، وتقرر هُنَالك أمرهَا - كَانَت أصلا من الْأُصُول، ثمَّ لما فتح الله على الْمَلأ الْأَعْلَى هَذَا الْعلم،
وألهمهم أَن المظنات قَائِمَة مقَام الْأُصُول، وَأَنَّهَا أشباحها وتماثيلها، وَأَنه لَا يُمكن تَكْلِيف الْقَوْم إِلَّا بِتِلْكَ - حصل فِي حَظِيرَة الْقُدس إِجْمَاع مَا على أَنَّهَا هِيَ بِمَنْزِلَة اللَّفْظ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَة الْمَوْضُوع لَهَا، وَالصُّورَة الذهنية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَة الخارجية المنتزعة مِنْهَا، وَالصُّورَة التصويرية بِالنِّسْبَةِ إِلَى من انتقشت مكشافا لَهُ، وَالصُّورَة الخطية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة هِيَ لَهَا، فَإِنَّهُ فِي كل ذَلِك لما قويت العلاقة بَين الدَّال والمدلول، وَحصل بَينهمَا تلازم وتعانق أجمع فِي حيّز مَا من الأحياز أَنه هُوَ، ثمَّ ترشح شبح هَذَا الْعلم أَو حَقِيقَته فِي مدركات
بني آدم عربهم وعجمهم، فاتفقوا عَلَيْهِ، فَلَنْ ترى أحدا إِلَّا ويضمر فِي نَفسه شُعْبَة من ذَلِك، وَرُبمَا سميناه وجودا شَبِيها للمدلول، وَرُبمَا كَانَ لهَذَا الْوُجُود آثَار عَجِيبَة لَا تخفى على المتتبع، وَقد روعي فِي الشَّرَائِع بعض ذَلِك، وَلذَلِك جعلت الصَّدَقَة من أوساخ المتصدقين، وسرت شناعة الْعَمَل فِي الْأُجْرَة، ثمَّ لما بعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأيد بِروح الْقُدس، وَنَفث فِي روعه إصْلَاح الْقَوْم، وَفتح لجوهر روحه فج وَاسع إِلَى الهمة القوية فِي بَاب نزُول الشَّرَائِع وصدور الشخوص المثالية، فعزم على ذَلِك أقْصَى عزيمته، ودعا للموافقين، وَلعن على الْمُخَالفين بِجهْد همته، وَأَن هممهم تخترق السَّبع الطباق، وَأَنَّهُمْ يستسقون، وَمَا هُنَالك قزعة سَحَاب، فتنشأ أَمْثَال الْجبَال فِي الْحَال وَأَنَّهُمْ يدعونَ، فيحيى الْمَوْتَى بدعوتهم - تَأَكد انْعِقَاد الرِّضَا والسخط فِي حَظِيرَة الْقُدس، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن إِبْرَاهِيم نبيك وَعَبْدك دَعَا لمَكَّة وَأَنا أَدْعُو للمدينة " الحَدِيث.
ثمَّ إِن هَذَا العَبْد إِذا علم أَن الله تَعَالَى أمره بِكَذَا وَكَذَا، وَأَن الْمَلأ الْأَعْلَى تؤيد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَأْمر، وَينْهى، وَعلم أَن إهمال هَذَا والإقدام على ذَلِك اجتراء على الله وتفريط فِي جنب الله، ثمَّ أقدم على الْعَمَل عَن قصد وَعمد، وَهُوَ يرى ويبصر - فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا لغاشية عَظِيمَة من الْحجب وانكسار تَامّ للملكية، وَذَلِكَ يُوجب قيام خَطِيئَة بِالنَّفسِ، وَإِذا أقدم على عمل شاق تنجم عَنهُ طَبِيعَته لَا لمراءة النَّاس، بل تقربا من الله وحفظا على مرضياته، فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا لغاشية عَظِيمَة من الْإِحْسَان وانكسار تَامّ للبهيمية، وَذَلِكَ يُوجب قيام حَسَنَة بِالنَّفسِ، أما من ترك صَلَاة وَقت من الْأَوْقَات، فَيجب أَن يبْحَث عَنهُ لم تَركهَا؟ وَأي شَيْء حمله على ذَلِك؟ فَإِن نَسِيَهَا، أَو نَام عَنْهَا، أَو جهل وُجُوبهَا، أَو شغل عَنْهَا بِمَا لَا يجد مِنْهُ بدا، فنص الْملَّة أَنه لَيْسَ بآثم، وَإِن تَركهَا وَهُوَ يعلم، ويتذكر،
وَأمره بِيَدِهِ، فَإِن ذَلِك لَا يكون لَا محَالة إِلَّا من حزازة فِي دينه، وغاشية شيطانية أَو نفسانية غشيت بصيرته، وَهُوَ يرجع إِلَى نَفسه، وَأما من صلى صَلَاة، وَخرج عَن عُهْدَة مَا وَجب عَلَيْهِ، فَيجب أَن يبْحَث عَنهُ، أَيْضا إِن فعلهَا رِيَاء وَسُمْعَة أَو جريانا على عَادَة قومه أَو عَبَثا - فنص الْملَّة أَنه لَيْسَ بمطيع، وَلَا يعْتد بِفِعْلِهِ ذَلِك، وَإِن فعلهَا تقربا من الله، وأقدم عَلَيْهَا إِيمَانًا واحتسابا وَتَصْدِيقًا بالموعود، واستحضر النِّيَّة وأخلص دينه لله - فَلَا جرم أَنه فتح بَينه وَبَين الله بَاب، وَلَو كرأس إبرة، وَأما من أهلك الْمَدِينَة، وَنَجَا بِنَفسِهِ فَلَا نسلم أَنه نجا بِنَفسِهِ، كَيفَ وهنالك لله مَلَائِكَة أقْصَى همتهم الدُّعَاء لمن يسْعَى فِي إصْلَاح الْعَالم، وعَلى من سعى فِي إفساده، وَأَن دعوتهم تقرع بَاب الْجُود، وَيكون سَببا لنزول الْجَزَاء بِوَجْه من الْوُجُوه، بل هُنَالك لله تَعَالَى عناية بِالنَّاسِ توجب ذَلِك، ولدقة مدركها جعلنَا دَعْوَة الْمَلَائِكَة عنوانا لَهَا، وَالله أعلم.

بَاب أسرار الحكم وَالْعلَّة

اعْلَم أَن للعباد أفعالا يرضى لأَجلهَا رب الْعَالمين عَنْهُم، وأفعالا يسْخط لأَجلهَا عَلَيْهِم، وأفعالا لَا تَقْتَضِي رضَا وَلَا سخطا، فاقتضت حكمته الْبَالِغَة وَرَحمته التَّامَّة أَن يبْعَث إِلَيْهِم الْأَنْبِيَاء، ويخبرهم على ألسنتهم بتعلق الرِّضَا والسخط بِتِلْكَ الْأَفْعَال، وَيطْلب مِنْهُم الْفَصْل الأول، وَينْهى عَن الثَّانِي، ويخيرهم فِيمَا سوى ذَلِك: {ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة} .
فَتعلق الرِّضَا والسخط بِالْفِعْلِ، وَكَونه غفلا مِنْهُمَا، وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يطْلب مِنْهُم، وَينْهَوْنَ عَنهُ، ويخيرون فِيهِ أيا مَا شِئْت، فَقل هُوَ الحكم.
والطلب مِنْهُ مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على فعل الْمَطْلُوب، والسخط
وَالْعِقَاب على تَركه، وَمِنْه غير مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على فعل الْمَطْلُوب دون السخط وَالْعِقَاب على تَركه.
وَكَذَلِكَ النَّهْي مِنْهُ مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على الْكَفّ مِنْهُ لأجل النَّهْي، وَيَقْتَضِي السخط وَالْعِقَاب على فعل الْمنْهِي عَنهُ، وَمِنْه غير مُؤَكد يَقْتَضِي الرِّضَا وَالثَّوَاب على الْكَفّ عَنهُ لأجل النَّهْي دون السخط وَالْعِقَاب على فعله وَاعْتبر بِمَا عنْدك من أَلْفَاظ الطّلب وَالْمَنْع وبمحاورات النَّاس فِي ذَلِك، فَإنَّك ستجد
تَثْنِيَة كل قسم من جِهَة سريان الرِّضَا والسخط فِي ضد الْمَنْطُوق أَولا أمرا طبيعيا لَا محيص عَنهُ، فالأحكام خَمْسَة: إِيجَاب، وَندب، وَإِبَاحَة، وكراهية، وَتَحْرِيم، وَالَّذِي يُؤْتى بِهِ فِي مُخَاطبَة النَّاس لَا يُمكن أَن يكون حَال كل فعل على حِدته من أَفعَال الْمُكَلّفين لعدم انحصارها، وَلعدم استطاعة النَّاس الْإِحَاطَة بعلمها، فَوَجَبَ إِذا أَن يكون مَا يخاطبون بِهِ قضايا كُلية معنوية بوحدة تنظم كَثْرَة، ليحيطوا بهَا علما، فيعرفوا مِنْهَا حَال أفعالهم، وَلَك عِبْرَة بالصناعات الْكُلية الَّتِي جعلت لتَكون قانونا فِي الْأُمُور الْخَاصَّة يَقُول النَّحْوِيّ: الْفَاعِل مَرْفُوع فيعي مقَالَته السَّامع، فَيعرف بهَا حَال زيد فِي قَوْلنَا قَامَ زيد، وَعمر فِي قَوْلنَا قعد عمر، وهلم جرا، وَتلك الْوحدَة الَّتِي تنظم كَثْرَة هِيَ الْعلَّة الَّتِي يَدُور الحكم على دوراناها وَهِي قِسْمَانِ:
قسم يعْتَبر فِيهَا حَالَة تُوجد فِي الْمُكَلّفين، وَلَا يُمكن أَن تكون حَالَة دائمة لَا تنفك عَنْهُم، فَيكون مَضْمُون الْخطاب تكليفهم بِالْأَمر دَائِما إِذْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِك اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الْإِيمَان خَاصَّة فَلَا جرم أَن تعْتَبر حَالَة مركبة من صفة لَازِمَة فِي الْمُكَلف بهَا يَصح كَونه مُخَاطبا وهيئة طارئة تنوبه مرّة بعد مرّة، وَأكْثر مَا يكون هَذَا الْقسم فِي الْعِبَادَات والهيئة إِمَّا وَقت أَو استطاعة ميسرَة أَو مَظَنَّة حرج، أَو إِرَادَة شَيْء، وَنَحْو ذَلِك كَقَوْل الشَّرْع " من أدْرك وَقت الصَّلَاة، وَهُوَ عَاقل بَالغ وَجب عَلَيْهِ أَن يُصليهَا، وَمن شهد الشَّهْر، وَهُوَ عَاقل بَالغ مطيق وَجب عَلَيْهِ أَن يَصُومهُ، وَمن ملك نِصَابا، وَحَال عَلَيْهِ الْحول وَجب أَن يُزَكِّيه، وَمن كَانَ على سفر جَازَ لَهُ الْقصر والإفطار، وَمن أَرَادَ
الصَّلَاة، وَكَانَ مُحدثا وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء " وَفِي مثل هَذَا رُبمَا تسْقط الصِّفَات الْمُعْتَبرَة فِي أَكثر الْأَوَامِر، وتخص الصّفة الَّتِي بهَا امتاز بَعْضهَا من الْبَعْض، فيسامح بتسميتها عِلّة، فَيُقَال عِلّة الصَّلَاة إِدْرَاك الْوَقْت، وَعلة الصَّوْم شُهُود الشَّهْر، وَرُبمَا يَجْعَل الشَّارِع لبَعض تِلْكَ الْأَوْصَاف دون بعض أثرا، كَمَا جوز تَعْجِيل الزَّكَاة لسنة أَو سنتَيْن لمن ملك النّصاب دون من لم يملكهُ، فَيعْطى الْفَقِيه كل ذِي حق حَقه، فيخص بَعْضهَا بِسَبَب وَالْآخر بِالشّرطِ.
وَقسم يعْتَبر فِيهِ حَال مَا يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل أَو يلابسه، وَهِي إِمَّا صفة لَازِمَة لَهُ كَقَوْل الشَّارِع: يحرم شرب الْخمر، وَيحرم أكل الْخِنْزِير، وَيحرم أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير، وَيحرم نِكَاح الْأُمَّهَات أَو صفة طارئة تنوبه كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا} .
وَقَوله تَعَالَى: {الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة} . وَرُبمَا يجمع بَين اثْنَيْنِ فَصَاعِدا من أَحْوَال مَا يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل، كَقَوْل الشَّارِع: يجب رجم الزَّانِي الْمُحصن، وَجلد زَان غير مُحصن، وَرُبمَا يجمع بَين حَال الْمُكَلف وَحَال مَا يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل، كَقَوْل الشَّارِع: يحرم الذَّهَب وَالْحَرِير على رجال الْأمة دون نسائها.
وَلَيْسَ فِي دين الله جزاف، فَلَا يتَعَلَّق الرِّضَا والسخط بِتِلْكَ الْأَفْعَال إِلَّا بِسَبَب، وَذَلِكَ أَن هَهُنَا شخوصا يتَعَلَّق بهَا الرِّضَا والسخط فِي الْحَقِيقَة وَهِي نَوْعَانِ: أَحدهمَا الْبر والاثم والارتفاقات وإضاعتها وَمَا يحذو حَذْو ذَلِك، وَثَانِيهمَا مَا يتَعَلَّق بالشرائع والمناهج من سد بَاب التحريف والاحتراز
من التسلل وَنَحْو ذَلِك، وَلها محَال ولوازم يتعلقان بهَا بالغرض، وينسبان إِلَيْهَا توسعا، نَظِيره مَا يُقَال من أَن عِلّة الشِّفَاء تنَاول الدَّوَاء، وَإِنَّمَا الْعلَّة فِي الْحَقِيقَة نضج الأخلاط أَو إخْرَاجهَا وَهُوَ شَيْء يعقب الدَّوَاء فِي الْعَادة، وَلَيْسَ هُوَ هُوَ، وَيُقَال عِلّة الْحمى قد تكون الْجُلُوس فِي الشَّمْس، وَقد تكون الْحَرَكَة المنعبة، وَقد تكون تنَاول غذَاء حَار، وَالْعلَّة فِي الْحَقِيقَة سخونة الأخلاط، وَهِي وَاحِدَة فِي ذَاتهَا وَلكنهَا طرق إِلَيْهَا وأشباح لَهَا، وَكَانَ الِاكْتِفَاء بالأصول وَترك اعْتِبَار تعدد الطّرق والمحال لِسَان المتعقمين فِي الْفُنُون النظرية دون الْعَامَّة، وَإِنَّمَا نزل الشَّرْع بِلِسَان الْجُمْهُور، وَيجب أَن يكون عِلّة الحكم صفة يعرفهَا الْجُمْهُور وَلَا تخفى عَلَيْهِم حَقِيقَتهَا وَلَا وجودهَا من عدمهَا، وَيكون مَظَنَّة لأصل من الْأُصُول الَّتِي تعلق بهَا الرِّضَا والسخط إِمَّا لكَونهَا مفضية إِلَيْهِ، أَو مجاورة لَهُ، وَنَحْو ذَلِك كشرب الْخمر فَإِنَّهُ مَظَنَّة لمفاسد يتَعَلَّق بهَا السخط من الْإِعْرَاض عَن الْإِحْسَان والإخلاد إِلَى الأَرْض وإفساد نظام الْمَدِينَة والمنزل، وَكَانَ لَازِما لَهَا غَالِبا، فَتوجه الْمَنْع إِلَى نوع الْخمر.
وَإِذا كَانَ لشَيْء لَوَازِم وطرق لم يخص للعلية مِنْهَا إِلَّا مَا تميز من سَائِر مَا هُنَالك برجحان من جِهَة الظُّهُور والانضباط أَو من جِهَة لُزُوم الأَصْل أَو نَحْو ذَلِك كرخصة الْقصر والإفطار - أديرت على السّفر وَالْمَرَض دون سَائِر مظنات الْحَرج؛ لِأَن الأكساب الشاقة كالفلاحة والحدادة وَإِن كَانَ يلْزمهَا الْحَرج لَكِنَّهَا مخلة بِالطَّاعَةِ لِأَن المكتسب بهَا يداوم عَلَيْهَا، ويتوقف عَلَيْهَا معاشه وَأما وجود الْحر وَالْبرد فَغير منضبط لِأَن لَهما مَرَاتِب مُخْتَلفَة يعسر إحصاؤها وَتَعْيِين شَيْء مِنْهَا بأمارات وعلامات، وَإِنَّمَا يعْتَبر عِنْد السبر مظنات كَانَت فِي الْأمة الأولى أكثرية مَعْرُوفَة، وَكَانَ السّفر وَالْمَرَض بِحَيْثُ لَا يشْتَبه عَلَيْهِم الْأَمر فيهمَا، وَإِن كَانَ الْيَوْم بعض الِاشْتِبَاه لانقراض الْعَرَب الأول وتعمق النَّاس فِي الِاحْتِمَالَات حَتَّى فسد ذوقهم السَّلِيم الَّذِي يجده قح الْعَرَب، وَالله أعلم.

بَاب الْمصَالح الْمُقْتَضِيَة لتعيين الْفَرَائِض والأركان والآداب وَنَحْو ذَلِك

اعْلَم أَنه يجب عِنْد سياسة الْأمة أَن يَجْعَل لكل شَيْء من الطَّاعَات حدان: أَعلَى وَأدنى فالأعلى هُوَ مَا يكون مفضيا إِلَى الْمَقْصُود مِنْهُ على الْوَجْه الأتم، والأدنى هُوَ مَا يكون مفضيا إِلَى جملَة من الْمَقْصُود لَيْسَ بعْدهَا شَيْء يعْتد بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يطْلب مِنْهُم الشَّيْء، وَلَا يبين لَهُم أجزاءه وَصورته وَمِقْدَار الْمَطْلُوب مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُنَافِي مَوْضُوع الشَّرْع، وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يُكَلف الْجَمِيع بِإِقَامَة الْآدَاب والمكملات لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة التَّكْلِيف بالمحال فِي حق المشتغلين أَو المتعسر، وَإِنَّمَا بِنَاء سياسة الْأمة على الاقتصاد دون الِاسْتِقْصَاء، وَلَا سَبِيل إِلَى أَن يهمل الْأَعْلَى، ويكتفي بالأدنى، فَإِنَّهُ مشرب السَّابِقين وحظ المخلصين، وإهمال مثله لَا يلائم اللطف، فَلَا محيص إِذا من أَن يبين الْأَدْنَى، ويسجل على التَّكْلِيف بِهِ، وَينْدب إِلَى مَا يزِيد عَلَيْهِ من غير إِيجَاب، وَالَّذِي يسجل على التَّكْلِيف بِهِ يَنْقَسِم إِلَى مِقْدَار مَخْصُوص من الطَّاعَة كالصلوات الْخمس وَصِيَام رَمَضَان، وَإِلَى أبعاض لَهَا لَا يعْتد بهَا بِدُونِهَا كالتكبير وكقراءة فَاتِحَة الْكتاب للصَّلَاة وَتسَمى بالأركان، وَأُمُور خَارِجَة مِنْهَا لَا يعْتد بهَا بِدُونِهَا وَتسَمى بِالشُّرُوطِ كَالْوضُوءِ للصَّلَاة.
وَاعْلَم أَن الشَّيْء قد يَجْعَل ركنا بِسَبَب يشبه الْمَذْهَب الطبيعي، وَقد يَجْعَل بِسَبَب طَارِئ.
فَالْأول أَن تكون الطَّاعَة لَا تتقوم وَلَا تفِيد فائدتها إِلَّا بِهِ كالركوع وَالسُّجُود فِي الصَّلَاة والإمساك عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع فِي الصَّوْم، أَو يكون ضبطا لمبهم خَفِي لَا بُد مِنْهُ فِيهَا كالتكبير، فَإِنَّهُ ضبط للنِّيَّة واستحضار لَهَا، وكالفاتحة فَإِنَّهَا ضبط للدُّعَاء، وكالسلام فَإِنَّهُ ضبط لِلْخُرُوجِ من الصَّلَاة بِفعل صَالح لَا يُنَافِي الْوَقار والتعظيم.
وَالثَّانِي أَن يكون وَاجِبا بِسَبَب آخر من الْأَسْبَاب، فَيجْعَل ركنا فِي الصَّلَاة، لِأَنَّهُ يكملها، ويوفر الْغَرَض مِنْهَا، وَيكون التَّوْقِيت بهَا أحسن تَوْقِيت
كَقِرَاءَة سُورَة من الْقُرْآن على مَذْهَب من يَجْعَلهَا ركنا، فَإِن الْقُرْآن من شَعَائِر الله، يجب تَعْظِيمه، وَألا يتْرك ظهريا، وَلَا أحسن فِي التَّوْقِيت من أَن يؤمروا بهَا فِي آكِد عباداتهم وأكثرها وجودا وأشملها تكليفا، أَو يكون التَّمْيِيز بَين مشتبهين أَو التَّفْرِيق بَين مُقَدّمَة وَالشَّيْء المستقل - مَوْقُوفا على شَيْء،
فَيجْعَل ركنا، وَيُؤمر بِهِ كالقومة بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود بهَا يحصل الْفرق بَين الإنحناء الَّذِي هُوَ مُقَدّمَة السُّجُود، وَبَين الرُّكُوع الَّذِي هُوَ تَعْظِيم بِرَأْسِهِ، وكالإيجاب وَالْقَبُول وَالشُّهُود وَحُضُور الْوَلِيّ ورضا الْمَرْأَة فِي النِّكَاح، فَإِن التميز بَين السفاح وَالنِّكَاح لَا يحصل إِلَّا بذلك، وَيُمكن أَن يخرج بعض الْأَركان على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
وعَلى مَا ذكرنَا فِي الرُّكْن يَنْبَغِي أَن يُقَاس حَال الشَّرْط، فَرُبمَا يكون الشَّيْء وَاجِبا بِسَبَب من الْأَسْبَاب، فَيجْعَل شرطا لبَعض شَعَائِر الدّين تنويها بِهِ، وَلَا يكون ذَلِك حَتَّى تكون تِلْكَ الطَّاعَة كَامِلَة بانضمامه كاستقبال الْقبْلَة لما كَانَت الْكَعْبَة من شَعَائِر الله وَجب تعظيمها، وَكَانَ من أعظم التَّعْظِيم أَن تسْتَقْبل فِي أحسن حالاتهم، وَكَانَ الِاسْتِقْبَال إِلَى جِهَة خَاصَّة هُنَالك بعض شَعَائِر الله، مِنْهَا للْمُصَلِّي على صِفَات الأخبات والخضوع، مذكرا لَهُ هَيْئَة قيام العبيد بَين أَيدي سادتهم جعل اسْتِقْبَال الْقبْلَة شرطا فِي الصَّلَاة.
وَرُبمَا يكون الشَّيْء لَا يُفِيد فَائِدَة بِدُونِ هَيْئَة، فَيشْتَرط لصِحَّته كالنية، فَإِن الْأَعْمَال إِنَّمَا تُؤثر لكَونهَا أشباح هيآت نفسانية، وَالصَّلَاة شبح الاخبات، وَلَا إخبات بِدُونِ النِّيَّة، وكاستقبال الْقبْلَة أَيْضا على تَخْرِيج آخر، فَإِن تَوْجِيه الْقلب لما كَانَ خفِيا نصب تَوْجِيه الْوَجْه إِلَى الْكَعْبَة الَّتِي من شَعَائِر الله مقَامه، وكالوضوء وَستر الْعَوْرَة وهجر الرجز، فَإِنَّهُ لما كَانَ التَّعْظِيم أمرا خفِيا نصبت الهيآت الَّتِي يُؤَاخذ الْإِنْسَان بهَا نَفسه عِنْد الْمُلُوك وأشباههم، ويعدونها
تَعْظِيمًا، وَصَارَ ذَلِك كامنا فِي قُلُوبهم، وَأجْمع عَلَيْهِ عربهم وعجمهم مقَامه.
وَإِذا عين شَيْء من الطَّاعَات للفرضية فَلَا بُد من مُلَاحظَة أصُول: مِنْهَا أَلا يُكَلف إِلَّا بالميسر، وَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة " وَتَفْسِيره مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لفرضت عَلَيْهِم السِّوَاك عِنْد كل صَلَاة كَمَا فرضت عَلَيْهِم الْوضُوء ". وَمِنْهَا أَن الْأمة إِذا اعتقدت فِي مِقْدَار أَن تَركه وإهماله تَفْرِيط فِي جنب الله، واطمأنت بِهِ نُفُوسهم إِمَّا لكَونه مأثورا عَن الْأَنْبِيَاء مجمعا عَلَيْهِ من السّلف أَو نَحْو ذَلِك - كَانَت الْحِكْمَة أَن يكْتب ذَلِك الْمِقْدَار عَلَيْهِم كَمَا استوجبوه، كتحريم لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا على بني إِسْرَائِيل وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قيام ليَالِي رَمَضَان حَتَّى: " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم ".
وَمِنْهَا إِلَّا يسجل على التَّكْلِيف بِشَيْء حَتَّى يكون ظَاهرا منضبطا لَا يخفى عَلَيْهِم، فَلذَلِك لَا يَجْعَل من أَرْكَان الْإِسْلَام الْحيَاء وَسَائِر الْأَخْلَاق، وَأَن كَانَت من شُعْبَة. ثمَّ الْأَدْنَى قد يخْتَلف باخْتلَاف حالتي الرَّفَاهِيَة والشدة، فَيجْعَل الْقيام ركنا للصَّلَاة فِي حق المطيق، وَيجْعَل الْقعُود مَكَانَهُ فِي حق غَيره.
وَأما الْحَد الْأَعْلَى فيزيد كَمَا وكيفا: أما الْكمّ فنوافل من جنس الْفَرَائِض، كسنن الرَّوَاتِب وَصَلَاة اللَّيْل وَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وكالصدقات المندوبة وَنَحْو ذَلِك، وَأما الكيف فهيآت وأذكار وكف لَا يلائم الطَّاعَة يُؤمر بهَا فِي الطَّاعَة لتكمل، وَتَكون مفضية إِلَى الْمَقْصُود مِنْهَا على الْوَجْه الاتم كتعهد المغابن وَيُؤمر بِهِ فِي الْوضُوء لتكمل النَّظَافَة، وكالابتداء بِالْيَمِينِ
يُؤمر بِهِ لتَكون النَّفس متنبهة على عظم أَمر الطَّاعَة، وَتقبل عَلَيْهَا حِين أخذت نَفسهَا بِمَا يفعل فِي الْأَعْمَال المهمة.
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يحصل خلقا من الْأَخْلَاق، وتنصبغ نَفسه، ويحيط بهَا من جَمِيع جوانبها، فحيلة ذَلِك أَن يُؤَاخذ نَفسه بِمَا يُنَاسب ذَلِك الْخلق من فعل وهيآت وَلَو فِي الْأُمُور القليلة الَّتِي لَا يعبأ بهَا الْعَامَّة، كالمترن على الشجَاعَة يُؤَاخذ نَفسه أَلا ينحجم عَن الْخَوْض فِي الوحل وَالْمَشْي فِي الشَّمْس وَالسري فِي اللَّيْلَة الظلماء وَنَحْو ذَلِك، وَكَذَلِكَ المتمرن على الاخبات يحافظ على الْآدَاب الْعَظِيمَة كل حَال، فَلَا يجلس على الْغَائِط إِلَّا مطرقا مستحييا وَإِذا ذكر الله جمع أَطْرَافه وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ المتمرن على الاخبات يحافظ على الْآدَاب الْعَظِيمَة كل حَال، فَلَا يجلس على الْغَائِط إِلَّا مطرقاً مستحيياً وَإِذا ذكر الله جمع أَطْرَافه وَنَحْو ذَلِك، والمتمرن على الْعَدَالَة يَجْعَل لكل شَيْء حَقًا، فَيجْعَل الْيَمين للْأَكْل والطيبات، واليسار لإِزَالَة النَّجَاسَة، وَهُوَ سر مَا قيل عَن للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السِّوَاك " كبر كبر " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قصَّة حويصة ومحيصة " كبر الْكبر " فَهَذَا أصل أَبْوَاب من الْآدَاب.
وَاعْلَم أَن سر قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ " وَنَحْو ذَلِك من نِسْبَة بعض الْأَفْعَال إِلَى الشَّيَاطِين - على مَا فهمني رَبِّي تبَارك وَتَعَالَى - أَن الشَّيَاطِين قد أقدرهم الله تَعَالَى على أَن يتشكلوا فِي رُؤْيا النَّاس ولابصارهم فِي الْيَقَظَة بأشكال تعطيها أمزجتهم وأحوال طارئة عَلَيْهِم فِي وَقت
التشكل، وَقد علم أهل الوجدان السَّلِيم أَن مزاجهم يُعْطي التَّلَبُّس بِأَفْعَال شنيعة وأفعال تميل إِلَى طيش وضجر والتقرب من النَّجَاسَات وَالْقَسْوَة عَن ذكر الله والإفساد لكل نظام مستحسن مَطْلُوب.
وأعنى بالأفعال الشنيعة مَا إِذا فعله الْإِنْسَان اشمأزت قُلُوب النَّاس عَنهُ واقشعرت جُلُودهمْ، وَانْطَلَقت ألسنتهم باللعن والطعن، وَيكون ذَلِك، كالمذهب الطبيعي لبني آدم تعطيه الصُّورَة النوعية، وَيَسْتَوِي فِيهِ طوائف الْأُمَم لَا للمحافظة على رسم قوم دون قوم أَو مِلَّة دون مِلَّة، مثل أَن يقبض على ذكره، ويثب، ويرقص، أَو يدْخل إصبعه فِي دبره، ويلطخ لحيته بالمخاط، أَو يكون أجدع الْأنف وَالْأُذن مسخم الْوَجْه، أَو ينكس لِبَاسه، فَيجْعَل أَعلَى الْقَمِيص أَسْفَل، أَو يركب دَابَّة، فَيجْعَل وَجهه من قبل ذنبها، أَو يلبس خف فِي رجل وَالرجل الْأُخْرَى حافية وَنَحْو ذَلِك من الْأَفْعَال والهيآت الْمُنكرَة الَّتِي لَا يَرَاهَا أحد إِلَّا لعن، وَسَب، وَشتم وَقد شاهدت فِي بعض الْوَاقِعَات الشَّيَاطِين يَفْعَلُونَ بعض ذَلِك.
وأعنى بِأَفْعَال الطيش مثل الْعَبَث بِثَوْبِهِ وبالحصى وتحريك الْأَطْرَاف على وَجه مُنكر.
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كشف الله تَعَالَى على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْأَفْعَال، وَأَنَّهَا تعطيها أمزجة الشَّيَاطِين، فَلَا يتَمَثَّل الشَّيْطَان فِي رُؤْيا أحد أَو يقظته إِلَّا وَهُوَ يتلبس بِبَعْضِهَا، وَأَن المرضى فِي حق الْمُؤمن أَن يتباعد من الشَّيَاطِين وهيئاتهم بِقدر الِاسْتِطَاعَة، فَبين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْأَفْعَال والهيآت، وكرهها، وَأمر بالاحتراز عَنْهَا.
وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَن هَذِه الحشوش محتضرة ".
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم " وَأَنه يضْحك إِذا قَالَ الْإِنْسَان هاه هاه " وَقس على ذَلِك التَّرْغِيب فِي هيآت الْمَلَائِكَة، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا تصفون كَمَا تصف الْمَلَائِكَة " وَهَذَا أصل آخر لأبواب من الْآدَاب.
وَاعْلَم أَن من أَسبَاب جعل الشَّيْء فرضا بالكفاية أَن يكون اجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ بأجمعهم مُفْسِدا لمعاشهم ومفضيا إِلَى إهمال ارتفاقاتهم، وَلَا يُمكن تعْيين بعض النَّاس لَهُ وَتَعْيِين آخَرين لغيره، كالجهاد لَو اجْتَمعُوا عَلَيْهِ، وَتركُوا الفلاحة وَالتِّجَارَة والصناعات - لبطل معاشهم، وَلَا يُمكن تعْيين بعض النَّاس للْجِهَاد وَآخَرين للتِّجَارَة وَآخَرين للفلاحة وَآخَرين للْقَضَاء وَتَعْلِيم الْعلم؛ فَإِن كل وَاحِد يَتَيَسَّر لَهُ مَا لَا يَتَيَسَّر إِلَى يُغَيِّرهُ؛ وَلَا يعلم المستعد لشَيْء من ذَلِك بالأسامى والأصناف ليدر الحكم عَلَيْهَا. وَمِنْهَا أَن تكون الْمصلحَة الْمَقْصُودَة بِهِ وجود نظام، وَلَا يلْحق بِتَرْكِهِ فَسَاد حَال النَّفس وَغَلَبَة البهيمية، كالقضاء، وَتعلم عُلُوم الدّين، وَالْقِيَام بالخلافة، فَإِنَّهَا شرعت للنظام، وَتحصل بِقِيَام رجل وَاحِد بهَا وكعيادة الْمَرِيض وَالصَّلَاة على الْجِنَازَة، فان الْمَقْصُود أَلا تضيع المرضى والموتى، وَتحصل بِقِيَام الْبَعْض بهَا، وَالله أعلم.

بَاب أسرار الْأَوْقَات

لَا تتمّ سياسة الْأمة إِلَّا بِتَعْيِين أَوْقَات طاعاتها، وَالْأَصْل فِي التَّعْيِين الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وَاخْتِيَار مَا لَا يشق عَلَيْهِم، وَهُوَ يَكْفِي من الْمَقْصُود، وَمَعَ ذَلِك فَفِيهِ حكم ومصالح يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، وَهِي ترجع إِلَى أصُول ثَلَاث.
أَحدهَا أَن الله تَعَالَى وَإِن كَانَ متعاليا عَن الزَّمَان لَكِن قد تظاهرت
الْآيَات وَالْأَحَادِيث على أَنه فِي بعض الْأَوْقَات يتَقرَّب إِلَى عباده، وَفِي بَعْضهَا تعرض عَلَيْهِ الْأَعْمَال، وَفِي بَعْضهَا يقدر الْحَوَادِث إِلَى غير ذَلِك من الْأَحْوَال المتجددة، وَإِن كَانَ لَا يعلم كنه حَقِيقَتهَا إِلَّا الله تَعَالَى قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر " وَقَالَ: " إِن أَعمال الْعباد تعرض يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس " وَقَالَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان: " إِن الله ليطلع فِيهَا " وَفِي رِوَايَة " ينزل فِيهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا " وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة مَعْلُومَة.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمن ضروريات الدّين أَن هُنَالك أوقاتا يحدث فِيهَا شَيْء من انتشار الروحانية فِي الأَرْض وسريان قُوَّة مثالية فِيهَا، وَلَيْسَ وَقت أقرب لقبُول الطَّاعَات واستجابة الدَّعْوَات من تِلْكَ الْأَوْقَات، فَفِي أدنى سعي حِينَئِذٍ يتفتح بَاب عَظِيم من انقياد البهيمية للملكية، وَالْمَلَأ الْأَعْلَى لَا يعْرفُونَ انتشار تِلْكَ الروحانية وسريان تِلْكَ الْقُوَّة بِحِسَاب الدورات الفلكية، بل بالذوق والوجدان، وَبِأَن ينطبع شَيْء فِي قُلُوبهم، فيعلموا أَن هُنَالك قَضَاء نازلا وانتشارا للروحانية وَنَحْو ذَلِك، وَهَذَا هُوَ الْمعبر عَنهُ فِي الحَدِيث " بِمَنْزِلَة سلسلة على صَفْوَان ".
والأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام تنطبع تِلْكَ الْعُلُوم فِي قُلُوبهم من الْمَلأ الْأَعْلَى، فيدركونها بالوجدان دون حِسَاب الدورات الفلكية، ثمَّ يجتهدون فِي نصب مَظَنَّة لتِلْك السَّاعَة، فيأمرون الْقَوْم بالمحافظة عَلَيْهَا.
فَمن تِلْكَ السَّاعَات مَا يَدُور بدوران السنين، وَذَلِكَ بقوله تبَارك وَتَعَالَى:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا إِنَّا كُنَّا مرسلين}
وفيهَا تعيّنت روحانية الْقُرْآن فِي السَّمَاء الدُّنْيَا، وَاتفقَ أَنَّهَا كَانَت فِي رَمَضَان.
وَمِنْهَا مَا يَدُور بدوران الْأُسْبُوع، وَهِي سَاعَة خَفِيفَة ترجى فِيهَا استجابة الدُّعَاء وَقبُول الطَّاعَات، وَإِذا انْتقل النَّاس إِلَى الْمعَاد كَانَت تِلْكَ هِيَ سَاعَة تجلى الله عَلَيْهِم وتقربه مِنْهُم، وَقد بَين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن مظنتها يَوْم الْجُمُعَة اسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن الْحَوَادِث الْعَظِيمَة وَقعت فِيهِ كخلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام، وَبِأَن الْبَهَائِم رُبمَا تتلقى من الْمَلأ السافل علما بِعظم تِلْكَ السَّاعَة، فَتَصِير دهشة مرعوبة كَالَّذي هاله صَوت عَظِيم، وَأَنه شَاهد ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة. وَمِنْهَا مَا يَدُور بدوران الْيَوْم وَتلك روحانية أَضْعَف من الروحانيات الْأُخْرَى، وَقد أَجمعت أذواق من شَأْنهمْ التلقي من الْمَلأ الْأَعْلَى على أَنَّهَا أَربع سَاعَات قبيل طُلُوع الشَّمْس وبعيد استوائها وَبعد غُرُوبهَا وَفِي نصف اللَّيْل إِلَى السحر، فَفِي تِلْكَ الْأَوْقَات وَقبلهَا بِقَلِيل وَبعدهَا بِقَلِيل تَنْتَشِر الروحانية، وَتظهر الْبركَة، وَلَيْسَت فِي الأَرْض مِلَّة إِلَّا وَهِي تعلم أَن هَذِه الْأَوْقَات أقرب شَيْء من قبُول الطَّاعَات، لَكِن الْمَجُوس كَانُوا قد حرفوا الدّين، فَجعلُوا يعْبدُونَ الشَّمْس من دون الله، فسد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدْخل التحريف، فَغير تِلْكَ الْأَوْقَات إِلَى مَا لَيْسَ بِبَعِيد مِنْهَا وَلَا مفوت لأصل الْغَرَض، وَلم يفْرض عَلَيْهِم الصَّلَاة فِي نصف اللَّيْل لما فِي ذَلِك من الْحَرج، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه قَالَ: " إِن فِي اللَّيْل لساعة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم يسْأَل الله تَعَالَى فِيهَا خيرا من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه " وَذَلِكَ كل لَيْلَة، وَعنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ: " أفضل الصَّلَاة نصف اللَّيْل وَقَلِيل فَاعله " وَسُئِلَ أَي الدُّعَاء أسمع؟ قَالَ " جَوف اللَّيْل " وَقَالَ فِي سَاعَة الزَّوَال: " إِنَّهَا سَاعَة تفتح فِيهَا أَبْوَاب السَّمَاء، فَأحب أَن يصعد لي فِيهَا عملا صَالح " وَقَالَ " مَلَائِكَة النَّهَار تصعد إِلَيْهِ قبل مَلَائِكَة اللَّيْل ووقال " مَلَائِكَة اللَّيْل تصعد إِلَيْهِ قبل مَلَائِكَة النَّهَار " وَقد أَشَارَ الله تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه إِلَى هَذِه الْمعَانِي حَيْثُ قَالَ: {فسبحن الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ وَله الْحَمد فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وعشيا وَحين تظْهرُونَ}
والنصوص فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة مَعْلُومَة وَقد شاهدت مِنْهُ أمرا عَظِيما.
الأَصْل الثَّانِي أَن وَقت التَّوَجُّه إِلَى الله هُوَ وَقت كَون الْإِنْسَان خَالِيا عَن التشويشات الطبيعية، كالجوع المفرط والشبع المفرط، وَغَلَبَة النعاس، وَظُهُور الكلال، وَكَونه حاقبا حاقنا، والخيالية كامتلاء السّمع بالأراجيف واللغط، وَالْبَصَر بالصور الْمُخْتَلفَة والألوان المشوشة، وَنَحْو ذَلِك من أَنْوَاع التشويشات، وَذَلِكَ مُخْتَلف باخْتلَاف الْعَادَات، لَكِن الَّذِي يشبه أَن يكون كالمذهب الطبيعي لعربهم وعجمهم ومشارقتهم ومغاربتهم، وَالَّذِي يَلِيق أَن يتَّخذ دستورا فِي النواميس الْكُلية، وَالَّذِي يعد مُخَالفَة كالشيء النَّادِر - هُوَ الغدوة والدلجة، وَالْإِنْسَان يحْتَاج إِلَى مصقلة تزيل عَنهُ الرين بعد تمكنه من نَفسه، وَذَلِكَ إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه، وَمَال للنوم؛ وَلذَلِك نهى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن السمر بعد الْعشَاء وَعَن قرض الشّعْر بعده.
وسياسة الْأمة لَا تتمّ إِلَّا بِأَن يُؤمر بتعهد النَّفس بعد كل بُرْهَة من الزَّمَان حَتَّى يكون انْتِظَاره للصَّلَاة واستعداده لَهَا من قبل أَن يَفْعَلهَا، وَبَقِيَّة لَوْنهَا وصبابة نورها بعد أَن يَفْعَلهَا فِي حكم الصَّلَاة، فَيتَحَقَّق اسْتِيعَاب اكثر الْأَوْقَات إِن لم يكن اسْتِيعَاب كلهَا، وَقد جربنَا أَن النَّائِم على عَزِيمَة قيام اللَّيْل لَا يتغلغل فِي النّوم البهيمي، وَأَن المتوزع خاطره على ارتفاق دُنْيَوِيّ وعَلى مُحَافظَة وَقت صَلَاة أَو ورد أَلا يفوتهُ - لَا يتجرد للبهيمية، وَهَذَا سر
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " من تعار من اللَّيْل " الحَدِيث وَقَوله تَعَالَى:
{رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله}
وَيصْلح أَن يَجْعَل الْفَصْل بَين كل وَقْتَيْنِ ربع النَّهَار، فَإِنَّهُ يحتوي على ثَلَاث سَاعَات، وَهِي أول حد كَثْرَة للمقدار الْمُسْتَعْمل عِنْدهم فِي تجزئة اللَّيْل وَالنَّهَار عربهم وعجمهم، وَفِي الْخَبَر " أَن أول من جزأ النَّهَار وَاللَّيْل إِلَى السَّاعَات نوح عَلَيْهِ السَّلَام وتوارث ذَلِك بنوه ".
الأَصْل الثَّالِث أَن وَقت أَدَاء الطَّاعَة هُوَ الْوَقْت الَّذِي يكون مذكرا لنعمة من نعم الله تَعَالَى، مثل يَوْم عَاشُورَاء نصر الله تَعَالَى فِيهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام على فِرْعَوْن فصامه، وَأمر بصيامه، وكرمضان نزل فِيهِ الْقُرْآن، وَكَانَ ذَلِك ابْتِدَاء ظُهُور الْملَّة الإسلامية، أَو مذكراً لطاعة أَنْبيَاء الله تَعَالَى لرَبهم، وقبوله أياها مِنْهُم كَيَوْم الْأَضْحَى يذكر قصَّة ذبح إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وفدائه بِذبح عَظِيم، أَو يكون أَدَاء الطَّاعَة فِيهِ تنويها بِبَعْض شَعَائِر الدّين كَيَوْم الْفطر فِي إِيقَاع الصَّلَاة، وَالصَّدَََقَة فِيهِ تنويه برمضان وَأَدَاء شكر مَا أنعم الله تَعَالَى من توفيق صِيَامه، وكيوم الْأَضْحَى فِيهِ تشبه بالحاج وَتعرض لنفحات الله الْمعدة لَهُم، أَو تكون جرت سنة الصَّالِحين الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ على ألسن الْأُمَم أَن يطيعوا الله تَعَالَى فِيهِ، مثل أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس لقَوْل جِبْرَائِيل: " هَذَا وقتك وَوقت الْأَنْبِيَاء من قبلك " وَمثل رَمَضَان على وَجه وَاحِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى:
{كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ}
وكصوم يَوْم عَاشُورَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَيُشبه أَن يكون الأَصْل الثَّالِث مُعْتَبرا فِي أَكثر الْأَوْقَات، والأصلان الْأَوَّلَانِ أصل الأَصْل، وَالله أعلم.

بَاب أسرار الْأَعْدَاد والمقادير

اعْلَم أَن الشَّرْع لم يخص عددا وَلَا مِقْدَارًا دون نَظِيره إِلَّا لحكم ومصالح، وَإِن كَانَ الِاعْتِمَاد الْكُلِّي على الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وَمَا يَلِيق بهم عِنْد سياستهم، وَهَذِه الحكم والمصالح ترجع إِلَى أصُول: الأول أَن الْوتر عدد مبارك لَا يُجَاوز عَنهُ مَا كَانَ فِيهِ كِفَايَة، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِن الله وتر يحب الْوتر، فأوتروا يَا أهل الْقُرْآن " وسره أَنه مَا من كَثْرَة إِلَّا مبدؤها وحدة، وَأقرب الكثرات من الْوَاحِدَة مَا كَانَ وترا؛ إِذْ كل مرتبَة من الْعدَد فِيهَا وحدة غير حَقِيقَة بهَا تصير تِلْكَ الْمرتبَة، فالعشرة مثلا وحدات مجتمعة اعْتبرت وَاحِدًا لَا خَمْسَة وَخَمْسَة، وعَلى هَذَا الْقيَاس، وَتلك الْوحدَة نموذج الْوحدَة الْحَقِيقَة فِي تِلْكَ الْمَرَاتِب وميراثها مِنْهَا، وَفِي الْوتر هَذِه وَمثلهَا مَعهَا وَهُوَ الْوحدَة - بِمَعْنى عدم الانقسام إِلَى عددين صَحِيحَيْنِ متساويين - فَهُوَ أقرب إِلَى الْوحدَة من الزَّوْج، وَقرب كل مَوْجُود من مبدئه يرجع إِلَى قربه من الْحق لِأَنَّهُ مبدأ المبادى، والأتم فِي الْوحدَة متخلق بِخلق الله.
ثمَّ اعْلَم أَن الْوتر على مَرَاتِب شَتَّى: وتر يشبه الزَّوْج، ويجنحه كالتسعة والخمسة فَإِنَّهُمَا بعد إِسْقَاط الْوَاحِد ينقسمان إِلَى زَوْجَيْنِ، والتسعة وَإِن لم تَنْقَسِم إِلَى عدديين متساويين
فَإِنَّهَا تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة مُتَسَاوِيَة، كَمَا أَن الزَّوْج أَيْضا على مَرَاتِب زوج يشبه الْوتر - كاثنى عشر - فَإِنَّهُ ثَلَاثَة أربعات،
وكالستة فَإِنَّهَا ثَلَاث اثنينات، وَإِمَام الأوتار وأبعدها من مشابهة الزَّوْج الْوَاحِد، ووصيه فِيهَا وخليفته ووارثه ثَلَاثَة وَسَبْعَة، وَمَا سوى ذَلِك فَإِنَّهُ من قوم الْوَاحِد وَأمته، وَلذَلِك اخْتَار النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاحِد وَالثَّلَاثَة والسبعة فِي كثير من الْمَقَادِير، وَحَيْثُ اقْتَضَت الْحِكْمَة أَن يُؤمر بِأَكْثَرَ مِنْهَا اخْتَار عددا يحصل من أَحدهَا بالترفع كالواحد يتدفع إِلَى عشرَة وَمِائَة وَألف وَأَيْضًا إِلَى أحد عشر، وكالثلاثة تترفع إِلَى ثَلَاثِينَ وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ، وثلاثمائة، وكالسبعة إِلَى سبعين وَسَبْعمائة، فَإِن الَّذِي يحصل بالترفع كَأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِه وَلذَلِك سنّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مائَة كلمة بعد كل صَلَاة الصَّلَاة، ثمَّ قسمهَا إِلَى ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ثَلَاث مَرَّات، وَأفضل وَاحِد ليصير الْأَمر كُله وترا رَاجعا إِلَى الامام أَو وَصِيَّة، وَكَذَلِكَ لكل مقولة من مقولات الْجَوْهَر وَالْعرض إِمَام ووصي كالنقطة إِمَام، والدائرة والكرة وصياه، وَأقرب الأشكال إِلَيْهِ.
وحَدثني أبي قدس سره أَنه رأى وَاقعَة عَظِيمَة تمثل فِيهَا الْحَيَاة وَالْعلم والارادة وَسَائِر الصِّفَات الالهية - أَو قَالَ الْحَيّ والعليم والمريد وَسَائِر الْأَسْمَاء - لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَ: بِصُورَة دوائر مضيئة، ثمَّ نبهني على أَن تمثل الشَّيْء الْبَسِيط فِي نشأة الأشكال إِنَّمَا يكون بأقربها إِلَى النقطة، وَهُوَ فِي السَّطْح الدائرة وَفِي الْجِسْم الكرة انْتهى كَلَامه.
وَاعْلَم أَن سنة الله جرت بِأَن نزُول الْوحدَة إِلَى الْكَثْرَة إِنَّمَا يكون بارتباطات مثالية، وعَلى تِلْكَ الارتباطات تتمثل الوقائع وَإِيَّاهَا يُرَاعى تراجمة لِسَان الْقدَم مَا أمكنت مراعاتها.
الأَصْل الثَّانِي فِي كشف سر مَا بَين فِي التَّرْغِيب والترهيب وَنَحْو ذَلِك من الْعدَد.
وَاعْلَم أَنه رُبمَا يعرض على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِصَال من الْبر والاثم، ويكشف عَلَيْهِ فَضَائِل هَذِه ومثالب تِلْكَ، فيخبر عَمَّا علمه الله، وَيذكر عدد مَا علم
حَالَة حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ من قَصده الْحصْر قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عرضت عَليّ أَعمال أمتِي: حسنها وسيئها، فَوجدت فِي محَاسِن أَعمالهَا الْأَذَى يماط عَن الطَّرِيق، وَوجدت فِي مساوى أَعمالهَا النخاعة تكون فِي الْمَسْجِد لَا تدفن " وَقَالَ: " عرضت على أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد، وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي، فَلم أر ذَنبا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن، أَو آيَة أوتيها رجل، ثمَّ نَسِيَهَا " وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثَة لَهُم أَجْرَانِ " الحَدِيث وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله تَعَالَى " الحَدِيث وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَرْبَعُونَ خصْلَة أعلاهن منحة العنز لَا يعْمل عبد بخصلة مِنْهَا رَجَاء ثَوَابهَا أَو تَصْدِيق موعودها إِلَّا أدخلهُ الله بهَا الْجنَّة " وَرُبمَا يكْشف عَلَيْهِ فَضَائِل عمل أَو أبعاض شَيْء إِجْمَالا، فيجتهد فِي إِقَامَة وَجه ضبط لَهَا وَنصب عدد يحصر فِيهِ مَا كثر وُقُوعه أَو عظم شَأْنه وَنَحْو ذَلِك، فيخبر بذلك، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَاة الْجَمَاعَة تفضل صَلَاة الغذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة " فَإِن هَذَا الْعدَد ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة فِي ثَلَاثَة، وَقد رأى أَن مَنَافِع الْجَمَاعَة ترجع إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: مَا يرجع إِلَى نفع نَفسه من تهذيبها وَظُهُور الملكية وقهر البهيمية، وَمَا يرجع إِلَى النَّاس من شيوع السّنة الراشدة فيهم وتنافسهم فِيهَا وتهذيبهم بهَا واجتماع كلمتهم عَلَيْهَا، وَمَا يرجع إِلَى الْملَّة المصطفوية من بَقَائِهَا غضة طرية لم يخالطها التحريف وَلَا التهاون وَفِي الأول ثَلَاثَة: الْقرب من الله وَالْمَلَأ الْأَعْلَى، وَكِتَابَة الْحَسَنَات لَهُم، وتكفير الخطيآت عَنْهُم، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَة:
انتظام حيهم ومدينتهم، ونزول البركات عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا، وشفاعة بَعضهم لبَعض فِي الْآخِرَة: وَفِي الثَّالِث ثَلَاثَة:
تمشية إِجْمَاع الْمَلأ الْأَعْلَى وتمسكهم بِحَبل الله الْمَمْدُود، وتعاكس أنوار بَعضهم على بعض، وَفِي كل من هَذِه التِّسْعَة ثَلَاثَة: رضَا الله عَنْهُم، وصلوات الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم، وانخناس الشَّيَاطِين عَنْهُم، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى بِخمْس وَعشْرين وَوَجهه أَن مَنَافِع الْجَمَاعَة خمس فِي خَمْسَة: استقامة نُفُوسهم، وتألف جَمَاعَتهمْ، وَقيام ملتهم، وانبساط الْمَلَائِكَة، وانخناس الشَّيَاطِين عَنْهُم، وَفِي كل وَاحِد خَمْسَة: رضَا الله عَنْهُم، ونزول البركات فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِم، وَكِتَابَة الْحَسَنَات لَهُم، وتكفير الخطيآت عَنْهُم، وشفاعة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَلَائِكَة لَهُم. وَسبب اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي ذَلِك اخْتِلَاف وُجُوه الضَّبْط، وَالله أعلم. وَرُبمَا يُؤْتى بِالْعدَدِ إِظْهَارًا لعظم الشَّيْء وَكبره، فَيخرج الْعدَد مخرج الْمثل، نَظِيره مَا يُقَال محبَّة فلَان فِي قلبِي مثل الْجَبَل، وَقدر فلَان يصل إِلَى عنان السَّمَاء، وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يفسح فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا " وَقَوله " مد الْبَصَر " وَقَوله " إِن حَوْضِي مَا بَين الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَقَوله " حَوْضِي لأبعد من أَيْلَة إِلَى عدن " وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يذكر تَارَة مِقْدَار، وَأُخْرَى مِقْدَار آخر، وَلَا تنَاقض فِي ذَلِك بِحَسب مَا يرجع إِلَى الْغَرَض. الأَصْل الثَّالِث أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يقدر الشَّيْء إِلَّا بِمِقْدَار ظَاهر مَعْلُوم يَسْتَعْمِلهُ المخاطبون فِي نظام الحكم، وَله مُنَاسبَة بمدار الحكم وحكمته، فَلَا
يَنْبَغِي أَن يقدر الدَّرَاهِم إِلَّا بالأواق، وَلَا التَّمْر إِلَّا بالأوساق، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُؤْتى بِجُزْء لَا يَسْتَخْرِجهُ إِلَّا المتعمقون فِي الْحساب، كجزء من سَبْعَة عشر، وجزء من تِسْعَة وَعشْرين، وَلذَلِك مَا ذكره الله تَعَالَى فِي الْفَرَائِض إلاكسورا يسهل تنصيفها وتضعيفها وَمَعْرِفَة مخارجها، وَذَلِكَ فضلان: أَحدهمَا سدي وَثلث وَثُلُثَانِ، وَثَانِيهمَا ثمن وَربع وَنصف، وسره أَن يظْهر فضل ذِي الْفضل، ونقصان ذِي النُّقْصَان بَادِي الرَّأْي، وَأَن يسهل تَخْرِيج الْمسَائِل على الأدانى والأقاصي، وحيثما وَقعت الْحَاجة إِلَى مِقْدَار دون الْمِقْدَار الْمُعْتَبر أَولا لَا تكون النِّسْبَة بَينهمَا نِسْبَة الضعْف، فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَعَدَّى من الثُّلثَيْنِ بَين النّصْف وَالْوَاحد، وَمن الثُّلُث بَين الرّبع وَالنّصف لِأَن سَائِر الاجزاء أخْفى مِنْهُمَا، وَإِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ كثير فِي الْجُمْلَة، فَالْمُنَاسِب أَن يقدر بِثَلَاثَة، إِذا أُرِيد تَقْدِير مَا هُوَ أَكثر من ذَلِك، فَالْمُنَاسِب تَقْدِيره بِعشْرَة، وَإِذا كَانَ الشَّيْء قد يكون قَلِيلا، وَقد يكون كثيرا، فَالْمُنَاسِب أَن يُؤْخَذ أقل حد وَأكْثر حد، فينصف بَينهمَا، وَالْمُعْتَبر فِي بَاب الزَّكَاة خمس، وَعشر، وَنصف الْعشْر، وَربع الْعشْر؛ لِأَن زِيَادَة الصَّدَقَة تَدور على كَثْرَة الرّيع وَقلة الْمُؤْنَة، وَكَانَت مكاسب جُمْهُور أهل الاقاليم لَا تنتظم إِلَّا فِي أَربع مَرَاتِب وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يظْهر الْفرق بَين كل مرتبتين - أصرح مَا يكون - وَذَلِكَ أَن تكون الْوَاحِدَة مِنْهَا ضعف الآخرى، وسيأتيك تَفْصِيله، وَإِذا وَقعت الْحَاجة إِلَى تَقْدِير الْيَسَار مثلا يَنْبَغِي أَن ينظر إِلَى مَا يعد فِي الْعرف يسارا، وَيرى فِيهِ مَا هُوَ من أَحْكَام الْيَسَار.
وَذَلِكَ بِحَسب عَادَة جُمْهُور الْمُكَلّفين مشارقتهم ومغاربتهم عربهم وعجمهم، وبحسب مَا هُوَ كالمذهب الطبيعي لَهُم لَوْلَا الْمَانِع فَإِن لم يكن بِنَاء الْأَمر على عَادَة الْجُمْهُور لتشتت حَالهم، فَالْمُعْتَبر حَال الْعَرَب الأول الَّذين نزل الْقُرْآن بلغتهم، وتعينت الشَّرِيعَة فِي عاداتهم، وَلذَلِك قدر الشَّرْع الْكَنْز بِخمْس
أَوَاقٍ لِأَنَّهَا تَكْفِي أقل أهل بَيت سنة كَامِلَة فِي أَكثر أَطْرَاف المعمورة - اللَّهُمَّ إِلَّا فِي الجدب أَو الْبِلَاد الْعَظِيمَة جدا أَو أَعمالهَا - وَقدر الثلَّة الصَّغِيرَة من الْغنم بِأَرْبَعِينَ، وَالْكَبِير بِمِائَة وَعشْرين، وَقدر الزَّرْع الْكثير بِخَمْسَة أوساق لِأَن أقل الْبَيْت زوج وَزَوْجَة وثالث أما خَادِم أَو ولد بَينهمَا، وَأكْثر مَا يَأْكُلهُ الْإِنْسَان فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مد أَو رَطْل، وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى إدام، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي من ذَلِك سنة كَامِلَة، وَقدر المَاء الْكثير بقلتين، وَلِأَنَّهُ حد لَا ينزل مِنْهُ الْمَعَادِن وَلَا يرتقي إِلَيْهِ الاوانى فِي عَادَة الْعَرَب وَقس على ذَلِك سَائِر التقديرات وَالله أعلم.

بَاب أسرار الْقَضَاء والرخصة

اعْلَم أَن من السياسة أَنه إِذا أَمر بِشَيْء، أَو نهي عَن شَيْء، وَكَانَ المخاطبون لَا يعلمُونَ الْغَرَض من ذَلِك حق الْعلم وَجب أَن يَجْعَل عِنْدهم كالشيء الْمُؤثر بالخاصية، يصدق بتأثيره، وَلَا يدْرك سَبَب التَّأْثِير، وكالرقي لَا يدْرك سَبَب تأثيرها وَلذَلِك سكت النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن بَيَان أسرار الْأَوَامِر والنواهي تَصْرِيحًا فِي الْأَكْثَر، وَإِنَّمَا لوح بِشَيْء مِنْهُ للراسخين فِي الْعلم من أمته، وَلذَلِك كَانَ اعتناء حَملَة الْملَّة من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وأئمة الدّين بِإِقَامَة أشباح الْملَّة أَكثر من الاعتناء بِإِقَامَة أرواحها حَتَّى روى عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: أَحسب جِزْيَة الْبَحْرين وَأَنا فِي الصَّلَاة، وأجهز الْجَيْش وَأَنا فِي الصَّلَاة، وَلذَلِك كَانَ سنة الْمُفْتِينَ قَدِيما وحديثا أَلا يتَعَرَّضُوا لدَلِيل الْمَسْأَلَة عِنْد الافتاء، وَوَجَب أَن يسجل على الْأَخْذ بالمأمور حق التسجيل، ويلام على تَركه أَشد الْمَلَامَة، وَتجْعَل أنفسهم ترغب
فِيهَا وتألفها حق الرَّغْبَة والألفة حَتَّى تصير دَاعِيَة الْحق مُحِيطَة بظواهرهم وبواطنهم، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، ثمَّ منع من الْمَأْمُور بِهِ مَانع ضَرُورِيّ - وَجب أَن يشرع لَهُ بدل يقوم مقَامه لِأَن الْمُكَلف حِينَئِذٍ بَين أَمريْن: إِمَّا أَن يُكَلف بِهِ مَعَ مَا فِيهِ من الْمَشَقَّة والحرج، وَذَلِكَ خلاف مَوْضُوع الشَّرْع. قَالَ الله تَعَالَى:
{يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر}
وَإِمَّا أَن ينْبذ وَرَاء الظّهْر بِالْكُلِّيَّةِ، فتألف النَّفس بِتَرْكِهِ، وتسترسل مَعَ إهماله، وَإِنَّمَا تمرن النَّفس تمرين الدَّابَّة الصعبة يغتنم مِنْهَا الألفة وَالرَّغْبَة، وَمن اشْتغل برياضة نَفسه أَو تَعْلِيم الْأَطْفَال أَو تمرين الدَّوَابّ وَنَحْو ذَلِك يعلم كَيفَ تحصل الألفة بالمداومة، ويسهل بِسَبَبِهَا الْعَمَل، وَكَيف تذْهب الألفة بِالتّرْكِ والإهمال، فتضيق النَّفس بِالْعَمَلِ، ويثقل عَلَيْهَا، فَإِن رام الْعود إِلَيْهِ احْتَاجَ إِلَى تَحْصِيل الالفة ثَانِيًا، فَلَا بُد إِذا من شرع الْقَضَاء إِذا فَاتَ وَقت الْعَمَل، وَمن الرُّخص فِي الْعَمَل ليتأتي مِنْهُ، ويتيسر لَهُ، والعمدة فِي ذَلِك الحدس الْمُعْتَمد على معرفَة حَال الْمُكَلّفين وغرض الْعَمَل وأجزائه الَّتِي لَا بُد مِنْهَا فِي تَحْصِيل ذَلِك الْغَرَض، وَمَعَ ذَلِك فَلهُ أصُول يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، أَحدهَا: أَن الرُّكْن وَالشّرط فيهمَا شَيْئَانِ:
أَحدهمَا الْأَصْلِيّ الَّذِي هُوَ دَاخل حَقِيقَة الشَّيْء، أَو لَازمه الَّذِي لَا يعْتَمد بِهِ بِدُونِهِ بِالنّظرِ إِلَى أصل الْغَرَض مِنْهُ كالدعاء وَفعل الانحناء الدَّال على التَّعْظِيم والتنبه لخلتى الطَّهَارَة والخشوع، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَلا يتْرك فِي الْمُكْره والمنشط سَوَاء؛ إِذْ لَا يتَحَقَّق من الْعَمَل شَيْء عِنْد تَركه.
وَثَانِيهمَا التكميلي الَّذِي إِنَّمَا شرع لكَونه وَاجِبا لِمَعْنى آخر مُحْتَاجا إِلَى التَّوْقِيت، وَلَا وَقت لَهُ أحسن من هَذِه الطَّاعَة، أَو لِأَنَّهُ آلَة صَالِحَة لأَدَاء أصل الْغَرَض كَامِلا وافرا، وَهَذَا الْقسم من شَأْنه أَن يرخص فِيهِ عِنْد
المكاره، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن تخرج الرُّخْصَة فِي ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة إِلَى التَّحَرِّي فِي الظلمَة وَنَحْوهَا، وَترك ستر الْعَوْرَة لمن لَا يجد ثوبا، وَترك الْوضُوء إِلَى التَّيَمُّم لمن لَا يجد مَاء، وَترك الْفَاتِحَة إِلَى ذكر من الْأَذْكَار لمن لَا يقدر عَلَيْهَا، وَترك الْقيام إِلَى الْقعُود والاضطجاع لمن لَا يستطيعه وَترك الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى الانحناء لمن لَا يستطيعها.
الأَصْل الثَّانِي: أَنه يَنْبَغِي أَن يلْتَزم فِي الْبَدَل شَيْء يذكر الأَصْل ويشعر بِأَنَّهُ نائبة وبدله، وسره تَحْقِيق الْغَرَض الْمَطْلُوب من شرع الرُّخص، وَهُوَ أَن تبقى الألفة بِالْعَمَلِ الأول، وَأَن تكون النَّفس كالمنتظرة، وَلذَلِك اشْترط فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ الطَّهَارَة وَقت اللّبْس وَجعل لَهُ مُدَّة يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَاشْترط التَّحَرِّي فِي الْقبْلَة.
وَالْأَصْل الثَّالِث: أَنه لَيْسَ كل حرج يرخص لأَجله، فَإِن وُجُوه الْحَرج كَثِيرَة، والرخص فِي جَمِيع ذَلِك تُفْضِي إِلَى إهمال الطَّاعَة، وَالِاسْتِقْصَاء فِي ذَلِك نبغي العناء ومقاساة التَّعَب، وَهُوَ الْمُعَرّف لانقياد الشَّرْع واستقامة النَّفس، فاقتضت الْحِكْمَة أَلا يَدُور الْكَلَام إِلَّا على وُجُوه وُقُوعهَا وَعظم الِابْتِلَاء بهَا لَا سِيمَا فِي قوم نزل الْقُرْآن بلغتهم، وتعينت الشَّرِيعَة فِي عاداتهم وَلَا يَنْبَغِي أَن يُجَاوز من مُلَاحظَة كَون الطَّاعَة مُؤثرَة بالخاصية مَتى مَا أمكن، وَلذَلِك شرع الْقصر فِي السّفر دون الاكساب الشاقة، وَدون الزراع والعمال، وَجوز للْمُسَافِر المترفه مَا جوز لغير المترفه، وَالْقَضَاء مِنْهُ قَضَاء بِمثل مَعْقُول، وَمِنْه بِمثل غير مَعْقُول، وَلما كَانَ أصل الطَّاعَة انقياد الْقلب لحكم الله ومؤاخذة النَّفس بتعظيم الله كَانَ كل من عمل عَن غير قصد وَلَا عَزِيمَة أَو هُوَ من جنس من لَا يتكامل قَصده وَلَا يتَمَكَّن من مُؤَاخذَة نَفسه بالتعظيم كَمَا يَنْبَغِي - من حَقه أَن يعْذر وَألا يضيق عَلَيْهِ كل التَّضْيِيق
وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يخرج قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة " الحَدِيث وَالله أعلم.

بَاب إِقَامَة الارتفاقات واصلاح الرسوم

قد ذكرنَا فِيمَا سبق تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا أَن الارتفاق الثَّانِي وَالثَّالِث مِمَّا جبل عَلَيْهِ الْبشر، وامتازوا بِهِ عَن سَائِر أَنْوَاع الْحَيَوَان، محَال أَن يتركوهما، أَو يهملوهما، وَأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ فِي كثير من ذَلِك إِلَى حَكِيم عَالم بِالْحَاجةِ وَطَرِيق الارتفاق مِنْهَا، منقاد للْمصْلحَة الْكُلية إِمَّا مستنبط بالفكر والروية أَو يكون نَفسه قد جبلت فِيهَا قُوَّة ملكية، فَيكون مهيئا لنزول عُلُوم من الْمَلأ الْأَعْلَى، وَهَذَا أتم الْأَمريْنِ وأوثق الْوَجْهَيْنِ، وَأَن الرسوم من الارتفاقات هِيَ بِمَنْزِلَة الْقلب من الْجَسَد، وَأَنه قد يدْخل فِي الرسوم مفاسد من جِهَة ترأس قوم لَيْسَ عِنْدهم مسكة الْعقل الْكُلِّي فَيخْرجُونَ إِلَى أَعمال سبعية أَو شهوية أَو شيطانية، فيروجونها، فيقتدي بهم أَكثر النَّاس، وَمن جِهَة أُخْرَى نَحْو ذَلِك، فتمس الْحَاجة إِلَى رجل قوي مؤيد من الْغَيْب منقاد للْمصْلحَة الْكُلية، ليغير رسومهم إِلَى الْحق بتدبير لَا يَهْتَدِي لَهُ فِي الْأَكْثَر إِلَّا المؤيدون من روح الْقُدس.
فَإِن كنت قد أحطت علما بِمَا هُنَالك فَاعْلَم أَن أصل بعثة الْأَنْبِيَاء وَإِن كَانَ لتعليم وُجُوه الْعِبَادَات أَولا وبالذات، لكنه قد تنضم مَعَ ذَلِك إِرَادَة إخمال الرسوم الْفَاسِدَة والحث
على وُجُوه من الارتفاقات، وَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بعثت لمحق المعازف ". وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق ".
وَاعْلَم أَنه لَيْسَ رضَا الله تَعَالَى فِي إهمال الارتفاق الثَّانِي وَالثَّالِث. وَلم يَأْمر بذلك أحد من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام. وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظَنّه قوم فروا إِلَى الْجبَال، وَتركُوا مُخَالطَة النَّاس رَأْسا فِي الْخَيْر وَالشَّر، وصاروا بِمَنْزِلَة الْوَحْش، وَلذَلِك رد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من أَرَادَ التبتل وَقَالَ: " مَا بعثت بالرهبانية وَإِنَّمَا بعثت بالملة الحنيفية السمحة " لَكِن الانبياء عَلَيْهِم السَّلَام أمروا بتعديل الارتفاقات، وَألا يبلغ بهَا حَال المتعمقين فِي الرَّفَاهِيَة كملوك الْعَجم، وَلَا ينزل بهَا إِلَى - حَال سكان شَوَاهِق الْجبَال اللاحقين بالوحش.
وَهنا قياسان متعارضان: أَحدهمَا أَن الترفه حسن يَصح بِهِ المزاج، ويستقيم بِهِ الْأَخْلَاق، وَيظْهر بِهِ الْمعَانِي الَّتِي امتاز بِهِ الْآدَمِيّ من سَائِر بني جنسه، والغباوة وَالْعجز وَنَحْوهمَا تنشأ من سوء التَّدْبِير.
وَثَانِيهمَا أَن الترفه قَبِيح لاحتياجه إِلَى منازعات ومشاركات وكد وتعب وإعراض عَن جَانب الْغَيْب وإهمال لتدبير الْآخِرَة، وَلذَلِك كَانَ المرضى التَّوَسُّط وإبقاء الارتفاقات وَضم الْأَذْكَار مَعهَا والآداب وانتهاز فرص للتوجه إِلَى الجبروت، وَالَّذِي أَتَى بِهِ الْأَنْبِيَاء قاطبة من عِنْد الله تَعَالَى فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن ينظر إِلَى مَا عِنْد الْقَوْم من آدَاب الْأكل وَالشرب واللباس وَالْبناء ووجوه الزِّينَة، وَمن سنة النِّكَاح وسيرة المتناكحين، وَمن طرق البيع وَالشِّرَاء، وَمن وُجُوه المزاجر عَن الْمعاصِي وَفصل القضايا وَنَحْو ذَلِك. فَإِن كَانَ الْوَاجِب بِحَسب الرَّأْي الْكُلِّي منطبقا عَلَيْهِ، فَلَا معنى لتحويل شَيْء مِنْهُ من مَوْضِعه وَلَا الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره، بل يجب أَن يحث الْقَوْم على الْأَخْذ بِمَا عِنْدهم، وَأَن يصوب رَأْيهمْ فِي ذَلِك، ويرشدوا إِلَى مَا فِيهِ من الْمصَالح، وَإِن لم ينْطق عَلَيْهِ، ومست الْحَاجة إِلَى تَحْويل شَيْء أَو إخماله لكَونه مفضيا إِلَى تأذي بَعضهم من بعض أَو تعمقا فِي لذات الْحَيَاة الدُّنْيَا وإعراضا عَن الْإِحْسَان، أَو من المسليات الَّتِي تُؤدِّي إِلَى إهمال مصَالح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَنَحْو ذَلِك - فَلَا يَنْبَغِي أَن يخرج إِلَى مَا يباين مألوفهم بِالْكُلِّيَّةِ، بل يحول إِلَى نَظِير مَا عِنْدهم أَو نَظِير مَا اشْتهر من الصَّالِحين الْمَشْهُود لَهُم بِالْخَيرِ عِنْد الْقَوْم، وَبِالْجُمْلَةِ فَإلَى مَا لَو ألقِي عَلَيْهِم لم تَدْفَعهُ عُقُولهمْ، بل اطمأنت بِأَنَّهُ حق، وَلِهَذَا الْمَعْنى اخْتلفت شرائع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام. والراسخ فِي الْعلم يعلم أَن الشَّرْع لم يَجِيء فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق، والمعاملات والزينة واللباس وَالْقَضَاء وَالْحُدُود وَقِسْمَة الْغَنِيمَة بِمَا لم يكن لَهُم بِهِ علم، أَو يترددوا فِيهِ إِذا كلفوا بِهِ، نعم إِنَّمَا وَقع إِقَامَة المعوج وَتَصْحِيح السقيم كَانَ قد كثر فيهم الرِّبَا، فنهوا عَنهُ، وَكَانُوا يبيعون الثِّمَار قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا يختصمون، ويحتجون بعاهات تصيبها فِيهِ عَن ذَلِك البيع، وَكَانَت الدِّيَة على عهد عبد الْمطلب عشرَة من الابل، فَلَمَّا رأى أَن الْقَوْم لَا يرتدعون عَن الْقَتْل بلغَهَا مائَة، فأبقاها النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذَلِك، وَأول قسَامَة وَقعت هِيَ الَّتِي كَانَت بِحكم أبي طَالب، وَكَانَ لرئيس الْقَوْم مرباع كل غَارة، فسن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخمس من كل غنيمَة، وَكَانَ قباذ وَابْنه أنوشروان وضعا عَلَيْهِم الْخراج وَالْعشر، فجَاء الشَّرْع بِنَحْوِ من ذَلِك، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يرجمون الزناة، ويقطعون السراق وَيقْتلُونَ النَّفس بِالنَّفسِ، فَنزل الْقُرْآن بذلك ... ، وأمثال هَذِه كَثِيرَة جدا لَا تخفى على المتتبع، بل لَو كنت فطنا محيطا بجوانب الْأَحْكَام لعَلِمت أَيْضا أَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام لم يَأْتُوا فِي الْعِبَادَات غير مَا عِنْدهم هُوَ أَو نَظِيره، لكِنهمْ نفوا تحريفات الْجَاهِلِيَّة، وضبطوا بالأوقات والأركان مَا كَانَ مُبْهما وأشاعوا بَين النَّاس مَا كَانَ خاملا.
اعْلَم أَن الْعَجم وَالروم لما توارثوا الْخلَافَة قرونا كَثِيرَة، وخاضوا فِي لَذَّة الدُّنْيَا، ونسوا الدَّار الْآخِرَة، واستحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان - تعمقوا
فِي مرافق الْمَعيشَة، وتباهوا بهَا، وَورد عَلَيْهِم حكماء الْآفَاق يستنبطون لَهُم دقائق المعاش ومرافقه، فَمَا زَالُوا يعْملُونَ بهَا، وَيزِيد بَعضهم على بعض، ويتباهون بهَا حَتَّى قيل إِنَّهُم كَانُوا يعيرون من كَانَ يلبس من صَنَادِيدهمْ، منْطقَة أَو تاجا قيمتهَا دون مائَة ألف دِرْهَم، أَولا يكون لَهُ قصر شامخ وآبزن وحمام وبساتين، وَلَا يكون لَهُ دَوَاب فارهة وغلمان حسان، وَلَا يكون لَهُ توسع فِي المطاعم وتجمل فِي الملابس، وَذكر ذَلِك يطول. .، وَمَا ترَاهُ من مُلُوك بلادك يُغْنِيك عَن حكاياتهم، فَدخل كل ذَلِك فِي أصُول معاشهم، وَصَارَ لَا يخرج من قُلُوبهم إِلَّا أَن تمزع وتولد من ذَلِك دَاء عضال دخل فِي جَمِيع أَعْضَاء الْمَدِينَة، وَآفَة عَظِيمَة لم يبْق مِنْهُم أحد من أسواقهم ورسناقهم وغنيهم وفقيرهم إِلَّا وَقد استولت عَلَيْهِ، وَأخذت بتلابيبه، وأعجزته فِي نَفسه، وأهاجت عَلَيْهِ غموما وهموما لَا أرجاء لَهَا، وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الْأَشْيَاء لم تكن لتحصل إِلَّا ببذل أَمْوَال خطيرة، وَلَا تحصل تِلْكَ الْأَمْوَال إِلَّا بِتَضْعِيف الضرائب على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عَلَيْهِم، فان امْتَنعُوا قاتلوهم، وعذبوهم، وَإِن أطاعوا جعلوهم بِمَنْزِلَة الْحمير وَالْبَقر يسْتَعْمل فِي النَّضْح والدياس والحصاد، وَلَا تقتني إِلَّا ليستعان بهَا فِي الْحَاجَات، ثمَّ لَا تتْرك سَاعَة من العناء حَتَّى صَارُوا لَا يرفعون رُؤْسهمْ إِلَى السَّعَادَة الأخوية أصلا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِك، وَرُبمَا كَانَ إقليم وَاسع لَيْسَ فيهم أحد يهمه دينه، وَلم يكن ليحصل أَيْضا إِلَّا بِقوم يتكسبون بتهيئة تِلْكَ المطاعم والملابس والابنية وَغَيرهَا، ويتركون أصُول المكاسب الَّتِي عَلَيْهَا بِنَاء نظام الْعَالم، وَصَارَ عَامَّة من يطوف عَلَيْهِم يتكلفون محاكاة الصناديد فِي هَذِه الْأَشْيَاء، وَإِلَّا لم يَجدوا عِنْدهم حظوة، وَلَا كَانُوا عِنْدهم على بَال، وَصَارَ جُمْهُور النَّاس عيالا على الْخَلِيفَة يَتَكَفَّفُونَ مِنْهُ تَارَة على أَنهم من الْغُزَاة والمدبرين للمدينة يترسمون برسومهم وَلَا يكون الْمَقْصُود دفع الْحَاجة وَلَكِن
الْقيام بسيرة سلفهم، وَتارَة على أَنهم شعراء جرت عَادَة الْمُلُوك بصلتهم، وَتارَة على أَنهم زهاد وفقراء يقبح من الْخَلِيفَة أَلا يتفقد حَالهم، فيضيق بَعضهم بَعْضًا، وتتوقف مكاسبهم على صُحْبَة الْمُلُوك والرفق بهم وَحسن المحاورة مَعَهم والتملق مِنْهُم، وَكَانَ ذَلِك هُوَ الْفَنّ الَّذِي تتعمق أفكارهم فِيهِ، وتضيع أوقاتهم مَعَه، فَلَمَّا كثرت هَذِه الأشغال تشبح فِي نفوس النَّاس هيآت خسيسة، وأعرضوا عَن الْأَخْلَاق الصَّالِحَة
وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة هَذَا الْمَرَض، فَانْظُر إِلَى قوم لَيست فيهم الْخلَافَة، وَلَا هم متعمقون فِي لذائذ الْأَطْعِمَة والألبسة - تَجِد كل وَاحِد مِنْهُم بِيَدِهِ أمره، وَلَيْسَ عَلَيْهِ من الضرائب الثَّقِيلَة مَا يثقل ظَهره، فهم يَسْتَطِيعُونَ التفرغ لأمر الدّين وَالْملَّة، ثمَّ تصور حَالهم لَو كَانَ فيهم الْخلَافَة، وملأوها، وَسَخِرُوا الرّعية، وتسلطوا عَلَيْهِم فَلَمَّا عظمت الْمُصِيبَة وَاشْتَدَّ هَذَا الْمَرَض - سخط عَلَيْهِم الله وَالْمَلَائِكَة المقربون، وَكَانَ رِضَاهُ تَعَالَى فِي معالجة هَذَا الْمَرَض بِقطع مادته، فَبعث نَبيا أُمِّيا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يخالط الْعَجم وَالروم، وَلم يترسم برسومهم، وَجعله ميزانا يعرف بِهِ الْهدى الصَّالح المرضي عِنْد الله من غير المرضي، وأنطقه بذم عادات الْأَعَاجِم وقبح الِاسْتِغْرَاق فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا والاطمئنان بهَا، وَنَفث فِي قلبه أَن يحرم عَلَيْهِم رُءُوس مَا اعتاده الْأَعَاجِم، وتباهوا بهَا كلبس الْحَرِير والقسى والأرجوان وَاسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وحلي الذَّهَب غير المقطع وَالثيَاب المصنوعة فِيهَا الصُّور وتزويق الْبيُوت وَغير ذَلِك، وَقضى بِزَوَال دولتهم بدولته، ورياستهم برياسته، وَبِأَنَّهُ هلك كسْرَى، فَلَا كسْرَى بعده وَهلك قَيْصر، فَلَا قَيْصر بعده.
وَاعْلَم أَنه كَانَ فِي أهل الْجَاهِلِيَّة مناقشات ضيقت على الْقَوْم وصعبت، وَلم يكن زَوَالهَا إِلَّا بِقطع رُءُوسهم فِي ذَلِك الْبَاب كثأر القتلة كَانَ الْإِنْسَان يقتل إنْسَانا فَيقْتل ولي الْمَقْتُول أَخا الْقَاتِل أَو ابْنه، وَيعود هَذَا فَيقْتل وَاحِدًا
مِنْهُم، ويدور الْأَمر كَذَلِك فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل دم مَوْضُوع تَحت قدمي هَذِه، وَأول دم أَضَعهُ دم ربيعَة " وكالمواريث وَكَانَ رُؤَسَاء الْقَوْم يقضون فِيهَا بقضايا مُخْتَلفَة، وَكَانَ النَّاس لَا يمتنعون من نَحْو غصب وَربا، فيمرقون على ذَلِك، ثمَّ يَأْتِي قرن آخر، فيحتجون بحجج، فَقطع النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المناقشة من بَينهم، فَقَالَ كل شَيْء أدْركهُ الاسلام يقسم على حكم الْقُرْآن، وكل مَا قسم فِي الْجَاهِلِيَّة، أَو حازه إِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة بِوَجْه من الْوُجُوه، فَهُوَ على مَا كَانَ لَا ينْقض، وكالربا كَانَ أحدهم يقْرض مَالا وَيشْتَرط زِيَادَة، ثمَّ يضيق عَلَيْهِ، فَيجْعَل المَال وَمَا اشْترط جَمِيعًا أصلا، وَيشْتَرط الزِّيَادَة عَلَيْهِ وهلم جرا حَتَّى يصير قناطير مقنطرة، فَوضع الرِّبَا، وَقضى بِرَأْس المَال.
{لَا تظْلمُونَ وَلَا تظْلمُونَ}
إِلَى غير ذَلِك من أُمُور لم تكن لتترك لَوْلَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاعْلَم أَنه رُبمَا يشرع للنَّاس رسم قطعا لضغائنهم كالابتداء من الْيَمين فِي السَّقْي وَنَحْوه، فَإِنَّهُ قد يكون نَاس متشاكسون، وَلَا يسلم الْفضل ليبدأ بِصَاحِبِهِ، فَلَا تَنْقَطِع المناقشة بَينهم إِلَّا بِمثل ذَلِك، وكأمامة صَاحب الْبَيْت، وكتقدم صَاحب الدَّابَّة على رَفِيقه إِذا ركباها وَنَحْو ذَلِك، وَالله أعلم.

بَاب الْأَحْكَام الَّتِي يجر بَعْضهَا لبَعض

قَالَ الله تَعَالَى:
{وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر أَن كُنْتُم لَا تعلمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يتفكرون}
اعْلَم أَن أَن الله تَعَالَى بعث نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليبين للنَّاس مَا أوحاه إِلَيْهِ من أَبْوَاب الْعِبَادَات؛ ليأخذوا بهَا وَمن أَبْوَاب الآثام، ليجتنبوها، وَمَا ارْتَضَاهُ لَهُم من الارتفاقات، ليقتدوا بهَا ... ، وَمن هَذَا الْبَيَان أَن يعلمهُمْ مَا يَقْتَضِيهِ الْوَحْي، أَو يُومِئ أليه وَنَحْو ذَلِك.
وَهَذِه أصُول يخرج عَلَيْهَا جملَة عَظِيمَة من أَحَادِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَذْكُر هَهُنَا معظمها: مِنْهَا أَن الله تَعَالَى إِذا أجْرى سنته على نَحْو بِأَن رتب الْأَسْبَاب مفضية إِلَى مسبباتها، لتنظم الْمصلحَة الْمَقْصُودَة بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة وَرَحمته التَّامَّة - اقْتضى ذَلِك أَن يكون تغير خلق الله شرا وسعيا فِي الافساد وسببا لترشح النفرة عَلَيْهِ من الْمَلأ الْأَعْلَى، فَلَمَّا خلق الله الْإِنْسَان على وَجه لَا يتكون فِي أَكثر الْأَوْقَات والأحيان من الأَرْض تكون الديدان مِنْهَا، وَكَانَت حكمته تقضى بَقَاء نوع الْإِنْسَان، بل انتشار أَفْرَاده وكثرتهم فِي الْعَالم - أودع فيهم قوى التناسل، ورغبهم فِي طلب النَّسْل، وَجعل الغلمة مسلطة عَلَيْهِم مِنْهُم؛ ليقضي الله بذلك أمرا أوجبته الْحِكْمَة الْبَالِغَة، فَلَمَّا أطلع الله النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هَذَا السِّرّ، وكشف عَلَيْهِ جلية الْحَال - اقْتضى ذَلِك أَن ينْهَى عَن قطع هَذَا السَّبِيل وإهمال تِلْكَ القوى
الْمُقْتَضِيَة أَو صرفهَا فِي غير محلهَا، وَلذَلِك نهى أَشد النَّهْي عَن الخصاء واللواطة وَكره الْعَزْل.
وَاعْلَم أَن أَفْرَاد الْإِنْسَان عِنْد سَلامَة مزاجها وتمكين الْمَادَّة وَأَحْكَام النَّوْع من نَفسهَا - تكون على هَيْئَة مَعْلُومَة من اسْتِوَاء الْقَامَة وَظُهُور الْبشرَة وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا حكم النَّوْع وَمُقْتَضَاهُ وأثره فِي الْأَفْرَاد، وَفِي الْخَيْر العالي طلب واقتضاء لبَقَاء الْأَنْوَاع وَظُهُور اشباحها فِي الأَرْض، وَلذَلِك كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمر بقتل الْكلاب، ثمَّ نهى عَن ذَلِك، وَقَالَ: " إِنَّهَا أمة من الْأُمَم " يَعْنِي أَن النَّوْع لَهُ مُقْتَض عِنْد الله، وَنفى أشباحه من الأَرْض غير مرضى، وَهَذَا الِاقْتِضَاء ينجر إِلَى اقْتِضَاء ظُهُور أَحْكَام النَّوْع فِي الْأَفْرَاد، فمنافضة هَذَا الِاقْتِضَاء وَالسَّعْي فِي رد قَبِيح منافر للْمصْلحَة الْكُلية، وعَلى هَذِه الْقَاعِدَة يخرج التَّصَرُّف فِي الْبدن بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ حكم النَّوْع كالخصاء والتفلج والتنمص وَنَحْو ذَلِك، أما الْكحل والتسريح فان ذَلِك كالاعانة على ظُهُور الْأَحْكَام الْمَقْصُودَة والموافقة بهَا، وَلما شرع الله تَعَالَى لبني آدم شَرِيعَة يَنْتَظِم بهَا شملهم، وَيصْلح بهَا حَالهم، كَانَ فِي الملكوت دَاعِيَة لظهورها كَانَ أمرهَا كأمرها الْأَنْوَاع فِي طلب ظُهُور الأشباح فِي الأَرْض، وَلذَلِك كَانَ السَّعْي فِي إهمالها مسخوطا عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى منافرا لما هُوَ مقتضاهم ومطمح هَمهمْ، وَكَذَلِكَ الارتفاقات الَّتِي أحمع عَلَيْهَا طوائف النَّاس من عربهم وعجمهم وأقاصيهم وأدانيهم فَإِنَّهَا كالأمر الطبيعي. فَلَمَّا شرع الله تَعَالَى الْإِيمَان والبينات مُوضحَة لجلية الْحَال اقْتضى ذَلِك أَن تكون شَهَادَة الزُّور وَالْيَمِين الكاذبة مسخوطة عِنْد الله وَمَلَائِكَته.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أوحى إِلَيْهِ بِحكم من أَحْكَام الشَّرْع، واطلع على حكمته وَسَببه كَانَ لَهُ أَن يَأْخُذ تِلْكَ الْمصلحَة، وَينصب لَهَا عِلّة، ويدير عَلَيْهَا ذَلِك الحكم، وَهَذَا قِيَاس النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ، وَإِنَّمَا قِيَاس أمته أَن يعرفوا عِلّة الحكم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ، فيديروا الحكم حَيْثُ دارت، مِثَاله الْأَذْكَار الَّتِي وَقتهَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصباح والمساء وَوقت النّوم، فَإِنَّهُ لما اطلع على حِكْمَة شرع الصَّلَوَات اجْتهد فِي ذَلِك.
وَمِنْهَا أَنه إِذا فهم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من آيَة وَجه سوق الْكَلَام، وَإِن لم يكن غَيره يفهم مِنْهُ ذَلِك لدقة مأخذه أَو تزاحم الِاحْتِمَالَات فِيهِ - كَانَ لَهُ أَن يحكم حَسْبَمَا فهم كَقَوْلِه تَعَالَى:
{إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله}
فهم مِنْهُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن تَقْدِيم الصَّفَا على الْمَرْوَة لأجل مُوَافقَة الْبَيَان لما هُوَ الْمَشْرُوع لَهُم كَمَا قد يكون لموافقة السُّؤَال وَنَحْو ذَلِك، فَقَالَ: " ابدءوا مَا بَدَأَ الله بِهِ " وَكَقَوْلِه تَعَالَى:
{لَا تسجدوا للشمس وَلَا للقمر واسجدوا لله الَّذِي خَلقهنَّ}
وَقَوله تَعَالَى:
{فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين}
فهم مِنْهُمَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِحْبَاب أَن يعبدوا الله تَعَالَى عِنْد الْكُسُوف والخسوف، وَكَقَوْلِه تَعَالَى:
{وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب} الْآيَة
فهم مِنْهُ أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة فرض يحْتَمل السُّقُوط عِنْد الْعذر، فَخرج حكم من تحرى فِي اللَّيْلَة الظلماء، فاخطأ جِهَة الْقبْلَة، وَصلى لغَيْرهَا، وَحكم الرَّاكِب على الدَّابَّة يُصَلِّي النَّافِلَة خَارج الْبَلَد.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر الله تَعَالَى أحدا بِشَيْء من مُعَاملَة النَّاس اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر النَّاس بالانقياد لَهُ فِيهَا، فَلَمَّا أَمر الْقُضَاة أَن يقيموا الْحُدُود اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر العصاة بِأَن ينقادوا لَهُم فِيهَا، وَلما أَمر الْمُصدق بِأخذ الزَّكَاة من الْقَوْم أمروا أَلا يصدر عَنْهُم إِلَّا رَاضِيا، وَلما أَمر النِّسَاء أَن يسترن أَمر الرِّجَال أَن يغضوا أَبْصَارهم عَنْهُن. وَمِنْهَا أَنه إِذا نهى عَن شَيْء اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر بضده وجوبا أَو ندبا حسب اقْتِضَاء الْحَال، وَإِذا أَمر بِشَيْء اقْتضى ذَلِك أَن ينْهَى عَن ضِدّه فَلَمَّا أَمر بِصَلَاة الْجُمُعَة وَالسَّعْي إِلَيْهَا وَجب أَن ينْهَى عَن الِاشْتِغَال بِالْبيعِ والمكاسب حِينَئِذٍ.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر بِشَيْء حتما اقْتضى ذَلِك أَن يرغب فِي مقدماته ودواعيه، وَإِذا نهى عَن شَيْء حتما اقْتضى ذَلِك أَن يسدد ذرائعه، وَيحمل دواعيه، وَلما كَانَت عبَادَة الصَّنَم إِثْمًا وَكَانَت المخالطة بالصور والأصنام مفضية إِلَيْهِ كَمَا وَقع فِي الْأُمَم السالفة وَجب أَن يقبض على أَيدي المصورين، وَلما كَانَ شرب الْخمر إِثْمًا وَجب أَن يقبض على أَيدي العصارين، وَينْهى عَن الْحُضُور على الْمَائِدَة الَّتِي فِيهَا خمر، وَلما كَانَ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة إِثْمًا وَجب أَن ينْهَى عَن بيع السِّلَاح فِي وَقت الْفِتْنَة.
وَنَظِير هَذَا الْبَاب من سياسة الْمَدِينَة أَنهم لما اطلعوا على مفْسدَة دس السم فِي الطَّعَام وَالشرَاب أخذُوا المواثيق من بائعي الْأَدْوِيَة أَلا يبيعوا السم إِلَّا قدرا لَا يهْلك شَاربه غَالِبا، وَلما اطلعوا على خِيَانَة قوم اشترطوا عَلَيْهِم
أَلا يركبُوا الْخَيل، وَلَا يحملوا السِّلَاح ... ، وَكَذَلِكَ بَاب الْعِبَادَات لما كَانَت الصَّلَاة أعظم أَبْوَاب الْخَيْر وَجب أَن يحض على الْجَمَاعَة فانها إِعَانَة على الْأَخْذ بهَا، وَوَجَب أَن يحض على الْأَذَان، ليحصل الِاجْتِمَاع فِي زمَان وَاحِد فِي مَكَان وَاحِد، وَوَجَب الْحَث على بِنَاء الْمَسَاجِد وتطييبها وتنظيفها، وَلما كَانَت معرفَة أول يَوْم من رَمَضَان متوقفة عِنْد الْغَيْم وَنَحْوه على عدَّة شعْبَان اسْتحبَّ إحصاء هِلَال شعْبَان. وَنَظِيره من سياسة الْمَدِينَة أَنهم لما رَأَوْا فِي الرَّمْي مَنْفَعَة عَظِيمَة أمروا بالاكثار من اصطناع القسى والنبل وَالتِّجَارَة فِيهَا.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر بِشَيْء، أَو نهى عَن شَيْء أقضى ذَلِك بذلك أَن يُنَوّه بشأن المطيعين، ويزدري بالعصاة، وَلما كَانَت قِرَاءَة الْقُرْآن مَطْلُوبا شيوعها والمواظبة عَلَيْهَا وَجب أَن يسن أَلا يؤمهم إِلَّا أقرؤهم، وَأَن يوقر الْقُرَّاء فِي الْمجَالِس، وَلما كَانَ الْقَذْف إِثْمًا وَجب أَن يسْقط الْقَاذِف من مرتبَة قبُول الشَّهَادَة، وعَلى ذَلِك يخرج مَا ورد من النَّهْي عَن مفاتحة المبتدع وَالْفَاسِق بِالسَّلَامِ وَالْكَلَام ... ، وَنَظِيره من سياسة الْمَدِينَة زِيَادَة جَائِزَة الرُّمَاة وتقديمهم فِي الاثبات والاعطاء.
وَمِنْهَا أَنه إِذا أَمر الْقَوْم بِشَيْء، أَو نهوا عَنهُ كَانَ من حق ذَلِك أَن يؤمروا بعزيمة الْأَقْدَام على هَذَا والكف عَن ذَلِك وَأَن يَأْخُذُوا قُلُوبهم باضمار الداعية حسب الْفِعْل، وَلذَلِك ورد التوبيخ عَن إِضْمَار أَن يقْصد عدم الْأَدَاء فِي الْقَرْض وَالْمهْر. وَمِنْهَا أَنه إِذا كَانَ شَيْء يحْتَمل مفْسدَة كَانَ من حَقه أَن يكره كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَلَا يغمس يَده فِي الاناء، فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَبِالْجُمْلَةِ علم الله نبيه أحكاما من الْعِبَادَات والارتفاقات فبينها النَّبِي
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا النَّحْو من الْبَيَان وَخرج مِنْهَا أحكاما جليلة فِي كل بَاب بَاب، وَهَذَا الْبَاب من الْبَيَان مَعَ الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى تلقاهما فُقَهَاء الْأمة من بَين عُلُوم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووعاهما قُلُوبهم بتدبر، فانشعب مِنْهَا مَا أودعوه فِي مصنفاتهم وكتبهم، وَالله أعلم.

بَاب ضبط الْمُبْهم وتميز الْمُشكل والتخريج من الْكُلية وَنَحْو ذَلِك

اعْلَم أَن كثير من الْأَشْيَاء الَّتِي أديرت الْأَحْكَام على أساميها مَعْلُوم بالمثال وَالْقِسْمَة، غير مَعْلُوم بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع الَّذِي يكْشف حَال كل فَرد فَرد أَنه مِنْهُ أَولا كالسرقة قَالَ الله تَعَالَى:
{وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا}
أجري الْحَد على اسْم السَّارِق، وَمَعْلُوم أَن الْوَاقِع فِي قصَّة بني الأبيرق وَطعيمَة وَالْمَرْأَة المخزومية هِيَ السّرقَة وَمَعْلُوم أَن اخذ مَال الْغَيْر أَقسَام: مِنْهَا السّرقَة، وَمِنْهَا قطع الطَّرِيق، وَمِنْهَا الاختلاس، وَمِنْهَا الْخِيَانَة، وَمِنْهَا الِالْتِقَاط، وَمِنْهَا الْغَصْب، وَمِنْهَا قلَّة المبالاة، وَفِي مثل ذَلِك رُبمَا يسْأَل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن صُورَة صُورَة هَل هِيَ من السّرقَة سُؤال مقَال أَو سُؤال حَال، فَيجب عَلَيْهِ أَن يبين حَقِيقَة السّرقَة متميزة عَمَّا يشاركها بِحَيْثُ يَتَّضِح حَال كل فَرد فَرد، وَطَرِيق التميز أَن ينظر إِلَى ذاتيات هَذِه الْأَسَامِي الَّتِي لَا تُوجد فِي السّرقَة، وَيَقَع بهَا التفارق بَين الْقبْلَتَيْنِ وَإِلَى ذاتيات السّرقَة الَّتِي يفهمها أهل الْعرف من تِلْكَ اللَّفْظَة، ثمَّ يضْبط السّرقَة بِأُمُور معنوية يحصل بهَا التَّمْيِيز، فَيعلم مثلا أَن قطع الطَّرِيق والحرابة وَنَحْوهمَا من الْأَسَامِي تنبئ عَن اعْتِمَاد الْقُوَّة بِالنِّسْبَةِ إِلَى المظلومين وَاخْتِيَار مَكَان أَو زمَان لَا يلْحق فِيهِ
الْغَوْث من الْجَمَاعَة، وَأَن الاختلاس يُنبئ عَن اختطاف على أعين النَّاس، وَفِي مرأى مِنْهُم ومسمع، والخيانة تنبئ عَن تقدم شركَة أَو مباسطة، وَحفظ الِالْتِقَاط يُنبئ عَن وجدان شَيْء فِي غير حرز،
وَالْغَصْب يُنبئ عَن غَلَبَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَظْلُوم جهرة مُعْتَمدًا على جدل أَو ظن أَلا ترفع الْقَضِيَّة إِلَى الْوُلَاة، أَو لَا ينْكَشف عَلَيْهِم جلية الْحَال، أَو لَا يقضوا بِحَق لنَحْو رشوة، وَقلة المبالاة تقال فِي الشَّيْء التافه الَّذِي جرى الْعرف ببذله والمواساة بِهِ كَالْمَاءِ والحطب، وَالسَّرِقَة تنبئ عَن الْأَخْذ خُفْيَة، فضبط النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السّرقَة بِربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم، ليتميز عَن التافه وَقَالَ: " لَيْسَ على خائن وَلَا منتهب وَلَا مختلس قطع " وَقَالَ " لَا قطع فِي ثَمَر مُعَلّق وَلَا فِي حريسة الْجَبَل " يُشِير إِلَى اشْتِرَاط الْحِرْز و، كالرفاهية الْبَالِغَة فَإِنَّهَا مفْسدَة غير مضبوطة، وَلَا متميز مواقع وجودهَا بأمارات ظَاهِرَة يُؤَاخذ بهَا الأداني والأقاصي، وَلَا يشْتَبه على أحد أَن الرَّفَاهِيَة متحققة فِيهَا، مَعْلُوم أَن عَادَة الْعَجم فِي اقتناء المراكب الفارهة والأبنية الشامخة وَالثيَاب الرفيعة والحلي المترفة وَنَحْو ذَلِك من الرَّفَاهِيَة الْبَالِغَة، وَمَعْلُوم أَن الترفه مُخْتَلف باخْتلَاف النَّاس، فترفه قوم تقشف عِنْد الآخرين، وجيد إقليم تافه فِي إقليم آخر، وَمَعْلُوم أَن الارتفاق قد يكون بالجيد وبالرديء وَالثَّانِي لَيْسَ بترفه ... ، والارتفاق بالجيد قد يكون من غير قصد إِلَى جودته، أَو من غير أَن يكون ذَلِك غَالِبا عَلَيْهِ فِي أَكثر أمره، فَلَا يُسمى فِي الْعرف مترفها، فَأطلق الشَّرْع التنبه على مفاسد الرَّفَاهِيَة مُطلقًا، وَخص أَشْيَاء وجدهم لَا يرتفقون بهَا إِلَّا للترفه، وَوجد الترفه بهَا عَادَة فَاشِية فيهم، وَرَأى أهل الْعَصْر من الْعَجم وَالروم كالمجمعين على ذَلِك، فنصبها مَظَنَّة للرفاهية الْبَالِغَة، وحرمها، وَلم ينظر إِلَى الارتفاقات النادرة، وَلَا إِلَى عَادَة الأقاليم الْبَعِيدَة، فتحريم الْحَرِير وأواني الذَّهَب وَالْفِضَّة من هَذَا الْبَاب، ثمَّ أَنه وجد حَقِيقَة الرَّفَاهِيَة اخْتِيَار الْجيد
من كل الارتفاق والأعراض عَن رَدِيئَة، والرفاهية الْبَالِغَة اخْتِيَار الْجيد وَترك الردئ من جنس وَاحِد، وَوجد من الْمُعَامَلَات مَا لَا يقْصد فِيهِ إِلَّا اخْتِيَار الْجيد والإعراض عَن الردئ من جنس وَاحِد اللَّهُمَّ إِلَّا فِي مواد قَليلَة لَا يعبأ بهَا فِي قوانين الشَّرَائِع فَحَرمهَا لِأَنَّهَا كالشبح لِمَعْنى الرَّفَاهِيَة وكالتمثال لَهَا وتحريمها كالمقتضى الطبيعي لكراهته الرَّفَاهِيَة وَإِذا كَانَت مظان الشَّيْء مُحرمَة لأَجله وَجب أَن يحرم شبحه وتمثاله بِالْأولَى، وَتَحْرِيم بيع النَّقْد وَالطَّعَام بجنسهما مُتَفَاضلا مخرج على هَذِه الْقَاعِدَة، وَلم يحرم اشْتِرَاء الْجيد بِالثّمن الغالي لِأَن الثّمن ينْصَرف إِلَى ذَات الْمَبِيع دون وَصفه عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس وَلم يحرم اشْتِرَاء جَارِيَة بجاريتين، وَلَا ثوب بثوبين لِأَنَّهَا من ذَوَات الْقيم فتنصرف زِيَادَة الثّمن إِلَى خَواص الشَّخْص، وَتَكون الْجَوْدَة مغمورة فِي تِلْكَ الْخَواص، فَلَا يتَحَقَّق اعْتِبَار الْجَوْدَة بَادِي الرَّأْي.
وَمِمَّا مهدنا ينْكَشف كثير من النكت الْمُتَعَلّقَة بِهَذَا الْبَاب كسبب كَرَاهِيَة بيع الْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ وَغير ذَلِك، فليتدبر، وَقد يكون شيآن مشتبهين لَا يتميزان لأمر خَفِي لَا يُدْرِكهُ إِلَّا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والراسخون فِي الْعلم من أمته، فتمس الْحَاجة إِلَى معرفَة عَلامَة ظَاهِرَة لكل مِنْهُمَا وإدارة حكم الْبر وَالْإِثْم على علاماتهما، وَأَحْكَام التَّفْرِيق بَينهمَا (مِثَاله) النِّكَاح والسفاح فحقيقة النِّكَاح إِقَامَة الْمصلحَة الَّتِي يبْنى عَلَيْهَا نظام الْعَالم بالتعاون بَين الزَّوْج وَزَوجته وَطلب النَّسْل وتحصين الْفرج وَنَحْو ذَلِك، وَذَلِكَ مرضى عَنهُ مَطْلُوب، وَحَقِيقَة السفاح جَرَيَان النَّفس فِي غلوائها وإمعانها فِي اتِّبَاع شهوتها وخرق جِلْبَاب الْحيَاء والتقيد عَنْهَا وَترك التعريج إِلَى الْمصلحَة الْكُلية والنظام الْكُلِّي، وَذَلِكَ مسخوط عَلَيْهِ مَمْنُوع عَنهُ، وهما متشابهان فِي أَكثر الصُّور، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي قَضَاء الشَّهْوَة وَإِزَالَة ألم الغلمة والميل إِلَى النِّسَاء وَنَحْو ذَلِك، فمست الْحَاجة إِلَى تميز كل وَاحِد عَن صَاحبه بعلامة ظَاهِرَة، وإدارة الطّلب وَالْمَنْع عَلَيْهَا، فحض النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّكَاح بِأُمُور (مِنْهَا) أَن يكون بِالنسَاء دون الرِّجَال، فَإِن طلب النَّسْل لَا يكون
إِلَّا مِنْهُنَّ، وَأَن يكون من عزم ومشورة وإعلان، فَشرط حُضُور الشُّهُود والأولياء ورضا الْمَرْأَة، وَمِنْهَا توطين النَّفس على التعاون، وَلَا يكون ذَلِك فِي الْأَكْثَر إِلَّا بِأَن يكون دَائِما لَازِما غير مُؤَقّت، فَحرم نِكَاح السِّرّ والمتعة، وَحرم اللواطة، وَرُبمَا يكون فعل من الْبر مشتبها بِمَا هُوَ من مُقَدمَات الآخر، فتمس الْحَاجة إِلَى التَّفْرِقَة بَينهمَا كالقومة شرعت فاصلة بَين الرُّكُوع والانحناء الَّذِي هُوَ من مُقَدمَات السُّجُود، وَرُبمَا لَا يكون الشَّيْء متكثر الارتفاق كالجلوس بَين السَّجْدَتَيْنِ، وَرُبمَا يكون الشَّرْط أَو الرُّكْن فِي الْحَقِيقَة أمرا خفِيا وفعلا من أَفعَال الْقلب، فينصب لَهُ إِمَارَة من أَفعَال الْجَوَارِح أَو الْأَقْوَال، وَيجْعَل هُوَ ركنا ضبطا للخفي بِهِ كالنية، وإخلاص الْعَمَل لله أَمر خَفِي، فنصب اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَالتَّكْبِير لَهُ مَظَنَّة، وَجعلا أصلا فِي الصَّلَاة، وَإِذا ورد النَّص بِصِيغَة، أَو اقْتضى الْحَال إِقَامَة نوع مدارا للْحكم، ثمَّ حصل فِي بعض الْموَاد اشْتِبَاه، فَمن حَقه أَن يرجع فِي تَفْسِير تِلْكَ الصِّيغَة أَو تَحْقِيق حد جَامع مَانع لذَلِك النَّوْع إِلَى عرف الْعَرَب، كَمَا ورد النَّص فِي الصَّوْم بِشَهْر رَمَضَان، ثمَّ وَقع الِاشْتِبَاه فِي صُورَة الْغَيْم، فَكَانَ الحكم مَا عِنْد الْعَرَب من إِكْمَال عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ، وَأَن الشَّهْر قد يكون ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَقد يكون تِسْعَة وَعشْرين، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّا أمة أُميَّة لَا نكتب وَلَا نحسب الشَّهْر كَذَا " الحَدِيث. وكما ورد النَّص فِي الْقصر بِصِيغَة السّفر، ثمَّ وَقع الِاشْتِبَاه فِي بعض الْموَاد، فَحكم الصَّحَابَة أَنه خُرُوج من الوطن إِلَى مَوضِع لَا يصل إِلَيْهِ فِي يَوْمه ذَلِك وَلَا أَوَائِل ليلته تِلْكَ، وَمن ضَرُورَته أَن يكون مسيرَة يَوْم وَشَيْء مُعْتَد بِهِ من الْيَوْم الآخر، فيضبط بأَرْبعَة برد. وَاعْلَم أَن الْعُمْدَة فِي تَخْصِيص النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحكم من بَين أمته أَن يكون الحكم رَاجعا إِلَى مَظَنَّة شَيْء دون حَقِيقَته، وَهُوَ قَول طَاوس فِي رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر إِنَّمَا نهى عَنْهُمَا لِئَلَّا يتَّخذ سلما، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعرف الْحَقِيقَة، فَلَا اعْتِبَار فِي حَقه للمظنة بعد مَا عرف
المثنه كتزوج أَكثر من أَرْبَعَة نسْوَة هُوَ مَظَنَّة ترك الاحسان فِي الْعشْرَة الزَّوْجِيَّة وإهمال أمرهن، وَيشْتَبه على سَائِر النَّاس، أما النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ يعرف مَا هُوَ المرضى عَنهُ فِي الْعشْرَة الزَّوْجِيَّة، فَأمر بِنَفسِهِ دون مظنته، أَو يكون رَاجعا إِلَى تَحْقِيق الرَّسْم دون معنى تَهْذِيب النَّفس كنهيه عَن بيع وَشرط، ثمَّ ابْتَاعَ من جَابر بَعِيرًا على أَن لَهُ ظَهره إِلَى الْمَدِينَة، أَو يكون مفضيا إِلَى شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَيْسَ لَهُ مسكة الْعِصْمَة، وَهُوَ قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فِي قبْلَة الصَّائِم أَيّكُم يملك أربه كَمَا كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يملك أربه، أَو تكون نَفسه الْعَالِيَة مقتضية لنَوْع من الْبر فَيُؤْمَر بِهِ لِأَن هَذِه النَّفس تشتاق إِلَى زِيَادَة التَّوَجُّه إِلَى الله، وَإِلَى زِيَادَة خلع جِلْبَاب الْغَفْلَة، كَمَا يشتاق الرجل الْقوي إِلَى أكل طَعَام كثير كالتهجد وَالضُّحَى وَالْأُضْحِيَّة على قَول، وَالله أعلم.

بَاب التَّيْسِير

قَالَ الله تَعَالَى:
{فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك} .
وَقَالَ:
{يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر} .
وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي مُوسَى، ومعاذ بن جبل رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لما بعثهما إِلَى الْيمن " يسرا، وَلَا تعسرا، وبشرا
وَلَا تنفرا، وتطاوعا، وَلَا تختلفا، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنَّمَا بعثتم ميسرين، وَلم تبعثوا معسرين ".
والتيسير يحصل بِوُجُوه مِنْهَا أَلا يَجْعَل شَيْء يشق عَلَيْهِم ركنا أَو شرطا لطاعة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة ".
وَمِنْهَا أَن يَجْعَل شَيْء من الطَّاعَات رسوما يتباهون بهَا دَاخِلَة فِيمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بداعية من عِنْد أنفسهم كالعيدين وَالْجُمُعَة وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " ليعلم الْيَهُود أَن فِي ديننَا فسحة " فَإِن التجمل فِي الاجتماعات الْعَظِيمَة والمنافسة فِيمَا يرجع إِلَى التباهي ديدن النَّاس.
وَمِنْهَا أَن يسن لَهُم فِي الطَّاعَات مَا يرغبون فِيهِ بطبيعتهم لتَكون الطبيعة دَاعِيَة إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْعقل فيتعاضد الرغبتان، وَلذَلِك سنّ تطييب الْمَسَاجِد وتنظيفها والاغتسال يَوْم الْجُمُعَة والتطيب فِيهِ، وَاسْتحبَّ التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ وَحسن الصَّوْت بالاذان.
وَمِنْهَا أَن يوضع عَنْهُم الإصر، وَمَا يتنفرون مِنْهُ بطبيعتهم، وَلذَلِك كره إِمَامَة العَبْد والأعرابي ومجهول النّسَب، فَإِن الْقَوْم ينجحمون من الِاقْتِدَاء بِمثل ذَلِك.
وَمِنْهَا أَن يبقي عَلَيْهِم شَيْء مِمَّا تَقْتَضِيه طبيعة أَكْثَرهم، أَو يَجدونَ عِنْد تَركه حرجا فِي أنفسهم كالسلطان هُوَ أَحَق بالامامة، وَصَاحب الْبَيْت أَحَق بالامامة، وَالَّذِي ينْكح امْرَأَة جَدِيدَة يَجْعَل لَهَا سبعا أَو ثَلَاثًا، ثمَّ يقسم بَين أَزوَاجه.
وَمِنْهَا أَن يَجْعَل السّنة بَينهم تَعْلِيم الْعلم والمواعظة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؛ لتمتلئ بِهِ أوعية قُلُوبهم، فينقادوا للنواميس من غير كلفة، وَكَانَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتخولهم بالمواعظة.
وَمِنْهَا أَن يفعل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفعالا مِمَّا يَأْمُرهُم بِهِ أَو يرخصهم فِيهِ ليعتبروا بِفِعْلِهِ.
وَمِنْهَا أَن يدعوا الله تَعَالَى أَن يَجْعَل الْقَوْم مهذبين كَامِلين.
وَمِنْهَا أَن تنزل عَلَيْهِم سكينَة من رَبهم بِوَاسِطَة الرَّسُول، فيصيروا بَين يَدَيْهِ بِمَنْزِلَة من على رَأسه الطير. وَمِنْهَا أَن يرغم أنف من أَرَادَ غير الْحق بتأييسه كالقاتل لَا يَرث، وَالْمكْره فِي الطَّلَاق لَا ينفذ طَلَاقه، فَيكون كابحا للجبارين من الاكراه إِذْ لم يحصل غرضهم.
وَمِنْهَا أَلا يشرع لَهُم مَا فِيهِ مشقة إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا وَهُوَ قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا إِنَّمَا أنزل أول نزل مِنْهُ سور من الْمفصل فِيهَا ذكر الْجنَّة وَالنَّار، حَتَّى إِذا ثاب النَّاس إِلَى الْإِسْلَام نزل الْحَلَال وَالْحرَام، وَلَو نزل أول شَيْء لَا تشْربُوا الْخمر لقالوا لَا نَدع الْخمر أبدا، وَلَو نزل لَا تَزْنُوا لقالوا لَا نَدع الزِّنَا أبدا.
وَمِنْهَا أَن لَا يفعل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تخْتَلف بِهِ قُلُوبهم، فَيتْرك بعض الْأُمُور المستحبة لذَلِك، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَائِشَة " لَوْلَا حدثان قَوْمك بالْكفْر لنقضت الْكَعْبَة، وبنيتها على أساس إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ".
وَمِنْهَا أَن الشَّارِع أَمر بأنواع الْبر من الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَغَيرهَا، وَلم يَتْرُكهَا مفوضة إِلَى عُقُولهمْ، بل ضَبطهَا بالأركان والشروط والآداب وَنَحْوهَا، ثمَّ لم يضْبط الْأَركان والشروط والآداب كثير ضبط، بل تَركهَا مفوضة إِلَى عُقُولهمْ وَإِلَى مَا يفهمونه من تِلْكَ الْأَلْفَاظ، وَمَا يعتادونه فِي ذَلِك الْبَاب، فَبين مثلا أَنه لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب، وَلم يبين مخارج الْحُرُوف الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة قِرَاءَة الْفَاتِحَة وتشديداتها وحركاتها وسكناتها، وَبَين أَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة شَرط فِي الصَّلَاة، وَلم يبين قانونا نَعْرِف بِهِ استقبالها، وَبَين أَن نِصَاب الزَّكَاة مِائَتَا دِرْهَم، وَلم يبين أَن الدِّرْهَم مَا وَزنه، وَحَيْثُ سُئِلَ عَن مثل ذَلِك لم يزدْ على مَا عِنْدهم، وَلم يَأْتهمْ بِمَا لَا يجدونه فِي عاداتهم، فَقَالَ فِي مَسْأَلَة هِلَال شهر رَمَضَان " فَإِذا غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " وَقَالَ فِي المَاء يكون فِي فلاة من الأَرْض ترده السبَاع والبهائم " إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا " وَأَصله مُعْتَاد فيهم كَمَا بَينا.
والسر فِي ذَلِك أَن كل شَيْء مِنْهَا لَا يُمكن أَن يبين إِلَّا بحقائق مثلهَا فِي الظُّهُور والخفاء وَعدم الانضباط، فَيحْتَاج أَيْضا إِلَى الْبَيَان وهلم جرا، وَذَلِكَ حرج عَظِيم من حَيْثُ أَن كل تَوْقِيت تضييق عَلَيْهِم فِي الْجُمْلَة، فَإِذا كثرت التوقيتات ضَاقَ المجال كل الضّيق، وَمن حَيْثُ أَن الشَّرْع يُكَلف بِهِ الأدانى والأقاصي كلهم، وَفِي حفظ تِلْكَ الْحُدُود على تفصيلها حرج شَدِيد، وَأَيْضًا وَالنَّاس إِذا اعتنوا باقامة مَا ضبط بِهِ الْبر اعتناء شَدِيدا لم يحسوا بفوائد الْبر، وَلم يتوجهوا إِلَى أرواحها كَمَا ترى كثيرا من المجودين لَا يتدبرون معنى الْقُرْآن لاشتغال بالهم بالالفاظ، فَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ من أَن يُفَوض إِلَيْهِم الْأَمر بعد أصل الضَّبْط، وَالله أعلم.
وَمِنْهَا أَن الشَّارِع لم يخاطبهم إِلَّا على ميزَان الْعقل الْمُودع فِي أصل خلقتهمْ قبل أَن يتعانوا دقائق الْحِكْمَة وَالْكَلَام وَالْأُصُول، فَأثْبت لنَفسِهِ جِهَة فَقَالَ:
{الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} .
وَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مرأة سَوْدَاء: " أَيْن الله فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ هِيَ مُؤمنَة " وَلم يكلفهم فِي معرفَة اسْتِقْبَال الْقبْلَة وأوقات الصَّلَاة والأعياد حفظ مسَائِل الْهَيْئَة والهندسة وَأَشَارَ بقوله " الْقبْلَة مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب " إِذا اسْتقْبل الْكَعْبَة إِلَى وَجه المسئلة وَقَالَ: " الْحَج يَوْم تحجون وَالْفطر يَوْم تفطرون " وَالله أعلم.

بَاب أسرار التَّرْغِيب والترهيب

من نعْمَة الله تبَارك وَتَعَالَى على عباده أَن أوحى إِلَى أنبيائه صلوَات الله عَلَيْهِم مَا يَتَرَتَّب على الْأَعْمَال من الثَّوَاب وَالْعَذَاب؛ ليخبروا الْقَوْم بِهِ، فتمتلئ قُلُوبهم رَغْبَة وَرَهْبَة، ويتقيدوا بالشرائع بداعية منبعثه من أنفسهم كَسَائِر مَا فِيهِ دفع ضرّ أَو جلب نفع وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{وانها لكبيرة إِلَّا على الخاشعين الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا رَبهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون} .
ثمَّ إِن هَهُنَا قَوَاعِد كُلية إِلَيْهَا ترجع جزيئات التَّرْغِيب والترهيب، وَكَانَ فُقَهَاء الصَّحَابَة يعلمونها إِجْمَالا، وَإِن لم يَكُونُوا أحرزوها تَفْصِيلًا، وَمِمَّا يدل على مَا ذكرنَا مَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَفِي بضع أحدكُم صَدَقَة، فَقَالُوا يَأْتِي أَحَدنَا شَهْوَته، وَيكون لَهُ فِيهَا أجر؟ قَالَ
أَرَأَيْتُم لَو وَضعهَا فِي حرَام كَانَ عَلَيْهِ وزر " فَمَا توقفوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة دون غَيرهَا، وَمَا اشْتبهَ عَلَيْهِم لميتها إِلَّا لما عِنْدهم من معرفَة مُنَاسبَة الْأَعْمَال لأجزيتها، وَأَنَّهَا ترجع إِلَى أصل مَعْقُول الْمَعْنى، وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن لسؤالهم وَلَا لجواب النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاعْتِبَارِ بِأَصْل وَاضح - وَجه، وَقَوْلِي هَذَا نَظِير مَا قَالَه الْفُقَهَاء فِي حَدِيث، " لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيه؟ قَالَ نعم قَالَ فدين الله أَحَق أَن يقْضِي " من أَنه يدل على أَن الْأَحْكَام معلقَة بأصول
كُلية
وَحَاصِل السُّؤَال أَن الصَّدقَات ترجع إِلَى تَهْذِيب النَّفس كالتسبيح والتهليل وَالتَّكْبِير أَو إِقَامَة الْمصلحَة فِي نظام الْمَدِينَة، وَأَن السَّيِّئَات ترجع إِلَى أضداد هَاتين. وَقَضَاء شَهْوَة الْفرج اتِّبَاع لداعية البهيمية، وَلَا يعقل فِيهِ مصلحَة زَائِدَة على الْعَادَات أَو نَحْو ذَلِك مِمَّا يرجع إِلَى معرفَة كُلية واستغراب رُجُوع الْمَسْأَلَة إِلَيْهَا.
وَحَاصِل الْجَواب أَن جماع الحليلة يحصن فرجهَا وفرجه، وَفِيه خلاص مِمَّا يكون قَضَاء الشَّهْوَة فِي غير محلهَا اقتحاما فِيهِ.
وللترغيب والترهيب طرق: وَلكُل طَرِيقه سر، وَنحن ننبهك على مُعظم تِلْكَ الطّرق.
فَمِنْهَا بَيَان الْأَثر الْمُتَرَتب على الْعَمَل الَّذِي تهذب النَّفس من انكسار إِحْدَى القوتين أَو غلبتها وظهورها، ولسان الشَّارِع أَن يعبر عَن ذَلِك بكتابه الْحَسَنَات ومحو السَّيِّئَات كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير فِي يَوْم مائَة مرّة كَانَ لَهُ عدل عشر رِقَاب، وَكتب لَهُ مائَة حَسَنَة، ومحيت عَنهُ مائَة سَيِّئَة، وَكَانَت لَهُ حرْزا من الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي، وَلم يَأْتِ أحد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رجل عمل أَكثر مِنْهُ " وَقد ذكرنَا سره فِيمَا سبق.
وَمِنْهَا بَيَان أَثَره فِي الْحِفْظ عَن الشَّيْطَان وَغَيره كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَكَانَ فِي حرز من الشَّيْطَان حَتَّى يُمْسِي " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يستطيعها البطلة " أَو توسيع الرزق وَظُهُور الْبركَة وَنَحْو ذَلِك، والسر فِي بعض ذَلِك أَنه طلب من الله السَّلامَة، وَهُوَ سَبَب أَن يُسْتَجَاب دعاؤه، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيا عَن الله تبَارك وَتَعَالَى: " وَلَئِن استعاذني لأعيذنه، وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه " وَفِي الْبَعْض الآخر إِن الغوص فِي ذكر الله والتوجه إِلَى الجبروت والاستمداد من الملكوت يقطع الْمُنَاسبَة بهؤلاء، وَإِنَّمَا التَّأْثِير بالمناسبة، وَفِي الْبَعْض الآخر أَن الْمَلَائِكَة تدعوا لمن كَانَ على هَذِه الْحَالة، فَيدْخل فِي شراج كَثِيرَة، فَتَارَة فِي جلب نفع، وَتارَة فِي دفع ضَرَر. وَمِنْهَا بَيَان أَثَره فِي الْمعَاد، وسره ينْكَشف بمقدمتين.
إِحْدَاهمَا أَن الشَّيْء لَا يحكم عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ سَببا للثَّواب أَو الْعَذَاب فِي الْمعَاد حَتَّى يكون لَهُ مُنَاسبَة بِأحد سببي المجازاة، إِمَّا أَن يكون لَهُ دخل فِي الْأَخْلَاق الْأَرْبَعَة المبنية عَلَيْهَا السَّعَادَة وتهذيب النَّفس إِثْبَاتًا أَو نفيا، وَهِي النَّظَافَة والخشوع لرب الْعَالمين، وسماحة النَّفس، وَالسَّعْي فِي إِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس، أَو يكون لَهُ دخل فِي تمشية مَا أجمع الْمَلأ الْأَعْلَى على تمشيته من التَّمْكِين للشرائع والنصرة للأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام إِثْبَاتًا أَو نفيا، وَمعنى الْمُنَاسبَة أَن يكون الْعَمَل مَظَنَّة لوُجُود هَذَا الْمَعْنى أَو متلازما لَهُ فِي الْعَادة أَو طَرِيقا إِلَيْهِ، كَمَا أَن كَونه يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث فيهمَا نَفسه مَظَنَّة الاخبات وتذكر جلال الله والترقي من حضيض البهيمية، وكما أَن إسباغ الْوضُوء طَرِيق إِلَى النَّظَافَة
المؤثرة فِي النَّفس، وكما أَن بذل المَال الخطير الَّذِي يشح بِهِ عَادَة وَالْعَفو عَمَّن ظلم وَترك المراء فِيمَا هُوَ حق لَهُ مَظَنَّة لسماحه النَّفس ومتلازم لَهَا، وكما أَن إطْعَام الجائع وَسقي الظمآن وَالسَّعْي فِي إطفاء ثائرة الْحَرْب من بَين الْأَحْيَاء مَظَنَّة إصْلَاح الْعَالم وَطَرِيق إِلَيْهِ، وكما أَن حب الْعَرَب طَرِيق إِلَى التزيى بزيهم، وَذَلِكَ طَرِيق عطف إِلَى الْأَخْذ بالملة الحنيفية، لِأَنَّهَا تشخصت فِي عاداتهم وتنويه بِأَمْر الشَّرِيعَة المصطفوية، وكما أَن الْمُحَافظَة على تَعْجِيل الْفطر تبَاعد عَن اخْتِلَاط الْملَل وتحريفها، وَمَا زَالَت طوائف النَّاس من الْحُكَمَاء وَهل الصناعات والأطباء يديرون الْأَحْكَام على مظانها، وَمَا زَالَ الْعَرَب جارين على ذَلِك فِي خطبهم ومحاوراتهم، وَقد ذكرنَا بعض ذَلِك ... ، أَو يكون عملا شاقا أَو خاملا أَو غير مُوَافق للطبيعة لَا يَقْصِدهُ، وَلَا يقدم عَلَيْهِ إِلَّا المخلص حق الْإِخْلَاص، فَيصير شرحا لإخلاصه كالتضلع من مَاء زَمْزَم وكحب عَليّ رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدا فِي أَمر الله وكحب الْأَنْصَار فَإِنَّهُ لم تزل الْعَرَب المعدية واليمينية متباعضين فِيمَا بَينهم حَتَّى ألفهم الْإِسْلَام، فالتأليف معرف لدُخُول بشاشة الْإِسْلَام فِي الْقلب وكالطلوع على الْجَبَل والسهر فِي حراسة جيوش الْمُسلمين فَإِنَّهُ معرف لصدق عزيمته فِي إعلاء كلمة الله وَحب دينه.
الْمُقدمَة الثَّانِيَة أَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ وَرجع إِلَى نَفسه وَإِلَى هيآتها الَّتِي انصبغت بهَا، الملائمة لَهَا، والمنافرة إِيَّاهَا - لَا بُد أَن تظهر صُورَة التألم والتنعم بأقرب مَا هُنَالك، وَلَا اعْتِبَار فِي ذَلِك للملازمة الْعَقْلِيَّة، بل لنَوْع آخر من الْمُلَازمَة لأَجلهَا يجر بعض حَدِيث النَّفس بَعْضًا، وعَلى حسبها يَقع تشبح الْمعَانِي فِي الْمَنَام كَمَا يظْهر منع الْمُؤَذّن النَّاس عَن الْجِمَاع وَالْأكل بِصُورَة الْخَتْم على الْفروج والأفواه، ثمَّ إِن فِي عَالم الْمِثَال مناسبات تبنى عَلَيْهَا الْأَحْكَام، فَمَا ظهر جِبْرِيل فِي صُورَة دحْيَة دون غَيره إِلَّا لِمَعْنى، وَلَا ظَهرت النَّار
على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا لِمَعْنى، فالعارف بِتِلْكَ المناسبات يعلم أَن جَزَاء هَذَا الْعَمَل فِي أَي صُورَة يكون، كَمَا أَن الْعَارِف بِتَأْوِيل الرُّؤْيَا يعرف أَنه أَي معنى ظهر فِي صُورَة مَا رَآهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمن هَذَا الطَّرِيق يعلم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن الَّذِي يكتم الْعلم، ويكف نَفسه عَن التَّعْلِيم عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ يعذب بلجام من نَار، لِأَنَّهُ تألمت النَّفس بالكف، واللجام شبح الْكَفّ وَصورته، وَالَّذِي يحب المَال، وَلَا يزَال يتَعَلَّق بِهِ خاطره يطوق بِشُجَاعٍ أَقرع، وَالَّذِي يتعانى فِي حفظ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير والأنعام، ويحوط بهَا عَن الْبَذْل لله يعذب بِنَفس تِلْكَ الْأَشْيَاء على مَا تقرر عِنْدهم من وَجه التأذي، وَالَّذِي يعذب نَفسه بحديدة أَو سم، وَيُخَالف أَمر الله بذلك يعذب بِتِلْكَ الصُّورَة، وَالَّذِي يكسو الْفَقِير يكسى يَوْم الْقِيَامَة من سندس الْجنَّة، وَالَّذِي يعْتق مُسلما ويفك رقبته عَن آفَة الرّقّ الْمُحِيط بِهِ يعْتق بِكُل عُضْو مِنْهُ عُضْو مِنْهُ من النَّار.
وَمِنْهَا تَشْبِيه ذَلِك الْعَمَل بِمَا تقرر فِي الأذهان حسنه أَو قبحه، أما من جِهَة الشَّرْع أَو الْعَادة وَفِي ذَلِك لَا بُد من أَمر جَامع بَين الشَّيْئَيْنِ مُشْتَرك بَينهمَا وَلَو بِوَجْه من الْوُجُوه، كَمَا شبه المرابط فِي الْمَسْجِد بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى طُلُوع الشَّمْس بِصَاحِب حجَّة وَعمرَة، وَشبه الْعَائِد فِي هِبته بالكلب الْعَائِد فِي قيئه، ونسبته إِلَى المحبوبين أَو المبغوضين، وَالدُّعَاء لفَاعِله أَو عَلَيْهِ، وكل ذَلِك يُنَبه على حَال الْعَمَل إِجْمَالا من غير تعرض لوجه الْحسن أَو الْقبْح كَقَوْل الشَّارِع: تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق، وَلَيْسَ منا من فعل كَذَا، وَهَذَا الْعَمَل عمل
الشَّيَاطِين أَو عمل الْمَلَائِكَة، ورحم الله أمرءاً فعل كَذَا وَكَذَا " وَنَحْو هَذِه الْعبارَات.
وَمِنْهَا حَال الْعَمَل فِي كَونه مُتَعَلقا لرضا الله أَو سخطه وسببا لانعطاف دَعْوَة الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ أَو عَلَيْهِ كَقَوْل الشَّارِع - إِن الله يحب كَذَا وَكَذَا، وَيبغض كَذَا وَكَذَا - وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن الله تَعَالَى وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف " وَقد ذكرنَا سره، وَالله أعلم.

بَاب طَبَقَات الْأمة بِاعْتِبَار الْخُرُوج إِلَى الْكَمَال الْمَطْلُوب أَو ضِدّه

وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْوَاقِعَة: {وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشئمة مَا أَصْحَاب المشئمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون} . إِلَى آخر السُّورَة.
وَقَوله تَعَالَى: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ وَمِنْهُم مقتصد وَمِنْهُم سَابق بالخيرات بِإِذن الله ذَلِك هُوَ الْفضل الْكَبِير} .
قد علمت أَن أَعلَى مَرَاتِب النُّفُوس هِيَ نفوس المفهمين وَقد ذَكرنَاهَا، وَيَتْلُو المفهمين جمَاعَة تسمى بالسابقين، وهم جِنْسَانِ: جنس أَصْحَاب اصْطِلَاح وعلو كَانَ استعدادهم كاستعداد المفهمين فِي تلقي تِلْكَ الكمالات إِلَّا أَن السَّعَادَة لم تبلغ بهم مبلغهم، فَكَانَ استعدادهم كالنائم يحْتَاج إِلَى من يوقظه، فَلَمَّا أيقظه أَخْبَار الرُّسُل أَقبلُوا على مَا يُنَاسب استعدادهم من تِلْكَ الْعُلُوم مُنَاسبَة
خُفْيَة فِي بَاطِن نُفُوسهم، فصاروا كالمجتهدين فِي الْمَذْهَب، وَصَارَ إلهامهم أَن يتلقوا من الإلهام الْجملِي الْكُلِّي الَّذِي توجه إِلَى نُفُوسهم بِمَا يشملهم من الاستعداد فِي حَظِيرَة الْقُدس، وَهُوَ الْأَمر الْمُشْتَرك فِي أَكْثَرهم، وَترْجم عَنهُ الرُّسُل.
وجنس أَصْحَاب تجاذب وعلو، ساقهم سائق التَّوْفِيق إِلَى رياضات وتوجهات قهرت بهيمتهم، فآتاهم الْحق كمالا علميا، وصاروا على بَصِيرَة من أَمرهم فَكَانَت لَهُم وقائع إلهية وإرشاد وإشراق مثل أكَابِر طرق الصُّوفِيَّة، وَيجمع السَّابِقين أَمْرَانِ: أَحدهمَا أَنهم يستفرغون طاقتهم فِي التَّوَجُّه إِلَى الله والتقرب مِنْهُ، وَثَانِيهمَا أَن جبلتهم قَوِيَّة فتمثل الملكات الْمَطْلُوبَة عِنْدهم على وَجههَا من غير نظر إِلَى أشباح لَهَا، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الأشباح شرحا لتِلْك الملكات وتوسلا بهَا إِلَيْهَا. .، مِنْهُم المفردون المتوجهون إِلَى الْغَيْب طرح الذّكر عَنْهُم أثقالهم ... ، وَالصِّدِّيقُونَ المتميزون عَن سَائِر النَّاس بِشدَّة انقياد الْحق والتجرد لَهُ ... ، وَالشُّهَدَاء الَّذين أخرجُوا للنَّاس، وَحل فيهم صبغ الْمَلأ الْأَعْلَى من لعن الْكَافرين وَالرِّضَا عَن الْمُؤمنِينَ وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وإعلاء الْملَّة بِوَاسِطَة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة قَامُوا يُخَاصِمُونَ الْكَفَرَة، وَيشْهدُونَ عَلَيْهِم، وهم بِمَنْزِلَة أَعْضَاء النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بعثته بهم ليكمل الْأَمر المُرَاد فِي الْبعْثَة، وَلذَلِك وَجب تَفْضِيلهمْ على غَيرهم وتوقيرهم ... ،
والراسخون فِي الْعلم أولو ذكاء وعقل لما سمعُوا من النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعلم وَالْحكمَة صَادف ذَلِك مِنْهُم اسْتِعْدَادًا فَصَارَ يمد لَهُم فِي باطنهم فهم مَعَاني كتاب الله على وَجههَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ حَيْثُ قَالَ - أَو فهم أعْطِيه رجل مُسلم ... ،
والعباد الَّذين أدركوا فَوَائِد الْعِبَادَة عيَانًا، وانصبغت نُفُوسهم بأنوارها، وَدخلت فِي صميم أفئدتهم فهم يعْبدُونَ الله على بَصِيرَة من أَمرهم ... ، والزهاد الَّذين أيقنوا بالمعاد وَبِمَا هُنَالك من اللَّذَّة فاستحقروا فِي جنبها لَذَّة الدُّنْيَا وَصَارَ النَّاس عِنْدهم كأباعير الْإِبِل ... ، والمستعدون لخلافة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام مِمَّن يعْبدُونَ الله تَعَالَى بِخلق الْعَدَالَة، فيصرفونه فِيمَا أَمر الله تَعَالَى ... ، وَأَصْحَاب الْخلق الْحسن أَعنِي أهل السماحة من الْجُود والتواضع وَالْعَفو عَمَّن ظلم. .، والمتشبهون بِالْمَلَائِكَةِ والمخالطون بهم، كَمَا يذكر أَن بعض الصَّحَابَة كَانَ يسلم عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة.
وَلكُل فرقة من هَذِه الْفرق استعداد جبلي يَقْتَضِي كَمَاله بتيقظ بأخبار الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام واستعداد كسبي يتهيأ بِأخذ للشرائع فيهمَا يحصل كَمَا لَهُم، وَمن كَانَ من المفهمين لم يبْعَث إِلَى الْخلق فَإِنَّهُ يعد فِي الشَّرَائِع من السَّابِقين، وَيَتْلُو السَّابِقين جمَاعَة تسمى بأصحاب الْيَمين، وهم أَجنَاس:
جنس نُفُوسهم قريبَة المأخذ من السَّابِقين لم يوفقوا لتكميل مَا جبلوا لَهُ، فاقتصروا على الأشباح دون الْأَرْوَاح لكِنهمْ لَيْسُوا بأجنبيين مِنْهَا،
وجنس أَصْحَاب النجاذب نُفُوسهم ضَعِيفَة الملكية قَوِيَّة البهيمية وفقوا لرياضات شاقة، فأثمرت فيهم مَا للملأ السافل أَو ضَعِيفَة البهيمية استهتروا بِذكر الله تَعَالَى فترشح عَلَيْهِم إلهامات جزئية وَتعبد وتطهر جزئيان.
وجنس أهل الِاصْطِلَاح ضَعِيفَة الملكية جدا عضوا على الرياضات الشاقة إِن كَانُوا قويي البهيمية، أَو الْأَوْلَاد الدائمة إِن كَانُوا ضعيفيها فَلم يُثمر ذَلِك لَهُم شَيْئا من الانكشاف لَكِن دخلت الْأَعْمَال والهيآت الَّتِي هِيَ أشباح الملكات الْحَسَنَة فِي جذر نُفُوسهم، وَكثير مِنْهُم لَا يشْتَرط فِي عمله الْإِخْلَاص التَّام والتبري من مُقْتَضى الطَّبْع وَالْعَادَة بِالْكُلِّيَّةِ فيتصدقون بنية ممتزجة من دقة الطَّبْع ورجاء الثَّوَاب وَيصلونَ لجَرَيَان سنة قَومهمْ على ذَلِك ولرجاء الثَّوَاب،
ويمتنعون من الزِّنَا وَشرب الْخمر خوفًا من الله وخوفا من النَّاس أَو لَا يَسْتَطِيعُونَ اتِّبَاع العشيقات وَلَا بذل الْأَمْوَال فِي الملاهي، فَيقبل مِنْهُم ذَلِك بِشَرْط أَن تضعف قُلُوبهم عَن الْإِخْلَاص الصّرْف، وَأَن تتمسك نُفُوسهم بِالْأَعْمَالِ أَنْفسهَا لَا بِمَا هِيَ شُرُوح للملكات. وَكَانَ فِي الْحِكْمَة الأولى - إِن من الْحيَاء خيرا وَمِنْه ضعفا - فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْحيَاء خير كُله " يُنَبه على مَا ذكرنَا، وَكثير مِنْهُم يَبْرق عَلَيْهِم بارقة ملكية فِي أَوْقَات يسيرَة، فَلَا يكون ملكة لَهُم، وَلَا يكونُونَ أجنبيين عَنْهَا كالمستغفرين اللوامين أنفسهم، وكالذي يذكر الله خَالِيا وفاضت عَيناهُ، وكالذي لَا تمسك نَفسه الشَّرّ لضعف فِي جبلته إِنَّمَا قلبه كقلب الطير أَو لتحلل طَارِئ على مزاجه كالمبطون وَأهل المصائب كفرت بلاياهم خطاياهم.
وَبِالْجُمْلَةِ فأصحاب الْيَمين فقدوا إِحْدَى خصلتي السَّابِقين، وحصلوا الْأُخْرَى، وبعدهم جمَاعَة تسمى بأصحاب الْأَعْرَاف وهم جِنْسَانِ:
قوم صحت أمزجتهم، وزكت فطرتهم، وَلم تبلغهم الدعْوَة الإسلامية أصلا أَو بلغتهم، وَلَكِن بِنَحْوِ لَا تقوم بِهِ الْحجَّة، وَلَا تَزُول بِهِ الشُّبْهَة فنشأوا غير منهمكين فِي الملكات الخسيسة والأعمال المردية وَلَا ملتفتين إِلَى جناب الْحق لَا نفيا، وَلَا إِثْبَاتًا، كَانَ أَكثر أَمرهم الِاشْتِغَال بالارتفاقات العاجلة، فَأُولَئِك إِذا مَاتُوا رجعُوا إِلَى حَالَة عمياء لَا إِلَى عَذَاب، وَلَا إِلَى ثَوَاب حَتَّى تَنْفَسِخ بهيمتهم، فيبرق عَلَيْهِم شَيْء من بوارق الملكية.
وَقوم نقصت عُقُولهمْ كأكثر الصّبيان والمعتوهين والفلاحين والأرقاء، وَكثير يزعمهم النَّاس أَنهم لَا بَأْس بهم، وَإِذا نقح حَالهم عَن الرسوم بقوا لَا عقل لَهُم، فَأُولَئِك يَكْتَفِي من إِيمَانهم بِمثل مَا اكْتفى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الْجَارِيَة السَّوْدَاء سَأَلَهَا " أَيْن الله " فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء، إِنَّمَا يُرَاد مِنْهُم أَن يتشبهوا بِالْمُسْلِمين لِئَلَّا تتفرق الْكَلِمَة.
أما الَّذين نشأوا منهمكين فِي الرذائل والتفتوا إِلَى جناب الْحق على غير الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون، فهم أهل الْجَاهِلِيَّة يُعَذبُونَ بأصناف الْعَذَاب ... ، وبعدهم جمَاعَة تسمى بالمنافقين نفاق الْعَمَل، وهم أَجنَاس لم تبلغ بهم السَّعَادَة إِلَى وجود الْكَمَال الْمَأْمُور بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ، إِمَّا غلب عَلَيْهِم حجاب الطبيعة، ففنوا فِي ملكة رذيلة مثل شَره الطَّعَام وَالنِّسَاء والحقد مَا وضعت عَنْهُم طاعتهم أوزارهم، أَو حجاب الرَّسْم، فَلَا يكادون يسمحون بترك رسوم الْجَاهِلِيَّة وَلَا بمهاجرة الأخوان والأوطان، أَو حجاب سوء الْمعرفَة مثل المتشبهة وَالَّذين أشركوا بِاللَّه عبَادَة أَو استعانة شركا خفِيا زاعمين أَن الشّرك الْمُبْغض غير مَا يَفْعَلُونَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا لم تنص فِيهِ الْملَّة، وَلم يكْشف عَنهُ الغطاء، وَمِنْهُم أولو ضعف وسماجة وَأهل مجون وسخافة، لم ينفع حب الله وَحب رَسُوله فيهم التبري عَن الْمعاصِي كقصة من كَانَ يشرب الْخمر، وَكَانَ يحب الله وَرَسُوله بِشَهَادَة النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ، وَجَمَاعَة تسمى بالفاسقين وهم الَّذين يغلب عَلَيْهِم أَعمال السوء أَكثر من الملكات الرذيلة، مِنْهُم أَصْحَاب بهيمية شَدِيدَة انْدَفَعُوا إِلَى مقتضيات السبعية والبهيمية، وَمِنْهُم أولو أمزجة فَاسِدَة وآراء كاسدة بِمَنْزِلَة الْمَرِيض الَّذِي يحب أكل الطين وَالْخبْز المحترق، فصاروا يندفعون إِلَى الشيطنة ... ، وبعدهم الْكفَّار وهم المردة المتمردة أَبَوا أَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله مَعَ تَمام عقلهم وَصِحَّة التَّبْلِيغ إِلَيْهِم، أَو ناقضوا إِرَادَة الْحق فِي تمشية أَمر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، فصدوا عَن سَبِيل الله، واطمأنوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلم يلتفتوا إِلَى مَا بعْدهَا، فَأُولَئِك يلعنون لعنا مُؤَبَّدًا، ويسجنون سجنا مخلدا، وَمِنْهُم أهل الْجَاهِلِيَّة، وَمِنْهُم الْمُنَافِق الَّذِي آمن بِلِسَانِهِ، وَقَلبه بَاقٍ على الْكفْر الْخَالِص، وَالله أعلم.

بَاب الْحَاجة إِلَى دين ينْسَخ الْأَدْيَان

استقرئ الْملَل الْمَوْجُودَة على وَجه الأَرْض، هَل ترى من تفَاوت عَمَّا أَخْبَرتك فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة؟ كلا وَالله، بل الْملَل كلهَا لَا تَخْلُو من اعْتِقَاد صدق صَاحب الْملَّة وتعظيمه، وَأَنه كَامِل مُنْقَطع النظير لما رَأَوْا مِنْهُ من الاسْتقَامَة فِي الطَّاعَات أَو ظُهُور الخوارق واستجابة الدَّعْوَات، وَمن الْحُدُود والشرائع والمزاجر مِمَّا لَا تنتظم الْملَّة بغَيْرهَا، ثمَّ بعد ذَلِك أُمُور تفِيد الِاسْتِطَاعَة الميسرة مِمَّا ذكرنَا وَمِمَّا يضاهيه، وَلكُل قوم سنة وَشَرِيعَة يتبع فِيهَا عَادَة أوائلهم، ويختار فِيهَا سيرة حَملَة الْملَّة
وأئمتها، ثمَّ أحكم بنيانها، وشدد أَرْكَانهَا حَتَّى صَار أَهلهَا ينصرونها، ويتناضلون دونهَا، ويبذلون الْأَمْوَال والمهج لأَجلهَا، وَمَا ذَلِك إِلَّا لتدبيرات محكمَة ومصالح متقنة لَا تبلغها نفوس الْعَامَّة.
وَلما انفرز كل قوم بِملَّة، وانتحلوا سننا وطرائق، ونافحوا دونهَا بألسنتهم، وقاتلوا عَلَيْهَا بأسنتهم، وَوَقع فيهم الْجور، إِمَّا لقِيَام من لَا يسْتَحق إِقَامَة الْملَّة بهَا، أَو لاختلاط الشَّرَائِع الابتداعية، ودسها فِيهَا، أَو لتهاون حَملَة الْملَّة، فأهملوا كثيرا مِمَّا يَنْبَغِي، فَلم تبْق إِلَّا دمنة لم تَتَكَلَّم من أم أوفى، وَلَا مت كل مِلَّة أُخْتهَا، وَأنْكرت عَلَيْهَا، وقاتلها، واختفى الْحق - مست الْحَاجة إِلَى إِمَام رَاشد يُعَامل مَعَ الْملَل مُعَاملَة الْخَلِيفَة الراشد مَعَ الْمُلُوك الجائرة.
وَلَك عِبْرَة فِيمَا ذكره ناقل كتاب الكليلة والدمنة من الْهِنْدِيَّة إِلَى الفارسية من اخْتِلَاط الْملَل، وَأَنه أَرَادَ أَن يتَحَقَّق الصَّوَاب فَلم يقدر إِلَّا على شَيْء يسير، وَفِيمَا ذكره أهل التَّارِيخ من حَال الْجَاهِلِيَّة واضطراب أديانهم.
وَهَذَا الإِمَام الَّذِي يجمع الْأُمَم على مِلَّة وَاحِدَة يحْتَاج إِلَى أصُول أُخْرَى غير الْأُصُول الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق.
مِنْهَا أَن يَدْعُو قوما إِلَى السّنة الراشدة، ويزكيهم، وَيصْلح شَأْنهمْ، ثمَّ يتخذهم بِمَنْزِلَة جوارحه، فيجاهد أهل الأَرْض، ويفرقهم فِي الْآفَاق، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {كُنْتُم خير أمة أخرجت لناس} .
وَذَلِكَ لِأَن هَذَا الإِمَام نَفسه لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ مجاهدة أُمَم غير محصورة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن تكون مَادَّة شَرِيعَته مَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْمَذْهَب الطبيعي لأهل الأقاليم الصَّالِحَة عربهم وعجمهم، ثمَّ مَا عِنْد قومه من الْعلم والارتفاقات، ويراعى فيهم حَالهم أَكثر من غَيرهم، ثمَّ يحمل النَّاس جَمِيعًا على اتِّبَاع تِلْكَ الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى أَن يُفَوض الْأَمر إِلَى كل قوم أَو إِلَى أَئِمَّة كل عصر، إِذْ لَا يحصل مِنْهُ فَائِدَة التشريع أصلا، وَلَا إِلَى أَن ينظر مَا عِنْد كل قوم، ويمارس كلا مِنْهُم، فَيجْعَل لكل شَرِيعَة؛ إِذْ الْإِحَاطَة بعاداتهم وَمَا عِنْدهم على اخْتِلَاف بلدانهم وتباين أديانهم كالممتنع، وَقد عجز جُمْهُور الروَاة عَن رِوَايَة شَرِيعَة وَاحِدَة، فَمَا ظَنك بشرائع مُخْتَلفَة، وَالْأَكْثَر أَنه لَا يكون انقياد الآخرين إِلَّا بعد عدد ومدد لَا يطول عمر النَّبِي إِلَيْهَا، كَمَا وَقع فِي الشَّرَائِع الْمَوْجُودَة الْآن فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين مَا آمن من أوائلهم إِلَّا جمع، ثمَّ أَصْبحُوا ظَاهِرين بعد ذَلِك فَلَا أحسن وَلَا أيسر من أَن يعْتَبر فِي الشعائر وَالْحُدُود والارتفاقات عَادَة قومه الْمَبْعُوث فيهم، وَلَا يضيق كل التَّضْيِيق على الآخرين الَّذين يأْتونَ بعد، وَيبقى عَلَيْهِم فِي الْجُمْلَة، والأولون يَتَيَسَّر لَهُم الْأَخْذ بِتِلْكَ الشَّرِيعَة بِشَهَادَة قُلُوبهم وعاداتهم، وَالْآخرُونَ يَتَيَسَّر لَهُم ذَلِك بالرغبة فِي سير أَئِمَّة الْملَّة وَالْخُلَفَاء، فَإِنَّهَا كالأمر الطبيعي لكل قوم فِي كل عصر قَدِيما أَو حَدِيثا.
والأقاليم الصَّالِحَة لتولد الأمزجة المعتدلة كَانَت مَجْمُوعَة تَحت ملكَيْنِ كبيرين يَوْمئِذٍ:
أَحدهمَا كسْرَى - وَكَانَ متسلطا على الْعرَاق واليمن وخراسان وماوليهما، وَكَانَت مُلُوك مَا وَرَاء النَّهر والهند تَحت حكمه يجبي إِلَيْهِ مِنْهُم الْخراج كل سنة،
وَالثَّانِي قَيْصر، وَكَانَ متسلطا على الشَّام وَالروم، وماوليهما، وَكَانَ مُلُوك مصر وَالْمغْرب والإفريقية تَحت حكمه يجبي إِلَيْهِ مِنْهُم الْخراج.
وَكَانَ كسر دولة هذَيْن الْملكَيْنِ والتسلط على ملكهمَا بِمَنْزِلَة الْغَلَبَة على جَمِيع الأَرْض، وَكَانَت عاداتهم فِي الترفه سَارِيَة فِي جَمِيع الْبِلَاد الَّتِي هِيَ تَحت حكمهمَا، وَتغَير تِلْكَ الْعَادَات، وصدهم عَنْهَا مفضيا فِي الْجُمْلَة إِلَى تَنْبِيه جَمِيع الْبِلَاد على ذَلِك وَإِن اخْتلفت أُمُورهم بعده، وَقد ذكر الهرمزان شَيْئا من ذَلِك حِين استشاره عمر رَضِي الله عَنهُ فِي غزَاة الْعَجم، أما سَائِر النواحي الْبَعِيدَة عَن اعْتِدَال المزاج، فَلَيْسَ بهَا كثير اعْتِدَاد فِي الْمصلحَة الْكُلية وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتْرُكُوا التّرْك مَا تركوكم، ودعوا الْحَبَشَة مَا ودعوكم ".
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى إِقَامَة الْملَّة العوجاء، وَأَن يخرج للنَّاس أمة تَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وتنهاهم عَن الْمُنكر، وَتغَير رسومهم الْفَاسِدَة كَانَ ذَلِك مَوْقُوفا على زَوَال دولة هذَيْن متيسرا بالتعرض لحالهما فَإِن حَالهمَا يسرى فِي جَمِيع الأقاليم الصَّالِحَة أَو يكَاد يسري فَقضى الله بِزَوَال دولتهما، وَأخْبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَن هلك كسْرَى، فَلَا كسْرَى بعده، وَهلك قَيْصر، فَلَا قَيْصر بعده، وَنزل الْحق الدامغ لباطل جَمِيع الأَرْض فِي دمغ بَاطِل الْعَرَب بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه، ودمغ بَاطِل هذَيْن الْملكَيْنِ بالعرب، ودمغ سَائِر الْبِلَاد بملتهما، وَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة.
وَمِنْهَا أَن يكون تَعْلِيمه الدّين إيَّاهُم مضموما إِلَى الْقيام بالخلافة الْعَامَّة، وَأَن يَجْعَل الْخُلَفَاء من بعده أهل بَلَده وعشيرته الَّذين نشئوا على تِلْكَ الْعَادَات وَالسّنَن، وَلَيْسَ التكحل فِي الْعَينَيْنِ كالكحل، وَيكون الحمية الدِّينِيَّة فيهم مقرونة بالحمية النسبية، وَيكون علو أَمرهم ونباهة شَأْنهمْ علوا لأمر صَاحب الْملَّة ونباهة لشأنه، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْأَئِمَّة من قُرَيْش "، ويوصي الْخُلَفَاء بِإِقَامَة الدّين وإشاعته، وَهُوَ قَول أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ: بقاؤكم عَلَيْهِ مَا استقامت بكم أئمتكم. وَمِنْهَا أَن يَجْعَل هَذَا الدّين غَالِبا على الْأَدْيَان كلهَا، وَلَا يتْرك أحدا إِلَّا قد غليه الدّين بعز عَزِيز أَو ذل ذليل، فينقلب النَّاس ثَلَاث فرق: منقاد للدّين ظَاهرا وَبَاطنا، ومنقاد بِظَاهِرِهِ على رغم أَنفه لَا يَسْتَطِيع التَّحَوُّل عَنهُ، وَكَافِر مهان يسخره فِي الْحَصاد والدياس وَسَائِر الصناعات كَمَا تسخر الْبَهَائِم فِي الْحَرْث وَحمل الاثقال، وَيلْزم عَلَيْهِ سنة زاجرة، وَيُؤْتى الْجِزْيَة عَن يَد وَهُوَ صاغر.
وَغَلَبَة الدّين على الْأَدْيَان لَهَا أَسبَاب:
مِنْهَا إعلان شعائره على شَعَائِر سَائِر الْأَدْيَان، وشعائر الدّين أَمر ظَاهر يخْتَص بِهِ يمتاز صَاحبه بِهِ من سَائِر الْأَدْيَان كالختان وتعظيم الْمَسَاجِد وَالْأَذَان وَالْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات.
وَمِنْهَا أَن يقبض على أَيدي النَّاس أَلا يظهروا شَعَائِر سَائِر الْأَدْيَان.
وَمِنْهَا أَلا يَجْعَل الْمُسلمين أكفاء للْكَافِرِينَ فِي الْقصاص والديات وَلَا فِي المناكحات وَلَا فِي الْقيام بالرياسات ليلجئهم ذَلِك إِلَى الْإِيمَان الجاء.
وَمِنْهَا أَن يُكَلف النَّاس بأشباح الْبر والاثم، ويلزمهم ذَلِك إلزاما عَظِيما،
وَلَا يلوح لَهُم بأرواحها كثير تلويح، وَلَا يخيرهم فِي شَيْء من الشَّرَائِع، وَيجْعَل علم أسرار الشَّرَائِع الَّذِي هُوَ مَأْخَذ الْأَحْكَام التفصيلية علما مكنونا لَا يَنَالهُ إِلَّا من ارتسخت قدمه فِي الْعلم، وَذَلِكَ لَان أَكثر الْمُكَلّفين لَا يعْرفُونَ الْمصَالح وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعْرفَتهَا إِلَّا إِذا ضبطت بالضوابط، وَصَارَت محسوسة يتعاطاها كل متعاط، فَلَو رخص لَهُم فِي ترك شَيْء مِنْهَا، وَبَين أَن الْمَقْصُود الاصلي غير تِلْكَ الأشباح لتوسع لَهُم مَذَاهِب الْخَوْض، وَلَا اخْتلفُوا اخْتِلَافا فَاحِشا وَلم يحصل مَا أَرَادَ الله فيهم، وَالله اعْلَم.
وَمِنْهَا أَنه لما كَانَت الْغَلَبَة بِالسَّيْفِ فَقَط لَا تدفع رين قُلُوبهم، فَعَسَى أَن يرجِعوا إِلَى الْكفْر عَن قَلِيل - وَجب أَن يثبت بِأُمُور برهانية أَو خطابية نافعة فِي أذهان الْجُمْهُور أَن تِلْكَ الاديان لَا يَنْبَغِي أَن تتبع، لِأَنَّهَا غير مأثورة عَن الْمَعْصُوم، أَو أَنَّهَا غير منطبقة على قوانين الْملَّة، أَو أَن فِيهَا تحريفا ووضعا للشَّيْء فِي غير مَوْضِعه، ويصحح ذَلِك على رُءُوس الاشهاد، وَيبين مرجحات الدّين القويم من أَنه سهل سمح، وَأَن حُدُوده وَاضِحَة يعرف الْعقل حسنها، وَأَن لَيْلهَا نَهَارهَا، وَأَن سننها أَنْفَع لِلْجُمْهُورِ وأشبه بِمَا بَقِي عِنْدهم من سيرة الانبياء السَّابِقين عَلَيْهِم السَّلَام وأمثال ذَلِك، وَالله أعلم.

بَاب احكام الدّين من التحريف

لَا بُد لصَاحب السياسة الْكُبْرَى الَّذِي يَأْتِي من الله بدين ينْسَخ الْأَدْيَان من أَن يحكم دينه من أَن يتطرف إِلَيْهِ تَحْرِيف، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يجمع أمما كَثِيرَة ذَوي استعدادات شَتَّى وأغراض مُتَفَاوِتَة، فكثيرا مَا يحملهم الْهوى أَو حب الدّين الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ سَابِقًا والفهم النَّاقِص حَيْثُ عقلوا شَيْئا، وَغَابَتْ مصَالح كَثِيرَة أَن يهملوا مَا نصت الْملَّة عَلَيْهِ، أَو يدسوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، فيختل الدّين، كَمَا قد وَقع فِي كثير من الْأَدْيَان قبلنَا، وَلما لم يُمكن الِاسْتِقْصَاء
فِي معرفَة مدَاخِل الْخلَل فَإِنَّهَا غير محصورة وَلَا متعينة، وَمَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله - وَجب أَن ينذرهم من أَسبَاب التحريف إِجْمَالا أَشد الانذار، ويخص مسَائِل قد علم بالحدس أَن التهاون والتحريف فِي مثلهَا أَو بِسَبَبِهَا دَاء مُسْتَمر فِي بني آدم فيسد مدْخل الْفساد مِنْهَا بأثم وَجه، وَأَن يشرع شَيْئا يُخَالف مألوف الْملَل الْفَاسِدَة فِيمَا هُوَ أشهر الْأَشْيَاء عِنْدهم كالصلوات مثلا.
وَمن أَسبَاب التحريف التهاون وَحَقِيقَته أَن يخلف بعد الحواريين خلف أضاعوا الصَّلَاة، وَاتبعُوا الشَّهَوَات لَا يهتمون باشاعة الدّين تعلما وتعليما وَعَملا، وَلَا يأمرون بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا ينهون عَن الْمُنكر، فَينْعَقد عَمَّا قريب رسوم خلاف الدّين، وَتَكون رَغْبَة الطباع خلاف رَغْبَة الشَّرَائِع، فَيَجِيء خلف آخَرُونَ يزِيدُونَ فِي التهاون حَتَّى ينسى مُعظم الْعلم ... ، والتهاون من سادة الْقَوْم وكبرائهم أضرّ بهم وَأكْثر إفسادا. وَبِهَذَا السَّبَب ضَاعَت مِلَّة نوح وَإِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام، فَلم يكد يُوجد مِنْهُم من يعرفهَا على وَجههَا، ومبدأ التهاون أُمُور.
مِنْهَا عدم تحمل الرِّوَايَة عَن صَاحب الْملَّة وَالْعَمَل بِهِ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا يُوشك رجل شبعان على أريكته يَقُول عَلَيْكُم بِهَذَا الْقُرْآن، فَمَا وجدْتُم من حَلَال فأحلوه، وَمَا وجدْتُم مِنْهُ حرَام، فحرموه، وَإِن مَا حرم رَسُول الله كَمَا حرم الله " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعا ينتزعه من النَّاس، وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم يبْق عَالما اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا، فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم، فضلوا، وأضلوا ".
وَمِنْهَا الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة الحاملة على التَّأْوِيل الْبَاطِل كَطَلَب مرضاة الْمُلُوك فِي اتباعهم الْهوى لقَوْله تَعَالَى:
{إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار} .
وَمِنْهَا شيوع الْمُنْكَرَات وَترك عُلَمَائهمْ النَّهْي عَنْهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{فلولا كَانَ من الْقُرُون من قبلكُمْ ألوا بَقِيَّة ينهون عَن الْفساد فِي الأَرْض إِلَّا قَلِيلا مِمَّا أنجينا مِنْهُم وَاتبع الَّذين ظلمُوا مَا أترفوا فِيهِ وَكَانُوا مجرمين} .
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي: " نهتهم علماؤهم، فَلم ينْتَهوا، فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ، وآكلوهم، وشاربوهم، فَضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض، ولعنهم على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى بن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا، وَكَانُوا يعتدون ".
وَمن أَسبَاب التحريف التعمق، وَحَقِيقَته أَن يَأْمر الشَّارِع بِأَمْر وَينْهى عَن شَيْء فيسمعه رجل من أمته، ويفهمه حَسْبَمَا يَلِيق بذهنه، فيعدي الحكم إِلَى مَا يشاكل الشَّيْء بِحَسب بعض الْوُجُوه أَو بعض أَجزَاء الْعلَّة أَو إِلَى أَجزَاء الشَّيْء ومظانه ودواعيه، وَكلما اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر لتعارض الرِّوَايَات الْتزم الأشد، ويجعله وَاجِبا، وَيحمل كل مَا فعله النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الْعِبَادَة، وَالْحق أَنه فعل أَشْيَاء على الْعَادة، فيظن أَن الْأَمر وَالنَّهْي شملا فِي هَذِه الْأُمُور، فيجهر بِأَن الله تَعَالَى أَمر بِكَذَا، وَنهى عَن كَذَا، كَمَا أَن الشَّارِع لما شرع الصَّوْم لقهر النَّفس وَمنع عَن الْجِمَاع فِيهِ ظن قوم أَن السّحُور خلاف الْمَشْرُوع؛ لِأَنَّهُ يُنَاقض قهر النَّفس، وَأَنه يحرم على الصَّائِم قبْلَة امْرَأَته لِأَنَّهَا من دواعي الْجِمَاع، وَلِأَنَّهَا تشاكل الْجِمَاع فِي قَضَاء الشَّهْوَة، فكشف رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن فَسَاد هَذِه المقاملة وَبَين أَنه تَحْرِيف.
وَمِنْهَا التشدد وَحَقِيقَته اخْتِيَار عبادات شاقة لم يَأْمر بهَا الشَّارِع كدوام الصّيام وَالْقِيَام التبتل وَترك التَّزَوُّج، وَأَن يلْتَزم السّنَن والآداب كالتزام الْوَاجِبَات وَهُوَ حَدِيث نهي النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن عَمْرو وَعُثْمَان ابْن مَظْعُون عَمَّا قصدا من الْعِبَادَات الشاقة وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لن يشاد الدّين أحد إِلَّا غَلبه " فَإِذا صَار هَذَا المتعمق أَو المتشدد معلم قوم وَرَئِيسهمْ ظنُّوا أَن هَذَا أَمر الشَّرْع وَرضَاهُ، وَهَذَا دَاء رُهْبَان الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
وَمِنْهَا الِاسْتِحْسَان وَحَقِيقَته أَن يرى رجل الشَّارِع يضْرب لكل حِكْمَة مَظَنَّة مُنَاسبَة، وَيَرَاهُ يعْقد التشريع، فيختلس بعض مَا ذكرنَا من أسرار التشريع، فيشرع للنَّاس حَسْبَمَا عقل من الْمصلحَة. كَمَا أَن الْيَهُود رَأَوْا أَن الشَّارِع إِنَّمَا أَمر بالحدود زجرا عَن الْمعاصِي للاصلاح، وَرَأَوا أَن الرَّجْم يُورث اخْتِلَافا وتقاتلا بِحَيْثُ يكون فِي ذَلِك اشد الْفساد، واستحسنوا تحميم الْوَجْه وَالْجَلد، فَبين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه تَحْرِيف ونبذ لحكم الله الْمَنْصُوص بِالتَّوْرَاةِ بآرائهم. عَن ابْن سِيرِين قَالَ: أول من قَاس إِبْلِيس، وَمَا عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بالمقاييس. وَعَن الْحسن أَنه تَلا هَذِه الْآيَة:
{خلقتني من نَار وخلقته من طين} .
قَالَ: قَاس إِبْلِيس وَهُوَ أول من قَاس. وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: وَالله لَئِن أَخَذْتُم بالمقاييس لتحر من الْحَلَال، ولتحلن الْحَرَام. وَعَن معَاذ بن جبل: يفتح الْقُرْآن على النَّاس حَتَّى يقرأه الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ وَالرجل، فَيَقُول الرجل قد قَرَأت الْقُرْآن، فَلم أتبع، وَالله لاقومن بِهِ فيهم لعَلي أتبع، فَيقوم بِهِ فيهم، فَلَا يتبع، فَيَقُول: قد قَرَأت الْقُرْآن فَلم أتبع، وَقد قُمْت بِهِ فيهم، فَلم أتبع
لأحتظرن فِي بَيْتِي مَسْجِدا لعَلي أتبع، فيخظر فِي بَيته مَسْجِدا، فَلَا يتبع، فَيَقُول: قد قَرَأت الْقُرْآن، فَلم أتبع، وَقمت بِهِ فيهم، فَلم أتبع، وَقد احتظرت فِي بَيْتِي مَسْجِدا، فَلم أتبع، وَالله لآتينهم بِحَدِيث لَا يجدونه فِي كتاب الله وَلم يسمعوه عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَلي أتبع قَالَ معَاذ: فاياكم وَمَا جَاءَ بِهِ فَإِن مَا جَاءَ بِهِ ضَلَالَة، وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: يهدم الاسلام زلَّة الْعَالم وجدال الْمُنَافِق بِالْكتاب وَحكم الْأَئِمَّة المضلين، وَالْمرَاد بِهَذَا كُله مَا لَيْسَ استنباطا من كتاب الله وَسنة رَسُوله.
وَمِنْهَا اتِّبَاع الْإِجْمَاع وَحَقِيقَته أَن يتَّفق قوم من حَملَة الْملَّة الَّذين اعْتقد الْعَامَّة فيهم الْإِصَابَة غَالِبا أَو دَائِما على شَيْء فيظن أَن ذَلِك دَلِيل قَاطع عَن ثُبُوت الحكم، وَذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ أصل من الْكتاب وَالسّنة، وَهَذَا غير الْإِجْمَاع الَّذِي اجْتمعت الْأمة عَلَيْهِ فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على القَوْل بِالْإِجْمَاع الَّذِي مُسْتَنده الْكتاب وَالسّنة أَو الاستنباط من أَحدهمَا وَلم يجوزوا القَوْل بالاجماع الَّذِي لَيْسَ مُسْتَندا إِلَى أَحدهمَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{وَإِذا قيل لَهُم أمنُوا بِمَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} الْآيَة
وَمَا تمسكت الْيَهُود فِي نفي نبوة عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَّا بِأَن أسلافهم فحصوا عَن حَالهمَا، فَلم يجدوهما على شَرَائِط الْأَنْبِيَاء، وَالنَّصَارَى، لَهُم شرائع كَثِيرَة مُخَالفَة للتوراة والأنجيل لَيْسَ لَهُم فِيهَا متمسك إِلَّا إِجْمَاع سلفهم.
وَمِنْهَا تَقْلِيد غير الْمَعْصُوم أَعنِي غير النَّبِي الَّذِي ثبتَتْ عصمته، وَحَقِيقَته أَن يجْتَهد وَاحِد من عُلَمَاء الْأمة فِي مَسْأَلَة، فيظن متبعوه أَنه على الْإِصَابَة قطعا أَو غَالِبا، فيردوا بِهِ حَدِيثا صَحِيحا، وَهَذَا التَّقْلِيد غير مَا اتّفق عَلَيْهِ
الْأمة المرحومة، فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على جَوَاز التَّقْلِيد للمجتهدين مَعَ الْعلم بِأَن الْمُجْتَهد يُخطئ، ويصيب، وَمَعَ الاستشراف لنَصّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْأَلَة والعزم على أَنه إِذا ظهر حَدِيث صَحِيح خلاف مَا قلد فِيهِ ترك التَّقْلِيد، وَاتبع الحَدِيث قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى:
{اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله} .
إِنَّهُم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكنهُمْ كَانُوا إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرمُوهُ ".
وَمِنْهَا خلط مِلَّة بِملَّة حَتَّى لَا تتَمَيَّز وَاحِدَة من الْأُخْرَى، وَذَلِكَ أَن يكون إِنْسَان فِي دين من الْأَدْيَان تعلق بِقَلْبِه عُلُوم تِلْكَ الطَّبَقَة، ثمَّ يدْخل فِي الْملَّة الإسلامية، قيبقى ميل قلبه إِلَى مَا تعلق بِهِ من قبل، فيطلب لأَجله وَجها فِي هَذِه الْملَّة وَلَو ضَعِيفا أَو مَوْضُوعا، وَرُبمَا جوز الْوَضع وَرِوَايَة الْمَوْضُوع لذَلِك، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لم يزل أَمر بني إِسْرَائِيل معتدلا حَتَّى نَشأ فيهم المولدون وَأَبْنَاء سَبَايَا الْأُمَم، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا " وَمِمَّا دخل فِي ديننَا عُلُوم بني إِسْرَائِيل وتذكير خطباء الْجَاهِلِيَّة وَحِكْمَة اليونانيين ودعوة البابليين وتاريخ الفارسيين والنجوم والرمل وَالْكَلَام، وَهُوَ سر غضب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قرئَ بَين يَدَيْهِ نُسْخَة من التَّوْرَاة، وَضرب عمر رَضِي الله عَنهُ من كَانَ يطْلب كتب دانيال، وَالله أعلم.

بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف دين نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدين الْيَهُود والنصرانية

اعْلَم أَن الْحق تَعَالَى إِذا بعث رَسُولا فِي قوم، فَأَقَامَ الْملَّة لَهُم على لِسَانه، فَإِنَّهُ لَا يتْرك فِيهَا عوجا وَلَا أمتا، ثمَّ إِنَّه تمضى الرِّوَايَة عَنهُ، ويحملها
الحواريون من أمته كَمَا يَنْبَغِي بُرْهَة من الزَّمَان، ثمَّ بعد ذَلِك يخلف خلف يحرفونها، ويتهاونون فِيهَا، فَلَا تكون حَقًا صرفا بل ممزوجا بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمته إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته، ويقتدون بأَمْره، ثمَّ يخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يأمرون " الحَدِيث، وَهَذَا الْبَاطِل مِنْهُ إشراك جلي وتحريف صَرِيح يؤاخذون عَلَيْهِ على كل حَال، وَمِنْه إشراك خَفِي وتحريف مُضْمر لَا يُؤَاخذ الله بهَا حَتَّى يبْعَث الرَّسُول فيهم، فيقيم الْحجَّة، ويكشف الْغُمَّة ليحيا من حَيّ عَن بَيِّنَة وَيهْلك من هلك عَن بَيِّنَة، فَإِذا بعث فيهم الرَّسُول رد كل شَيْء إِلَى أَصله، فَنظر إِلَى شرائع الْملَّة الأولى ...
فَمَا كَانَ مِنْهَا من شَعَائِر الله لَا يخالطها شرك وَمن سنَن الْعِبَادَات أَو طرق الارتفاقات الَّتِي ينطبق عَلَيْهَا القوانين الملية - أبقاها، ونوه بالخامل مِنْهَا، ومهد لكل شَيْء أركانا وأسبابا، وَمَا كَانَ من تَحْرِيف وتهاون أبْطلهُ، وَبَين أَنه لَيْسَ من الدّين ... ، وَمَا كَانَ من الْأَحْكَام المنوطة بمظان الْمصَالح يَوْمئِذٍ، ثمَّ اخْتلفت المظان بِحَسب اخْتِلَاف الْعَادَات - بدلهَا، إِذا الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ فِي شرع الْأَحْكَام هِيَ الْمصَالح. ويعنون بالمظان، وَرُبمَا كَانَ شَيْء مَظَنَّة لمصْلحَة ثمَّ صَار لَيْسَ مَظَنَّة لَهَا، كَمَا أَن عِلّة الْحمى فِي الأَصْل ثوران الأخلاط، فيتخذ الطَّبِيب لَهُ مَظَنَّة ينْسب إِلَيْهَا الْحمى كالمشي فِي الشَّمْس وَالْحَرَكَة المتعبة وَتَنَاول الْغذَاء الْفُلَانِيّ، وَيُمكن أَن تَزُول مَظَنَّة هَذِه الْأَشْيَاء، فتختلف الْأَحْكَام حسب ذَلِك، وَمَا كَانَ انْعَقَد عَلَيْهِ إِجْمَاع الْمَلأ الْأَعْلَى فِيمَا يعْملُونَ ويعتادون، وَفِيمَا يثبت عَلَيْهِ علومهم، وَدخل فِي جذر نُفُوسهم زَاده.
وَكَانَ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام قبل نَبيا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزِيدُونَ، وَلَا ينقصُونَ، وَلَا يبدلون إِلَّا قَلِيلا، فَزَاد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام على مِلَّة نوح عَلَيْهِ السَّلَام أَشْيَاء من الْمَنَاسِك وأعمال الْفطْرَة والختان وَزَاد مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلَام على مِلَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أَشْيَاء كتحريم لُحُوم الأبل وَوُجُوب السبت ورجم الزناة وَغير ذَلِك، وَنَبِينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَاد، وَنقص، وَبدل.
والناظر فِي دقائق الشَّرِيعَة إِذا استقرأ هَذِه الْأُمُور وجدهَا على وُجُوه:
مِنْهَا أَن الْملَّة الْيَهُودِيَّة حملهَا الْأَحْبَار والرهبان، فحرفوها بالوجوه الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رد كل شَيْء إِلَى أَصله، فاختلفت شَرِيعَته بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّة الَّتِي هِيَ فِي أَيْديهم، فَقَالُوا هَذَا زِيَادَة وَنقص وتبديل وَلَيْسَ تبديلا فِي الْحَقِيقَة.
وَمِنْهَا أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بعثة تَتَضَمَّن بعثة أُخْرَى فَالْأولى إِنَّمَا كَانَت إِلَى بني إِسْمَعِيل وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم} .
وَقَوله تَعَالَى:
{لتنذر قوما مَا أنذر آباؤهم فهم غافلون} .
وَهَذِه الْبعْثَة تستوجب أَن يكون مَادَّة شَرِيعَته مَا عِنْدهم من الشعائر وَسنَن الْعِبَادَات ووجوه الارتفاقات إِذْ الشَّرْع إِنَّمَا هُوَ إصْلَاح مَا عِنْدهم، لَا تكليفهم بِمَا لَا يعرفونه أصلا وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى:
{قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون} .
وَقَوله تَعَالَى:
{لَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَاته أأعجمي وعربي} .
وَقَوله تَعَالَى:
{وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} .
وَالثَّانيَِة كَانَت إِلَى جَمِيع أهل الأَرْض عَامَّة بالارتفاق الرَّابِع وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لعن فِي زَمَانه أَقْوَامًا، وَقضى بِزَوَال دولتهم كالعجم وَالروم، فَأمر بِالْقيامِ باللارتفاق الرَّابِع، وَجعل شرفه وغلبته تَقْرِيبًا لأتمام الْأَمر المُرَاد، وآتاه مَفَاتِيح كنوزهما، فَحصل لَهُ بِحَسب هَذَا الْكَمَال أَحْكَام أُخْرَى غير أَحْكَام التَّوْرَاة كالخراج والجزية والمجاهدات وَالِاحْتِيَاط عَن مدَاخِل التحريف.
وَمِنْهَا أَنه بعث فِي زمَان فَتْرَة قد اندرست فِيهِ الْملَل الحقة، وحرفت، وَغلب عَلَيْهَا التعصب واللجاج، فَكَانُوا لَا يتركون ملتهم الْبَاطِلَة وَلَا عادات الْجَاهِلِيَّة إِلَّا بتأكيد بَالغ فِي مُخَالفَة تِلْكَ الْعَادَات، فَصَارَ ذَلِك معدا لكثير من الاختلافات.

بَاب أَسبَاب النّسخ

وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى:
{مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} .
اعْلَم أَن النّسخ قِسْمَانِ:
أَحدهمَا أَن ينظر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الارتفاقات أَو وُجُوه
الطَّاعَات، فيضبطها بِوُجُوب الضَّبْط على قوانين التشريع، وَهُوَ اجْتِهَاد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ لَا يقرره الله عَلَيْهِ، بل يكْشف عَلَيْهِ مَا قضى الله فِي الْمَسْأَلَة من الحكم، إِمَّا بنزول الْقُرْآن حسب ذَلِك، أَو تَغْيِير اجْتِهَاده إِلَى ذَلِك وَتَقْرِيره عَلَيْهِ، مِثَال الأول مَا امْر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الِاسْتِقْبَال قبل بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ نزل الْقُرْآن بنسخه، وَمِثَال الثَّانِي أَنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَن الانتباذ إِلَّا فِي السقاء ثمَّ أَبَاحَ لَهُم
الانتباذ فِي كَانَ آنِية، وَقَالَ: " لَا تشْربُوا مُسكرا " وَذَلِكَ أَنه لما رأى أَن الْإِسْكَار أَمر خَفِي نصب لَهُ مَظَنَّة ظَاهِرَة، وَهِي الانتباذ فِي الأوعية الَّتِي لَا مسام لَهَا كالمأخوذة من الخزف والخشب والدباء، فَإِنَّهُ يسْرع الأسكار فِيمَا ينْبذ فِيهَا، وَنصب الانتباذ فِي السقاء مَظَنَّة لعدم الْإِسْكَار إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ تغير اجْتِهَاده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إدارة الحكم على الْإِسْكَار؛ لِأَنَّهُ يعرف بالغليان وَقذف الزّبد، وَنصب مَا هُوَ من لَوَازِم السكر أَو من صِفَات الشَّيْء الْمُسكر مَظَنَّة أولى من نصب مَا هُوَ أَمر أَجْنَبِي ... ، وعَلى تَخْرِيج آخر نقُول: رأى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن الْقَوْم مولعون بالمسكر، فَلَو نهوا عَنهُ كَانَ مدْخل أَن يشربه أحد متعذرا بِأَنَّهُ ظن أَنه لَيْسَ بمسكر وَأَنه اشْتبهَ عَلَيْهِ عَلَامَات الاسكار، أَو كَانَت أوانيهم ملطخة بالمسكر والاسكار يسْرع إِلَى مَا ينْبذ فِي مثل ذَلِك، فَلَمَّا قوى الاسلام، واطمأنوا بترك المسكرات، ونفدت تِلْكَ الْأَوَانِي أدَار الحكم على نفس الاسكار وعَلى هَذَا التَّخْرِيج، وَهَذَا مِثَال لاخْتِلَاف الحكم حسب اخْتِلَاف المظنات وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَلَامي لَا ينْسَخ كَلَام الله، وَكَلَام الله ينْسَخ كَلَامي، وَكَلَام الله ينْسَخ بعضه بَعْضًا ". وَالثَّانِي أَن يكون شَيْء مَظَنَّة مصلحَة أَو مفْسدَة، فَيحكم عَلَيْهِ حسب ذَلِك، ثمَّ يَأْتِي زمَان لَا يكون فِيهِ مَظَنَّة لَهَا، فيتغير الحكم، مِثَاله لما هَاجر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة، وانقطعت النُّصْرَة بَينهم وَبَين ذَوي أرحامهم،
وَإِنَّمَا كَانَت بالإخاء الَّذِي جعله النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمصْلحَة ضَرُورِيَّة رَآهَا - نزل الْقُرْآن بادارة التَّوَارُث على الإخاء، وَبَين الله تَعَالَى فَائِدَة حَيْثُ قَالَ:
{إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير} .
ثمَّ لما قوى الْإِسْلَام، وَلحق بالمهاجرين أولو أرحامهم - رَجَعَ الْأَمر إِلَى مَا كَانَ من التَّوَارُث بِالنّسَبِ ... ، أَو لَا يكون شَيْء مصلحَة فِي النُّبُوَّة الَّتِي لم يضم مَعهَا الْخلَافَة كَمَا كَانَ قبل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما كَانَ فِي زَمَانه قبل الْهِجْرَة، وَيكون مصلحَة فِي النُّبُوَّة المضمومة بالخلافة، مِثَاله أَن الله تَعَالَى لم يحل الْغَنَائِم لمن قبلنَا، وَأحل لنا. وَعلل ذَلِك فِي الحَدِيث بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن الله رأى ضعفنا، فأحلها لنا، وَثَانِيهمَا أَن ذَلِك من تَفْضِيل الله نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَأمته على سَائِر الْأُمَم. وَتَحْقِيق الْوَجْهَيْنِ أَن الْأَنْبِيَاء قبل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يبعثون لي أقوامهم خَاصَّة، وَهُوَ محصورون يَتَأَتَّى الْجِهَاد مَعَهم فِي سنة أَو سنتَيْن وَنَحْو ذَلِك، وَكَانَ أممهم أقوياء يقدرُونَ على الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة، فَلم يكن لَهُم حَاجَة إِلَى الْغَنَائِم، فَأَرَادَ الله تَعَالَى أَلا يخلط بعملهم غَرَض دُنْيَوِيّ، ليَكُون أتم لأجورهم، وَبعث نَبينَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَافَّة النَّاس، وهم غير مَحْصُورين، وَلَا كَانَ زمَان الْجِهَاد مَعَهم محصورا، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجمع بَين الْجِهَاد والتسبب بِمثل الفلاحة وَالتِّجَارَة، فَكَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى إِبَاحَة الْغَنَائِم، وَكَانَت أمته لعُمُوم دَعوته تشْتَمل نَاسا ضعفاء فِي النِّيَّة، وَفِيهِمْ ورد " - أَن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر " لَا يُجَاهد أُولَئِكَ إِلَّا لغَرَض عَاجل وَكَانَت الرَّحْمَة شملتهم فِي أَمر الْجِهَاد شمولا عَظِيما، وَكَانَ الْغَضَب مُتَوَجها إِلَى أعدائهم توجها عَظِيما، وَهُوَ
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِن الله نظر إِلَى أهل الأَرْض، فمقت عربهم وعجمهم " فَأوجب ذَلِك زَوَال عصمَة أَمْوَالهم وَدِمَائِهِمْ على الْوَجْه الأتم، وَأوجب إغاظة قُلُوبهم بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالهم، كَمَا أهْدى إِلَى الْحرم رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعير أبي جهل فِي أَنفه برة فضَّة يغِيظ الْكفَّار، وكما أَمر بِقطع النخيل وإحراقها إغاظة لأَهْلهَا، فَلذَلِك نزل الْقُرْآن بِإِبَاحَة الْغَنَائِم لهَذِهِ الْأمة.
مِثَال آخر لم يحرم لهَذِهِ الْأمة قتال الْكفَّار فِي أول الْأَمر، وَلم يكن حِينَئِذٍ هُنَاكَ جند وَلَا خلَافَة، ثمَّ لما هَاجر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وثاب الْمُسلمُونَ، وَظَهَرت الْخلَافَة، وتمكنوا من مجاهدة أَعدَاء الله أنزل الله تَعَالَى:
{أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير} .
وَفِي هَذَا الْقسم قَوْله تَعَالَى:
{مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} .
فَقَوله: (بِخَير مِنْهَا) فِيمَا تكون النُّبُوَّة مَضْمُومَة بالخلافة وَقَوله: (أَو مثلهَا) فِيمَا يخْتَلف الحكم باخْتلَاف المظان، وَالله أعلم.

بَاب بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ حَال أهل الْجَاهِلِيَّة فاصلحه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

إِن كنت تُرِيدُ النّظر فِي مَعَاني شَرِيعَة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتحقق أَولا حَال الْأُمِّيين الَّذين بعث فيهم الَّتِي هِيَ مَادَّة تشريعه، وَثَانِيا
كَيْفيَّة إِصْلَاحه لَهَا بالمقاصد الْمَذْكُورَة فِي بَاب التشريع والتيسير وَأَحْكَام الْملَّة،
فَاعْلَم أَنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بالملة الحنيفية الإسماعيلية لإِقَامَة عوجها وَإِزَالَة تحريفها وإشاعة نورها، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى:
{مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم} .
وَلما كَانَ الْأَمر على ذَلِك وَجب أَن تكون أصُول تِلْكَ الْملَّة مسلمة، وسنتها مقررة إِذْ النَّبِي إِذا بعث إِلَى قوم فيهم بَقِيَّة سنة راشدة، فَلَا معنى لتغييرها وتبديلها، بل الْوَاجِب تقريرها، لِأَنَّهُ أطوع لنفوسهم وَأثبت عِنْد الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم، وَكَانَ بَنو إِسْمَاعِيل توارثوا منهاج أَبِيهِم إِسْمَاعِيل، فَكَانُوا على تِلْكَ الشَّرِيعَة إِلَى أَن وجد عَمْرو بن لحي، فَأدْخل فِيهَا أَشْيَاء بِرَأْيهِ الكاسد، فضل، وأضل، وَشرع عبَادَة الْأَوْثَان، وسيب السوائب، وبحر البحائر، فهنالك بَطل الدّين، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالفاسد، وَغلب عَلَيْهِم الْجَهْل والشرك وَالْكفْر، فَبعث الله سيدنَا مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم فَنظر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شريعتهم، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافقا لمنهاج إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَو من شَعَائِر الله أبقاه، وَمَا كَانَ مِنْهَا تحريفا أَو افسادا أَو من شَعَائِر الشّرك وَالْكفْر أبْطلهُ وسجل على إِبْطَاله، وَمَا كَانَ من بَاب الْعَادَات وَغَيرهَا فَبين آدابها ومكروهاتها مِمَّا يحْتَرز بِهِ عَن غوائل الرسوم، وَنهى عَن الرسوم الْفَاسِدَة، وَأمر بالصالحة، وَمَا كَانَ من مَسْأَلَة أَصْلِيَّة أَو عملية تركت فِي الفترة أَعَادَهَا غضة طرية كَمَا كَانَت، فتمت بذلك نعْمَة الله، واستقام دينه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فِي زمَان النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسلمُونَ جَوَاز بعثة الْأَنْبِيَاء، وَيَقُولُونَ بالمجازاة، ويعتقدون أصُول أَنْوَاع الْبر، ويتعاملون بالارتفاقات الثَّانِي وَالثَّالِث.
وَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ وجود فرْقَتَيْن فيهم وَظُهُورهمَا وشيوعهما:
إِحْدَاهمَا الْفُسَّاق، والزنادقة، فالفساق يعْملُونَ الْأَعْمَال البهيمية أَو السبعية بِخِلَاف الْملَّة لغَلَبَة نُفُوسهم وَقلة تدينهم، فَأُولَئِك إِنَّمَا يخرجُون عَن حكم الْملَّة شَاهِدين على أنفسهم بِالْفِسْقِ، والزنادقة يجبلون على الْفَهم الأبتر لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّحْقِيق التَّام الَّذِي قَصده صَاحب الْملَّة، وَلَا يقلدونه، وَلَا يسلمونه بِمَا أخبر، فهم على ريبهم يَتَرَدَّدُونَ على خوف من ملتهم، وَالنَّاس يُنكرُونَ عَلَيْهِم، ويونهم خَارِجين عَن الدّين خالعين ربقة الْملَّة عَن أَعْنَاقهم، وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرنَا من الْإِنْكَار وقبح الْحَال فخروجهم لَا يضر.
وَالثَّانيَِة الجاهلون الغافلون الَّذين لم يرفعوا رُءُوسهم إِلَى الدّين رَأْسا، وَلم يلتفتوا لفتة أصلا، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَكثر شَيْء فِي قُرَيْش وَمَا والاها لبعد عَهدهم عَن الْأَنْبِيَاء، وَهُوَ قَوْله تبَارك وَتَعَالَى: {لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير} .
غير انهم لم يبعدوا عَن المحجة كل الْبعد بِحَيْثُ لَا تثبت عَلَيْهِم الْحجَّة، وَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِم الْإِلْزَام، وَلَا يتَحَقَّق فيهم الإقحام.
فَمن تِلْكَ الْأُصُول القَوْل بِأَن لَا شريك لله فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا من الْجَوَاهِر، وَلَا شريك لَهُ فِي تَدْبِير الْأُمُور الْعِظَام، وَأَنه لَا راد لحكمه وَلَا مَا نع لقضائه إِذا أبرم وَجزم وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
{وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليقون الله} .
وَقَوله:
{بل إِيَّاه تدعون} .
وَقَوله تَعَالَى:
{ضل مَا تدعون إِلَّا إِيَّاه} .
وَلَكِن كَانَ من زندقتهم قَوْلهم: أَن هُنَاكَ أشخاص من الْمَلَائِكَة والأرواح تدبر أهل الأَرْض فِيمَا دون الْأُمُور الْعِظَام من إصْلَاح حَال العابد فِيمَا يرجع إِلَى خُصُوصِيَّة نَفسه وَأَوْلَاده وأمواله، وشبهوهم بِحَال الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى ملك الْمُلُوك وبالحال الشفعاء والندماء بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّلْطَان الْمُتَصَرف بالجبروت، ومنشأ ذَلِك مَا نطقت بِهِ الشَّرَائِع من تَفْوِيض الْأُمُور إِلَى الْمَلَائِكَة واستجابة دُعَاء المقربين من النَّاس، فظنوا ذَلِك تَصرفا مِنْهُم كتصرف الْمُلُوك قِيَاسا للْغَائِب على الشَّاهِد وَهُوَ الْفساد.
وَمِنْهَا تنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ، لَكِن كَانَ من زندقتهم زعمهم أَن الله اتخذ الْمَلَائِكَة بَنَات، وَأَن الْمَلَائِكَة إِنَّمَا جعلُوا وَاسِطَة، ليكتسب الْحق مِنْهُم عَالما لَيْسَ عِنْده قِيَاسا على الْمُلُوك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجواسيس.
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى قدر جَمِيع الْحَوَادِث قبل أَن يخلقها، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: لم يزل أهل الْجَاهِلِيَّة يذكرُونَ الْقدر وخطبهم وأشهارهم، وَلم يزده الشَّرْع إِلَّا تَأْكِيدًا.
وَمِنْهَا أَن هُنَاكَ موطنا يتَحَقَّق فِيهِ الْقَضَاء بالحوادث شَيْئا فَشَيْئًا، وَأَن هُنَالك لأدعية الْمَلَائِكَة المقربين وأفاضل الْآدَمِيّين تَأْثِيرا بِوَجْه من الْوُجُوه، لَكِن صَار ذَلِك فِي أذهانهم متمثلا بشفاعة ندماء الْمُلُوك.
وَمِنْهَا أَنه كلف الْعباد بِمَا شَاءَ، فأحل وَحرم، وَأَنه مجَاز على الْأَعْمَال إِن خيرا فَخير، وَإِن شرا فشر، وَأَن لله تَعَالَى مَلَائِكَة هم مقربو الحضرة
وأكابر المملكة، وَأَنَّهُمْ مدبرون فِي الْعَالم بأذن الله وبأمره، وَأَنَّهُمْ:
{لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون} .
وَأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا ينْكحُونَ، وَأَنَّهُمْ قد يظهرون لأفاضل الْآدَمِيّين، فيبشرونهم، وينذرونهم، وَأَن الله قد يبْعَث إِلَى عباده بفضله ولطفه رجلا مِنْهُم، فليقى وحيه إِلَيْهِ، وَينزل الْملك عَلَيْهِ، وَأَنه يفْرض طَاعَته عَلَيْهِم، فَلَا يَجدونَ مِنْهَا بدا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ دونهَا محيصا، وَقد كثر ذكر الْمَلأ الْأَعْلَى وَحَملَة الْعَرْش فِي أشعار الْجَاهِلِيَّة. ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدق أُميَّة ابْن أبي الصَّامِت فِي بَيْتَيْنِ من شعره فَقَالَ:
(رجل وثور تَحت رجل يَمِينه ... والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد)
فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدق فَقَالَ؛
(وَالشَّمْس تطلع كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد)
(تأبى فَمَا تطلع لنا فِي رسلها ... إِلَّا معذبة وَإِلَّا تجلد)
فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صدق.
وَتَحْقِيق هَذَا أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَزْعمُونَ أَن حَملَة الْعَرْش أَرْبَعَة أَمْلَاك، أحدهم فِي صُورَة الْإِنْسَان، وَهُوَ شَفِيع بني آدم عِنْد الله، وَالثَّانِي فِي صُورَة الثور، وَهُوَ شَفِيع الْبَهَائِم، وَالثَّالِث فِي صُورَة النسْر، وَهُوَ شَفِيع الطُّيُور، وَالرَّابِع فِي صُورَة الْأسد، وَهُوَ شَفِيع السبَاع، فقد ورد الشَّرْع
بقريب من ذَلِك إِلَّا أَنه سماهم جَمِيعهم وعولا، وَذَلِكَ بِحَسب مَا يظْهر فِي عَالم الْمِثَال من صورهم، فَهَذَا كُله كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم مَعَ مَا دخل فِيهِ من قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد وخلط المألوف بالأمور العلمية ... ، وَإِن كنت فِي ريب مِمَّا ذكرنَا، فَانْظُر فِيمَا قصّ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وَاحْتج عَلَيْهِم بِمَا عِنْدهم من بَقِيَّة الْعلم، وكشف مَا أدخلوه فِيهِ من الشّبَه والشكوك لَا سِيمَا قَوْله تَعَالَى: لما أَنْكَرُوا نزُول الْقُرْآن {قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} .
وَلما قَالُوا.
{مَال هَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق} .
أنزل قَوْله تَعَالَى:
{قل مَا كنت بدعا من الرُّسُل} .
وَمَا يشابه ذَلِك فتعلم من هُنَالك أَن الْمُشْركين وَإِن كَانُوا قد تباعدوا عَن المحجة الْمُسْتَقيم لَكِن كَانُوا بِحَيْثُ تقوم عَلَيْهِم الْحجَّة بِبَقِيَّة مَا عِنْدهم من الْعلم، وَانْظُر إِلَى خطب حكمائهم كقس بن سَاعِدَة. وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وَإِلَى أَخْبَار من كَانَ قبل عَمْرو بن لحى تَجِد ذَلِك مفصلا، بل لَو أمعنت فِي تصفح أخبارهم غَايَة الأمعان وجدت أفاضلهم وحكماءهم وَكَانُوا يَقُولُونَ بالمعاد
وبالحفظة وَغير ذَلِك، ويثبتون التَّوْحِيد على وَجهه حَتَّى قَالَ زيد بن عَمْرو ابْن نفَيْل فِي شعره:
(عِبَادك يخطئون وَأَنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم)
وَقَالَ أَيْضا:
(أربا وَاحِدًا أم ألف رب ... أدين إِذا تقسمت الْأُمُور)
(تركت اللات والعزى جَمِيعًا ... كَذَلِك يفعل الرجل الْبَصِير)
وَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُميَّة بن أبي الصَّلْت: " آمن شعره، وَلم يُؤمن قلبه " وَذَلِكَ مِمَّا توارثوه من منهاج إِسْمَعِيل، وَدخل فيهم من أهل الْكتاب، وَكَانَ من الْمَعْلُوم عِنْدهم أَن كَمَال الْإِنْسَان أَن يسلم وَجهه لرَبه، ويغبده أقْصَى مجهوده.
وَإِن من أَبْوَاب الْعِبَادَة الطَّهَارَة، وَمَا زَالَ الْغسْل من الْجَنَابَة سنة معمولة عِنْدهم، وَكَذَلِكَ الْخِتَان وَسَائِر خِصَال الْفطْرَة، وَفِي التَّوْرَاة إِن الله تَعَالَى جعل الْخِتَان ميسمة على إِبْرَاهِيم وَذريته، وَهَذَا الْوضُوء يَفْعَله الْمَجُوس وَالْيَهُود وَغَيرهم، وَكَانَت تَفْعَلهُ حكماء الْعَرَب، وَكَانَت فيهم الصَّلَاة، وَكَانَ أَبُو ذَر رَضِي الله عَنهُ يُصَلِّي قبل أَن يقدم على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاث سِنِين، وَكَانَ قس بن سَاعِدَة الأيادي يُصَلِّي، وَالْمَحْفُوظ من الصَّلَاة فِي أُمَم الْيَهُود وَالْمَجُوس وَبَقِيَّة الْعَرَب أَفعَال تعظيمية لَا سِيمَا السُّجُود وأقوال من الدُّعَاء وَالذكر، وَكَانَت فيهم الزَّكَاة، وَكَانَ الْمَعْمُول عِنْدهم مِنْهَا قرى الضَّيْف وَابْن السَّبِيل وَحمل الْكل وَالصَّدَََقَة على الْمَسَاكِين وصلَة الْأَرْحَام والإعانة فِي نَوَائِب الْحق، وَكَانُوا يمدحون بهَا، ويعرفون أَنَّهَا كَمَال الْإِنْسَان وسعادته، قَالَت خَدِيجَة فوَاللَّه: لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم، وتقرى الضَّيْف، وَتحمل
الْكل، وَتعين على نَوَائِب الْحق، وَقَالَ ابْن الدغنة لأبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ مثل ذَلِك، وَكَانَ فيهم الصَّوْم من الْفجْر إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَكَانَت قُرَيْش تَصُوم عَاشُورَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ الْجوَار فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ عمر نذر اعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فاستفتى فِي ذَلِك رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ عَاص ابْن وَائِل أوصى أَن يعْتق عَنهُ كَذَا وَكَذَا من العبيد.
وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتحنثون بأنواع التحنثات، وَأما حج بَيت الله وتعظيم شَعَائِر وَالْأَشْهر الْحرم، فَأمره أظهر من أَن يخفى، وَكَانَ لَهُم أَنْوَاع من الرقى والتعوذات، وَكَانُوا أدخلُوا فِيهَا الاشراك، وَلم تزل سنتهمْ الذّبْح فِي الْحق والنحر فِي اللبة مَا كَانُوا يخنقون، وَلَا يبعجون، وَكَانُوا على بَقِيَّة دين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فِي ترك النُّجُوم وَترك الْخَوْض فِي دقائق الطبيعيات غير مَا ألجأ إِلَيْهِ البداهة، وَكَانَ الْعُمْدَة عِنْدهم فِي تقدمة الْمعرفَة الرُّؤْيَا وبشارات الْأَنْبِيَاء من قبلهم، ثمَّ دخل فِيهِ الكهانة والاستقسام بالازلام والطيرة، وَكَانُوا يعْرفُونَ أَن هَذِه لم تكن فِي أصل الْملَّة، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين رأى صُورَة إِبْرَاهِيم وإسمعيل عَلَيْهِمَا السَّلَام فِي أَيْديهم الازلام: " لقد علمُوا أَنَّهُمَا لم يستقسما قطّ " وَكَانَ بَنو إِسْمَعِيل على منهاج أَبِيهِم إِلَى أَن وجد فيهم عَمْرو بن لحى - وَذَلِكَ قبل مبعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبا من سَبْعمِائة سنة، وَكَانَت لَهُم سنَن متأكدة يتلاومون على تَركهَا فِي مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ ولباسهم وولائمهم وأعيادهم وَدفن موتاهم ونكاحهم وطلاقهم وعدتهم وإحدادهم، وبيوعهم ومعاملاتهم، وَمَا زَالُوا يحرمُونَ الْمَحَارِم كالبنات والأمهات وَالْأَخَوَات وَغَيرهَا، وَكَانَت
لَهُم مزاجر فِي مظالمهم كَالْقصاصِ والديات والقسامة وعقوبات على الزِّنَا وَالسَّرِقَة، وَدخلت فيهم من الاكاسرة والقياصرة عُلُوم الارتفاق الثَّالِث وَالرَّابِع، لَكِن دخلهم الفسوق والتظالم بِالسَّبْيِ والنهب وشيوع الزِّنَا والنكاحات الْفَاسِدَة والربا، وَكَانُوا تركُوا الصَّلَاة وَالذكر، وأعرضوا عَنْهُمَا فَبعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم - وَهَذَا حَالهم، فَنظر فِي جَمِيع مَا عِنْد الْقَوْم، فَمَا كَانَ بَقِيَّة الْملَّة الصَّحِيحَة أبقاه، وسجل على الْأَخْذ بِهِ، وَضبط لَهُم الْعِبَادَات بشرع الْأَسْبَاب والأوقات والشروط والأركان والآداب والمفسدات والرخصة والعزيمة وَالْأَدَاء وَالْقَضَاء، وَضبط لَهُم الْمعاصِي بِبَيَان الْأَركان والشروط، وَشرع فِيهَا حدوداً ومزاجر وكفارات، وَيسر لَهُم الدّين بِبَيَان التَّرْغِيب والترهيب، وسد ذرائع الأثم والحث على مكملات الْخَيْر إِلَى غير ذَلِك مِمَّا سبق ذكره، وَبَالغ فِي إِشَاعَة الْملَّة الحنيفية وتغليبها على الْملَل كلهَا، وَمَا كَانَ من تحريفاتهم نَفَاهُ، وَبَالغ فِي نَفْيه، وَمَا كَانَ من الارتفاقات الصَّحِيحَة سجل عَلَيْهِ، وَأمر بِهِ، وَمَا كَانَ فِي رسومهم الْفَاسِدَة مَنعهم عَنهُ، وَقبض على أَيْديهم، وَقَامَ بالخلافة الْكُبْرَى، وجاهد بِمن مَعَه من دونهم حَتَّى تمّ أَمر الله وهم كَارِهُون، وَجَاء فِي بعض الْأَحَادِيث أَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بعثت بالملة السمحة الحنيفية الْبَيْضَاء " يُرِيد بالسمحة مَا لَيْسَ فِيهِ مشاق الطَّاعَات كَمَا ابتدعه الرهبان، بل فِيهَا لكل عذر رخصَة يَتَأَتَّى الْعَمَل بهَا للقوي والضعيف والمكتسب والفارغ، وبالحنيفية مَا ذكرنَا من أَنَّهَا مِلَّة إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ، فِيهَا إِقَامَة شَعَائِر الله وكبت شَعَائِر الشّرك وَإِبْطَال التحريف والرسوم الْفَاسِدَة، وبالبيضاء أَن عللها وَحكمهَا والمقاصد الَّتِي بنيت عَلَيْهَا وَاضِحَة لَا ريب فِيهَا لمن تَأمل، وَكَانَ سليم الْعقل غير مكابر، وَالله أعلم.

المبحث السَّابِع مَبْحَث استنباط الشَّرَائِع من حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(بَاب بَيَان أَقسَام عُلُوم النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
اعْلَم أَن مَا رُوِيَ عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدون فِي كتب الحَدِيث على قسمَيْنِ.
أَحدهمَا مَا سَبيله سَبِيل تَبْلِيغ الرسَالَة، وَفِيه قَوْله تَعَالَى:
{وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا}
مِنْهُ عُلُوم المعادو عجائب الملكوت، وَهَذَا كُله مُسْتَند إِلَى الْوَحْي، وَمِنْه شرائع وَضبط للعبادات والارتفاقات بِوُجُوه الضَّبْط الْمَذْكُورَة فِيمَا سبق، وَهَذِه بَعْضهَا مُسْتَند إِلَى الْوَحْي، وَبَعضهَا مُسْتَند إِلَى الِاجْتِهَاد، واجتهاده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَة الْوَحْي؛ لِأَن الله تَعَالَى عصمه من أَن يَتَقَرَّر رَأْيه على الْخَطَأ، وَلَيْسَ يجب أَن يكون اجْتِهَاده استنباطا من
الْمَنْصُوص كَمَا يظنّ، بل أَكْثَره أَن يكون علمه الله تَعَالَى مَقَاصِد الشَّرْع وقانون التشريع والتيسير وَالْأَحْكَام، فَبين الْمَقَاصِد المتلقاة بِالْوَحْي بذلك القانون، وَمِنْه حكم مُرْسلَة ومصالح مُطلقَة لم يوقتها، وَلم يبين حُدُودهَا كبيان الْأَخْلَاق الصَّالِحَة وأضدادها، ومستندها غَالِبا الِاجْتِهَاد بِمَعْنى أَن الله تَعَالَى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط مِنْهَا حكمه، وَجعل فِيهَا كُلية، وَمِنْه فَضَائِل الْأَعْمَال ومناقب الْعمَّال، وَرَأى أَن بَعْضهَا مُسْتَند إِلَى الْوَحْي وَبَعضهَا إِلَى الِاجْتِهَاد، وَقد سبق بَيَان تِلْكَ القوانين، وَهَذَا الْقسم هُوَ الَّذِي نقصد شَرحه وَبَيَان مَعَانِيه.
وَثَانِيهمَا مَا لَيْسَ من بَاب تَبْلِيغ الرسَالَة، وَفِيه قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا أَنا بشر إِذا أَمرتكُم بِشَيْء من دينكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذا أَمرتكُم بِشَيْء من
رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنا بشر " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قصَّة تأبير النّخل: " فانى إِنَّمَا ظَنَنْت ظنا، وَلَا تؤاخذوني بِالظَّنِّ، وَلَكِن إِذا حدثتكم عَن الله شَيْئا، فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لم أكذب على الله " فَمِنْهُ الطِّبّ، وَمِنْه بَاب قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَلَيْكُم بالأدهم الأقرح " ومستنده التجربة، وَمِنْه مَا فعله النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سَبِيل الْعَادة دون الْعِبَادَة وبحسب الِاتِّفَاق دون الْقَصْد، وَمِنْه مَا ذكره كَمَا كَانَ يذكرهُ قومه كَحَدِيث أم زرع وَحَدِيث خرافة وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت حَيْثُ دخل عَلَيْهِ نفر، فَقَالُوا لَهُ حَدثنَا أَحَادِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كنت جَاره، فَكَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي بعث إِلَيّ، فكتبته لَهُ، فَكَانَ إِذا ذكرنَا الدُّنْيَا ذكرهَا مَعنا، وَإِذا ذكرنَا الْآخِرَة ذكرهَا مَعنا، وَإِذا ذكرنَا الطَّعَام ذكره مَعنا، فَكل هَذَا أحدثكُم عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْه مَا قصد بِهِ مصلحَة جزئية يَوْمئِذٍ وَلَيْسَ من الْأَمر اللَّازِمَة لجَمِيع الْأمة، وَذَلِكَ مثل مَا يَأْمر بِهِ الْخَلِيفَة من تعبئة الجيوش وَتَعْيِين الشعار، وَهُوَ قَول عمر رَضِي الله عَنهُ: مَا لنا وللرمل كُنَّا نتراءى بِهِ قوما قد أهلكهم الله، ثمَّ خشِي أَن يكون لَهُ سَبَب آخر، وَقد حمل كثير من الْأَحْكَام عَلَيْهِ كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبة " وَمِنْه حكم وَقَضَاء خَاص، وَإِنَّمَا كَانَ يتبع فِيهِ الْبَينَات والايمان وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَلي رَضِي الله عَنهُ: " الشَّاهِد يرى مَا لَا يرَاهُ الْغَائِب ".

بَاب الْفرق بَين الْمصَالح والشرائع

اعْلَم أَن الشَّارِع أفادنا نَوْعَيْنِ من الْعلم متمايزين بأحكامهما متباينين فِي منازلهما.
فأحد النَّوْعَيْنِ علم الْمصَالح والمفاسد أَعنِي مَا بَينه من تَهْذِيب النَّفس باكتساب الْأَخْلَاق النافعة فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة وَإِزَالَة أضدادها، وَمن تَدْبِير الْمنزل وآداب المعاش وسياسة الْمَدِينَة غير مُقَدّر لذَلِك بمقادير مُعينَة وَلَا ضَابِط مُبْهمَة بحدود مضبوطه وَلَا مُمَيّز لمشكلة بأمارات مَعْلُومَة، بل رغب فِي الحمائد، وزهد فِي الرذائل تَارِكًا كَلَامه إِلَى مَا يفهم مِنْهُ أهل اللُّغَة مديرا للطلب أَو الْمَنْع على أنفس الْمصَالح لَا على مظان مَنْصُوبَة لَهَا وأمارات معرفَة إِيَّاهَا كَمَا مدح الْكيس والشجاعة، وَأمر بالرفق والتودد وَالْقَصْد فِي الْمَعيشَة وَلم يبين أَن الْكيس مثلا مَا حَده الَّذِي يَدُور عَلَيْهِ الطّلب، وَمَا مظنته الَّتِي يُؤَاخذ النَّاس بهَا، وكل مصلحَة حثنا الشَّرْع عَلَيْهَا وكل مفْسدَة ردعنا عَنْهَا فَإِن ذَلِك لَا يَخْلُو من الرُّجُوع إِلَى أحد أصُول ثَلَاثَة أَحدهَا: تَهْذِيب النَّفس بالخصال الْأَرْبَع النافعة فِي الْمعَاد أَو سَائِر الْخِصَال النافعة فِي الدُّنْيَا، وَثَانِيها إعلاء كلمة الْحق وتمكين الشَّرَائِع وَالسَّعْي فِي إشاعتها وَثَالِثهَا انتظام أَمر النَّاس وَإِصْلَاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم، وَمعنى رُجُوعهَا إِلَيْهَا أَن يكون للشَّيْء دخل فِي تِلْكَ الْأُمُور إِثْبَاتًا لَهَا أَو نفيا إِيَّاهَا بِأَن يكون شُعْبَة من خصْلَة مِنْهَا أَو ضدا لشعبتها أَو مَظَنَّة لوجودها أَو عدمهَا أَو متلازما مَعهَا أَو مَعَ ضدها أَو طَرِيق إِلَيْهَا أَو إِلَى الْإِعْرَاض عَنْهَا، وَالرِّضَا فِي الأَصْل إِنَّمَا يتَعَلَّق بِتِلْكَ الْمصَالح، والسخط إِنَّمَا يناط بِتِلْكَ الْمَفَاسِد قبل بعث الرُّسُل وَبعده سَوَاء، وَلَوْلَا تعلق الرِّضَا والسخط بتينك القبيلتين لم يبْعَث الرُّسُل، وَذَلِكَ لِأَن الشَّرَائِع وَالْحُدُود إِنَّمَا كَانَت بعد بعث الرُّسُل، فَمَا كَانَ فِي
التَّكْلِيف بهَا والمؤاخذة عَلَيْهَا ابْتِدَاء لطف، وَلَكِن الْمصَالح والمفاسد كَانَت مُؤثرَة مقتضية لتهذيب النَّفس أَو تلويثها أَو انتظام أُمُورهم أَو فَسَادهَا قبل بعث الرُّسُل، فَاقْتضى لطف الله أَن يخبروا بِمَا يهمهم، ويكلفوا بِمَا لَا بُد لَهُم مِنْهُ، وَلم يكن يتم ذَلِك إِلَّا بمقادير وَشَرَائِع، فَاقْتضى اللطف تِلْكَ الْقَبِيلَة بِالْعرضِ، وَهَذَا النَّوْع مَعْقُول الْمَعْنى، فَمِنْهُ مَا تستقل الْعُقُول العامية بفهمه، وَمِنْه مَا لَا يفهمهُ إِلَّا عقول الأذكياء الفائض عَلَيْهِم الْأَنْوَار من قُلُوب الْأَنْبِيَاء نبههم الشَّرْع، فتنبهوا، ولوح لَهُم، فتفطنوا، وَمن أتقن الْأُصُول الَّتِي ذَكرنَاهَا لم يتَوَقَّف فِي شَيْء مِنْهَا.
وَالنَّوْع الثَّانِي علم الشَّرَائِع وَالْحُدُود والفرائض: أَعنِي مَا بَين الشَّرْع من الْمَقَادِير،
فنصب للْمصَالح مظان وأمارات مضبوطة مَعْلُومَة، وأدار الحكم عَلَيْهَا، وكلف النَّاس بهَا، وَضبط أَنْوَاع الْبر بِتَعْيِين الْأَركان والشروط والآداب، وَجعل من كل نوع حدا يطْلب مِنْهُم لَا محَالة وحدا يندبون إِلَيْهِ من غير إِيجَاب، وَاخْتَارَ من كل بر عددا يُوجب عَلَيْهِم، وَآخر يندبون إِلَيْهِ، فَصَارَ التَّكْلِيف مُتَوَجها إِلَى أنفس تِلْكَ المظان، وَصَارَت الْأَحْكَام دَائِرَة على أنفس تِلْكَ الأمارات، وَصَارَ مرجع هَذَا النَّوْع إِلَى قوانين السياسة الملية، ... وَلَيْسَ كل مَظَنَّة لمصْلحَة توجب عَلَيْهِم، وَلَكِن مَا كَانَ مِنْهَا مضبوطا أمرا محسوسا أَو وَصفا ظَاهرا يُعلمهُ الْخَاصَّة والعامة، وَرُبمَا يكون للايجاب وَالتَّحْرِيم أَسبَاب طارئة يكْتب لأَجلهَا فِي الْمَلأ الْأَعْلَى فَيتَحَقَّق هُنَالك صُورَة الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم كسؤال سَائل ورغبة قوم فِيهِ أَو أعراضهم عَنهُ، وكل ذَلِك غير مَعْقُول الْمَعْنى بِمَعْنى أَنا وَإِن كُنَّا نعلم قوانين التَّقْدِير والتشريع، فَلَا نعلم وجود كِتَابَته فِي الْمَلأ الْأَعْلَى وَتحقّق صُورَة الْوُجُوب فِي حَظِيرَة الْقُدس إِلَّا بِنَصّ الشَّرْع، فَإِنَّهُ من الْأُمُور الَّتِي لَا سَبِيل إِلَّا إِدْرَاكهَا إِلَّا الْإِخْبَار الإلهي مثل ذَلِك - كَمثل الجمد - نعلم
أَن سَبَب حُدُوثه برودة تضرب المَاء وَلَا نعلم أَن مَاء الْقَعْب فِي ساعتنا هَذِه صَار جمدا أَو لَا إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَو إِخْبَار من شَاهد، فعلى هَذَا الْقيَاس نعلم أَنه لَا بُد من تَقْدِير النّصاب فِي الزَّكَاة، ونعلم أَن مِائَتي دِرْهَم وَخَمْسَة أَو سَاق قدر صَالح للنصاب، لِأَنَّهُ يحصل بهَا غَنِي مُعْتَد بِهِ، وهما أَمْرَانِ مضبوطان مستعملان عِنْد الْقَوْم، وَلَا نعلم أَن الله تَعَالَى كتب علينا هَذَا النّصاب، وأدار الرِّضَا، والسخط عَلَيْهِ إِلَّا بِنَصّ الشَّرْع، كَيفَ وَكم من سَبَب لَهُ لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا الْخَبَر، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما " الحَدِيث وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم ".
وَقد اتّفق من يعْتد بِهِ من الْعلمَاء على أَن الْقيَاس لَا يجْرِي فِي بَاب الْمَقَادِير، وعَلى أَن حَقِيقَة الْقيَاس تَعديَة حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع لعِلَّة مُشْتَركَة لَا جعل مَظَنَّة مصلحَة عِلّة أَو جعل شَيْء مُنَاسِب ركنا أَو شرطا، وعَلى أَنه لَا يصلح الْقيَاس لوُجُود الْمصلحَة، وَلَكِن لوُجُود عِلّة مصبوطة أدير عَلَيْهَا الحكم، فَلَا يُقَاس مُقيم بِهِ حرج على الْمُسَافِر فِي رخص الصَّلَاة وَالصَّوْم فان دفع الْحَرج مصلحَة الترخيص لاعلة الْقصر والأفطار، وَإِنَّمَا الْعلَّة هِيَ السّفر فَهَذِهِ الْمسَائِل لم يخْتَلف فِيهَا الْعلمَاء إِجْمَالا، وَلَكِن يحملهَا أَكْثَرهم عِنْد التَّفْصِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبمَا تشتبه الْمصلحَة بِالْعِلَّةِ، والتشريع، وَبَعض الْفُقَهَاء عِنْدَمَا خَاضُوا فِي الْقيَاس تحيروا فلجوا بِبَعْض الْمَقَادِير، وأنكروا استبدالها بِمَا يقرب مِنْهَا، وتسامحوا فِي بَعْضهَا، فنصبوا أَشْيَاء مقَامهَا، ... مِثَال ذَلِك تقديرهم نِصَاب الْقطن بِخَمْسَة أحمال، ونصبهم ركُوب السَّفِينَة مَظَنَّة لدوران الرَّأْس، وإدارة رخصَة الْعُقُود فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ، وَتَقْدِير المَاء بالعشر فِي الْعشْر وَكلما أفهم الشَّرْع الْمصلحَة فِي مَوضِع، فَوَجَدنَا تِلْكَ الْمصلحَة فِي مَوضِع آخر عرفنَا أَن الرِّضَا يتَعَلَّق بهَا بِعَينهَا لَا بِخُصُوص ذَلِك الْموضع، بِخِلَاف الْمَقَادِير
فان الرِّضَا يتَعَلَّق هُنَاكَ بالمقادير أَنْفسهَا، ... تَفْصِيل ذَلِك أَن من ترك صَلَاة وَقت كَانَ آثِما وَإِن شغل ذَلِك الْوَقْت بِالذكر وَسَائِر الطَّاعَات، وَمن ترك زَكَاة مَفْرُوضَة، وَصرف أَكثر من ذَلِك المَال فِي وُجُوه الْخَيْر كَانَ آثِما، وَكَذَلِكَ إِن لبس الْحَرِير وَالذَّهَب فِي الْخلْوَة حَيْثُ لَا يتَصَوَّر كسر قُلُوب الْفُقَرَاء وَحمل النَّاس على الْإِكْثَار من الدُّنْيَا وَلم يقْصد بِهِ الترفه - كَانَ آثِما وَكَذَلِكَ إِن شرب الْخمر بنية التَّدَاوِي، وَلم يكن هُنَاكَ فَسَاد، وَلَا ترك صَلَاة كَانَ آثِما لِأَن الرِّضَا والسخط متعلقان فأنفس هَذِه الْأَشْيَاء، وَإِن كَانَ الْغَرَض الْأَصْلِيّ كبحهم عَن الْفساد وَحَملهمْ على الْمصَالح، وَلَكِن الْحق علم أَن سياسة الْأمة لَا تمكن فِي هَذَا الْوَقْت إِلَّا بايجاب أنفس هَذِه الْأَشْيَاء وتحريمها فَتوجه الرِّضَا والسخط إِلَى أَنْفسهَا، وَكتب ذَلِك فِي الْمَلأ الْأَعْلَى بِخِلَاف مَا إِذا لبس الصُّوف الرفيع الَّذِي هُوَ أَعلَى وأغلى من الْحَرِير، وَاسْتعْمل أواني الْيَاقُوت فَإِنَّهُ لَا يَأْثَم بِنَفس هَذَا الْفِعْل، وَلَكِن إِن تحقق كسر قُلُوب الْفُقَرَاء وَحمل النَّاس على فعل ذَلِك أَو قصد الترفه بعد من الرَّحْمَة لأجل تِلْكَ الْمَفَاسِد وَإِلَّا فَلَا، وَحَيْثُ وجدت الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فعلوا مَا يشبه التَّقْدِير، فانما مُرَادهم بَيَان الْمصلحَة وَالتَّرْغِيب فِيهَا، والمفسدة والترهيب عَنْهَا، وَإِنَّمَا أخرجُوا تِلْكَ الصُّورَة مخرج الْمثل لَا يقصدون إِلَيْهَا بالخصوص، وَإِنَّمَا يقصدون إِلَى الْمعَانِي وَإِن اشْتبهَ الْأَمر بَادِي الرَّأْي، وَحَيْثُ جوز الشَّرْع استبدال مِقْدَار بِقِيمَتِه كَبِنْت المخاص بِقِيمَتِهَا على قَول فعلى التَّسْلِيم هُوَ أَيْضا نوع من التَّقْدِير، وَذَلِكَ لِأَن التَّقْدِير لَا يُمكن الِاسْتِقْصَاء فِيهِ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى التَّضْيِيق، وَلَكِن رُبمَا يقدر بِأَمْر ينطبق على أُمُور كَثِيرَة كَبِنْت الْمَخَاض نَفسهَا فانها رُبمَا كَانَت بنت مَخَاض آرفه من بنت مَخَاض، وَرُبمَا كَانَ التَّقْدِير بِالْقيمَةِ تَقْديرا بِحَدّ مَعْلُوم فِي الْجُمْلَة كتقدير نِصَاب الْقطع بِمَا يكون قِيمَته ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم.
وَاعْلَم أَن التَّحْرِيم والايجاب وَالتَّحْرِيم من التَّقْدِير، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كثيرا مَا تعن مصلحَة أَو مفْسدَة لَهَا صور كَثِيرَة، فَتعين صُورَة للايجاب أَو التَّحْرِيم، لِأَنَّهَا من الْأُمُور المضبوطة أَو لِأَنَّهَا مِمَّا عرفُوا حَالهَا فِي الْملَل السَّابِقَة، أَو رَغِبُوا فِيهَا أَكثر رَغْبَة وَلذَلِك اعتذر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم " وَقَالَ " لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ " وَإِذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك لم يجز حمل غير الْمَنْصُوص حكمه على الْمَنْصُوص حكمه، أما النّدب وَالْكَرَاهَة ففيهما تَفْصِيل: فَأَي مَنْدُوب أَمر الشَّارِع بِعَيْنِه، ونوه بأَمْره، وسنه للنَّاس - فحاله حَال الْوَاجِب، وَأي مَنْدُوب اقْتصر الشَّارِع على بَيَان مصْلحَته، أَو اخْتَار الْعَمَل هُوَ بِهِ من غير أَن يسنه، وينوه بأَمْره - فَهُوَ بَاقٍ على الْحَالة الَّتِي كَانَت قبل التشريع، وَإِنَّمَا نِصَاب الْأجر فِيهِ من قبل الْمصلحَة الَّتِي وجدت مَعَه لَا بِاعْتِبَار نَفسه، وَكَذَلِكَ حَال الْمَكْرُوه على هَذَا التَّفْصِيل، وَإِذا تحققت هَذِه الْمُقدمَة اتَّضَح عنْدك أَن أَكثر المقاييس الَّتِي يفتخر بهَا الْقَوْم، ويتطاولون لأَجلهَا على معشر أهل الحَدِيث يعود وبالا عَلَيْهِم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ.

بَاب كَيْفيَّة تلقي الْأمة الشَّرْع من النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَاعْلَم أَن تلقي الْأمة مِنْهُ الشَّرْع على وَجْهَيْن: أَحدهمَا تلقي الظَّاهِر، وَلَا بُد أَن يكون بِنَقْل إِمَّا متواترا، أَو غير متواتر ... ، والمتواتر مِنْهُ الْمُتَوَاتر لفظا كالقرآن الْعَظِيم، وكنبذ يسير من الْأَحَادِيث مِنْهَا قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم "، وَمِنْه
الْمُتَوَاتر معنى ككثير من أَحْكَام الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والبيوع وَالنِّكَاح والغزوات مِمَّا لم يخْتَلف فِيهِ فرقة من فرق الْإِسْلَام ... ، وَغير الْمُتَوَاتر أَعلَى درجاته المستفيض، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة من الصَّحَابَة فَصَاعِدا، ثمَّ لم يزل يزِيد الروَاة إِلَى الطَّبَقَة الْخَامِسَة، وَهَذَا قسم كثير الْوُجُود، وَعَلِيهِ بِنَاء رُءُوس الْفِقْه. ثمَّ الْخَبَر الْمقْضِي لَهُ بِالصِّحَّةِ أَو الْحسن على أَلْسِنَة حفاظ الْمُحدثين وكبرائهم، ثمَّ أَخْبَار فِيهَا كَلَام قبلهَا بعض، وَلم يقبلهَا آخَرُونَ، فَمَا اعتضد مِنْهَا بالشواهد أَو قَول أَكثر أهل الْعلم أَو الْعقل الصَّرِيح وَجب إتباعه.
وَثَانِيهمَا التلقي دلَالَة، وَهِي أَن يرى الصَّحَابَة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول، وَيفْعل، فاستنبطوا من ذَلِك حكما من الْوُجُوب وَغَيره، فَأخْبرُوا بذلك الحكم، فَقَالُوا. الشَّيْء الْفُلَانِيّ وَاجِب، وَذَلِكَ الآخر جَائِز، ثمَّ تلقى التابعون من الصَّحَابَة كَذَلِك، فدون الطَّبَقَة الثَّالِثَة فتاواهم
وقضاياهم، وأحكموا الْأَمر، وأكابر هَذَا الْوَجْه عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم، لَكِن كَانَ من سيرة عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يشاور الصَّحَابَة، ويناظرهم حَتَّى تنكشف الْغُمَّة، ويأتيه الثَّلج، فَصَارَ غَالب قضاياه وفتاواه متبعة فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم لما مَاتَ عمر رَضِي الله عَنهُ: ذهب تِسْعَة أعشار الْعلم، وَقَول ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ: كَانَ عمر إِذا سلك طَرِيقا وَجَدْنَاهُ سهلا، وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لَا يشاور غَالِبا، وَكَانَ أغلب قضاياه بِالْكُوفَةِ، فَلم يحملهَا عَنهُ إِلَّا نَاس، وَكَانَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله بِالْكُوفَةِ، فَلم يحمل عَنهُ غَالِبا إِلَّا أهل تِلْكَ النَّاحِيَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا اجْتهد بعد عصر الْأَوَّلين، فناقضهم فِي كثير من الْأَحْكَام، وَاتبعهُ فِي ذَلِك أَصْحَابه من أهل
مَكَّة، وَلم يَأْخُذ بِمَا تفرد بِهِ جُمْهُور أهل الْإِسْلَام، وَأما غير هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة فَكَانُوا يروون دلَالَة، وَلَكِن مَا كَانُوا يميزون الرُّكْن وَالشّرط من الْآدَاب وَالسّنَن، وَلم يكن لَهُم قَول عِنْد تعَارض الْأَخْبَار وتقابل الدَّلَائِل إِلَّا قَلِيلا كَابْن عمر وَعَائِشَة وَزيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُم، وأكابر هَذَا الْوَجْه من التَّابِعين بِالْمَدِينَةِ الْفُقَهَاء السَّبْعَة لَا سِيمَا ابْن الْمسيب بِالْمَدِينَةِ، وبمكة عَطاء ابْن أبي رَبَاح، وبالكوفة إِبْرَاهِيم وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ، وبالبصرة الْحسن. وَفِي 1 كل من الطريقتين خلل إِنَّمَا ينجبر بِالْأُخْرَى، وَلَا غنى لأحداهما عَن صاحبتها.
أما الأولى فَمن خللها مَا يدْخل فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى من التبديل، وَلَا يُؤمن من تَغْيِير الْمَعْنى، وَمِنْه مَا كَانَ الْأَمر فِي وَاقعَة خَاصَّة، فَظَنهُ الرَّاوِي حكما كليا، وَمِنْه مَا أخرج فِيهِ الْكَلَام مخرج التَّأْكِيد؛ ليعضوا عَلَيْهِ بالنواجذ، فَظن الرَّاوِي وجوبا أَو حُرْمَة، وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك - فَمن كَانَ فَقِيها، وَحضر الْوَاقِعَة استنبط من الْقَرَائِن حَقِيقَة الْحَال كَقَوْل زيد رَضِي الله عَنهُ فِي النَّهْي عَن الْمُزَارعَة وَعَن بيع الثِّمَار قبل أَن يبدوا صَلَاحهَا: إِن ذَلِك كَانَ كالمشورة، وَأما الثَّانِيَة فَيدْخل فِيهَا قياسات الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ واستنباطهم من الْكتاب وَالسّنة، وَلَيْسَ الِاجْتِهَاد مصيبا فِي جَمِيع الْأَحْوَال، وَرُبمَا كَانَ لم يبلغ أحدهم الحَدِيث، أَو بلغه بِوَجْه لَا ينتهض بِمثلِهِ الْحجَّة، فَلم يعْمل بِهِ، ثمَّ ظهر جلية الْحَال على لِسَان صَحَابِيّ آخر بعد ذَلِك كَقَوْل عمر وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا فِي التَّيَمُّم عَن الْجَنَابَة، وَكَثِيرًا مَا كَانَ اتِّفَاق رُءُوس الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على شَيْء من قبل دلَالَة الْعقل على ارتفاق وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي " وَلَيْسَ من أصُول الشَّرْع، فَمن كَانَ متبحرا فِي الْأَخْبَار وألفاظ الحَدِيث يَتَيَسَّر لَهُ التفصى عَن مزال الْأَقْدَام، وَلما كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَجب على الخائض فِي الْفِقْه أَن يكون متضلعا من كلا المشربين، ومتبحرا فِي كلا المذهبين، وَكَانَ أحسن شَعَائِر الْملَّة مَا أجمع عَلَيْهِ جُمْهُور الروَاة وَحَملَة الْعلم، وتطابق فِيهِ الطريقتان جَمِيعًا، وَالله أعلم.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث

اعْلَم أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة سَوَاء كَانَت من لَفظه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَو كَانَت أَحَادِيث مَوْقُوفَة قد صحت الرِّوَايَة بهَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِحَيْثُ يبعد إقدامهم على الْجَزْم بِمثلِهِ لَوْلَا النَّص أَو الاشارة من الشَّارِع، فَمثل ذَلِك رِوَايَة عَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دلَالَة، وتلقي تِلْكَ الرِّوَايَات لَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي يَوْمنَا هَذَا إِلَّا تتبع الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي علم الحَدِيث، فَإِنَّهُ لَا يُوجد الْيَوْم رِوَايَة يعْتَمد عَلَيْهَا غير مدونة، وَكتب الحَدِيث على طَبَقَات مُخْتَلفَة ومنازل متباينة فَوَجَبَ الاعتناء بِمَعْرِِفَة طَبَقَات كتب الحَدِيث.
فَتَقول هِيَ بِاعْتِبَار الصِّحَّة والشهرة على أَربع طَبَقَات: وَذَلِكَ لِأَن أَعلَى أَقسَام الحَدِيث - كَمَا عرفت فِيمَا سبق - مَا ثَبت بالتواتر، وأجمعت الْأمة على قبُوله الْعَمَل بِهِ، ... ثمَّ مَا استفاض من طرق مُتعَدِّدَة لَا يبْقى مَعهَا شُبْهَة يعْتد بهَا، وَاتفقَ على الْعَمَل بِهِ جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار، أَو لم يخْتَلف فِيهِ عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ خَاصَّة، فَإِن الْحَرَمَيْنِ مَحل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي الْقُرُون الأولى ومحط رحال الْعلمَاء طبقَة بعد طبقَة يبعد أَن يسلمُوا مِنْهُم الْخَطَأ الظَّاهِر، أَو كَانَ قولا مَشْهُورا مَعْمُولا بِهِ فِي قطر عَظِيم مرويا عَن جمَاعَة عَظِيمَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، ثمَّ مَا صَحَّ، أَو حسن سَنَده، وَشهد بِهِ عُلَمَاء الحَدِيث، وَلم يكن قولا متروكا لم يذهب إِلَيْهِ أحد من الْأمة، أما مَا كَانَ ضَعِيفا مَوْضُوعا أَو مُنْقَطِعًا أَو مقلوبا فِي سَنَده أَو مَتنه أَو من رِوَايَة المجاهيل أَو مُخَالفا لما أجمع عَلَيْهِ السّلف طبقَة بعد طبقَة، فَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ، ... ، فالصحة أَن يشْتَرط مؤلف الْكتاب على نَفسه إِيرَاد مَا صَحَّ أَو حسن غير مقلوب وَلَا شَاذ وَلَا ضَعِيف إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله، فَإِن إِيرَاد الضَّعِيف مَعَ بَيَان حَاله لَا يقْدَح فِي الْكتاب.
والشهرة أَن تكون الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا دَائِرَة على أَلْسِنَة الْمُحدثين قبل تدوينها وَبعد تدوينها، فَيكون أَئِمَّة الحَدِيث قبل الْمُؤلف رووها بطرق شَتَّى، وأوردوها فِي مسانيدهم
ومجاميعهم، وَبعد الْمُؤلف اشتغلوا بِرِوَايَة الْكتاب وَحفظه وكشف مشكله وَشرح غَرِيبه وَبَيَان إعرابه وَتَخْرِيج طرق أَحَادِيثه واستنباط فقهها والفحص عَن أَحْوَال رواتها طبقَة بعد طبقَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا حَتَّى لَا يبْقى شَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ غير مبحوث عَنهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله، وَيكون نقاد الحَدِيث قبل المُصَنّف وَبعده وافقوه فِي القَوْل بهَا، وحكموا بِصِحَّتِهَا، وارتضوا رَأْي المُصَنّف فِيهَا، وتلقوا كِتَابه بالمدح وَالثنَاء، وَيكون أَئِمَّة الْفِقْه لَا يزالون يستنبطون عَنْهَا، ويعتمدون عَلَيْهَا، ويعتنون بهَا، وَيكون الْعَامَّة لَا يخلون عَن اعتقادها وتعظيمها.
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا اجْتمعت هَاتَانِ الخصلتان كملا فِي كتاب كَانَ من الطَّبَقَة الأولى ثمَّ وَثمّ، وَإِن فقدتا رَأْسا لم يكن لَهُ اعْتِبَار، وَمَا كَانَ أَعلَى حد فِي الطَّبَقَة الأولى فَإِنَّهُ يصل حد التَّوَاتُر، وَمَا دون ذَلِك يصل إِلَى الاستفاضة، ثمَّ إِلَى الصِّحَّة القطعية أَعنِي الْقطع الْمَأْخُوذ فِي علم الحَدِيث الْمُفِيد للْعَمَل، والطبقة الثَّانِيَة إِلَى الاستفاضة أَو الصِّحَّة القطعية أَو الظنية وَهَكَذَا ينزل الْأَمر.
فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء فِي ثَلَاثَة كتب، الْمُوَطَّأ، وصحيح البُخَارِيّ، وصحيح مُسلم. قَالَ الشَّافِعِي: أصح الْكتب بعد كتاب الله موطأ مَالك، وَاتفقَ أهل الحَدِيث على أَن جَمِيع مَا فِيهِ صَحِيح على رَأْي مَالك وَمن وَافقه، وَأما على رَأْي غَيره فَلَيْسَ فِيهِ مُرْسل وَلَا مُنْقَطع إِلَّا قد اتَّصل السَّنَد بِهِ من طرق أُخْرَى، فَلَا جرم أَنَّهَا صَحِيحَة من هَذَا الْوَجْه، وَقد صنف فِي زمَان مَالك موطآت كَثِيرَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيثه وَوصل منقطعه، مثل كتاب ابْن أبي ذِئْب وَابْن عُيَيْنَة وَالثَّوْري وَمعمر وَغَيرهم مِمَّن شَارك مَالِكًا
فِي الشُّيُوخ، وَقد رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِطَة أَكثر من ألف رجل وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره فِي حَدِيثه، فَمنهمْ المبرزون من الْفُقَهَاء كالشافعي وَمُحَمّد بن الْحسن، وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم، وَمِنْهُم نحارير الْمُحدثين كيحيى ابْن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الرَّزَّاق، وَمِنْهُم الْمُلُوك والأمراء كالرشيد وابنيه، وَقد اشْتهر فِي عصره حَتَّى بلغ على جَمِيع ديار الْإِسْلَام، ثمَّ لم يَأْتِ زمَان إِلَّا وَهُوَ أَكثر لَهُ شهرة وَأقوى بِهِ عناية، وَعَلِيهِ بنى فُقَهَاء الْأَمْصَار مذاهبهم حَتَّى أهل الْعرَاق فِي بعض أَمرهم، وَلم يزل الْعلمَاء يخرجُون أَحَادِيثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غَرِيبه، ويضبطون مشكله ويبحثون عَن فقهه، ويفتشون عَن رِجَاله إِلَى غَايَة لَيْسَ بعْدهَا غَايَة. وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقس كتاب الْمُوَطَّأ بِكِتَاب الأثار لمُحَمد والأمالي لأبي يُوسُف تَجِد بَينه وَبَينهمَا بعد المشرقين، فَهَل سَمِعت أحدا من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء تعرض لَهما واعتنى بهما؟ . أما الصحيحان فقد اتّفق المحدثون على أَن جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ، وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما، وَأَنه كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ. وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقسهما بِكِتَاب ابْن أبي شيبَة وَكتاب الطَّحَاوِيّ ومسند الْخَوَارِزْمِيّ وَغَيرهمَا تَجِد بَينهَا وَبَينهمَا بعد المشرقين وَقد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها، وَقد تتبعت مَا استدركه، فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه، وَلم يصب من وَجه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وجد أَحَادِيث مروية عَن رجال الشَّيْخَيْنِ بشرطهما فِي الصِّحَّة والاتصال، فاتجه استدراكه عَلَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه، وَلَكِن الشَّيْخَيْنِ لَا يذكران إِلَّا حَدِيثا قد تناظر فِيهِ مشايخهما، وَأَجْمعُوا على القَوْل بِهِ والتصحيح لَهُ، كَمَا أَشَارَ مُسلم حَيْثُ قَالَ: لم أذكر هَهُنَا إِلَّا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ، وَجل مَا تفرد بِهِ الْمُسْتَدْرك كالموكا عَلَيْهِ المخفي مَكَانَهُ فِي
زمن مشايخهما وَإِن اشْتهر أمره من بعد، أَو مَا اخْتلف المحدثون فِي رِجَاله فالشيخان كأساتذتهما كَانَا يعتنيان بالبحث عَن نُصُوص الْأَحَادِيث فِي الْوَصْل والانقطاع وَغير ذَلِك حَتَّى يَتَّضِح الْحَال، وَالْحَاكِم يعْتَمد فِي الْأَكْثَر على قَوَاعِد مخرجة من صنائعهم كَقَوْلِه: زِيَادَة الثِّقَات مَقْبُولَة، وَإِذا اخْتلف النَّاس فِي الْوَصْل والإرسال وَالْوَقْف وَالرَّفْع وَغير ذَلِك فَالَّذِي حفظ الزِّيَادَة حجَّة على من لم يحفظ، وَالْحق أَنه كثيرا مَا يدْخل الْخلَل فِي الْحفاظ من قبل الْمَوْقُوف وَوصل الْمُنْقَطع لَا سِيمَا عِنْد رغبتهم فِي الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع وتنويههم بِهِ، فالشيخان لَا يَقُولَانِ بِكَثِير مِمَّا يَقُوله الْحَاكِم، وَالله أعلم.
وَهَذِه الْكتب الثَّلَاثَة الَّتِي اعتنى القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق بضبط مشكلها ورد تصحيفها.
الطَّبَقَة الثَّانِيَة: كتب لم تبلغ مبلغ الْمُوَطَّأ والصحيحين، وَلكنهَا تتلوها. كَانَ مصنفوها معروفين بالوثوق وَالْعَدَالَة وَالْحِفْظ والتبحر فِي فنون الحَدِيث، وَلم يرْضوا فِي كتبهمْ هَذِه بالتساهل فِيمَا اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها من بعدهمْ بِالْقبُولِ، واعتنى بهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء طبقَة بعد طبقَة، واشتهرت فِيمَا بَين النَّاس، وَتعلق بهَا الْقَوْم شرحا لغريبها وفحصا عَن رجالها واستنباطا لفقهها. وعَلى تِلْكَ الْأَحَادِيث بِنَاء عَامَّة الْعُلُوم كسنن أبي دَاوُد وجامع التِّرْمِذِيّ ومجتبى النَّسَائِيّ، وَهَذِه الْكتب مَعَ الطَّبَقَة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين فِي تَجْرِيد الصِّحَاح وَابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول وَكَاد مُسْند أَحْمد يكون من جملَة هَذِه الطَّبَقَة، فَإِن الإِمَام أَحْمد جعله أصلا يعرف بِهِ الصَّحِيح والسقيم قَالَ: مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَا تقبلوه. والطبقة الثَّالِثَة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت - قبل البُخَارِيّ وَمُسلم وَفِي زمانهما وبعدهما - جمعت بَين الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف
وَالْمَعْرُوف والغريب والشاذ وَالْمُنكر وَالْخَطَأ وَالصَّوَاب وَالثَّابِت والمقلوب، وَلم تشتهر فِي الْعلمَاء ذَلِك الاشتهار وَإِن زَالَ عَنْهَا اسْم النكارة الْمُطلقَة، وَلم يتداول مَا تفردت بِهِ الْفُقَهَاء كثير تداول، وَلم تفحص عَن صِحَّتهَا وسقمها المحدثون كثير فحص، وَمِنْه مَا لم يَخْدمه لغَوِيّ لشرح غَرِيب، وَلَا فَقِيه بتطبيقه بمذاهب السّلف، وَلَا مُحدث بِبَيَان مشكله، وَلَا مؤرخ بِذكر أَسمَاء رِجَاله، وَلَا أُرِيد الْمُتَأَخِّرين المتعمقين، وَإِنَّمَا كَلَامي فِي الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين من أهل الحَدِيث فَهِيَ بَاقِيَة على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي عَليّ ومصنف عبد الرازق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة ومسند عبد ابْن حميد وَالطَّيَالِسِي وَكتب الْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي وَالطَّبَرَانِيّ وَكَانَ قصدهم جمع مَا وجدوه لَا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من الْعَمَل.
والطبقة الرَّابِعَة. كتب قصد مصنفوها بعد قُرُون متطاولة جمع مَا لم يُوجد فِي الطبقتين الْأَوليين وَكَانَت فِي المجاميع وَالْمَسَانِيد المختفية فنوهوا بأمرها، وَكَانَت على أَلْسِنَة من لم يكْتب حَدِيثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وَأهل الْأَهْوَاء والضعفاء، أَو كَانَت من آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، أَو من أَخْبَار بني إِسْرَائِيل، أَو من كَلَام الْحُكَمَاء والوعاظ خلطها الروَاة بِحَدِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهوا أَو عمدا، أَو كَانَت من محتملات الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح، فرواها بِالْمَعْنَى قوم صَالِحُونَ لَا يعْرفُونَ غوامض الرِّوَايَة، فَجعلُوا الْمعَانِي أَحَادِيث مَرْفُوعَة، أَو كَانَت مَعَاني مفهومة من إشارات الْكتاب وَالسّنة جعلوها أَحَادِيث مستبدة برأسها عمدا، أَو كَانَت جملا شَتَّى فِي أَحَادِيث مُخْتَلفَة جعلوها حَدِيثا وَاحِدًا بنسق وَاحِد، ومظنة هَذِه الْأَحَادِيث كتاب الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان وكامل ابْن عدي، وَكتب الْخَطِيب وَأبي نعيم والجوزقاني وَابْن عَسَاكِر وَابْن النجار والديلمي، وَكَاد مُسْند الْخَوَارِزْمِيّ يكون من هَذِه الطَّبَقَة، وَأصْلح هَذِه الطَّبَقَة مَا كَانَ ضَعِيفا
مُحْتملا وأسوؤها مَا كَانَ مَوْضُوعا أَو مقلوبا شَدِيد النكارة. وَهَذِه الطَّبَقَة مَادَّة كتاب الموضوعات لِابْنِ الْجَوْزِيّ.
هَهُنَا طبقَة خَامِسَة مِنْهَا مَا اشْتهر على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء والصوفية والمؤرخين وَنَحْوهم، وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي هَذِه الطَّبَقَات الْأَرْبَع، وَمِنْهَا مَا دسه الماجن فِي دينه الْعَالم بِلِسَانِهِ فَأتى بِإِسْنَاد قوي لَا يُمكن الْجرْح فِيهِ، وَكَلَام بليغ لَا يبعد صدروه عَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأثار فِي الْإِسْلَام مُصِيبَة عَظِيمَة، لَكِن الجهابذة من أهل الحَدِيث يوردون مثل ذَلِك على المتابعات والشواهد، فتهتك الأستار وَيظْهر العوار، أما الطَّبَقَة الأولى وَالثَّانيَِة فعلَيْهِمَا اعْتِمَاد الْمُحدثين، وحوم حماهما مرتعهم ومسرحهم. وَأما الثَّالِثَة فَلَا يُبَاشِرهَا للْعَمَل عَلَيْهَا وَالْقَوْل بهَا إِلَّا النحارير الجهابذة الَّذين يحفظون أَسمَاء الرِّجَال وَعلل الْأَحَادِيث، نعم رُبمَا يُؤْخَذ مِنْهَا المتابعات والشواهد. {قد جعل الله لكل شَيْء قدرا} .
وَأما الرَّابِعَة فالاشتغال بجمعها أَو الاستنباط مِنْهَا نوع تعمق من الْمُتَأَخِّرين. وَإِن شِئْت الْحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وَغَيرهم يتمكنون بِأَدْنَى عناية أَن يلخصوا مِنْهَا شَوَاهِد مذاهبهم، فالانتصار بهَا غير صَحِيح فِي معارك الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ، وَالله أعلم.

بَاب كَيْفيَّة فهم المُرَاد من الْكَلَام

اعْلَم أَن تَعْبِير الْمُتَكَلّم عَمَّا فِي ضَمِيره وَفهم السَّامع إِيَّاه يكون على دَرَجَات مترتبة فِي الوضوح والخفاء: أَعْلَاهَا مَا صرح فِيهِ بِثُبُوت الحكم للموضوع لَهُ عينا، وسيق الْكَلَام لأجل تِلْكَ الإفادة، وَلم يحْتَمل معنى آخر، ويتلوه مَا عدم فِيهِ أحد الْقُيُود الثَّلَاثَة، إِمَّا أثبت الحكم لعنوان عَام يتَنَاوَل
جمعا من المسميات شمولا أَو بَدَلا مثل النَّاس والمسلمون وَالْقَوْم وَالرِّجَال، وَأَسْمَاء الْإِشَارَة إِذا عَمت صلتها والموصوف بِوَصْف عَام والمنفي بِلَا الْجِنْس فَإِن الْعَام يلْحقهُ التَّخْصِيص كثيرا، وَإِمَّا لم يسْبق الْكَلَام لتِلْك الإفادة إِن لَزِمت مِمَّا هُنَالك، مثل جَاءَنِي زيد الْفَاضِل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفضل وَيَا زيد الْفَقِير بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثُبُوت الْفقر لَهُ، وَإِمَّا احْتمل معنى آخر أَيْضا كاللفظ الْمُشْتَرك وَالَّذِي لَهُ حَقِيقَة مستعملة ومجاز مُتَعَارَف وَالَّذِي يكون مَعْرُوفا بالمثال وَالْقِسْمَة غير مَعْرُوف بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع كالسفر مَعْلُوم أَن من أمثلته الْخُرُوج من الْمَدِينَة قَاصِدا لمَكَّة، وَمَعْلُوم أَن من الْحَرَكَة تفرج، وَمِنْهَا تردد فِي الْحَاجة بِحَيْثُ يأوي إِلَى الْقرْيَة فِي يَوْمه، وَمِنْهَا سفر وَلَا يعرف الْحَد والدائر بَين شَخْصَيْنِ كاسم الْإِشَارَة وَالضَّمِير عِنْد تعَارض الْقَرَائِن أَو صدق الصِّلَة عَلَيْهِمَا،
ثمَّ يتلوه مَا أفهمهُ الْكَلَام من غير توَسط اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيهِ، ومعظمه ثَلَاثَة، الفحوى وَهُوَ يفهم أَن الْكَلَام حَال الْمَسْكُوت عَنهُ بِوَاسِطَة الْمَعْنى الْحَامِل على الحكم مثل: {وَلَا تقل لَهما أُفٍّ} .
يفهم مِنْهُ حُرْمَة الضَّرْب بطرِيق الأولى، وَمثل " من أكل فِي نَهَار رَمَضَان وَجب عَلَيْهِ الْقَضَاء " يفهم مِنْهُ أَن المُرَاد نقض الصَّوْم، وَإِنَّمَا خص الْأكل لِأَنَّهُ صُورَة تتبادر إِلَى الذِّهْن، والاقتضاء وَهُوَ أَن يفهمها بِوَاسِطَة لُزُومه للمستعمل فِيهِ عَادَة أَو عقلا أَو شرعا، اعتقت، وبعت - يقتضيان سبق ملك، مَشى يَقْتَضِي سَلامَة الرجل، صلى يَقْتَضِي أَنه على الطَّهَارَة، والإيماء وَهُوَ أَن أَدَاء الْمَقْصُود يكون بعبارات بِإِزَاءِ الاعتبارات الْمُنَاسبَة، فيقصد البلغاء مُطَابقَة الْعبارَة للاعتبار الْمُنَاسب الزَّائِد على أصل الْمَقْصُود،
فيفهم الْكَلَام الِاعْتِبَار الْمُنَاسب لَهُ كالتقييد بِالْوَصْفِ أَو الشَّرْط يدلان على عدم الحكم عِنْد عدمهما حَيْثُ لم يقْصد مشاكلة السُّؤَال وَلَا بَيَان الصُّورَة المتبادرة إِلَى الأذهان وَلَا بَيَان فَائِدَة الحكم وكمفهوم الِاسْتِثْنَاء والغاية وَالْعدَد، وَشرط اعْتِبَار الْإِيمَاء أَن يجْرِي التَّنَاقُض بِهِ فِي عرف أهل اللِّسَان مثل - على عشرَة إِلَّا شَيْء إِنَّمَا على وَاحِد - يحكم عَلَيْهِ الْجُمْهُور بالتناقض، وَأما مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا المتعمقون فِي علم الْمعَانِي، فَلَا عِبْرَة بِهِ، ثمَّ يتلوه مَا اسْتدلَّ عَلَيْهِ بمضمون الْكَلَام ومعظمه ثَلَاثَة، الدرج فِي الْعُمُوم مثل الذِّئْب ذُو نَاب وكل ذِي نَاب حرَام، وَبَيَانه بالاقتراني وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَا أنزل عَليّ فِي الْخمر شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة: {فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره} .
وَمِنْه اسْتِدْلَال ابْن عَبَّاس بقوله تَعَالَى: {فبهداهم اقتده} .
وَقَوله تَعَالَى: {وَظن دَاوُد أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب} .
حَيْثُ قَالَ نَبِيكُم أَمر بِأَن يقْتَدى بِهِ، وَالِاسْتِدْلَال بالملازمة أَو الْمُنَافَاة مثل لَو كَانَ الْوتر وَاجِبا لم يؤد على الرَّاحِلَة لكنه يُؤدى كَذَلِك، وَبَيَانه بالشرطي وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: { لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا} .
وَالْقِيَاس، وَهُوَ تَمْثِيل صُورَة بِصُورَة فِي عِلّة جَامِعَة بَينهمَا مثل الحمص ربوى كالحنطة وَمِنْه قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته عَنهُ أَكَانَ يجزى عَنهُ؟ قَالَ نعم قَالَ فاحجج عَنهُ " وَالله أعلم.

بَاب كَيْفيَّة فهم الْمعَانِي الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة

وَاعْلَم أَن الصِّيغَة الدَّالَّة على الرِّضَا والسخط هِيَ الْحبّ والبغض، وَالرَّحْمَة واللعنة، والقرب والبعد وَنسبَة الْفِعْل إِلَى المرضيين أَو المسخوطين كالمؤمنين وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين، وَأهل الْجنَّة وَالنَّار والطلب وَالْمَنْع، وَبَيَان الْجَزَاء الْمُتَرَتب على الْفِعْل، والتشبيه بمحمود فِي الْعرف أَو مَذْمُوم، واهتمام النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ أَو اجتنابه عَنهُ مَعَ حُضُور دواعيه.
وَأما التَّمْيِيز بَين دَرَجَات الرِّضَا والسخط من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْحُرْمَة والكراهية، فأصرحه مَا بَين حَال مخالفه مثل " من لم يؤد زَكَاة مَاله مثل لَهُ " الحَدِيث وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَمن لَا فَلَا حرج "، ثمَّ اللَّفْظ مثل يجب، وَلَا يحل، وَجعل الشَّيْء ركن الْإِسْلَام أَو الْكفْر، وَالتَّشْدِيد الْبَالِغ على فعله، أَو تَركه، وَمثل - لَيْسَ من الْمُرُوءَة، وَلَا يَنْبَغِي -، ثمَّ حكم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِك كَقَوْل عمر رَضِي الله عَنهُ: إِن سَجْدَة التِّلَاوَة لَيست بواجبة، وَقَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ: إِن الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب، ثمَّ حَال الْمَقْصد من كَونه تكميلا لطاعة أَو سدا لذريعة إِثْم أَو من بَاب الْوَقار وَحسن الْأَدَب.
وَأما معرفَة الْعلَّة والركن وَالشّرط فأصرحها مَا يكون بِالنَّصِّ مثل " كل مُسكر حرَام " " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْكتاب " " لَا تقبل صَلَاة أحدكُم حَتَّى يتَوَضَّأ "، ثمَّ بِالْإِشَارَةِ والإيماء مثل قَول الرجل: " واقعت أَهلِي فِي رَمَضَان قَالَ: " أعتق رَقَبَة "، وَتَسْمِيَة الصَّلَاة قيَاما وركوعا وسجودا يفهم أَنَّهَا أَرْكَانهَا.
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين " يفهم اشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد لبس الْخُفَّيْنِ،
ثمَّ أَن يكثر الحكم بِوُجُود الشَّيْء عِنْد وجوده أَو عَدمه عِنْد عَدمه حَتَّى يَتَقَرَّر فِي الذِّهْن عَلَيْهِ الشَّيْء أَو ركنيته أَو شرطيته بِمَنْزِلَة مَا يدب فِي ذهن الْفَارِسِي من معرفَة مَوْضُوعَات اللُّغَة الْعَرَبيَّة عِنْد ممارسة الْعَرَب واستعمالهم إِيَّاهَا فِي الْمَوَاضِع المقرونة بالقرائن من حَيْثُ لَا يدْرِي، وَإِنَّمَا مِيزَانه نفس تِلْكَ الْمعرفَة فَإِذا رَأينَا الشَّارِع كلما صلى ركع، وَسجد، وَدفع عَنهُ الزّجر، وتكرر ذَلِك جزمنا بِالْمَقْصُودِ، وَإِن شِئْت الْحق فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي معرفَة الْأَوْصَاف النفسية مُطلقًا، فَإِذا رَأينَا النَّاس يجمعُونَ الْخشب، ويصنعون مِنْهُ شَيْئا يجلس عَلَيْهِ، ويسمونه السرير نَزَعْنَا من ذَلِك أَوْصَافه النفسية، ثمَّ تَخْرِيج لمناط اعْتِمَادًا على وجدان مُنَاسبَة أَو على السبر والحذف.
وَأما معرفَة الْمَقَاصِد الَّتِي بني عَلَيْهَا الْأَحْكَام فَعلم دَقِيق لَا يَخُوض فِيهِ إِلَّا من لطف ذهنه، واستقام فهمه، وَكَانَ فُقَهَاء الصَّحَابَة تلقت أصُول الطَّاعَات والآثام من المشهورات الَّتِي أجمع عَلَيْهَا الْأُمَم الْمَوْجُودَة يَوْمئِذٍ كمشركي الْعَرَب كاليهود وَالنَّصَارَى، فَلم تكن لَهُم حَاجَة إِلَى معرفَة لمياتها، وَلَا الْبَحْث عَمَّا يتَعَلَّق بذلك.
أما قوانين التشريع والتيسير وَأَحْكَام الدّين فتلقوها من مُشَاهدَة مواقع الْأَمر وَالنَّهْي، كَمَا أَن جلساء الطَّبِيب يعْرفُونَ مَقَاصِد الْأَدْوِيَة الَّتِي يَأْمر بهَا بطول المخالطة والممارسة، وَكَانُوا فِي الدرجَة الْعليا من مَعْرفَتهَا، وَمِنْه قَول عمر رَضِي الله عَنهُ لمن أَرَادَ أَن يصل النَّافِلَة بالفريضة: بِهَذَا هلك من قبلكُمْ، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أصَاب الله بك يَا ابْن الْخطاب " وَقَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي بَيَان سَبَب الْأَمر بِغسْل يَوْم الْجُمُعَة، وَقَول عمر رَضِي الله عَنهُ: وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث: وَقَول زيد رَضِي الله عَنهُ فِي الْبيُوع
الْمنْهِي عَنْهَا: إِنَّه كَانَ يُصِيب الثِّمَار مراض قشام دمان الخ، وَقَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: " لَو أردك النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أحدثه النِّسَاء لمنعهن من الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل ".
وأصرح طرقها مَا بَين فِي نَص الْكتاب وَالسّنة مثل. { وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب} .
وَقَوله تَعَالَى: {علم الله أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم} .
وَقَوله تَعَالَى: {الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا} .
وَقَوله تَعَالَى: {إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير} .
وَقَوله تَعَالَى: {أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى} .
وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِن الشَّيْطَان يبيت على خيشومه " ثمَّ مَا أُشير إِلَيْهِ أَو أومئ مثل قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتَّقوا اللاعنين " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وكاء السه العينان " ثمَّ مَا ذكره الصَّحَابِيّ الْفَقِيه، ثمَّ تَخْرِيج المناط بِوَجْه يرجع إِلَى مقصد ظهر اعْتِبَاره أَو اعْتِبَار نَظِيره فِي نَظِير الْمَسْأَلَة، وَلَيْسَ فِي الْأَمر جزاف فَيجب أَن يبْحَث عَن الْمَقَادِير لم عينت دون نظائرها، وَعَن مخصصات الْعُمُوم لم استثنيت لفقد الْمَقْصد أَو لقِيَام مَانع يرجح عِنْد التَّعَارُض وَالله أعلم.

بَاب الْقَضَاء فِي الْأَحَادِيث الْمُخْتَلفَة

الأَصْل أَن يعْمل بِكُل حَدِيث إِلَّا أَن يمْتَنع الْعَمَل بِالْجَمِيعِ للتناقض، وَأَنه لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة اخْتِلَاف، وَلَكِن فِي نَظرنَا فَقَط، فَإِذا ظهر حديثان مُخْتَلِفَانِ فَإِن كَانَا من بَاب حِكَايَة الْفِعْل، فَحكى صَحَابِيّ أَنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل شَيْئا، وَحكى آخر أَنه فعل شَيْئا آخر، فَلَا تعَارض، ويكونان مباحين إِن كَانَا من بَاب الْعَادة دون الْعِبَادَة، أَو أَحدهمَا مُسْتَحبا وَالْآخر جَائِزا إِن لَاحَ على أَحدهمَا آثَار الْقرْبَة دون الآخر، أَو يكونَانِ جَمِيعًا مستحبين أَو واجبين يَكْفِي أَحدهمَا كِفَايَة الآخر إِن كَانَا جَمِيعًا من بَاب الْقرْبَة، وَقد نَص حفاظ الصَّحَابَة على مثله فِي كثير من السّنَن كالوتر بِإِحْدَى عشرَة رَكْعَة وبتسع وَسبع وكالجهر فِي التَّهَجُّد والمخافتة، وعَلى هَذَا الأَصْل يَنْبَغِي أَن يقْضِي فِي رفع الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُذُنَيْنِ أَو الْمَنْكِبَيْنِ، وَفِي تشهد عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِي الْوتر هَل هُوَ رَكْعَة مُنْفَرِدَة أَو ثَلَاث رَكْعَات، وَفِي أدعية الاستفتاح وأدعية الصَّباح والمساء وَسَائِر الْأَسْبَاب والأوقات ... أَو يكونَانِ مُخلصين عَن مضيق إِن تقدم مَا يُوجب ذَلِك كخصال الْكَفَّارَة وكأجزية الْمُحَارب فِي قَول، أَو يكون هُنَالك عِلّة خُفْيَة
توجب، أَو تحسن أحد الْفِعْلَيْنِ فِي وَقت وَالْآخر فِي وَقت، أَو توجب شَيْئا وقتا، وترخص وقتا، فَيجب أَن يفحص عَنْهَا، أَو يكون أَحدهمَا عَزِيمَة وَالْآخر رخصَة إِن لَاحَ أثر الْأَصَالَة فِي الأول وَاعْتِبَار
الْحَرج فِي الثَّانِي وَإِن ظهر دَلِيل النّسخ قيل بِهِ ... ، وَإِن كَانَ أَحدهمَا حِكَايَة فعل وَالْآخر رفع قَول فَإِن لم يكن القَوْل قَطْعِيّ الدّلَالَة على تَحْرِيم أَو وجوب أَو قَطْعِيّ الرّفْع احتملا وُجُوهًا. وَإِن كَانَ قَطْعِيا حملا على تَخْصِيص الْفِعْل بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَو النّسخ، فيفحص عَن قرائنهما وَإِن كَانَ قَوْلَيْنِ فَإِن كَانَ أَحدهمَا ظَاهرا فِي معنى مؤلا فِي غَيره، وَكَانَ التَّأْوِيل قَرِيبا حمل على أَن أَحدهمَا بَيَان للْآخر، وَإِن كَانَ بَعيدا لم يحمل عَلَيْهِ إِلَّا عِنْد قرينَة قَوِيَّة جدا أَو نقل التَّأْوِيل عَن صَحَابِيّ فَقِيه كَقَوْل عبد الله بن سَلام فِي السَّاعَة المرجوة إِنَّهَا قبيل الْغُرُوب، فأورد أَبُو هُرَيْرَة أَنَّهَا لَيست وَقت صَلَاة، وَقد قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يسْأَل الله فِيهَا مُسلم قَائِم يُصَلِّي " فَقَالَ عبد الله بن سَلام المنتظر للصَّلَاة كَأَنَّهُ فِي الصَّلَاة فَهَذَا تَأْوِيل بعيد لَا يقبل مثله لَوْلَا ذهَاب الصَّحَابِيّ الْفَقِيه إِلَيْهِ، وضابطة الْبعيد أَنه إِن عرض على الْعُقُول السليمة بِدُونِ الْقَرِينَة أَو تجشم الجدل لم يحْتَمل، وَإِذا كَانَ مُخَالفا لايماء ظَاهر أَو مَفْهُوم وَاضح أَو مورد نَص لم يجز أصلا، فَمن الْقَرِيب قصر عَام جرت الْعَادة بِاسْتِعْمَال بعض أَفْرَاده فَقَط فِي نَظِير ذَلِك الحكم على ذَلِك الْبَعْض، وعام يسْتَعْمل فِي مَوضِع جرت الْعَادة بالتسامح فِيهِ كالمدح والذم، وعام سيق لشرع وضع فِي حكم بعد إِفَادَة أصل الحكم، فَيجْعَل فِي قُوَّة الْقَضِيَّة الْمُهْملَة كَقَوْلِه: " مَا سقته السَّمَاء فَفِيهِ الْعشْر " وَقَوله: " لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة " وَمِنْه تَنْزِيل كل وَاحِد على صُورَة إِن شهد المناط وَالْمُنَاسِب، وحملهما على الْكَرَاهِيَة وَبَيَان الْجَوَاز فِي الْجُمْلَة إِن أمكن، وَحمل التَّشْدِيد على الزّجر إِن تقدم لجاج أما قَوْله
{حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} .
أَي أكلهَا {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم} .
أَي نِكَاحهنَّ، وَقَوله " الْعين حق " أَي تأثيرها ثَابت " وَالرَّسُول حق " أَي مَبْعُوث حَقًا وَقَوله " رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان " أَي إِثْم مَا وَقعا فِيهِ وَقَوله: " لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور " " لَا نِكَاح إِلَى بولِي " " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " أَي لَا يَتَرَتَّب على هَذِه الْأَشْيَاء آثارها الَّتِي جعلهَا الشَّارِع لَهَا، { إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا} .
أَي إِن لم تَكُونُوا على الْوضُوء فَظَاهر لَيْسَ بمؤل؛ لِأَن الْعَرَب يستعملون كل لَفْظَة مِنْهَا فِي مَحل، ويريدون مَا يُنَاسب ذَلِك الْمحل، وَتلك لغتهم الَّتِي لَا يرَوْنَ فِيهَا صرفا عَن الظَّاهِر، وَإِن كَانَا من بَاب الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة وَالْقَضَاء فِي وَاقعَة، فَإِن ظَهرت عِلّة فارقة قضي على حسبها، مِثَاله: سَأَلَهُ شَاب عَن الْقبْلَة للصَّائِم، فَنَهَاهُ، وَشَيخ، فَرخص لَهُ، وَإِن دلّ السِّيَاق فِي أَحدهمَا دون الآخر على وجود الْحَاجة أَو إلحاح السَّائِل أَو كَونه إغماضا عَن إِكْمَال أوردا للمتعنت المتشدد على نَفسه قضى بالعزيمة والرخصة، وَإِن كَانَا مُخلصين لمبتلى، أَو عقوبتين لجان، أَو كفارتين من حنث جَازَ الْحمل على صِحَة الْوَجْهَيْنِ، وَاحْتمل النّسخ، وعَلى هَذَا الأَصْل يقْضى فِي الْمُسْتَحَاضَة أفتاها تَارَة بِالْغسْلِ لكل صَلَاتَيْنِ، وَتارَة بالتحيض أَيَّام عَادَتهَا أَو أَيَّام ظُهُور الدَّم الشَّديد على قَول إِنَّه كَانَ خَيرهَا بَين أَمريْن، وَأَن الْعَادة ولون الدَّم كِلَاهُمَا يصلحان مَظَنَّة للْحيض فِي الصّيام، وَالْإِطْعَام عَمَّن مَاتَ وَعَلِيهِ
صَوْم على قَول، والشاك فِي الصَّلَاة يلغي شكه بِأحد أَمريْن: بتحري الصَّوَاب أَو أَخذ الْمُتَيَقن على قَول، وَالْقَضَاء فِي إِثْبَات النّسَب بالقائف أَو الْقرعَة على قَول، وَإِن ظهر دَلِيل النّسخ حمل عَلَيْهِ، وَيعرف النّسخ بِنَصّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِه: " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها " وبمعرفة تَأَخّر أَحدهمَا عَن الآخر مَعَ عدم إِمْكَان الْجمع، وَإِذا شرع الشَّارِع شرعا، ثمَّ شرع مَكَانَهُ آخر وَسكت عَن الأول، عرف فُقَهَاء الصَّحَابَة أَن ذَلِك نسخ للْأولِ، أَو اخْتلفت الْأَحَادِيث وَقضى الصَّحَابِيّ بِكَوْن أَحدهمَا نَاسِخا للْآخر، فَذَلِك ظَاهر فِي النّسخ غير قَطْعِيّ، وَقَول الْفُقَهَاء - لما يجدونه خلاف عمل مشايخهم: مَنْسُوخ - غير مقنع، والنسخ فِيمَا يبدونها تغير حكم بِغَيْرِهِ، وَفِي الْحَقِيقَة انْتِهَاء الحكم لانْتِهَاء علته، أَو انْتِهَاء كَونه مَظَنَّة للمقصد الْأَصْلِيّ، أَو لحدوث مَانع من الْعلية، أَو ظُهُور تَرْجِيح حكم آخر على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْي الْجَلِيّ، أَو بِاجْتِهَادِهِ وَهَذَا إِذا كَانَ الأول اجتهاديا، قَالَ الله تَعَالَى فِي حَدِيث الْمِعْرَاج: {مَا يُبدل القَوْل لدي} .
وَإِذا لم يكن للْجمع والتأويل مساغ، وَلم يعرف النّسخ تحقق التَّعَارُض فَإِن ظهر تَرْجِيح أَحدهمَا إِمَّا بِمَعْنى فِي السَّنَد من كَثْرَة الروَاة وَفقه الرَّاوِي، وَقُوَّة الِاتِّصَال، وتصريح صِيغَة الرّفْع، وَكَون الرَّاوِي صَاحب الْمُعَامَلَة بِأَن يكون هُوَ المستفتي أَو الْمُخَاطب أَو الْمُبَاشر، أَو بِمَعْنى فِي الْمَتْن من التَّأْكِيد وَالتَّصْرِيح، أَو بِمَعْنى فِي الحكم وعلته من كَونه مناسبا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة، وَكَونهَا عِلّة شَدِيدَة الْمُنَاسبَة عرف تأثيرها، أَو من خَارج من كَونه متمسك أَكثر أهل الْعلم أَخذ بالراجح وَإِلَّا تساقطا، وَهِي صُورَة مَفْرُوضَة لَا تكَاد تُوجد ... ، وَقَول الصَّحَابِيّ أَمر، وَنهى، وَقضى، وَرخّص، ثمَّ قَوْله: أمرنَا، ونهينا، ثمَّ قَوْله: من السّنة كَذَا، وَعصى أَبَا الْقَاسِم من فعل كَذَا،
ثمَّ قَوْله: هَذَا حكم النَّبِي ظَاهر فِي الرّفْع، وَيحْتَمل طروق اجْتِهَاد فِي تَصْوِير الْعلَّة الْمدَار عَلَيْهَا، أَو تعْيين الحكم من الْوُجُوب والاستحباب، أَو عُمُومه وخصوصه، وَقَوله. كَانَ يفعل كَذَا ظَاهر فِي تعدد الْفِعْل، وَلَا يُنَافِيهِ قَول الآخر كَانَ يفعل غَيره وَقَوله: صحبته، فَلم أره ينْهَى، وَكُنَّا نَفْعل فِي عَهده ظَاهر فِي التَّقْرِير، وَلَيْسَ نصا.
وَقد تخْتَلف صِيغ حَدِيث لاخْتِلَاف الطّرق وَذَلِكَ من جِهَة نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَإِن جَاءَ حَدِيث وَلم يخْتَلف الثِّقَات فِي لَفظه كَانَ ذَلِك لَفظه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهرا، وَأمكن الِاسْتِدْلَال بالتقديم وَالتَّأْخِير وَالْوَاو وَالْفَاء وَنَحْو ذَلِك من الْمعَانِي الزَّائِدَة على أصل المُرَاد، وَإِن اخْتلفُوا اخْتِلَافا مُحْتملا وهم متقاربون فِي الْفِقْه وَالْحِفْظ وَالْكَثْرَة سقط الظُّهُور، فَلَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بذلك إِلَّا على الْمَعْنى جَاءُوا بِهِ جَمِيعًا، وَجُمْهُور الروَاة كَانُوا يعتنون برءوس الْمعَانِي لَا بحواشيها، وَإِن اخْتلفت مَرَاتِبهمْ أَخذ بقول الثِّقَة الَّذِي وَالْأَكْثَر والأعرف بالقصة، وَأَن أشعر قَول ثِقَة بِزِيَادَة الضَّبْط مثل قَوْله: قَالَت - وثب - وَمَا قَالَت - قَامَ - وَقَالَت - أَفَاضَ على جلده المَاء - وَمَا قَالَت - اغْتسل - أَخذ بِهِ، وَإِن اخْتلفُوا اخْتِلَافا فَاحِشا وهم متقاربون وَلَا مُرَجّح سَقَطت الخصوصيات الْمُخْتَلف فِيهَا.
والمرسل إِن اقْترن بِقَرِينَة مثل أَن يعتضد بموقوف صَحَابِيّ أَو مُسْنده الضَّعِيف أَو مُرْسل غَيره. والشيوخ مُتَغَايِرَة، أَو قَول أَكثر أهل الْعلم، أَو قِيَاس صَحِيح، أَو إِيمَاء من نَص، أَو عرف أَنه لَا يُرْسل إِلَّا عَن عدل - صَحَّ الِاحْتِجَاج بِهِ وَكَانَ نازلا من الْمسند وَإِلَّا لَا.
وَكَذَلِكَ الحَدِيث الَّذِي يرويهِ قَاصِر الضَّبْط غير مُتَّهم أَو مَجْهُول الْحَال - الْمُخْتَار أَنه يقبل إِن اقْترن بِقَرِينَة مثل مُوَافقَة الْقيَاس، أَو عمل أَكثر أهل الْعلم، وَإِلَّا لَا.
وَإِذا تفرد الثِّقَة بِزِيَادَة لَا يمْتَنع سكُوت البَاقِينَ عَنْهَا فَهِيَ مَقْبُولَة كإسناد
الْمُرْسل وَزِيَادَة رجل فِي الْإِسْنَاد وَذكر مورد الحَدِيث وَسبب الرِّوَايَة وإطناب الْكَلَام وإيراد جملَة مُسْتَقلَّة لَا تغير معنى الْكَلَام، وَإِن امْتنع كالزيادة الْمُغيرَة للمعنى، أَو نادرة لَا يتْرك ذكرهَا عَادَة لم يقبل، وَإِذا حمل الصَّحَابِيّ حَدِيثا على محمل، فَإِن كَانَ للِاجْتِهَاد فِيهِ مساغ كَانَ ظَاهرا فِي الْجُمْلَة إِلَى أَن تقوم الْحجَّة بِخِلَافِهِ، وَإِلَّا كَانَ قَوِيا، كَمَا إِذا كَانَ فِيمَا يعرفهُ الْعَاقِل الْعَارِف باللغة من الْقَرَائِن الحالية والقالية. أما اخْتِلَاف آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فَإِن تيَسّر الْجمع بَينهَا بِبَعْض الْوُجُوه الْمَذْكُورَة سَابِقًا فَذَلِك، وَإِلَّا كَانَت الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ، أَو أَقْوَال، فَينْظر أَيهَا أصوب، وَمن الْعلم الْمكنون معرفَة مَأْخَذ مَذَاهِب الصَّحَابَة، فاجتهد تنَلْ مِنْهُ حظا وَالله أعلم.

تَتِمَّة

(بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوع)
اعْلَم أَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن الْفِقْه فِي زَمَانه الشريف مدونا، وَلم يكن الْبَحْث فِي الْأَحْكَام يَوْمئِذٍ مثل الْبَحْث من هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء حَيْثُ يبنون بأقصى جهدهمْ الْأَركان والشروط، وآداب كل شَيْء ممتازا عَن الآخر بدليله، ويفرضون الصُّور يَتَكَلَّمُونَ على تِلْكَ الصُّور الْمَفْرُوضَة،
ويحدون مَا يقبل الْحَد، ويحصرون مَا يقبل الْحصْر إِلَى غير ذَلِك من صنائعهم، أما رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يتَوَضَّأ، فَيرى الصَّحَابَة وضوءه، فَيَأْخُذُونَ بِهِ من غير أَن يبين أَن هَذَا ركن وَذَلِكَ أدب، وَكَانَ يُصَلِّي، فيرون صلَاته، فيصلون كَمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي، وَحج، فرمق النَّاس حجه، فَفَعَلُوا كَمَا فعل، فَهَذَا كَانَ غَالب حَاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلم يبين أَن فروض الْوضُوء سِتَّة أَو أَرْبَعَة، وَلم يفْرض أَنه يحْتَمل أَن يتَوَضَّأ إِنْسَان بِغَيْر مُوالَاة حَتَّى يحكم عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ أَو الْفساد إِلَّا مَا شَاءَ الله، وقلما كَانُوا يسألونه عَن هَذِه الْأَشْيَاء. عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: مَا رَأَيْت قوما كَانُوا خيرا من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَأَلُوهُ عَن ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة حَتَّى قبض، كُلهنَّ فِي الْقُرْآن مِنْهُنَّ. {يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير} . {ويسألونك عَن الْمَحِيض} .
قَالَ: مَا كَانُوا يسْأَلُون إِلَّا عَمَّا يَنْفَعهُمْ. قَالَ ابْن عمر: لَا تسْأَل عَمَّا لم يكن فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب يلعن من سَأَلَ عَمَّا لم يكن.
قَالَ الْقَاسِم: إِنَّكُم تسْأَلُون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا نسْأَل عَنْهَا وتنقرون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا ننقر عَنْهَا. تسالون عَن أَشْيَاء مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَو علمناها مَا حل لنا أَن نكتمها. عَن عمر بن إِسْحَاق قَالَ: لمن أدْركْت من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكثر مِمَّن سبقني مِنْهُم، فَمَا رَأَيْت قوما أيسر سيرة، وَلَا أقل تشديدا مِنْهُم، وَعَن عبَادَة بن بسر الْكِنْدِيّ، وَسُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَت مَعَ قوم لَيْسَ لَهَا ولي، فَقَالَ: أدْركْت أَقْوَامًا مَا كَانُوا يشددون تشديدكم، وَلَا يسْأَلُون مسائلكم،
أخرج هَذِه الْآثَار الدَّارمِيّ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتيه النَّاس فِي الوقائع، فيفتيهم، وترفع إِلَيْهِ القضايا، فَيَقْضِي فِيهَا، وَيرى النَّاس يَفْعَلُونَ مَعْرُوفا، فيمدحه أَو مُنْكرا، فينكر عَلَيْهِ، وكل مَا أفتى بِهِ مستفتيا، أَو قضى بِهِ فِي قَضِيَّة، أَو أنكرهُ على فَاعله، كَانَ فِي الاجتماعات، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّيْخَانِ أَبُو بكر وَعمر إِذا لم يكن لَهما علم فِي الْمَسْأَلَة يسْأَلُون النَّاس عَن حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ: مَا سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهَا شَيْئا يَعْنِي - الْجدّة - وَسَأَلَ النَّاس، فَلَمَّا صلى الظّهْر قَالَ: أَيّكُم سمع رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْجدّة شَيْئا؟ فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: أَنا، قَالَ: مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: أَعْطَاهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سدسا، قَالَ: أيعلم ذَاك أحد غَيْرك؟ فَقَالَ مُحَمَّد بن سَلمَة: صدق، فَأَعْطَاهَا أَبُو بكر السُّدس، وقصة سُؤال عمر النَّاس فِي الْغرَّة، ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر مُغيرَة، وسؤاله إيَّاهُم فِي الوباء، ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَكَذَا رُجُوعه فِي قصَّة الْمَجُوس إِلَى خَبره، وسرور عبد الله بن مَسْعُود بِخَبَر معقل بن يسَار لما وَافق رَأْيه، وقصة رُجُوع أبي مُوسَى عَن بَاب عمر وسؤاله عَن الحَدِيث، وَشَهَادَة أبي سعيد لَهُ، وأمثال ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة مروية فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن:
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ كَانَت عَادَته الْكَرِيمَة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأى كل صَحَابِيّ مَا يسره الله لَهُ من عِبَادَته وفتاواه وأقضيته، فحفظها، وعقلها، وَعرف لكل شَيْء وَجها من قبل حفوف الْقَرَائِن بِهِ، فَحمل بَعْضهَا على الْإِبَاحَة، وَبَعضهَا على النّسخ لأمارات وقرائن كَانَت كَافِيَة عِنْده، وَلم يكن الْعُمْدَة عِنْدهم إِلَّا وجدان الاطمئنان والثلج من غير الْتِفَات إِلَى طرق الِاسْتِدْلَال كَمَا ترى الْأَعْرَاب يفهمون مَقْصُود الْكَلَام فِيمَا بَينهم، وتثلج صُدُورهمْ بالتصريح والتلويح والإيماء من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، فانقضى عصره الْكَرِيم وهم على ذَلِك، ثمَّ إِنَّهُم تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَصَارَ كل وَاحِد مقتدى نَاحيَة من النواحي،
فكثرت الوقائع، ودارت الْمسَائِل، فاستفتوا فِيهَا، فَأجَاب كل وَاحِد حَسْبَمَا حفظه، أَو استنبط، وَإِن لم يجد فِيمَا حفظه أَو استنبط مَا يصلح للجواب - اجْتهد بِرَأْيهِ، وَعرف الْعلَّة الَّتِي أدَار رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا الحكم فِي منصوصاته، فطرد الحكم حَيْثُمَا وجدهَا لَا يألوا جهدا فِي مُوَافقَة غَرَضه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَعِنْدَ ذَلِك وَقع الِاخْتِلَاف بَينهم على ضروب:
مِنْهَا أَن صحابيا سمع حكما فِي قَضِيَّة أَو فَتْوَى، وَلم يسمعهُ الآخر فاجتهد بِرَأْيهِ فِي ذَلِك. وَهَذَا على وُجُوه:
أَحدهَا أَن يَقع اجْتِهَاده مُوَافق الحَدِيث. مِثَاله مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ سُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا، وَلم يفْرض لَهَا فَقَالَ: لم أر رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقْضِي فِي ذَلِك، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شهرا، وألحوا، فاجتهد بِرَأْيهِ، وَقضى بِأَن لَهَا مهر نسائها لَا وكس وَلَا شطط، وَعَلَيْهَا الْعدة، وَلها الْمِيرَاث، فَقَامَ معقل بن يسَار،
فَشهد بِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بِمثل ذَلِك فِي امْرَأَة مِنْهُم، ففرح بذلك ابْن مَسْعُود فرحة لم يفرح مثلهَا قطّ بعد الْإِسْلَام.
ثَانِيهَا أَن يَقع بَينهمَا المناظرة، وَيظْهر الحَدِيث بِالْوَجْهِ الَّذِي يَقع بِهِ غَالب الظَّن، فَيرجع عَن اجْتِهَاده إِلَى المسموع. مِثَاله مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة من أَن أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ كَانَ من مذْهبه أَنه من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ حَتَّى أخْبرته بعض أَزوَاج النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف مذْهبه، فَرجع.
وَثَالِثهَا أَن يبلغهُ الحَدِيث وَلَكِن لَا على الْوَجْه الَّذِي يَقع بِهِ غَالب الظَّن، فَلم يتْرك اجْتِهَاده، بل طعن فِي الحَدِيث، مِثَاله مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْأُصُول من أَن فَاطِمَة بنت قيس شهِدت عِنْد عمر بن الْخطاب بِأَنَّهَا كَانَت مُطلقَة
الثَّلَاث فَلم يَجْعَل لَهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَقَة وَلَا سُكْنى، فَرد شهادتها وَقَالَ: لَا أترك كتاب الله بقول امْرَأَة لَا نَدْرِي أصدقت أم كذبت لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى، وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لفاطمة: أَلا تتقي الله - يَعْنِي فِي قَوْلهَا - لَا سُكْنى وَلَا نَفَقَة ...
وَمِثَال آخر روى الشَّيْخَانِ أَنه كَانَ من مَذْهَب عمر بن الْخطاب أَن التَّيَمُّم لَا يُجزئ للْجنب الَّذِي لَا يجد مَاء، فروى عِنْده عمار أَنه كَانَ مَعَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سفر، فأصابته جَنَابَة وَلم يجد مَاء، فتمعك فِي التُّرَاب فَذكر ذَلِك لرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تفعل هَكَذَا، وَضرب بيدَيْهِ على الأَرْض، فَمسح بهما وَجهه وَيَديه، فَلم يقبل عمر، وَلم ينْهض عِنْده حجَّة لقادح خَفِي رَآهُ فِيهِ حَتَّى استفاض الحَدِيث فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من طرق كَثِيرَة، واضمحل وهم القادح فَأخذُوا بِهِ. وَرَابِعهَا أَلا يصل إِلَيْهِ الحَدِيث أصلا، مِثَاله مَا أخرج مُسلم أَن ابْن عمر كَانَ يَأْمر النِّسَاء إِذا اغْتَسَلْنَ أَن يَنْقُضْنَ رءوسهن، فَسمِعت عَائِشَة بذلك، فَقَالَت يَا عجبا لِابْنِ عمر هَذَا يَأْمر النِّسَاء أَن يَنْقُضْنَ رءوسهن، أَفلا يَأْمُرهُنَّ أَن يَحْلِقن رءوسهن لقد كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إِنَاء وَاحِد، وَمَا أَزِيد على أَن أفرغ على رَأْسِي ثَلَاث أفرغات مِثَال آخر مَا ذكره الزُّهْرِيّ من أَن هندا لم تبلغها رخصَة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَة، فَكَانَت تبْكي لِأَنَّهَا لَا تصلي.
وَمن تِلْكَ الضروب أَن يرَوا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل فعلا، فَحَمله بَعضهم على الْقرْبَة، وَبَعْضهمْ على الْإِبَاحَة، مِثَاله مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْأُصُول فِي قَضِيَّة التحصيب - أَي النُّزُول بِالْأَبْطح عِنْد النَّفر - نزل رَسُول الله
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ، فَذهب أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر إِلَى أَنه على وَجه الْقرْبَة فجعلوه من سنَن الْحَج، وَذَهَبت عَائِشَة وَابْن عَبَّاس إِلَى أَنه وَجه الِاتِّفَاق وَلَيْسَ من السّنَن.
وَمِثَال آخر ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الرمل فِي الطّواف سنة، وَذهب ابْن عَبَّاس إِلَى أَنه إِنَّمَا فعله النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سَبِيل الارتفاق لعَارض عرض، وَهُوَ قَول الْمُشْركين حطمهم حمى يثرب وَلَيْسَ بِسنة ...
وَمِنْهَا اخْتِلَاف الْوَهم، مِثَاله أَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حج، فَرَآهُ النَّاس، فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه كَانَ مُتَمَتِّعا، وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه كَانَ قَارنا، وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه كَانَ مُفردا.
مِثَال آخر أخرج أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: قلت لعبد الله ابْن عَبَّاس يَا أَبَا الْعَبَّاس عجبت لاخْتِلَاف أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أوجب فَقَالَ: إِنِّي لأعْلم النَّاس بذلك، إِنَّهَا كَانَت من رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجَّة وَاحِدَة، فَمن هُنَاكَ اخْتلفُوا، خرج رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجا، فَلَمَّا صلى فِي مَسْجِد ذِي الحليفة رَكْعَة أوجب فِي مَجْلِسه وَأهل بِالْحَجِّ حِين فرغ من ركعتيه، فَسمع ذَلِك من أَقوام، فحفظته عَنهُ، ثمَّ ركب، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، وَذَلِكَ أَن النَّاس إِنَّمَا كَانُوا يأْتونَ أَرْسَالًا، فسمعوه حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته يهل، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، ثمَّ مضى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا علا على شرف الْبَيْدَاء، أهل وَأدْركَ ذَلِك مِنْهُ أَقوام، فَقَالُوا: إِنَّمَا أهل حِين علا على شرف الْبَيْدَاء وَايْم الله لقد أوجب فِي مُصَلَّاهُ، وَأهل حِين اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته، وَأهل حِين علا على شرف الْبَيْدَاء. وَمِنْهَا اخْتِلَاف السَّهْو وَالنِّسْيَان، مِثَاله مَا روى أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول اعْتَمر رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمْرَة فِي رَجَب، فَسمِعت بذلك عَائِشَة فقضت عَلَيْهِ بالسهو.
وَمِنْهَا اخْتِلَاف الضَّبْط. مِثَاله مَا روى ابْن عمر - أَو عمر - عَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أَن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ. فقضت عَائِشَة عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لم يَأْخُذ الحَدِيث على وَجهه. مر رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على يَهُودِيَّة يبكي عَلَيْهَا أَهلهَا فَقَالَ: " إِنَّهُم يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا تعذب فِي قبرها " فَظن الْعَذَاب معلولا للبكاء، فَظن الحكم عَاما على كل ميت
وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي عِلّة الحكم. مِثَاله الْقيام للجنازة فَقَالَ قَائِل لتعظيم الْمَلَائِكَة فَيعم الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَقَالَ قَائِل: لهول الْمَوْت، فيعمهما. وَقَالَ الْحسن بن عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا: مر على رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجنَازَة يَهُودِيّ فَقَامَ لَهَا كَرَاهِيَة أَن تعلوا فَوق رَأسه، فيخص الْكَافِر.
وَمِنْهَا اخْتلَافهمْ فِي الْجمع بَين الْمُخْتَلِفين. مِثَاله رخص رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتْعَة عَام خَيْبَر، ثمَّ رخص فِيهَا عَام أَوْطَاس، ثمَّ نهى عَنْهَا، فَقَالَ ابْن عَبَّاس كَانَت الرُّخْصَة للضَّرُورَة، وَالنَّهْي لانقضاء الضَّرُورَة وَالْحكم بَاقٍ على ذَلِك، وَقَالَ الْجُمْهُور: كَانَت الرُّخْصَة إِبَاحَة وَالنَّهْي نسخا لَهَا. مِثَال آخر، نهى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي الِاسْتِنْجَاء، فَذهب قوم إِلَى عُمُوم هَذَا الحكم وَكَونه غير مَنْسُوخ، وَرَآهُ جَابر يَبُول قبل أَن يتوفى بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَذهب إِلَى أَنه نسخ للنَّهْي الْمُتَقَدّم وَرَآهُ ابْن عمر قضى حَاجته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشَّام، فَرد بِهِ قَوْلهم، وَجمع قوم بَين الرِّوَايَتَيْنِ، فَذهب الشّعبِيّ وَغَيره إِلَى أَن النَّهْي مُخْتَصّ بالصحراء، فَإِذا كَانَ فِي المراحيض فَلَا بَأْس بالاستقبال والاستدبار، وَذهب قوم
إِلَى أَن القَوْل عَام مُحكم، الْفِعْل يحْتَمل كَونه خَاصّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا ينتهض نَاسِخا وَلَا مُخَصّصا.
وَبِالْجُمْلَةِ فاختلفت مَذَاهِب أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأخذ عَنْهُم التابعون كَذَلِك كل وَاحِد مَا تيَسّر لَهُ، فحفظ مَا سمع من حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومذاهب الصَّحَابَة وعقلها، وَجمع الْمُخْتَلف على مَا تيَسّر لَهُ وَرجح بعض الْأَقْوَال على بعض، واضمحل فِي نظرهم بعض الْأَقْوَال وَإِن كَانَ مأثورا عَن كبار الصَّحَابَة كالمذهب الْمَأْثُور عَن عمر وَابْن مَسْعُود فِي تيَمّم الْجنب اضمحل عِنْدهم لما استفاض من الْأَحَادِيث عَن عمار وَعمْرَان ابْن الْحصين وَغَيرهمَا، فَعِنْدَ ذَلِك صَار لكل عَالم من الْعلمَاء التَّابِعين مَذْهَب على حياله، فانتصب فِي كل بلد إِمَام مثل سعيد بن الْمسيب، وَسَالم بن عبد الله ابْن عمر فِي الْمَدِينَة، وَبعدهَا الزُّهْرِيّ وَالْقَاضِي يحيى بن سعيد وَرَبِيعَة بن عبد الرَّحْمَن فِيهَا، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح بِمَكَّة، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ، بِالْكُوفَةِ، وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِالْبَصْرَةِ، وَطَاوُس بن كيسَان بِالْيمن، وَمَكْحُول بِالشَّام، فأظمأ الله أكبادا إِلَى علومهم، فرغبوا فِيهَا، وَأخذُوا عَنْهُم الحَدِيث وفتاوى الصَّحَابَة وأقاويلهم، ومذاهب هَؤُلَاءِ الْعلمَاء وتحقيقاتهم من عِنْد أنفسهم، واستفتى مِنْهُم المستفتون، ودارت الْمسَائِل بَينهم، وَرفعت إِلَيْهِم الْأَقْضِيَة، وَكَانَ سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وأمثالهما جمعُوا أَبْوَاب الْفِقْه أجمعها، وَكَانَ لَهُم فِي كل بَاب أصُول تلقوها من السّلف، وَكَانَ سعيد وَأَصْحَابه يذهبون إِلَى أَن أهل الْحَرَمَيْنِ أثبت النَّاس فِي الْفِقْه، وأصل مَذْهَبهم فَتَاوَى عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، وقضايا قُضَاة الْمَدِينَة، فَجمعُوا من ذَلِك مَا يسره الله لَهُم، ثمَّ نظرُوا فِيهَا نظر اعْتِبَار وتفتيش، فَمَا كَانَ مِنْهَا مجمعا عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمَدِينَة فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ عَلَيْهِ بنواجذهم، وَمَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَاف عِنْدهم، فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ بأقواها وأرجحها إِمَّا بِكَثْرَة من ذهب إِلَيْهِ مِنْهُم أَو لموافقته بِقِيَاس قوى أَو تَخْرِيج صَرِيح، من الْكتاب وَالسّنة أَو نَحْو ذَلِك، وَإِذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من كَلَامهم وتتبعوا الْإِيمَاء والاقتضاء،
فَحصل لَهُم مسَائِل كَثِيرَة فِي كل بَاب بَاب، وَكَانَ إِبْرَاهِيم وَأَصْحَابه يرَوْنَ أَن عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه أثبت النَّاس فِي الْفِقْه كَمَا قَالَ عَلْقَمَة لمسروق: هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله؟ وَقَول أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ للأوزاعي إِبْرَاهِيم أفقه من سَالم، وَلَوْلَا فضل الصُّحْبَة لَقلت أَن عَلْقَمَة أفقه من عبد الله ابْن عَمْرو وَعبد الله - هُوَ عبد الله - وأصل مذْهبه فَتَاوَى عبد الله بن مَسْعُود وقضايا عَليّ رَضِي الله عَنْهُمَا وفتاواه وقضايا شُرَيْح وَغَيره من قُضَاة الْكُوفَة، فَجمع من ذَلِك مَا يسره الله. ثمَّ صنع فِي آثَارهم كَمَا صنع أهل الْمَدِينَة فِي آثَار أهل الْمَدِينَة، وَخرج كَمَا خَرجُوا، فلخص لَهُ مسَائِل الْفِقْه فِي كل بَاب بَاب. وَكَانَ سعيد بن الْمسيب لِسَان فُقَهَاء الْمَدِينَة، وَكَانَ أحفظهم لقضايا عمر وَلِحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَإِبْرَاهِيم لِسَان فُقَهَاء الْكُوفَة، فَإِذا تكلما بِشَيْء، وَلم ينسباه إِلَى أحد فَإِنَّهُ فِي الْأَكْثَر مَنْسُوب إِلَى أحد من السّلف صَرِيحًا أَو إيما وَنَحْو ذَلِك، فَاجْتمع عَلَيْهِمَا فُقَهَاء بلدهما وَأخذُوا عَنْهُمَا وعقلوه وَخَرجُوا عَلَيْهِ وَالله أعلم.

بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف مَذَاهِب الْفُقَهَاء

اعْلَم أَن الله تَعَالَى أنشأ بعد عصر التَّابِعين نشئا من حَملَة الْعلم إنحازا لما وعده رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: " يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عَدو لَهُ " فَأخذُوا عَمَّن اجْتَمعُوا مَعَه مِنْهُم صفة الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالْحج وَالنِّكَاح والبيوع وَسَائِر مَا يكثر وُقُوعه، وَرووا حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسمعوا قضايا قُضَاة الْبلدَانِ وفتاوى مفتيها، وسألوا عَن الْمسَائِل، واجتهدوا فِي ذَلِك كُله، ثمَّ صَارُوا كبراء قوم، ووسد إِلَيْهِم الْأَمر، فنسجوا على منوال شيوخهم، وَلم يألوا فِي تتبع الإيماآت
والاقتضاآت، فقضوا، وأفتوا، وَرووا، وَعَلمُوا. وَكَانَ صَنِيع الْعلمَاء فِي هَذِه الطَّبَقَة متشابها.
وَحَاصِل صنيعهم أَن يتَمَسَّك بالمسند من حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمرسل جَمِيعًا، ويستدل بأقوال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ علما مِنْهُم أَنَّهَا إِمَّا أَحَادِيث منقولة عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتقروها، فجعلوها مَوْقُوفَة كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم، وَقد روى حَدِيث نهى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن المحاقلة والمزابنة فَقيل لَهُ: أما تحفظ عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثا غير هَذَا؟ قَالَ: بلَى وَلَكِن أَقُول قَالَ عبد الله قَالَ عَلْقَمَة: أحب إِلَيّ، وكما قَالَ الشّعبِيّ - وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث - وَقيل إِنَّه يرفع إِلَى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا بِأَعْلَى من دون النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إِلَيّ، فَإِن كَانَ فِيهِ زِيَادَة ونقصان كَانَ عَليّ من دون النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَو يكون استنباطا مِنْهُم من الْمَنْصُوص أَو اجْتِهَادًا مِنْهُم بآرائهم وهم أحسن صنيعا فِي ذَلِك مِمَّن يَجِيء بعدهمْ وَأكْثر إِصَابَة وأقدم زَمَانا وأوعى علما، فَتعين الْعَمَل بهَا إِلَّا إِذا اخْتلفُوا وَكَانَ حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل يُخَالف قَوْلهم مُخَالفَة ظَاهِرَة، وَأَنه إِذا اخْتلفت أَحَادِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَة رجعُوا إِلَى أَقْوَال الصَّحَابَة، فَإِن قَالُوا بنسخ بَعْضهَا أَو بصرفه عَن ظَاهره، أَو لم يصرحوا بذلك، وَلَكِن اتَّفقُوا على تَركه وَعدم القَوْل بِمُوجبِه فَإِنَّهُ كابداء على فِيهِ أَو الحكم بنسخه أَو تَأْوِيله - اتَّبَعُوهُمْ فِي كل ذَلِك، وَهُوَ قَول مَالك فِي حَدِيث ولغَ الْكَلْب جَاءَ هَذَا الحَدِيث
وَلَكِن لَا أَدْرِي مَا حَقِيقَته يَعْنِي حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْأُصُول لم أر الْفُقَهَاء يعْملُونَ بِهِ ... ، وَأَنه إِذا اخْتلفت مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي مَسْأَلَة فالمختار عِنْد كل عَالم مَذْهَب
أهل بَلَده وشيوخه لِأَنَّهُ أعرف بِصَحِيح أقاويلهم عَن السقيم وأوعى للاصوال الْمُنَاسبَة لَهَا وَقَلبه أميل إِلَى فَضلهمْ وتبحرهم فمذهب عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَزيد بن ثَابت، وأصحابهم مثل سعيد بن الْمسيب فَإِنَّهُ كَانَ أحفظهم لقضايا عمر، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَمثل عُرْوَة وَسَالم وَعَطَاء بن يسَار وقاسم وَعبيد الله وَابْن عبد الله وَالزهْرِيّ، وَيحيى بن سعيد وَزيد بن أسلم وَرَبِيعَة - أَحَق بِالْأَخْذِ من غَيره عِنْد أهل الْمَدِينَة لما بَينه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضَائِل الْمَدِينَة، وَلِأَنَّهَا مأوى الْفُقَهَاء وَمجمع الْعلمَاء فِي كل عصر، وَلذَلِك ترى مَالِكًا يلازم محجتهم، وَمذهب عبد الله بن مَسْعُود وَأَصْحَابه، وقضايا على وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ وفتاوى إِبْرَاهِيم، - أَحَق بِالْأَخْذِ عَن أهل الْكُوفَة من غَيره وَهُوَ قَول عَلْقَمَة حِين مَال مَسْرُوق إِلَى قَول زيد بن ثَابت فِي التَّشْرِيك قَالَ: هَل أحد مِنْكُم أثبت من عبد الله؟ فَقَالَ لَا وَلَكِن رَأَيْت زيد بن ثَابت وَأهل الْمَدِينَة يشركُونَ، فَإِن اتّفق أهل الْبَلَد على شَيْء أخذُوا بنواجذه، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي مثله مَالك: السّنة الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا عندنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِن اخْتلفُوا أخذُوا بأقواها وأرجحها إِمَّا بِكَثْرَة الْقَائِلين بِهِ أَو لموافقته لقياس قوي، أَو تَخْرِيج من الْكتاب وَالسّنة، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي مثله مَالك: هَذَا أحسن مَا سَمِعت، فَإِذا لم يَجدوا فِيمَا حفظوا مِنْهُم جَوَاب الْمَسْأَلَة خَرجُوا من كَلَامهم، وتتبعوا الْإِيمَاء والاقتضاء، وألهموا فِي هَذِه الطَّبَقَة التدوين، فدون مَالك وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب بِالْمَدِينَةِ، وَابْن جريج وَابْن عُيَيْنَة بِمَكَّة، وَالثَّوْري بِالْكُوفَةِ، وربيع بن صبيح بِالْبَصْرَةِ. وَكلهمْ مَشوا على هَذَا الْمنْهَج الَّذِي ذكرته، وَلما حج الْمَنْصُور قَالَ لمَالِك: قد عزمت أَن أَمر بكتبك هَذِه
الَّتِي صنفتها، فتنسخ، ثمَّ أبْعث فِي كل مصر من أَمْصَار الْمُسلمين مِنْهَا نُسْخَة، وَآمرهُمْ بِأَن يعملوا بِمَا فِيهَا، وَلَا يتعدوه إِلَى غَيره، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تفعل هَذَا فَإِن النَّاس قد سبقت إِلَيْهِم أقاويل، وسمعوا أَحَادِيث، وَرووا رِوَايَات، وَأخذ كل قوم بِمَا سبق إِلَيْهِم، وَأتوا بِهِ من اخْتِلَاف النَّاس، فدع النَّاس وَمَا اخْتَار أهل كل بلد مِنْهُم لأَنْفُسِهِمْ، ويحكى نِسْبَة هَذِه الْقِصَّة إِلَى هَارُون الرشيد، وَأَنه شاور مَالِكًا فِي أَن يعلق الْمُوَطَّأ فِي الْكَعْبَة، وَيحمل النَّاس على مَا فِيهِ، فَقَالَ: لَا تفعل فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبلدَانِ، وكل سنة مَضَت قَالَ: وفقك الله يَا أَبَا عبد الله حَكَاهُ السُّيُوطِيّ.
وَكَانَ مَالك من أثبتهم فِي حَدِيث الْمَدَنِيين عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأوثقهم إِسْنَادًا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وأصحابهم من الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَبِه وبأمثاله قَامَ علم الرِّوَايَة وَالْفَتْوَى، فَلَمَّا وسد إِلَيْهِ الْأَمر حدث، وَأفْتى، وَأفَاد، وأجاد، وَعَلِيهِ انطبق قَول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم، فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة " على مَا قَالَه ابْن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق - وناهيك بهما - فَجمع أَصْحَابه رواياته ومختاراته لخصوها، وحرروها، وشرحوها، وَخَرجُوا عَلَيْهَا، وَتَكَلَّمُوا فِي أُصُولهَا ودلائلها، وَتَفَرَّقُوا إِلَى الْمغرب ونواحي الأَرْض، فنفع الله بهم كثيرا من خلقه.
وَإِن شِئْت أَن تعرف حَقِيقَة مَا قُلْنَاهُ، من أصل مذْهبه فَانْظُر فِي كتاب الْمُوَطَّأ تَجدهُ كَمَا ذكرنَا.
وَكَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ ألزمهم بِمذهب إِبْرَاهِيم وأقرانه لَا يُجَاوِزهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله، وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن فِي التَّخْرِيج على مذْهبه دَقِيق النّظر فِي وُجُوه التخريجات مُقبلا على الْفُرُوع أتم إقبال، وَإِن شِئْت أَن تعلم حَقِيقَة
مَا قُلْنَا فلخص أَقْوَال إِبْرَاهِيم وأقرانه من كتاب الْآثَار لمُحَمد رَحمَه الله وجامع عبد الرَّزَّاق ومصنف أَبُو بكر بن أبي شيبَة، ثمَّ قايسه بمذهبه تَجدهُ لَا يُفَارق تِلْكَ المحجة إِلَّا فِي مَوَاضِع يسيرَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْيَسِيرَة أَيْضا لَا يخرج عَمَّا ذهب إِلَيْهِ فُقَهَاء الْكُوفَة، وَكَانَ أشهر أَصْحَابه ذكرا أَبُو يُوسُف رَحمَه الله، فولى قَضَاء الْقُضَاة أَيَّام هَارُون الرشيد، فَكَانَ سَببا لظُهُور مذْهبه وَالْقَضَاء بِهِ فِي أقطار الْعرَاق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر، وَكَانَ أحْسنهم تصنيفا وألزمهم درسا مُحَمَّد بن الْحسن، وَكَانَ من خَبره أَنه تفقه على أبي يُوسُف، ثمَّ خرج، إِلَى الْمَدِينَة، فَقَرَأَ الْمُوَطَّأ على مَالك، ثمَّ رَجَعَ إِلَى نَفسه، فطبق مَذْهَب أَصْحَابه على الْمُوَطَّأ مَسْأَلَة مَسْأَلَة فَإِن وَافق فِيهَا وَإِلَّا فَإِن رأى طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ذَاهِبين إِلَى مَذْهَب أَصْحَابه فَكَذَلِك، وَإِن وجد قِيَاسا ضَعِيفا أَو تخريجا لينًا يُخَالِفهُ حَدِيث صَحِيح فِيمَا عمل بِهِ الْفُقَهَاء أَو يُخَالِفهُ عمل أَكثر الْعلمَاء - تَركه إِلَى مَذْهَب من مَذَاهِب السّلف مِمَّا يرَاهُ أرجح مَا هُنَاكَ، وَهَذَانِ لَا يزَالَانِ على محجة إِبْرَاهِيم وأقرانه مَا أمكن لَهما كَمَا كَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يفعل ذَلِك.
وَإِنَّمَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِي أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا أَن يكون لشيخهما تَخْرِيج على مَذْهَب إِبْرَاهِيم يزاحمانه فِيهِ، أَو يكون هُنَاكَ لإِبْرَاهِيم ونظرائه أَقْوَال مُخْتَلفَة يخالفان شيخهما فِي تَرْجِيح بَعْضهَا على بعض، فصنف مُحَمَّد رَحمَه الله وَجمع رَأْي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، ونفع كثيرا من النَّاس، فَتوجه أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ إِلَى تِلْكَ التصانيف تلخيصا وتقريبا أَو شرحا أَو تخريجا أَو تأسيسا أَو اسْتِدْلَالا، ثمَّ تفَرقُوا إِلَى خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر، فيسمى ذَلِك مَذْهَب أبي حنيفَة. وَنَشَأ الشَّافِعِي فِي أَوَائِل ظُهُور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما، فَنظر فِي صَنِيع الْأَوَائِل، فَوجدَ فِيهِ أمورا كبحت عنانه عَن الجريان فِي طريقهم، وَقد ذكرهَا فِي أَوَائِل كتاب الْأُم.
مِنْهَا أَنه وجدهم يَأْخُذُونَ بالمرسل والمنقطع، فَيدْخل فيهمَا الْخلَل، فَإِنَّهُ إِذا جمع طرق الحَدِيث يظْهر أَنه كم من مُرْسل لَا أصل لَهُ، وَكم من مُرْسل يُخَالف مُسْندًا، فقرر أَلا يَأْخُذ بالمرسل إِلَّا عِنْد وجود شُرُوط، وَهِي مَذْكُورَة فِي كتب الْأُصُول.
وَمِنْهَا أَنه لم تكن قَوَاعِد الْجمع بَين المختلفات مضبوطة عِنْدهم فَكَانَ يتَطَرَّق بذلك خلل فِي مجتهداتهم، فَوضع لَهَا أصولاً، ودونها فِي كتاب، وَهَذَا أول تدوين كَانَ فِي أصُول الْفِقْه. مِثَاله مَا بلغنَا أَنه دخل على مُحَمَّد ابْن الْحسن وَهُوَ يطعن على أهل الْمَدِينَة فِي قضائهم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ الْيَمين، وَيَقُول: هَذِه زِيَادَة على كتاب الله، فَقَالَ الشَّافِعِي: أثبت عنْدك أَنه لَا تجوز الزِّيَادَة على كتاب الله بِخَبَر الْوَاحِد؟ قَالَ: نعم قَالَ: فَلم قلت إِن الْوَصِيَّة للْوَارِث لَا تجوز لقَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلا لَا وَصِيَّة لوَارث " وَقد قَالَ الله تَعَالَى:
{كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت} . وَأورد عَلَيْهِ أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل، فَانْقَطع كَلَام مُحَمَّد ابْن الْحسن.
وَمِنْهَا أَن بعض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم يبلغ عُلَمَاء التَّابِعين مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى، فاجتهدوا بآرائهم، أَو اتبعُوا العمومات، أَو اقتدوا بِمن مضى من الصَّحَابَة فأفتوا حسب ذَلِك. ثمَّ ظَهرت بعد ذَلِك فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة فَلم يعلمُوا بهَا ظنا مِنْهُم أَنَّهَا تخَالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم الَّتِي لَا اخْتِلَاف
لَهُم فِيهَا، وَذَلِكَ قَادِح فِي الحَدِيث وَعلة مسقطة لَهُ، أَو لم تظهر فِي الثَّالِثَة، وَإِنَّمَا ظهر ت بعد ذَلِك عِنْدَمَا أمعن أهل الحَدِيث فِي جمع طرق الحَدِيث، ورحلوا إِلَى أقطار الأَرْض، وَبَحَثُوا عَن حَملَة الْعلم، فَكثر من الْأَحَادِيث مَا لَا يرويهِ من الصَّحَابَة إِلَّا رجل أَو رجلَانِ، وَلَا يرويهِ عَنهُ أَو عَنْهُمَا إِلَّا رجل أَو رجلَانِ، وهلم جرا، فخفي على أهل الْفِقْه، وَظهر فِي عصر الْحفاظ الجامعين لطرق الحَدِيث كَثِيرَة من الْأَحَادِيث، رَوَاهُ أهل الْبَصْرَة مثلا وَسَائِر الأقطار فِي غَفلَة مِنْهُ، فَبين الشَّافِعِي أَن الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يزل شَأْنهمْ أَنهم يطْلبُونَ الحَدِيث فِي الْمَسْأَلَة، فاذا لم يَجدوا تمسكوا بِنَوْع آخر من الِاسْتِدْلَال، ثمَّ إِذا ظهر عَلَيْهِم الحَدِيث بعد رجعُوا من اجتهادهم إِلَى الحَدِيث فاذا كَانَ الْأَمر على ذَلِك لَا يكون عدم تمسكهم بِالْحَدِيثِ قدحا فِيهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا بينوا الْعلَّة القادحة. مِثَاله حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ حَدِيث صَحِيح روى بطرق كَثِيرَة معظمها ترجع إِلَى أبي الْوَلِيد بن كثير. عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عبد الله - أَو مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر - عَن عبيد الله بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن ابْن عمر، ثمَّ تشعبت الطّرق بعد ذَلِك؛ وَهَذَانِ وَإِن كَانَا من الثِّقَات لكنهما لَيْسَ مِمَّن وسد إِلَيْهِم الْفَتْوَى، وعول النَّاس عَلَيْهِم، فَلم يظْهر الحَدِيث فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَلَا فِي عصر الزُّهْرِيّ، وَلم يمش عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّة وَلَا الْحَنَفِيَّة، فَلم يعملوا بِهِ، وَعمل بِهِ الشَّافِعِي، وكحديث - خِيَار الْمجْلس - فانه حَدِيث صَحِيح رُوِيَ بطرق كَثِيرَة، وَعمل بِهِ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة من الصَّحَابَة، وَلم يظْهر على الْفُقَهَاء السَّبْعَة ومعاصريهم، فَلم يَكُونُوا يَقُولُونَ بِهِ، فَرَأى مَالك وَأَبُو حنيفَة هَذِه عِلّة قادحة فِي الحَدِيث، وَعمل بِهِ الشَّافِعِي.
وَمِنْهَا أَن أَقْوَال الصَّحَابَة جمعت فِي عصر الشَّافِعِي، فتكثرت، وَاخْتلف وتشعبت، وَرَأى كثيرا مِنْهَا يُخَالف الحَدِيث الصَّحِيح حَيْثُ لم يبلغهم، وَرَأى
السّلف لم يزَالُوا يرجعُونَ فِي مثل ذَلِك إِلَى الحَدِيث، فَترك التَّمَسُّك بأقوالهم مَا لم يتفقوا، وَقَالَ: هم رجال وَنحن رجال.
وَمِنْهَا أَنه رأى قوما من الْفُقَهَاء يخلطون الرَّأْي الَّذِي لم يسوغه الشَّرْع بِالْقِيَاسِ الَّذِي أثْبته، فَلَا يميزون وَاحِد مِنْهَا من الآخر، ويسمونه تَارَة بالاستحسان - وأعني بِالرَّأْيِ أَن ينصب مَظَنَّة حرج أَو مصلحَة عِلّة لحكم وَإِنَّمَا الْقيَاس أَن تخرج الْعلَّة من الحكم الْمَنْصُوص، ويدار عَلَيْهَا الحكم - فَأبْطل هَذَا النَّوْع أتم إبِْطَال، وَقَالَ من أستحسن: فانه أَرَادَ أَن يكون شَارِعا، حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب فِي - مُخْتَصر الْأُصُول - مِثَاله رشد الْيَتِيم أَمر خَفِي، فاقاموا مَظَنَّة الرشد وَهُوَ بُلُوغ خمس عشْرين سنة مقَامه، وَقَالُوا: إِذا بلغ الْيَتِيم هَذَا الْعُمر سلم إِلَيْهِ مَاله، قَالُوا: هَذَا اسْتِحْسَان، وَالْقِيَاس لَا يسلم إِلَيْهِ. وَبِالْجُمْلَةِ لما رأى فِي صَنِيع الْأَوَائِل مثل هَذِه الْأُمُور، أَخذ الْفِقْه من الرَّأْس، فَأَسَّسَ الْأُصُول، وَفرع الْفُرُوع، وصنف الْكتب فأجاد، وَأفَاد، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء، وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا، ثمَّ تفَرقُوا فِي الْبلدَانِ، فَكَانَ هَذَا مذهبا للشَّافِعِيّ وَالله أعلم.

بَاب الْفرق بَين أهل الحَدِيث وَأَصْحَاب الرَّأْي

اعْلَم أَنه كَانَ من الْعلمَاء فِي عصر سعيد بن الْمسيب وَإِبْرَاهِيم وَالزهْرِيّ، وَفِي عصر مَالك وسُفْيَان، وَبعد ذَلِك - قوم يكْرهُونَ الْخَوْض بِالرَّأْيِ، ويهابون الْفتيا والاستنباط إِلَّا لضَرُورَة لَا يَجدونَ مِنْهَا بدا، وَكَانَ أكبر هَمهمْ رِوَايَة حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سُئِلَ عبد الله بن مَسْعُود عَن شَيْء، فَقَالَ: إِنِّي لأكْره أَن أحل لَك شَيْئا حرمه الله عَلَيْك، أَو أحرم مَا أحله الله لَك. وَقَالَ معَاذ بن جبل: يَا أَيهَا النَّاس، لَا تعجلوا بالبلاء قبل
نُزُوله، فَإِنَّهُ لم يَنْفَكّ الْمُسلمُونَ أَن يكون فيهم من إِذا سُئِلَ سرد، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي كَرَاهَة التَّكَلُّم فِيمَا لم ينزل. وَقَالَ ابْن عمر لجَابِر بن زيد: إِنَّك من فُقَهَاء الْبَصْرَة، فَلَا تفت إِلَّا بقرآن نَاطِق أَو سنة مَاضِيَة، فَإنَّك إِن فعلت غير ذَلِك هَلَكت، وأهلكت وَقَالَ أَبُو النَّصْر - لما قدم أَبُو سَلمَة الْبَصْرَة - أَتَيْته أَنا وَالْحسن فَقَالَ لِلْحسنِ: أَنْت الْحسن؟ مَا كَانَ أحد بِالْبَصْرَةِ أحب إِلَى لِقَاء مِنْك، وَذَلِكَ أَنه بَلغنِي أَنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك، فَلَا تفت بِرَأْيِك إِلَّا أَن يكون سنة عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَو كتاب منزل. وَقَالَ ابْن الْمُنْكَدر: إِن الْعَالم يدْخل فِيمَا بَين الله وَبَين عباده، فليطلب لنَفسِهِ الْمخْرج. وَسُئِلَ الشّعبِيّ. كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ إِذا سئلتم؟ قَالَ: على الْخَبِير وَقعت كَانَ إِذا سُئِلَ الرجل قَالَ لصَاحبه: أفتهم، فَلَا يزَال حَتَّى يرجع إِلَى الأول، وَقَالَ الشّعبِيّ: مَا حدثوك هَؤُلَاءِ عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخذ بِهِ، وَمَا قَالُوهُ برأيهم، فألقه فِي الحش أخرج هَذِه الْآثَار عَن آخرهَا الدَّارمِيّ، فَوَقع شيوع تدوين الحَدِيث والأثر فِي بلدان الْإِسْلَام، وَكِتَابَة الصُّحُف والنسخ حَتَّى قل من يكون أهل الرِّوَايَة إِلَّا كَانَ لَهُ تدوين أَو صحيفَة أَو نُسْخَة من حَاجتهم لموقع عَظِيم، فَطَافَ من أدْرك من عظمائهم ذَلِك الزَّمَان بِلَاد الْحجاز وَالشَّام وَالْعراق، ومصر واليمن وخراسان، وجمعوا الْكتب، وتتبعوا النّسخ، وأمعنوا فِي التفحص عَن غَرِيب الحَدِيث ونوادر الْأَثر، فَاجْتمع باهتمام أُولَئِكَ من الحَدِيث والْآثَار مَا لم يجْتَمع لأحد قبلهم، وتيسر لَهُم مَا لم يَتَيَسَّر لأحد قبلهم، وخلص إِلَيْهِم من طرق الْأَحَادِيث شَيْء كثير حَتَّى كَانَ يكثر من الْأَحَادِيث عِنْدهم مائَة طَرِيق فَمَا فَوْقهَا، فكشف بعض الطّرق مَا استتر فِي بَعْضهَا الآخر، وَعرفُوا مَحل كل حَدِيث من الغرابة والاستفاضة، وَأمكن لَهُم النّظر فِي المتابعات والشواهد، وَظهر عَلَيْهِم أَحَادِيث صَحِيحَة
كَثِيرَة لم تظهر على أهل الْفَتْوَى من قبل. قَالَ الشَّافِعِي لِأَحْمَد: أَنْتُم أعلم بالأخبار الصَّحِيحَة منا، فَإِذا كَانَ خبر صَحِيح، فأعلموني حَتَّى أذهب إِلَيْهِ كوفيا كَانَ أَو بصريا أَو شاميا، حَكَاهُ ابْن الْهمام، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كم من حَدِيث صَحِيح لَا يرويهِ إِلَّا أهل بلد خَاصَّة كأفراد الشاميين والعراقيين أَو أهل بَيت خَاصَّة كنسخة بريد عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى، ونسخة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه
عَن جده، أَو كَانَ الصَّحَابِيّ مقلا خاملا لم يحمل عَنهُ إِلَّا شرذمة قَلِيلُونَ، فَمثل هَذِه الْأَحَادِيث يغْفل عَنْهَا عَامَّة أهل الْفَتْوَى، وَاجْتمعت عِنْدهم آثَار فُقَهَاء كل بلد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَكَانَ الرجل فِيمَا قبلهم لَا يتَمَكَّن إِلَّا من جمع حَدِيث بَلَده وَأَصْحَابه، وَكَانَ من قبلهم يعتمدون فِي معرفَة أَسمَاء الرِّجَال ومراتب عدالتهم مَا يخلص إِلَيْهِم من مُشَاهدَة الْحَال وتتبع الْقَرَائِن، وأمعن هَذِه الطَّبَقَة فِي هَذَا الْفَنّ وجعلوه شَيْئا مُسْتقِلّا بالتدوين والبحث، وناظروا فِي الحكم بِالصِّحَّةِ وَغَيرهَا، فانكشف عَلَيْهِم بِهَذَا التدوين والمناظرة مَا كَانَ خافيا من حَال الِاتِّصَال والانقطاع، وَكَانَ سُفْيَان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غَايَة الِاجْتِهَاد، فَلَا يتمكنون من الحَدِيث الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل إِلَّا من دون ألف حَدِيث كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد السجسْتانِي فِي رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة.
وَكَانَ أهل هَذِه الطَّبَقَة يروون أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث، فَمَا يقرب مِنْهَا بل صَحَّ عَن البُخَارِيّ أَنه اختصر صَحِيحه من سِتَّة آلَاف حَدِيث، وَعَن أبي دَاوُد أَنه اختصر سنَنه من خَمْسَة آلَاف حَدِيث، وَجعل أَحْمد مُسْنده ميزانا يعرف بِهِ حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا وجد فِيهِ وَلَو بطرِيق وَاحِد مِنْهُ فَلهُ أصل وَإِلَّا فَلَا أصل لَهُ، فَكَانَ رُءُوس هَؤُلَاءِ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَيزِيد بن هَارُون وَعبد الرَّزَّاق وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة ومسدد وهناد وَأحمد ين حَنْبَل وَإِسْحَق بن رَاهْوَيْةِ وَالْفضل بن دُكَيْن وَعلي الْمَدِينِيّ وأقرانهم.
وَهَذِه الطَّبَقَة هِيَ الطّراز الأول من طَبَقَات الْمُحدثين، فَرجع الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم بعد إحكام فن الرِّوَايَة وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْأَحَادِيث إِلَى الْفِقْه، فَلم يكن عِنْدهم من الرَّأْي أَن يجمع على تَقْلِيد رجل مِمَّن مضى مَعَ مَا يرَوْنَ من الْأَحَادِيث والْآثَار المناقضة فِي كل مَذْهَب من تِلْكَ الْمذَاهب، فَأخذُوا يتتبعون أَحَادِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآثار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمجتهدين على قَوَاعِد أحكموها فِي نُفُوسهم - وَأَنا أبينها لَك فِي كَلِمَات يسيرَة -.
كَانَ عِنْدهم أَنه إِذا وجد فِي الْمَسْأَلَة قُرْآن نَاطِق، فَلَا يجوز التَّحَوُّل مِنْهُ إِلَى غَيره، وَإِذا كَانَ الْقُرْآن مُحْتملا لوجوه فَالسنة قاضية عَلَيْهِ، فَإِذا لم يَجدوا فِي كتاب الله أخذُوا سنة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاء كَانَ مستفيضا دائرا بَين الْفُقَهَاء، أَو يكون مُخْتَصًّا بِأَهْل بلد أَو أهل بَيت أَو بطرِيق خَاصَّة، وَسَوَاء عمل بِهِ الصَّحَابَة وَالْفُقَهَاء، أَو لم يعملوا بِهِ، وَمَتى كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حَدِيث فَلَا يتبع فِيهِ خلاف أثر من الْآثَار، وَلَا اجْتِهَاد أحد من الْمُجْتَهدين، وَإِذا فرغوا جهدهمْ فِي تتبع الْأَحَادِيث، وَلم يَجدوا فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثا - أخذُوا بأقوال جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَلَا يتقيدون بِقوم دون قوم، وَلَا بلد دون بلد، كَمَا كَانَ يفعل من قبلهم، فَإِن اتّفق جُمْهُور الْخُلَفَاء وَالْفُقَهَاء على شَيْء فَهُوَ الْمقنع، وَإِن اخْتلفُوا أخذُوا بِحَدِيث أعلمهم علما وأورعهم ورعا أَو أَكْثَرهم ضبطا أَو مَا اشْتهر عَنْهُم، فَإِن وجدوا شَيْئا يَسْتَوِي فِيهِ قَولَانِ فَهِيَ مَسْأَلَة ذَات قَوْلَيْنِ، فَإِن عجزوا عَن ذَلِك أَيْضا تأملوا فِي عمومات الْكتاب وَالسّنة وإيما آتهما واقتضا آتهما، وحملوا نَظِير الْمَسْأَلَة عَلَيْهَا فِي الْجَواب إِذا كَانَتَا متقاربتين بادى الرَّأْي لَا يعتمدون فِي ذَلِك على قَوَاعِد من الْأُصُول، وَلَكِن على مَا يخلص إِلَى الْفَهم، ويثلج بِهِ الصَّدْر، كَمَا أَنه لَيْسَ ميزَان التَّوَاتُر عدد الروَاة، وَلَا حَالهم، وَلَكِن الْيَقِين الَّذِي يعقبه فِي قُلُوب النَّاس - كَمَا نبهنا على ذَلِك فِي بَيَان حَال الصَّحَابَة، وَكَانَت هَذِه الْأُصُول مستخرجة عَن صَنِيع الْأَوَائِل وتصريحاتهم، وَعَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ كَانَ أَبُو بكر
إِذا ورد عَلَيْهِ الْخصم نظر فِي كتاب الله، فَإِن وجد فِيهِ مَا يقْضِي بَينهم قضى بِهِ، وَإِن لم يكن فِي الْكتاب وَعلم من رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِك الْأَمر سنة قضى بهَا، فَإِن أعياه خرج، فَسَأَلَ الْمُسلمين وَقَالَ: أَتَانِي كَذَا وَكَذَا، فَهَل علمْتُم أَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى فِي ذَلِك بِقَضَاء؟ فَرُبمَا اجْتمع إِلَيْهِ النَّفر كلهم يذكر من رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَضَاء فَيَقُول أَبُو بكر الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا من يحفظ على نَبينَا. فَإِن أعياه أَن يجد فِيهِ سنة من رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع رُءُوس النَّاس وخيارهم، فاستشارهم فَإِذا اجْتمع رَأْيهمْ على أَمر قضى بِهِ.
وَعَن شُرَيْح أَن عمر بن الْخطاب كتب إِلَيْهِ إِن جَاءَك شَيْء فِي كتاب الله فَاقْض بِهِ، وَلَا يلفتك عَنهُ الرِّجَال، فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله، فَانْظُر سنة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاقْض بهَا، فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله، وَلم يكن فِي سنة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْظُر مَا اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس، فَخذ بِهِ، فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله، وَلم يكن فِي سنة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلم يتَكَلَّم فِيهِ أحد قبلك، فاختر أَي الْأَمريْنِ شِئْت إِن شِئْت أَن تجتهد بِرَأْيِك، ثمَّ تقدم، فَتقدم، وَإِن شِئْت أَن تتأخر، فَتَأَخر وَلَا أرى التَّأَخُّر إِلَّا خيرا لَك، وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: أَتَى علينا زمَان لسنا نقضي ولسنا هُنَالك، وَإِن الله قد قدر من الْأَمر أَن قد بلغنَا مَا ترَوْنَ، فَمن عرض لَهُ قَضَاء بعد الْيَوْم فليقض فِيهِ بِمَا فِي كتاب الله عز وَجل، فَإِن جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كتاب الله فليقضى بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِن جَاءَك مَا لَيْسَ فِي كتاب الله، وَلم يقْض بِهِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليقض بِمَا قضى بِهِ الصالحون وَلَا يقل إِنِّي أَخَاف وَأَنِّي أرى " فَإِن الْحَرَام بَين، والحلال بَين، وَبَين ذَلِك أُمُور مشتبهة، فدع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك " وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَن الْأَمر فَإِن كَانَ فِي الْقُرْآن أخبر بِهِ، وَإِن لم يكن فِي الْقُرْآن وَكَانَ عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بِهِ
وَإِن لم يكن فَعَن أبي بكر وَعمر، فَإِن لم يكن قَالَ فِيهِ بِرَأْيهِ. عَن ابْن عَبَّاس أما تخافون أَن تعذبوا، أَو يخسف بكم أَن تَقولُوا قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فلَان عَن قَتَادَة، قَالَ: حدث ابْن سِرين رجلا بِحَدِيث عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرجل: قَالَ فلَان: كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ابْن سِرين أحَدثك عَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتقول قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا. عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: كتب عمر ابْن عبد الْعَزِيز أَنه لَا رأى لأحد فِي كتاب الله وَإِنَّمَا رأى الْأَئِمَّة فِيمَا لم ينزل فِيهِ كتاب، وَلم تمض فِيهِ سنة من رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا رأى لأحد فِي سنة سنّهَا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول: يقوم عَن يسَاره، فَحَدَّثته عَن سميع الزيات عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَهُ عَن يَمِينه فَأخذ بِهِ عَن الشّعبِيّ، جَاءَهُ رجل يسْأَله عَن شَيْء فَقَالَ: كَانَ ابْن مَسْعُود يَقُول فِيهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَخْبرنِي أَنْت بِرَأْيِك، فَقَالَ أَلا تعْجبُونَ من هَذَا أخْبرته عَن ابْن مَسْعُود، ويسألني عَن رَأْيِي، وديني عِنْدِي أثر من ذَلِك، وَالله لِأَن أتغنى بأغنية أحب إِلَيّ من أَن أخْبرك برأيي، أخرج هَذِه الْآثَار كلهَا الدَّارمِيّ.
وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن أبي السَّائِب قَالَ: كُنَّا عِنْد وَكِيع، فَقَالَ لرجل مِمَّن ينظر فِي الرَّأْي: أشعر رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَقُول أَبُو حنيفَة: هُوَ مثله؟ قَالَ الرجل، فَإِنَّهُ قد رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: الْإِشْعَار مثله قَالَ: رَأَيْت وكيعا غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ: أَقُول لَك: قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتقول: قَالَ إِبْرَاهِيم، مَا أحقك بِأَن تحبس، ثمَّ لَا تخرج حَتَّى تنْزع عَن قَوْلك هَذَا، وَعَن عبد الله بن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجاهد وَمَالك بن أنس رَضِي الله عَنْهُم أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: مَا من أحد إِلَّا وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلَامه ومردود عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا مهدوا الْفِقْه على هَذِه الْقَوَاعِد، فَلم تكن مَسْأَلَة من الْمسَائِل الَّتِي تكلم فِيهَا من قبلهم وَالَّتِي وَقعت فِي زمانهم إِلَّا وجدوا فِيهَا حَدِيثا مَرْفُوعا مُتَّصِلا أَو مُرْسلا أَو مَوْقُوفا صَحِيحا أَو حسنا أَو صَالحا للاعتبار، أَو وجدوا أثرا من آثَار الشَّيْخَيْنِ أَو سَائِر الْخُلَفَاء وقضاة الْأَمْصَار وفقهاء الْبلدَانِ، أَو استنباطا من عُمُوم أَو إِمَاء أَو اقْتِضَاء، فيسر الله لَهُم الْعَمَل بِالسنةِ على هَذَا الْوَجْه، وَكَانَ أعظمهم شَأْنًا وأوسعهم رِوَايَة وأعرفهم للْحَدِيث مرتبَة واعمقهم فقها أَحْمد بن مُحَمَّد حَنْبَل، ثمَّ إِسْحَاق بن رهوية، وَكَانَ تَرْتِيب الْفِقْه على هَذَا الْوَجْه يتَوَقَّف على جمع شَيْء كثير من الْأَحَادِيث والْآثَار حَتَّى سُئِلَ أَحْمد يَكْفِي الرجل مائَة ألف حَدِيث حَتَّى يفنى؟ قَالَ: لَا حَتَّى قيل خَمْسمِائَة ألف حَدِيث قَالَ: أَرْجُو كَذَا فِي غَايَة الْمُنْتَهى وَمرَاده الافتاء على هَذَا الأَصْل.
ثمَّ أنشأ الله تَعَالَى قرنا آخر، فراوا أَصْحَابهم قد كفوا مُؤنَة جمع الْأَحَادِيث وتمهيد الْفِقْه على أصلهم، فتفرغوا للفنون أُخْرَى كتمييز الحَدِيث الصَّحِيح وَالْمجْمَع عَلَيْهِ بَين كبراء أهل الحَدِيث كزيد بن هرون وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَأحمد وَإِسْحَق وأضرابهم، وكجمع أَحَادِيث الْفِقْه الَّتِي بنى عَلَيْهَا فُقَهَاء الْأَمْصَار وعلماء الْبلدَانِ مذاهبهم، وكالحكم على كل حَدِيث بِمَا يسْتَحقّهُ، وكالشاذة والفاذة من الْأَحَادِيث الَّتِي لم يروها، أَو طرقها الَّتِي لم يخرجُوا من جِهَتهَا الْأَوَائِل مِمَّا فِيهِ اتِّصَال أَو علوا سَنَد أَو رِوَايَة فَقِيه عَن فَقِيه أَو حَافظ عَن حَافظ، وَنَحْو ذَلِك من المطالب العلمية، وَهَؤُلَاء هم البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَعبد بن حميد والدارمي وَابْن مَاجَه وَأَبُو يعلى وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ والخطيب والديلمي وَابْن عبد الْبر وأمثالهم، وَكَانَ أوسعهم علما عِنْدِي وأنفعهم تصنيفا وأشهرهم ذكرا رجال أَرْبَعَة متقاربون فِي الْعَصْر.
أَوَّلهمْ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ وَكَانَ غَرَضه تَجْرِيد الْأَحَادِيث الصِّحَاح المستفيضة الْمُتَّصِلَة من غَيرهَا، واستنباط الْفِقْه والسيرة وَالتَّفْسِير مِنْهَا، فصنف جَامعه الصَّحِيح، ووفى بِمَا شَرط، وبلغنا أَن رجل من الصَّالِحين رأى رَسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامه وَهُوَ يَقُول: مَالك اشتغلت بِفقه مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَتركت كتابي، قَالَ: يَا رَسُول الله وَمَا كتابك؟ قَالَ: صَحِيح البُخَارِيّ ولعمري أَنه نَالَ من الشُّهْرَة وَالْقَبُول دَرَجَة لَا يرام فَوْقهَا.
وثانيهم مُسلم النَّيْسَابُورِي، توخى تَجْرِيد الصِّحَاح الْمجمع عَلَيْهَا بَين الْمُحدثين الْمُتَّصِلَة المرفوعة مِمَّا يستنبط مِنْهُ السّنة، وَأَرَادَ تقريبها إِلَى الأذهان وتسهيل الاستنباط مِنْهَا، فرتب ترتيبا جيدا، وَجمع طرق كل حَدِيث فِي مَوضِع وَاحِد، ليتضح اخْتِلَاف الْمُتُون، وتشعب الاسانيد أصرح مَا يكون وَجمع بَين المختلفات فَلم يدع لمن لَهُ معرفَة لِسَان الْعَرَب عذرا فِي الْأَعْرَاض عَن السّنة إِلَى غَيرهَا.
وثالثهم أَبُو دَاوُد السجسْتانِي، وَكَانَ همته جمع الْأَحَادِيث الَّتِي اسْتدلَّ بهَا الْفُقَهَاء، ودارت فيهم، وَبنى عَلَيْهَا الْأَحْكَام عُلَمَاء الْأَمْصَار، فصنف سنَنه، وَجمع فِيهَا الصِّحَاح وَالْحسن واللين والصالح للْعَمَل، قَالَ أَبُو دَاوُد: مَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا أجمع النَّاس على تَركه، وَمَا كَانَ مِنْهَا ضَعِيفا صرح بضعفه، وَمَا كَانَ فِيهِ عِلّة بَينهَا بِوَجْه يعرفهُ الخائض فِي هَذَا الشَّأْن، وَترْجم على كل حدث بِمَا قد استنبط مِنْهُ عَالم، وَذهب إِلَيْهِ ذَاهِب، وَلذَلِك صرح الْغَزالِيّ وَغَيره بِأَن كِتَابه كَاف للمجتهد.
ورابعهم أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ، وَكَأَنَّهُ اسْتحْسنَ طَريقَة الشَّيْخَيْنِ حَيْثُ بَينا وَمَا أبهما، وَطَرِيقَة أبي دَاوُد حَيْثُ جمع كل مَا ذهب إِلَيْهِ ذَاهِب، مجمع كلتا الطريقتين وَزَاد عَلَيْهَا بَيَان مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار
فَجمع كتابا جَامعا وَاخْتصرَ طرق الحَدِيث اختصارا لطيفا، فَذكر وَاحِد، وَأَوْمَأَ إِلَى مَا عداهُ، وَبَين أَمر كل حَدِيث من أَنه صَحِيح أَو حسن أَو ضَعِيف، أَو مُنكر، وَبَين وَجه الضعْف، ليَكُون الطَّالِب على بَصِير من أمره، فَيعرف مَا يصلح للاعتبار عَمَّا دونه، وَذكر أَنه مستفيض أَو غَرِيب، وَذكر مَذَاهِب الصَّحَابَة وفقهاء الْأَمْصَار، وسمى من يحْتَاج إِلَى التَّسْمِيَة وكنى من يحْتَاج إِلَى الكنية، وَلم يدع خَفَاء لمن هُوَ من رجال الْعلم، وَلذَلِك يُقَال: إِنَّه كَاف للمجتهد مغن للمقلد.
وَكَانَ بِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ فِي عصر مَالك وسُفْيَان، وبعدهم قوم لَا يكْرهُونَ الْمسَائِل، وَلَا يهابون الْفتيا وَيَقُولُونَ: على الْفِقْه بِنَاء الدّين، فَلَا بُد من إشاعته، ويهابون رِوَايَة حَدِيث رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّفْع إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ الشّعبِيّ: على من دون النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إِلَيْنَا، فَإِن كَانَ فِيهِ زِيَادَة أَو نُقْصَان كَانَ على من دون النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيم أَقُول: قَالَ عبد الله، وَقَالَ عَلْقَمَة: أحب إِلَيْنَا، وَكَانَ ابْن مَسْعُود إِذا حدث عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَبد وَجهه، وَقَالَ: هَكَذَا أَو نَحْو هَكَذَا وَنَحْوه وَقَالَ عمر حِين بعث رهطا من الْأَنْصَار إِلَى الْكُوفَة: إِنَّكُم تأتون الْكُوفَة، فَتَأْتُونَ قوما لَهُم أزيز بِالْقُرْآنِ فيأتونكم فَيَقُولُونَ: قدم أَصْحَاب مُحَمَّد قدم أَصْحَاب مُحَمَّد، فيأتونكم فيسألونكم عَن الحَدِيث فأقلوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابْن عون: كَانَ الشّعبِيّ إِذا جَاءَهُ شَيْء اتَّقى، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول وَيَقُول: أخرج هَذِه الْآثَار الدِّرَامِي.
فَوَقع تدوين الحَدِيث وَالْفِقْه والمسائل من حَاجتهم بموقع من وَجه آخر وَذَلِكَ أَنه لم يكن عِنْدهم من الْأَحَادِيث والْآثَار مَا يقدرُونَ بِهِ على استنباط الْفِقْه على الْأُصُول الَّتِي اخْتَارَهَا أهل الحَدِيث، وَلم تَنْشَرِح صُدُورهمْ للنَّظَر فِي أَقْوَال عُلَمَاء الْبلدَانِ وَجَمعهَا والبحث عَنْهَا، واتهموا أنفسهم فِي ذَلِك
وَكَانُوا اعتقدوا فِي أئمتهم أَنهم فِي الدرجَة الْعليا من التَّحْقِيق، وَكَانَ قُلُوبهم أميل شَيْء إِلَى أصاحبهم كَمَا قَالَ عَلْقَمَة: هَل أحد مِنْهُم أثبت من عبد الله؟ وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِبْرَاهِيم أفقه من سَالم، وَلَوْلَا فضل الصُّحْبَة لَقلت: علقمه أفقه من ابْن عمر، وَكَانَ عِنْدهم من الفطانة والحدس وَسُرْعَة انْتِقَال الذِّهْن من شَيْء إِلَى شَيْء مَا يقدرُونَ بِهِ على تَخْرِيج جَوَاب الْمسَائِل على أَقْوَال أَصْحَابهم " وكل ميسر لما خلق لَهُ ".
{كل حزب بِمَا يهم فَرِحُونَ} .
فهمدوا الْفِقْه على قَاعِدَة التَّخْرِيج، وَذَلِكَ أَن يحفظ كل أحد كتاب من هُوَ لِسَان أَصْحَابه وأعرفهم بأقوال القَوْل وأصحهم نظرا فِي التَّرْجِيح، فيتأمل فِي كل مَسْأَلَة وَجه الحكم، فَكلما سُئِلَ عَن شَيْء، أَو احْتَاجَ إِلَى شَيْء رأى فِيمَا يحفظه من تصريحات أَصْحَابه، فَإِن وجد الْجَواب فِيهَا، وَإِلَّا نظر إِلَى عُمُوم كَلَامهم، فأجراه على هَذِه الصُّورَة، أَو إِشَارَة ضمنية لكَلَام، فاستنبط مِنْهَا ... ، وَرُبمَا كَانَ لبَعض الْكَلَام إِيمَاء أَو اقْتِضَاء يفهم الْمَقْصُود، وَرُبمَا كَانَ للمسألة الْمُصَرّح بهَا نَظِير يحمل عَلَيْهَا، وَرُبمَا نظرُوا فِي عِلّة الحكم الْمُصَرّح بِهِ بالتخريج أَو باليسر الْحَذف، فأداروا حكمه على غير الْمُصَرّح بِهِ، وَرُبمَا كَانَ لَهُ كلامان لَو اجْتمعَا على هَيْئَة الْقيَاس الاقتراني أَو الشرطي أنتجيا جَوَاب الْمَسْأَلَة، وَرُبمَا كَانَ فِي كَلَامهم مَا هُوَ مَعْلُوم بالمثال وَالْقِسْمَة غير مَعْلُومَة بِالْحَدِّ الْجَامِع الْمَانِع، فيرجعون إِلَى أهل اللِّسَان، ويتكلفون، فِي تَحْصِيل ذاتياته، وترتيب حد جَامع مَانع لَهُ، وَضبط مبهمه وتمييز مشكلة، وَرُبمَا كَانَ كَلَامهم مُحْتملا بِوَجْهَيْنِ فَيَنْظُرُونَ فِي تَرْجِيح أحد المحتملين، وَرُبمَا يكون تقريب الدَّلَائِل خفِيا، فيبينون ذَلِك، وَرُبمَا اسْتدلَّ بعض المخرجين من فعل أئمتهم وسكوتهم وَنَحْو ذَلِك، فَهَذَا هُوَ التَّخْرِيج
وَيُقَال لَهُ القَوْل الْمخْرج لفُلَان كَذَا، وَيُقَال على مَذْهَب فلَان، أَو على أصل فلَان، أَو على قَول فلَان جَوَاب الْمَسْأَلَة كَذَا وَكَذَا، وَيُقَال لهَؤُلَاء: المجتهدون فِي الْمَذْهَب، وعنى هَذَا الاحتهاد على هَذَا الأَصْل من قَالَ من حفظ الْمَبْسُوط كَانَ مُجْتَهدا، أَي وَإِن لم يكن لَهُ علم بِرِوَايَة أصلا، وَلَا بِحَدِيث وَاحِد فَوَقع التَّخْرِيج فِي كل مَذْهَب، وَكثر، فَأَي مَذْهَب كَانَ أَصْحَابه مشهورين وسد إِلَيْهِم الْقَضَاء والافتاء، واشتهر تصانيفهم فِي النَّاس، ودرسوا درسا ظَاهرا انْتَشَر فِي أقطار الأَرْض، وَلم يزل ينتشر كل حِين، واي مَذْهَب كَانَ أَصْحَابه خاملين، وَلم يولوا الْقَضَاء والافتاء وَلم يرغب فيهم النَّاس اندرس بعد حِين.

بَاب حِكَايَة حَال النَّاس قبل الْمِائَة الرَّابِعَة وَبعدهَا

اعْلَم أَن النَّاس كَانُوا قبل الْمِائَة الرَّابِعَة غير مُجْمِعِينَ على التَّقْلِيد الْخَالِص لمَذْهَب وَاحِد بِعَيْنِه، قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي قوت الْقُلُوب: إِن الْكتب والمجموعات محدثة، وَالْقَوْل بمقالات النَّاس، والفتيا بِمذهب الْوَاحِد من النَّاس، واتخاذ قَوْله، والحكاية لَهُ من كل شَيْء، والتفقه على مذْهبه - لم يكن النَّاس قَدِيما على ذَلِك فِي القرنين الأول وَالثَّانِي انْتهى.
أَقُول وَبعد القرنين حدث فيهم شَيْء من التَّخْرِيج غير أَن أهل الْمِائَة الرَّابِعَة لم يَكُونُوا مُجْتَمعين على التَّقْلِيد الْخَالِص على مَذْهَب وَاحِد والتفقه لَهُ والحكاية لقَوْله كَمَا يظْهر من التتبع، بل كَانَ فيهم الْعلمَاء والعامة، وَكَانَ من خير الْعَامَّة أَنهم كَانُوا فِي الْمسَائِل الاجماعية الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا بَين الْمُسلمين أَو جُمْهُور الْمُجْتَهدين لَا يقلدون إِلَّا صَاحب الشَّرْع، وَكَانُوا يتعلمون صفة الْوضُوء وَالْغسْل وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَنَحْو ذَلِك من آبَائِهِم أَو معلمي بلدانهم، فيمشون حسب ذَلِك، وَإِذا وَقعت لَهُم وَاقعَة استفتوا فِيهَا أَي مفت وجدوا من
غير تعْيين مَذْهَب، وَكَانَ من خبر الْخَاصَّة أَنه كَانَ من أهل الحَدِيث مِنْهُم يشتغلون بِالْحَدِيثِ، فيخلص إِلَيْهِم من أَحَادِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآثار الصَّحَابَة مَا لَا يَحْتَاجُونَ مَعَه شَيْء آخر فِي الْمَسْأَلَة من حَدِيث مستفيض أَو صَحِيح
قد عمل بِهِ بعض الْفُقَهَاء، وَلَا عذر لتارك الْعَمَل بِهِ، أَو أَقْوَال متظاهرة لجمهور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مِمَّا لَا يحسن مخالفتها فان لم يجد فِي الْمَسْأَلَة مَا يطمئن بِهِ قلبه لتعارض النَّقْل وَعدم وضوح التَّرْجِيح وَنَحْو ذَلِك - رَجَعَ إِلَى كَلَام بعض من مضى من الْفُقَهَاء، فَإِن وجد قَوْلَيْنِ اخْتَار أوثقهما سَوَاء كَانَ من أهل الْمَدِينَة أَو من أهل الْكُوفَة، وَكَانَ أهل التَّخْرِيج مِنْهُم يخرجُون فِيمَا لَا يجدونه مُصَرحًا، ويجتهدون فِي الْمَذْهَب، وَكَانَ هَؤُلَاءِ ينسبون إِلَى مَذْهَب أحدهم فَيُقَال: فلَان شَافِعِيّ، وَفُلَان حَنَفِيّ، وَكَانَ صَاحب الحَدِيث أَيْضا قد ينْسب إِلَى أحد الْمذَاهب لِكَثْرَة مُوَافَقَته لَهُ، كَالنَّسَائِيِّ وَالْبَيْهَقِيّ ينسبان إِلَى الشَّافِعِي، فَكَانَ لَا يتَوَلَّى الْقَضَاء وَلَا الْإِفْتَاء إِلَّا مُجْتَهدا، وَلَا يُسمى الْفَقِيه إِلَّا مُجْتَهدا.
ثمَّ بعد هَذِه الْقُرُون كَانَ نَاس آخَرُونَ ذَهَبُوا يَمِينا وَشمَالًا، وَحدث فيهم أُمُور مِنْهَا الجدل وَالْخلاف فِي علم الْفِقْه، وتفصيله - على مَا ذكره الْغَزالِيّ - أَنه لما انقرض عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين أفضت الْخلَافَة إِلَى قوم تولوها بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَلَا اسْتِقْلَال بِعلم الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَام، فاضطروا إِلَى الِاسْتِعَانَة بالفقهاء وَإِلَى استصحابهم فِي جَمِيع أَحْوَالهم، وَقد كَانَ بَقِي من الْعلمَاء من هُوَ مُسْتَمر على الطّراز الأول وملازم صفو الدّين، فَكَانُوا إِذا طلبُوا هربوا، وأعرضوا فَرَأى أهل تِلْكَ الْأَعْصَار عز الْعلمَاء وإقبال الْأَئِمَّة عَلَيْهِم مَعَ إعراضهم، فاشر أَبُو بِطَلَب الْعلم توصلا إِلَى نيل الْعِزّ ودرك الجاه، فَأصْبح الْفُقَهَاء بعد أَن كَانُوا مطلوبين طَالِبين، وَبعد أَن كَانُوا أعزة الْأَعْرَاض عَن السلاطين أَذِلَّة بالاقبال عَلَيْهِم، إِلَّا من وَفقه الله.
وَقد كَانَ من قبلهم قد صنف نَاس فِي علم الْكَلَام وَأَكْثرُوا القال والقيل والإيراد وَالْجَوَاب وتمهيد طَرِيق الجدل، فَوَقع ذَلِك مِنْهُم بموقع من قبل أَن كَانَ من الصُّدُور والملوك من مَالَتْ نَفسه إِلَى المناظرة فِي الْفِقْه وَبَيَان
الأولى من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رَحمَه الله، فَترك النَّاس الْكَلَام وفنون الْعلم، وَأَقْبلُوا على الْمسَائِل الخلافية بَين الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رَحمَه الله على الْخُصُوص، وتساهلوا فِي الْخلاف مَعَ مَالك وسُفْيَان وَأحمد بن حَنْبَل وَغَيرهم، وَزَعَمُوا أَن غرضهم استنباط دقائق الشَّرْع وَتَقْدِير علل الْمَذْهَب وتمهيد أصُول الْفَتَاوَى، وَأَكْثرُوا فِيهَا التصانيف والاستنباطات، ورتبوا فِيهَا أَنْوَاع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عَلَيْهِ إِلَى الْآن لسنا نَدْرِي مَا الَّذِي قدر الله تَعَالَى فِيمَا بعْدهَا من الْأَعْصَار انْتهى حَاصله. وَمِنْهَا أَنهم اطمأنوا بالتقليد، ودب التَّقْلِيد فِي صُدُورهمْ دَبِيب النَّمْل وهم لَا يَشْعُرُونَ، وَكَانَ سَبَب ذَلِك تزاحم الْفُقَهَاء وتجادلهم فِيمَا بَينهم فانهم لما وَقعت فيهم الْمُزَاحمَة فِي الْفَتْوَى كَانَ كل من أفتى بِشَيْء نوقض فِي فتواه، ورد عَلَيْهِ، فَلم يَنْقَطِع الْكَلَام إِلَّا بميسر إِلَى تَصْرِيح رجل من الْمُتَقَدِّمين فِي الْمَسْأَلَة.
وَأَيْضًا جور الْقُضَاة فان الْقُضَاة لما جَار أَكْثَرهم، وَلم يَكُونُوا أُمَنَاء لم يقبل مِنْهُم إِلَّا مَا يريب الْعَامَّة فِيهِ، وَيكون شَيْئا قد قيل من قبل.
وَأَيْضًا جهل رُءُوس النَّاس واستفتاء النَّاس من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ، وَلَا بطرِيق التَّخْرِيج كَمَا ترى ذَلِك ظَاهرا فِي أَكثر الْمُتَأَخِّرين، وَقد نبه عَلَيْهِ ابْن الْهمام وَغَيره، وَفِي ذَلِك الْوَقْت يُسمى غير الْمُجْتَهد فَقِيها.
وَمِنْهَا أَن أقبل أَكْثَرهم على التعمقات فِي كل فن، فَمنهمْ من زعم أَنه يؤسس علم أَسمَاء الرِّجَال وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، ثمَّ خرج من ذَلِك إِلَى التَّارِيخ قديمه وَحَدِيثه. .، وَمِنْهُم من تفحص عَن نَوَادِر الْأَخْبَار وغرائبها وَإِن دخلت فِي حد الْمَوْضُوع ... ، وَمِنْهُم من كثر القيل والقال فِي أصُول الْفِقْه، واستنبط كل لأصحابة قَوَاعِد جدلية، فأورد، فاستقصى، وَأجَاب، وتفصى، وَعرف، وَقسم، فحور طول الْكَلَام تَارَة وَتارَة أُخْرَى اختصر.،
وَمِنْهُم من ذهب إِلَى هَذَا بِفَرْض الصُّور المستبعدة الَّتِي من حَقّهَا أَلا يتَعَرَّض لَهَا عَاقل وبفحص العمومات والايماآت من كَلَام المخرجين فَمن دونهم مِمَّا لَا يرتضى استماعه عَالم وَلَا جَاهِل.
وفتنة هَذَا الجدل وَالْخلاف والتعمق قريبَة من الْفِتْنَة الأولى حِين تشاجروا فِي الْملك، وانتصر كل رجل لصَاحبه، فَكَمَا أعقبت تِلْكَ ملكا عَضُوضًا ووقائع صماء عمياء، فَكَذَلِك أعقبت هَذِه جهلا واختلاطا وشكوكا ووهما مَا لَهَا من أرجاء، فَنَشَأَتْ بعدهمْ قُرُون على التَّقْلِيد الصّرْف لَا يميزون الْحق من الْبَاطِل وَلَا الجدل عَن الاستنباط. .، فالفقيه يَوْمئِذٍ هُوَ الثرثار المتشدق الَّذِي حفظ أَقْوَال الْفُقَهَاء قويها وضعيفها من غير تَمْيِيز وسردها بشقشقة شدقية ... ، والمحدث من عد الْأَحَادِيث صحيحها وسقيمها وهذها كهذ الأسمار بِقُوَّة لحيية، وَلَا أَقُول ذَلِك كليا مطردا فَإِن لله طَائِفَة من عباده لَا يضرهم من خذلهم، وهم حجَّة الله فِي أرضه، وَإِن قلوا، وَلم يَأْتِ قرن بعد ذَلِك إِلَّا وَهُوَ أَكثر فتْنَة وأوفر تقليدا وَأَشد انتزاعا للامانة من صُدُور الرِّجَال حَتَّى اطمأنوا بترك الْخَوْض فِي أَمر الدّين وَبِأَن - يَقُولُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم متقدون - وَإِلَى الله المشتكى وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَبِه الثِّقَة وَعَلِيهِ التكلان.

فصل

وَمِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمقَام التَّنْبِيه على مسَائِل ضلت فِي بواديها الافهام وزلت الْأَقْدَام، وطغت الأقلام.
مِنْهَا أَن هَذِه الْمذَاهب الْأَرْبَعَة الْمُدَوَّنَة المحررة قد اجْتمعت الْأمة - أَو من يعْتد بِهِ مِنْهَا - على جَوَاز تقليدها إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَفِي ذَلِك من الْمصَالح مَا لَا يخفى لَا سِيمَا فِي هَذِه الْأَيَّام الَّتِي قصرت فِيهَا الهمم جدا، وأشربت النُّفُوس الْهوى وأعجب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ، فَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن حزم حَيْثُ قَالَ: التَّقْلِيد حرَام لَا يحل لأحد أَن يَأْخُذ قَول أحد غير رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا برهَان لقَوْله تَعَالَى:
{وَاتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء} .
وَقَوله تَعَالَى:
{وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} .
وَقَالَ مادحا لمن لم يُقَلّد:
{فبشر عبَادي الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه أُولَئِكَ الَّذين هدَاهُم الله وَأُولَئِكَ هم أولُوا الْأَلْبَاب} .
وَقَالَ تَعَالَى:
{فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وباليوم الآخر} .
فَلم يبح الله تَعَالَى الرَّد عِنْد التَّنَازُع إِلَى أحددون الْقُرْآن وَالسّنة، وَحرم بذلك الرَّد عِنْد التَّنَازُع إِلَى قَول قَائِل لِأَنَّهُ غير الْقُرْآن وَالسّنة، وَقد صَحَّ إِجْمَاع الصَّحَابَة كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَإِجْمَاع التَّابِعين أَوَّلهمْ عَن آخِرهم على الِامْتِنَاع وَالْمَنْع من أَن يقْصد مِنْهُم
أحد إِلَى قَول إِنْسَان مِنْهُم أَو مِمَّن قبلهم، فَيَأْخذهُ كلهم، فَليعلم من أَخذ بِجَمِيعِ أَقْوَال أبي حنيفَة، أَو جَمِيع أَقْوَال مَالك، أَو جَمِيع أَقْوَال الشَّافِعِي، أَو جَمِيع أَقْوَال أَحْمد رَضِي الله عَنْهُم، وَلم يتْرك قَول من اتبع مِنْهُم أَو من غَيرهم إِلَى قَول غَيره، وَلم يعْتَمد على مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن وَالسّنة غير صَارف ذَلِك إِلَى قَول إِنْسَان بِعَيْنِه - أَنه قد خَالف إِجْمَاع الْأمة كلهَا أَولهَا عَن آخرهَا بِيَقِين لَا إِشْكَال فِيهِ وَأَنه لَا يجد لنَفسِهِ سلفا، وَلَا إنْسَانا فِي جَمِيع الْأَعْصَار المحمودة الثَّلَاثَة، فقد اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نَعُوذ بِاللَّه من هَذِه الْمنزلَة.
وَأَيْضًا فَإِن هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء كلهم قد نهوا عَن تَقْلِيد غَيرهم، فقد خالفهم من قلدهم، وَأَيْضًا فَمَا الَّذِي جعل رجلا من هَؤُلَاءِ أَو من غَيرهم أولى أَن يُقَلّد من عمر بن الْخطاب أَو عَليّ بن أبي طَالب أَو ابْن مَسْعُود أَو ابْن عمر أَو ابْن عَبَّاس أَو عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَلَو سَاغَ التَّقْلِيد لَكَانَ كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ أَحَق بِأَن يتبع من غَيره انْتهى، إِنَّمَا يتم فِيمَن لَهُ ضرب من الِاجْتِهَاد وَلَو فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة، وفيمن ظهر عَلَيْهِ ظهورا بَيْننَا أَن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمر بِكَذَا، وَنهى عَن كَذَا، وَأَنه لَيْسَ بمنسوخ إِمَّا بِأَن يتتبع الْأَحَادِيث وأقوال الْمُخَالف والموافق فِي الْمَسْأَلَة، فَلَا يجد لَهَا نسخا، أَو بِأَن يرى جمعا غفيرا من المتبحرين فِي الْعلم يذهبون إِلَيْهِ، وَيرى الْمُخَالف لَهُ لَا يحْتَج إِلَّا بِقِيَاس أَو استنباط أَو نَحْو ذَلِك، فَحِينَئِذٍ لَا سَبَب لمُخَالفَة حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا نفاق خَفِي، أَو حمق جلي.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام حَيْثُ قَالَ:
وَمن الْعجب العجيب أَن الْفُقَهَاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مَأْخَذ إِمَامه بِحَيْثُ لَا يجد لضَعْفه مدفعا، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يقلده فِيهِ، وَيتْرك من شهد الْكتاب وَالسّنة والأقيسة الصَّحِيحَة لمذهبهم جمودا على تَقْلِيد إِمَامه، بل يتخيل لدفع ظَاهر الْكتاب وَالسّنة، ويتأولها بالتأويلات الْبَعِيدَة الْبَاطِلَة نضالا عَن مقلده.
وَقَالَ: لم يزَال النَّاس يسْأَلُون من اتّفق من الْعلمَاء من غير تَقْيِيد لمَذْهَب وَلَا إِنْكَار على أحد من السَّائِلين إِلَى أَن ظَهرت هَذِه الْمذَاهب ومتعصبوها من المقلدين، فَإِن أحدهم يتبع إِمَامه مَعَ بعد مذْهبه عَن الْأَدِلَّة مُقَلدًا لَهُ فِيمَا قَالَ كَأَنَّهُ نَبيا أرسل، وَهَذَا نأي عَن الْحق، وَبعد عَن الصَّوَاب لَا يرضى بِهِ أحد من أولى الْأَلْبَاب.
وَقَالَ الإِمَام أَبُو شامة: يَنْبَغِي لمن اشْتغل بالفقه أَلا يقْتَصر على مَذْهَب إِمَام، ويعتقد فِي كل مَسْأَلَة صِحَة مَا كَانَ أقرب إِلَى دلَالَة الْكتاب وَالسّنة المحكمة، وَذَلِكَ سهل عَلَيْهِ إِذا كَانَ أتقن مُعظم الْعُلُوم الْمُتَقَدّمَة، وليجتنب التعصب وَالنَّظَر فِي طرائق الْخلاف الْمُتَأَخِّرَة، فَإِنَّهَا مضيعة للزمان ولصفوة مكدرة، فقد صَحَّ عَن الشَّافِعِي أَنه نهى عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره.
قَالَ صَاحبه الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره: اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَمن معنى قَوْله: لأَقْرَب بِهِ على من أَرَادَ مَعَ إعلامية نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره، لينْظر فِيهِ لدينِهِ، ويحتاط لنَفسِهِ: أَي مَعَ إعلامي من أَرَادَ علم الشَّافِعِي نهى الشَّافِعِي عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره انْتهى.
وفيمن يكون عامياً، ويقلد رجلا من الْفُقَهَاء بِعَيْنِه يرى أَنه يمْتَنع من مثله الْخَطَأ، وَأَن مَا قَالَه هُوَ الصَّوَاب أَلْبَتَّة، وأضمر فِي قلبه أَلا يتْرك تَقْلِيده
وَإِن ظهر الدَّلِيل على خِلَافه، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن عدي بن حَاتِم أَنه قَالَ: سمعته - يَعْنِي رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ يقْرَأ.
{اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله} .
قَالَ: " إِنَّهُم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكنهُمْ كَانُوا إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذا حرمُوهُ عَلَيْهِم شَيْئا محرما " ... ، وفيمن لَا يجوز أَن يستفتي الْحَنَفِيّ مثلا فَقِيها شافعيا وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يجوز أَن يَقْتَدِي الْحَنَفِيّ بِإِمَام شَافِعِيّ مثلا، فَإِن هَذَا قد إِجْمَال الْقُرُون الأولى، وناقض الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَيْسَ محلّة فِيمَن لَا يدين إِلَّا بقول النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يعْتَقد حَلَالا إِلَّا مَا أحله الله وَرَسُوله، وَلَا حَرَامًا إِلَّا مَا حرمه الله وَرَسُوله، لَكِن لما لم يكن لَهُ علم بِمَا قَالَه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بطرِيق الْجمع بَين المختلفات من كَلَامه، وَلَا بطرِيق الاستنباط من كَلَامه اتبع عَالما راشدا على أَنه مُصِيب فِيمَا يَقُول، ويفتي ظَاهرا مُتبع سنة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِن خَالف مَا يَظُنّهُ أقلع من سَاعَته من غير جِدَال وَلَا إِصْرَار، فَهَذَا كَيفَ يُنكره أحد مَعَ أَن الاستفتاء والافتاء لم يزل بَين الْمُسلمين من عهد النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلَا فرق بَين أَن يستفتي هَذَا دَائِما، أَو يستفتى هَذَا حينا وَذَلِكَ حينا بعد أَن يكون مجمعا على مَا ذَكرْنَاهُ، كَيفَ لَا وَلم نؤمن بفقيه أيا كَانَ أَنه أوحى الله إِلَيْهِ الْفِقْه، وَفرض علينا طَاعَته، وَأَنه معصومة، فَإِن اقتدينا بِوَاحِد مِنْهُم فَذَلِك لعلمنا بِأَنَّهُ عَالم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله، فَلَا يخلوا قَوْله إِمَّا أَن يكون من صَرِيح الْكتاب وَالسّنة، أَو مستنبطا عَنْهُمَا بِنَحْوِ من الاستنباط، أَو عرف بالقرائن أَن الحكم فِي صُورَة مَا منوطة بعلة كَذَا، وَاطْمَأَنَّ قلبه بِتِلْكَ الْمعرفَة، فقاس غير الْمَنْصُوص على الْمَنْصُوص، فَكَأَنَّهُ يَقُول: ظَنَنْت
أَن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: - كلما وجدت هَذِه الْعلَّة فَالْحكم ثمَّة هَكَذَا - والمقيس مندرج فِي هَذَا الْعُمُوم، فَهَذَا أَيْضا معزى إِلَى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِن فِي طَرِيقه ظنون، وَلَوْلَا ذَلِك لما قلد مُؤمن بمجتهد، فَإِن بلغنَا حَدِيث عَن الرَّسُول الْمَعْصُوم الَّذِي فرض الله علينا طَاعَته بِسَنَد صَالح يدل على خلاف مذْهبه، وَتَركنَا حَدِيثه، وَاتَّبَعنَا ذَلِك التخمين فَمن أظلم منا، وَمَا عذرنا يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين.
وَمِنْهَا أَن التَّخْرِيج على كَلَام الْفُقَهَاء وتتبع لفظ الحَدِيث لكل مِنْهُمَا أصل أصيل فِي الدّين، وَلم يزل الْمُحَقِّقُونَ من الْعلمَاء فِي كل عصر يَأْخُذُونَ بهما، فَمنهمْ من يقل من ذَا وَيكثر وَمن ذَاك. .، وَمِنْهُم من يكثر من ذَا ويقل من ذَاك، فَلَا يَنْبَغِي أَن يهمل أَمر وَأحد مِنْهُمَا بالمرة كَمَا يَفْعَله عَامَّة الْفَرِيقَيْنِ، وَإِنَّمَا الْحق البحت أَن يُطَابق أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَأَن يجْبر خلل كل بِالْآخرِ، وَذَلِكَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: سنتكم وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، بَينهمَا، بَين الغالي والجافي، فَمن كَانَ من أهل الحَدِيث يَنْبَغِي أَن يعرض مَا اخْتَارَهُ، وَذهب إِلَيْهِ على رَأْي الْمُجْتَهدين من التَّابِعين، وَمن كَانَ من أهل التَّخْرِيج يَنْبَغِي لَهُ أَن يَجْعَل من السّنَن مَا يحْتَرز بِهِ من مُخَالفَة الصَّرِيح الصَّحِيح وَمن القَوْل بِرَأْيهِ فِيمَا فِيهِ حَدِيث أَو أثر بِقدر الطَّاقَة. وَلَا يَنْبَغِي لمحدث أَن يتعمق بالقواعد الَّتِي أحكمها أَصْحَابه، وَلَيْسَت مِمَّا نَص عَلَيْهِ الشَّارِع، فَيرد بِهِ حَدِيثا أَو قِيَاسا صَحِيحا كرد مَا فِيهِ أدنى شَائِبَة. الْإِرْسَال والانقطاع كَمَا فعله ابْن حزم، رد حَدِيث تَحْرِيم المعازف لشائبة الِانْقِطَاع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، على أَنه فِي نَفسه مُتَّصِل صَحِيح، فَإِن مثله إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد التَّعَارُض، وكقولهم: فلَان أحفظ لحَدِيث فلَان من غَيره، فيرجحون حَدِيثه على حَدِيث غَيره لذَلِك، وَإِن كَانَ فِي الآخر ألف وَجه من الرجحان.
وَكَانَ اهتمام جُمْهُور الروَاة عِنْد الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى برءوس الْمعَانِي دون الاعتبارات الَّتِي يعرفهَا المتعمقون من أهل الْعَرَبيَّة، فاستدلالهم بِنَحْوِ الْفَاء وَالْوَاو وَتَقْدِيم كلمة وتأخيرها وَنَحْو ذَلِك من التعمق، وَكَثِيرًا مَا يعبر الرَّاوِي الآخر عَن تِلْكَ الْقِصَّة، فَيَأْتِي مَكَان ذَلِك الْحَرْف بِحرف آخر، وَالْحق أَن كل مَا يَأْتِي بِهِ الرَّاوِي فَظَاهره أَنه كَلَام النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِن ظهر حَدِيث آخر أَو دَلِيل آخر وَجب الْمصير إِلَيْهِ.
وَلَا يَنْبَغِي لمخرج أَن يخرج قولا لَا يفِيدهُ نفس كَلَام أصَاحب، وَلَا يفهمهُ مِنْهُ أهل الْعرف وَالْعُلَمَاء باللغة، وَيكون بِنَاء على تَخْرِيج منَاط أَو حمل نَظِير الْمَسْأَلَة عَلَيْهَا مِمَّا يخْتَلف فِيهِ أهل الْوُجُوه وتتعارض الآراء، وَلَو أَن أَصْحَابه سئلوا عَن تِلْكَ الْمَسْأَلَة وَرُبمَا يحملون النظير على النظير كمانع، وَرُبمَا ذكرُوا عِلّة غير مَا خرجه هُوَ إِنَّمَا جَازَ التَّخْرِيج لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة من تَقْلِيد الْمُجْتَهد، وَلَا يتم إِلَّا فِيمَا يفهم من كَلَامه، وَلَا يَنْبَغِي أَن يرد حَدِيثا أَو أثرا تطابق عَلَيْهِ الْقَوْم لقاعدة أستخرجها هُوَ أَو أَصْحَابه كرد حَدِيث الْمُصراة وكأسقاط سهم ذَوي الْقُرْبَى، فَإِن رِعَايَة الحَدِيث أوجب من رِعَايَة تِلْكَ الْقَاعِدَة المخرجة وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ: مهما قلت من قَول أصلت من أصل فَبلغ عَن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلاف مَا قلت فَالْقَوْل مَا قَالَه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْهَا أَن تتبع الْكتاب والْآثَار لمعْرِفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على مَرَاتِب. أَعْلَاهَا أَن يحصل لَهُ من معرفَة الْأَحْكَام بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة من الْفِعْل مَا يتَمَكَّن بِهِ من جَوَاب المستفتين فِي الوقائع غَالِبا بِحَيْثُ يكون جَوَابه أَكثر مِمَّا يتَوَقَّف فِيهِ، وتخص باسم الِاجْتِهَاد، وَهَذَا الاستعداد يحصل تَارَة
بالإمعان فِي جَمِيع الرِّوَايَات وتتبع الشاذة والفاذة مِنْهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل مَعَ مَا لَا يَنْفَكّ من الْعَاقِل الْعَارِف باللغة من معرفَة مواقع الْكَلَام، وَصَاحب الْعلم بآثار السّلف من طَرِيق الْجمع بَين المختلفات وترتيب الاستدلالات وَنَحْو ذَلِك، وَتارَة بإحكام طرق التَّخْرِيج على مَذْهَب شيخ من مَشَايِخ الْفِقْه مَعَ معرفَة جملَة صَالِحَة من السّنَن والْآثَار بِحَيْثُ يعلم أَن قَوْله لَا يُخَالف الاجماع، وَهَذِه طَريقَة أَصْحَاب التَّخْرِيج وأوسطها من كلتا الطريقتين أَن يحصل لَهُ من معرفَة الْقُرْآن وَالسّنَن مَا يتَمَكَّن بِهِ من معرفَة رُءُوس مسَائِل الْفِقْه الْمجمع عَلَيْهَا بأدلتها التفصيلية، وَيحصل لَهُ غَايَة الْعلم بِبَعْض الْمسَائِل الاجتهادية من أدلتها وترجيح بعض الْأَقْوَال على بعض وَنقد التخريجات وَمَعْرِفَة الْجيد والزيف، وَإِن لم يتكامل لَهُ الأدوات كَمَا يتكامل للمجتهد الْمُطلق، فَيجوز لمثله أَن يلفق من المذهبين إِذا عرف دليلهما، وَعلم أَن قَوْله لَيْسَ مِمَّا لَا ينفذ فِيهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهد، وَلَا يقبل فِيهِ قَضَاء القَاضِي، وَلَا يجْرِي فِيهِ فَتْوَى الْمُفْتِينَ، وَأَن يتْرك بعض التخريجات الَّتِي سبق النَّاس إِلَيْهَا إِذا عرف عدم صِحَّتهَا، وَلِهَذَا لم يزل الْعلمَاء مِمَّن لَا يَدعِي الِاجْتِهَاد الْمُطلق يصنفون، ويرتبون، وَيخرجُونَ، ويرجحون، وَإِذا كَانَ الِاجْتِهَاد يتَجَزَّأ عِنْد الْجُمْهُور والتخريج يتَجَزَّأ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود تَحْصِيل الظَّن، وَعَلِيهِ مدَار التَّكْلِيف فَمَا الَّذِي يستبعد من ذَلِك، وَأما دون ذَلِك من النَّاس فمذهبه فِيمَا يرد عَلَيْهِ كثيرا مَا أَخذه عَن أَصْحَابه وآبائه وَأهل بَلَده من الْمذَاهب المتبعة، وَفِي الوقائع النادرة فَتَاوَى مفتيه، وَفِي القضايا مَا يحكم القَاضِي، وعَلى هَذَا وجدنَا محققي الْعلمَاء من كل مَذْهَب قَدِيما وحديثا، وَهُوَ الَّذِي وصّى بِهِ أَئِمَّة الْمذَاهب أصاحبهم.
- وَفِي اليواقيت والجواهر - أَنه روى عَن أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: لَا يَنْبَغِي لمن لم يعرف دليلي أَن يُفْتِي بكلامي، وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ إِذا أفتى يَقُول هَذَا رَأْي النُّعْمَان بن ثَابت يَعْنِي نَفسه وَهُوَ أحسن مَا قَدرنَا عَلَيْهِ فَمن جَاءَ بِأَحْسَن مِنْهُ فَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ، وَكَانَ الإِمَام مَالك
رَضِي الله عَنهُ يَقُول: مَا من أحد إِلَّا وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلَامه ومردودا عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول: إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي، وَفِي رِوَايَة إِذا رَأَيْتُمْ كَلَامي يُخَالف الحَدِيث فاعملوا بِالْحَدِيثِ، وأضربوا بكلامي الْحَائِط، وَقَالَ يَوْمًا للمزني: يَا إِبْرَاهِيم لَا تقلدني فِي كل مَا أَقُول، وَانْظُر فِي ذَلِك لنَفسك فَإِنَّهُ دين، وَكَانَ رَضِي الله عَنهُ يَقُول: لَا حجَّة فِي قَول أحددون رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِن كَثُرُوا، وَلَا فِي قِيَاس وَلَا فِي شَيْء، وَمَا ثمَّ إِلَّا طَاعَة الله وَرَسُوله بِالتَّسْلِيمِ، وَكَانَ الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ يَقُول: لَيْسَ لأحد مَعَ الله وَرَسُوله كَلَام، وَقَالَ أَيْضا لرجل: لَا تقلدني وَلَا تقلدن مَالِكًا، وَلَا الأوزعي، وَلَا النَّخعِيّ، وَلَا غَيرهم، وَخذ الْأَحْكَام من حَيْثُ أخذُوا من الْكتاب وَالسّنة لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُفْتِي إِلَّا أَن يعرف أقاويل الْعلمَاء فِي الْفَتَاوَى الشَّرْعِيَّة وَيعرف مذاهبهم فَإِن سُئِلَ عَن مَسْأَلَة يعلم أَن الْعلمَاء الَّذين يتَّخذ مَذْهَبهم قد اتَّفقُوا عَلَيْهِ، فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز وَهَذَا لَا يجوز وَيكون قَوْله على سَبِيل الْحِكَايَة وَإِن كَانَت مَسْأَلَة قد اخْتلفُوا فِيهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز فِي قَول فلَان، وَفِي قَول فلَان لَا يجوز، وَلَيْسَ لَهُ أَن يخْتَار فيجيب بقول بَعضهم، مَا لم يعرف حجَّته، وَعَن أبي يُوسُف وَزفر وَغَيرهمَا رَحِمهم الله أَنهم قَالُوا: لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن قُلْنَا، قيل لعصام بن يُوسُف رَحمَه الله: إِنَّك تكْثر الْخلاف لأبي حنيفَة رَحمَه الله قَالَ: لِأَن أَبَا حنيفَة أُوتِيَ من الْفَهم مَا لم نُؤْت، فَأدْرك بفهمه مَا لم ندركه، وَلَا يسعنا أَن نفتي بقوله مَا لم نفهم. عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه سُئِلَ مَتى يحل للرجل أَن يُفْتِي؟ قَالَ مُحَمَّد: إِذا كَانَ صَوَابه أَكثر من خطئه؛ عَن أبي بكر الإسكاف البخلى أَنه سُئِلَ عَن عَالم فِي بَلَده لَيْسَ هُنَاكَ أعلم مِنْهُ هَل يَسعهُ أَلا يُفْتِي؟ قَالَ: إِن كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد، فَلَا يَسعهُ
قيل: كَيفَ يكون من أهل الِاجْتِهَاد؟ قَالَ: أَن يعرف وُجُوه الْمسَائِل، ويناظر أقرانه إِذا خالفوه قيل: أدنى الشُّرُوط للِاجْتِهَاد حفظ الْمَبْسُوط انْتهى. وَفِي الْبَحْر الرَّائِق عَن أبي اللَّيْث قَالَ: سُئِلَ أَبُو نصر عَن مَسْأَلَة وَردت عَلَيْهِ مَا تَقول رَحِمك الله وَقعت عنْدك كتب أَرْبَعَة، كتاب إِبْرَاهِيم بن رستم، وأدب القَاضِي من الْخصاف، وَكتاب الْمُجَرّد، وَكتاب النَّوَادِر من جِهَة هِشَام هَل يجوز لنا أَن نفتي مِنْهَا أَولا، وَهَذِه الْكتب محمودة عنْدك؟ فَقَالَ مَا صَحَّ عَن أَصْحَابنَا فَذَلِك علم مَحْبُوب مَرْغُوب بِهِ مرضِي عَنهُ، وَأما الْفتيا فَإِنِّي لَا أرى لأحد أَن يُفْتِي بِشَيْء لَا يفهمهُ، وَلَا يحمل أثقال النَّاس، فَإِن كَانَت مسَائِل قد اشتهرت، وَظَهَرت، وانجلت عَن أَصْحَابنَا رَجَوْت أَن يسع لي الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا، وَفِيه أَيْضا لَو احتجتم أَو أغتاب فَظن أَنه يفطره، ثمَّ أكل إِن لم يستفت فَقِيها وَلَا بلغَة الْخَبَر، فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ مُجَرّد جهل، وَأَنه لَيْسَ بِعُذْر فِي دَار الْإِسْلَام، وَإِن استفتى فَقِيها، فأفتاه لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ لِأَن الْعَاميّ يجب عَلَيْهِ تَقْلِيد الْعَالم إِذا كَانَ يعْتَمد على فتواه، فَكَانَ مَعْذُورًا فِيمَا صنع، وَإِن كَانَ الْمُفْتِي مخطئا فِيمَا أفتى، وَإِن لم يستفت وَلَكِن بلغه الْخَبَر وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أفطر الحاجم والمحجوم " وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: " الْغَيْبَة تفطر الصَّائِم " وَلم يعرف النّسخ، وَلَا تَأْوِيله لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ عِنْدهمَا لِأَن ظَاهر الحَدِيث وَاجِب الْعَمَل بِهِ خلافًا لأبي يُوسُف لِأَنَّهُ لَيْسَ للعامي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ، وَلَو لمس امْرَأَة أَو قبلهَا بِشَهْوَة أَو أكتحل " فَظن أَن ذَلِك يفْطر، ثمَّ أفطر فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة إِلَّا إِذا أستفتى فَقِيها، فأفتاه بِالْفطرِ، أَو بلغه خبر فِيهِ، وَلَو نوى الصَّوْم قبل الزَّوَال، ثمَّ أفطر لم يلْزمه الْكَفَّارَة عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ خلافًا
لَهما كَذَا فِي الْمُحِيط. وَقد علم من هَذَا أَن مَذْهَب الْعَاميّ فَتْوَى مفتية، وَفِيه أَيْضا فِي بَاب قَضَاء الْفَوَائِت إِن كَانَ عاميا لَيْسَ لَهُ مَذْهَب معِين فمذهبه فَتْوَى مفتية كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، فَإِن أفتاه حَنَفِيّ أعَاد الْعَصْر وَالْمغْرب، وَإِن أفتاه شَافِعِيّ، فَلَا يعيدهما وَلَا عِبْرَة بِرَأْيهِ وَإِن لم يستفت أحدا، أَو صَادف الصِّحَّة على مَذْهَب مُجْتَهد أَجزَأَهُ وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ، قَالَ ابْن الصّلاح: من وجد من الشَّافِعِيَّة حَدِيثا يُخَالف مذْهبه نظر أَن كملت لَهُ آلَة الِاجْتِهَاد مُطلقًا، أَو فِي ذَلِك الْبَاب، أَو الْمَسْأَلَة، كَانَ لَهُ الِاسْتِقْلَال بِالْعَمَلِ بِهِ، وَإِن لم يكمل وشق مُخَالفَة الحَدِيث بعد أَن يبْحَث، فَلم يجد للمخالفة جَوَابا شافعيا عَنهُ - فَلهُ الْعَمَل بِهِ إِن كَانَ عمل بِهِ إِمَام مُسْتَقل غير الشَّافِعِي، وَيكون هَذَا عذرا لَهُ فِي ترك مَذْهَب أَمَامه هَهُنَا، وَحسنه النَّوَوِيّ وَقَررهُ.
وَمِنْهَا أَن أَكثر صور الِاخْتِلَاف بَين الْفُقَهَاء لَا سِيمَا فِي الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا أَقْوَال الصَّحَابَة فِي الْجَانِبَيْنِ كتكبيرات التَّشْرِيق، وتكبيرات الْعِيدَيْنِ، وَنِكَاح الْمحرم، وَتشهد ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود، والاخفاء بالبسملة وبآمين والاشفاع والايتار فِي الاقامة وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا هُوَ فِي تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ. وَكَانَ السّلف لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أصل المشروعية، وَإِنَّمَا كَانَ خلافهم فِي أولى الْأَمريْنِ وَنَظره اخْتِلَاف الْقُرَّاء فِي وُجُوه الْقِرَاءَة.
وَقد عللوا كثيرا من هَذَا الْبَاب بِأَن الصَّحَابَة مُخْتَلفُونَ وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا على الْهدى، وَلذَلِك لم يزل الْعلمَاء يجوزون فَتَاوَى الْمُفْتِينَ فِي الْمسَائِل الاجتهادية، ويسلمون قَضَاء الْقُضَاة، ويعملون فِي بعض الأحيان بِخِلَاف مَذْهَبهم، وَلَا ترى أَئِمَّة الْمذَاهب فِي هَذِه الْمَوَاضِع إِلَّا وهم يضجعون القَوْل، ويبينون الْخلاف، يَقُول أحدهم، هَذَا أحوط، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار، وَهَذَا أحب إِلَيّ، وَيَقُول: مَا بلغنَا إِلَّا ذَلِك، وَهَذَا كثير فِي الْمَبْسُوط. وآثار مُحَمَّد رَحمَه الله وَكَلَام الشَّافِعِي رَحمَه الله. ثمَّ خلف من بعدهمْ قوم اختصروا كَلَام الْقَوْم، فقووا الْخلاف، وثبتوا على مُخْتَار أئمتهم، وَالَّذِي يروي من السّلف من تَأْكِيد الْأَخْذ
بِمذهب أَصْحَابهم، وَألا يخرج مِنْهَا بِحَال، فَإِن ذَلِك إِمَّا لأمر جبلي، فَإِن كل إِنْسَان يحب مَا هُوَ مُخْتَار أَصْحَابه وَقَومه حَتَّى فِي الزي والمطاعم، أَو لصولة ناشئة من مُلَاحظَة الدَّلِيل، أَو لنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب، فَظن الْبَعْض تعصبا دينيا حاشاهم من ذَلِك، وَقد كَانَ فِي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من يقْرَأ الْبَسْمَلَة، وَمِنْهُم من لَا يقْرؤهَا، وَمِنْهُم من يجْهر بهَا، وَمِنْهُم من لَا يجْهر بهَا وَكَانَ مِنْهُم من يقنت فِي الْفجْر، وَمِنْهُم من لَا يقنت فِي الْفجْر، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من الْحجامَة والرعاف والقيء، وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من من ذَلِك، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من مس الذّكر وَمَسّ النِّسَاء بِشَهْوَة، وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ مِمَّا مسته النَّار، وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من أكل لُحُوم الأبل، وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك.
وَمَعَ هَذَا فَكَانَ بَعضهم يُصَلِّي خلف بعض مثل مَا كَانَ أَبُو حنيفَة أَو أَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم رَضِي الله عَنْهُم يصلونَ خلف أَئِمَّة الْمَدِينَة من الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وَإِن كَانُوا لَا يقرءُون الْبَسْمَلَة لَا سرا وَلَا جَهرا، وَصلى الرشيد إِمَامًا وَقد احْتجم، فصلى الْأَمَام أَبُو يُوسُف خَلفه وَلم يعد، وَكَانَ الإِمَام أَحْمد ين حَنْبَل يرى الْوضُوء من الرعاف والحجامة فَقيل لَهُ: فَإِن كَانَ الإِمَام قد خرج مِنْهُ الدَّم، وَلم يتَوَضَّأ هَل تصلي خَلفه؟ فَقَالَ: كَيفَ لَا أُصَلِّي خلف الإِمَام مَالك وَسَعِيد بن الْمسيب. وروى أَن أَبَا يُوسُف ومحمدا كَانَا يكبران فِي الْعِيدَيْنِ تَكْبِير ابْن عَبَّاس لِأَن هَارُون الرشيد كَانَ يحب تَكْبِير جده. وَصلى الشَّافِعِي رَحمَه الله الصُّبْح قَرِيبا من مَقْبرَة أبي حنيفَة رَحمَه الله، فَلم يقنت تأدبا مَعَه، وَقَالَ أَيْضا: رُبمَا انحدرنا إِلَى مَذْهَب أهل الْعرَاق. وَقَالَ مَالك رَحمَه الله للمنصور وَهَارُون الرشيد مَا ذكرنَا عَنهُ سَابِقًا، وَفِي الْبَزَّازِيَّة وَعَن الإِمَام الثَّانِي - وَهُوَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله - أَنه صلى يَوْم الْجُمُعَة مغتسلا من الْحمام، وَصلى بِالنَّاسِ وَتَفَرَّقُوا، ثمَّ أخبر
بِوُجُود فارة ميتَة فِي بِئْر الْحمام فَقَالَ: إِذا نَأْخُذ بقول أخوانا من أهل الْمَدِينَة إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا، انْتهى. وَسُئِلَ الإِمَام الخجندى رَحمَه الله عَن رجل شَافِعِيّ الْمَذْهَب ترك صَلَاة سنة أَو سنتَيْن، ثمَّ انْتقل إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله، كَيفَ يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء، أيقضيها على مَذْهَب الشَّافِعِي أَو على مَذْهَب أبي حنيفَة؟ فَقَالَ: على أَي المذهبين قضى بعد أَن يعْتَقد جَوَازهَا جَازَ، انْتهى. وَفِي جَامع الْفَتَاوَى أَنه أَن قَالَ حَنَفِيّ إِن تزوجت فُلَانُهُ فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا، ثمَّ استفتى شافعيا، فَأجَاب أَنَّهَا لَا تطلق وَيَمِينه بَاطِل، فَلَا بَأْس باقتدائه بالشافعي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، لِأَن كثيرا من الصَّحَابَة فِي جَانِبه. قَالَ مُحَمَّد رَحْمَة فِي أَمَالِيهِ: لَو أَن فَقِيها قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق أَلْبَتَّة، وَهُوَ مِمَّن يَرَاهَا ثَلَاثًا، ثمَّ قضى عَلَيْهِ قَاض بِأَنَّهَا رَجْعِيَّة، وَسعه الْمقَام مَعهَا، وَكَذَا كل فصل مِمَّا يخْتَلف فِيهِ الْفُقَهَاء من تَحْرِيم أَو تَحْلِيل أَو إِعْتَاق أَو أَخذ مَال أَو غَيره، يَنْبَغِي للفقيه الْمقْضِي عَلَيْهِ الْأَخْذ بِقَضَاء القَاضِي ويدع رَأْيه، وَيلْزم نَفسه مَا ألزم القَاضِي، وَيَأْخُذ مَا أعطَاهُ، قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله: وَكَذَلِكَ رجل لَا علم لَهُ، ابْتُلِيَ ببلية، فَسَأَلَ عَنْهَا الْفُقَهَاء، فأفتوه فِيهَا بحلال أَو بِحرَام، وَقضى عَلَيْهِ قَاضِي الْمُسلمين بِخِلَاف ذَلِك، وَهِي مِمَّا يخْتَلف فِيهِ الْفُقَهَاء، فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْخُذ بِقَضَاء القَاضِي، ويدع مَا أفتاه الْفُقَهَاء. انْتهى.
وَمِنْهَا أَنِّي وجدت بَعضهم يزْعم أَن جَمِيع مَا يُوجد فِي هَذِه الشُّرُوح الطَّوِيلَة وَكتب الْفَتَاوَى الضخمة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه، وَلَا يفرق بَين القَوْل الْمخْرج، وَبَين مَا هُوَ قَول الْحَقِيقَة، وَلَا يحصل معنى قَوْلهم على تَخْرِيج الْكَرْخِي كَذَا، وعَلى تَخْرِيج الطَّحَاوِيّ كَذَا، وَلَا يُمَيّز بَين قَوْلهم: قَالَ أَبُو حنيفَة: كَذَا، وَبَين قَوْلهم جَوَاب الْمَسْأَلَة على مَذْهَب أبي حنيفَة أَو على أصل أبي حنيفَة كَذَا، وَلَا يصغي إِلَى مَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ من الحنفيين كَابْن الْهمام وَابْن النجيم فِي مَسْأَلَة الْعشْر فِي الْعشْر، وَمثله مَسْأَلَة اشْتِرَاط الْبعد من
المَاء ميلًا فِي التَّيَمُّم، وأمثالهما - أَن ذَلِك من تخريجات الْأَصْحَاب وَلَيْسَ مذهبا من الْحَقِيقَة، وَبَعْضهمْ يزْعم أَن بِنَاء الْمَذْهَب على هَذِه المحاورات الجدلية الْمَذْكُورَة فِي مَبْسُوط السَّرخسِيّ وَالْهِدَايَة والتبيين وَنَحْو ذَلِك، وَلَا يعلم أَن أول من أظهر ذَلِك فيهم الْمُعْتَزلَة، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بِنَاء مَذْهَبهم، ثمَّ استطاب ذَلِك الْمُتَأَخّرُونَ توسعا وتشحيذا لأذهان الطالبين وَلَو لغير ذَلِك وَالله أعلم، وَهَذِه الشُّبُهَات والشكوك يحل كثير مِنْهَا مِمَّا مهدناه فِي هَذَا الْبَاب.
وَمِنْهَا أَنِّي وجدت بَعضهم يزْعم أَن بِنَاء الْخلاف بن أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله على هَذِه الْأُصُول الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْبَزْدَوِيّ وَنَحْوه، وَإِنَّمَا الْحق أَن أَكْثَرهَا أصُول مخرجة على قَوْلهم: وَعِنْدِي أَن الْمَسْأَلَة القائلة بِأَن الْخَاص مُبين، وَلَا يلْحقهُ بَيَان، وَأَن الزِّيَادَة نسخ، وَأَن الْعَام قَطْعِيّ كالخاص، وَأَن لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الرِّوَايَة، وَأَنه لَا يجب الْعَمَل بِحَدِيث غير الْفَقِيه إِذا انسد بَاب الرَّأْي، وَأَن لَا عِبْرَة بِمَفْهُوم الشَّرْط وَالْوَصْف أصلا وَأَن مُوجب الْأَمر هُوَ الْوُجُوب أَلْبَتَّة: وأمثال ذَلِك أصُول مخرجة على كَلَام الْأَئِمَّة، وَأَنه لَا تصح بهَا رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وصاحبيه، وَأَنه لَيست الْمُحَافظَة عَلَيْهَا والتكلف فِي جَوَاب مَا يرد عَلَيْهِ من صنائع الْمُتَقَدِّمين فِي استنباطاتهم كَمَا يَفْعَله البزدوى وَغَيره أَحَق م